a
منتديات قبيلة كنانة منتديات قبيلة كنانة منتديات قبيلة كنانة منتديات قبيلة كنانة
 

 

 

آخر 10 مشاركات
تراثيات قبيلة كنانة (الكاتـب : إبراهيم إسحق جمعه جدو - )           »          قبيلة كنانة بدارفور (الكاتـب : إبراهيم إسحق جمعه جدو - )           »          الأشراف آل فلاح (الفلاحي) (الكاتـب : الفلاحي - )           »          مشجرة قبيلة الفلحة وجدهم نجاع الفلاحي (الكاتـب : آل قطبي الحسني - آخر مشاركة : الفلاحي - )           »          اضف اسمك في شجرة منتدى قبيلة كنانه (الكاتـب : خلاف الغفاري - آخر مشاركة : محمد الشويلي - )           »          عشيرة الحنيطيين في الأردن (الكاتـب : راشد مرشد - )           »          `•.¸¸.•´´¯`••._.• (ياعيون الكون غُضّي بالنظر )`•.¸¸.•´´¯`••._.• (الكاتـب : بوح المشاعر - )           »          تسجيل مزاحم .. علي العضلي ! (ابيات وقصيده) (الكاتـب : علي العضلي - آخر مشاركة : ذيب الفلا - )           »          تستري ياعيون محبوبي (الكاتـب : الشاعر أحمد الهلالي - آخر مشاركة : ذيب الفلا - )           »          قصيدة دينيه . عساها تكون للجنه سبب لدخولنا فيها ، الشاعر يحيى الزنبحي (الكاتـب : يحيى الزنبحي - آخر مشاركة : ذيب الفلا - )


العودة   منتديات قبيلة كنانة > المنتديات العامة > نادي كنانة الأدبي > مكتبة كنانة
التسجيل مـكـتـبـة بـنـي كـنـانـة التعليمـــات البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

مكتبة كنانة مكتبة عامة بها المفيد من الكتب المتنوعة

كتاب نفح العود في سيرة دولة الشريف حمود

مكتبة كنانة

كتاب نفح العود في سيرة دولة الشريف حمود

نفح العود في سيرة دولة الشريف حمود تأليف العلامة الشيخ عبد الرحمن بن أحمد البهكلي الضمدي (1182هـ ــــ 1248هـ )

إنشاء موضوع جديد  إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 31-10-2010, 11:46 PM   رقم المشاركة: 1
مشرف سابق

الصورة الرمزية آل قطبي الحسني



رقـم العضـوية 14
تاريخ التسجيل Mar 2010
عدد المشاركات 5,596
القبيلة نحن بنو يعلى من كنانة=رأس المضريين وفرسانها
مكان الإقامة إمارة بني يعلى
المهنة طالب
 
 
آل قطبي الحسني غير متواجد حالياً

افتراضي كتاب نفح العود في سيرة دولة الشريف حمود

نفح العود
في
سيرة دولة الشريف حمود



تأليف


العلامة الشيخ عبد الرحمن بن أحمد البهكلي الضمدي


(1182هـ ــــ 1248هـ )



تكملة


العلامة الشيخ الحسن بن أحمد عاكش الضمدي


(1220هـ ــــ 1290هـ )



دراسة وتحقيق وتعليق


الشيخ محمد بن أحمد العقيلي ــ جازان




ترجمة لمؤلف المخطوطة


الشيخ عبد الرحمن بن أحمد بن الحسن البهكلي


1182-1768هـ/ 1248هـ -1832م

هو آخر نجم طلع في سماء معارف تلك الأسرة ، وخاتمه من عرف من مؤلفيهم، ولولا مجهود علامة المنطقة في القرن الثالث عشر الشيخ حسن بن أحمد بن عبد الله الملقب ( نفح العود)
ولد علامتنا النحرير في مدينة صبيا في سنة1182هـ/ 1768م والتي أنجبت من العلماء والمؤرخين والأدباء والشعراء قديماً وحديثاً العدد الوفير ، والجم الغفير.
وبعد أن حفظ القرآن الكريم أخذ عن والده مبادئ الفقه والنحو ، ومفتيه الشيخ أحمد بن عبد الله الضمدي ، وبعد أن أرتشف من أفاويق علمه ، وعب من معين معارفه ، رحل إلى مدينة صنعاء طلباً للاستزادة ورغبة في إتمام الاستفادة ، فتلقى عن شيوخها شتى معارف عصره وفي مقدمتهم علامة اليمن الشيخ محمد بن علي الشوكاني ، فدرس الفقه والحديث والنحو والصرف والمنطق والمعاني والبيان والأصول والتفسير ، ويقول عنه شيخ مشايخه محمد بن علي الشوكاني : وعاد إلى وطنه وقد برع في كل ذلك في أقرب مدة لحسن فهمه وجودة تصوره وكمال إدراكه... الخ .
ثم ولى وظيفة القضاء في مدينة ( بيت الفقيه ) في تهامة اليمن في سنة 1211هـ/ 1796م. فاتخذها دار إقامة ولحق به بعض جماعته من المخلاف السليماني فاستوطنوها .

( أثاره الأدبية )

له شعر من النسق الرفيع، والطراز المنمق الجميل ، متفرق في كتب التراجم والأدب والتواريخ ومن شعره في شيخه الشيخ محمد بن علي الشوكاني:
فتى لا وحق الله لولا قيامه



بباب العلى والمجد لم يتجدد


وأبلج ما من آله وقبيله



على قلة السادات من لم يسود


وذو سلف ما فيهم من مذمم




لئيم ، ولا في غيرهم من محمد


وأيمن أن تصدع به الفقر ينقلب



غنياً ، وان تصدم به النحس يسعد



وقوله :
فديتك يا من ألبس الدهر أزرعاً



بنظم يروع الجيش عن كل مطلب


نماك الأولى خطت أسنة ذبلهم



سطوراً لمحمر النجيع المترب


إذا النقع غطى آية الشمس أطلعت




أسنتهم شهباً على كل أشهب





مؤلفاته

من أشهر مؤلفاته كتاب ( نفح العود) في أخبار دولة الشريف حمود ، وهو كتاب حفظ لنا تاريخ اثني عشر سنة تعد من أهم وأحفل سنوات تاريخ جنوب الجزيرة العربية ، تشتمل على سريان إشعاع النهضة السلفية على المنطقة ، وامتداد نفوذ الدولة السعودية الأولى على جهاتها ، ودخول أمير المنطقة حمود بن محمد بن أحمد الخيراتي في الطاعة ، ثم توسع النفوذ السعودي على تهامة اليمن إلى قرب باب المندب ، بل وصول نفوذها السياسي إلى حجة وجبل (كوكبان ) فترة من الوقت ، وقد توقف المؤلف في تاريخه إلى نهاية عام 1225هـ/ 1810م- كما أفادنا في المقدمة – تلميذه الشيخ حسن بن أحمد بن عبد الله فأكمله إلى سنة 1233هـ/ 1817م- راجع ص315 والحاشية عليها.
وله عدد من المؤلفات القيمة الأخرى نوردها فيما يلي:
1-كتاب تيسير اليسير بشرح المجتبى من السنن الكبرى .
2-الالتفات في معرفة رجال الأمهات.
3-الأفاويق بمعرفة رجال التعاليق.
4-كتاب الأنساب أشار إليه في ص9من مخطوط([1]) نفح العود .
5-كتاب في تراجم أعيان القرن الثالث عشر ، أشار إليه في كتاب نفح العود ص161 وما بعدها.
ولعل في هذه الكلمة ما يلقى الضوء على حياة عالمنا الجليل تغمده الله برحمته.

ملاحظة :
جاء في ترجمة مؤلف نفح العود في كتاب البدر الطالع ص318جـ1 ما خلاصته : أن الشيخ عبد الرحمن البهكلي قدم إلى صنعاء للمرة الثالثة في شهر رمضان سنة 1211هـ/ 1796م فاستقر بها نحو نصف سنة وبعدها أنيطت به وظيفة قضاء مدينة بيت الفقيه خلفاً لقاضيها المتوفى عبد الفتاح العواجي، وأنه لا يزال بها في وظيفة القضاء أي - إلى حال تسطير ترجمته
----------------------------------------------
([1]) انظر ص148 من كتابنا هذا وصحة اسم الكتاب ( انساب أشراف المخلاف).

في كتاب البدر الطالع- وأن كنا لا نعلم تاريخ تسجيله للترجمة وإنما من المعروف أن الشيخ الشوكاني توفي في جمادي الآخرة سنة 1250هـ/ 1834م والشيخ البهكلي توفي قبله في شهر شعبان سنة 1248هـ/ 1832م أي أن البهكلي توفي قبل الشوكاني بسنة وتسعة أشهر – ومع ذلك فلم يشير الشيخ الشوكاني إلى سنة وفاته عند الترجمة.
أما مؤلف حدائق الزهر الشيخ حسن بن أحمد بن عبد الله عاكش فقد ترجم له ترجمة مطوله – نسبياً- وقد ذكر ما أورده الشوكاني عن تولي الشيخ البهكلي لوظيفة القضاء في مدينة بيت الفقيه ، كما أشار أنه ارتحل إليه من جهتنا إلى بيت الفقيه حيث يقول أنه :
عندما تأهل لطلب العلم قرأ عليه علوم الآلة ، نحوا وصرفا ومنطقا وبياناً ، كما قرأ عليه في الفقه والأصول وغير ذلك فإذا عرفنا أن الحسن بن أحمد ولد آخر سنة 1221هـ/ 1806م فيكون رحل إليه إلى بيت الفقيه وعمره تقريباً 17 سنة – أي في سنة 1238هـ 1822م وليكون على وجه التقدير أنه ظل لديه للدراسة خمس سنوات أي إلى سنة 1243هـ/ 1827م ثم عاد الشيخ حسن بن أحمد إلى وطنه وفي سنة 1246هـ/ 1830م استدعاه شيخه البهكلي للوصول إليه في بيت الفقيه فتوجه من وطنه المخلاف السليماني بطريق البحر إلى زبيد وبوصوله إلى مدينة زبيد ، لم يتمكن من السفر إلى بيت الفقيه فتبادل معه الرسائل كتابة.




إضافة جديدة للطبعة الثانية


عن المؤلف

عرفنا أن شيخنا عبد الرحمن البهكلي – رحمه الله – ولي قضاء مدينة بيت الفقيه سنة 1211هـ وأنه مكث هناك – كما ذكر الشيخ محمد بن علي الشوكاني في كتابه البدر الطالع ص118جـ1.
كما يؤكد ذلك صاحب كتاب حدائق الزهر – مخطوط – بقوله أنه رحل إليه لطلب العلم في مدينة بيت الفقيه واستنتجنا أن ذلك كان في سنة 1238هـ وكما ذكر عاكش في كتابه حدائق الزهر أن الشيخ البهكلي استدعاه للوصول إليه في مدينة بيت الفقيه سنة 1246هـ ، فهل نفهم من ذلك أن الشيخ البهكلي لم يغادر مدينة بيت الفقيه عدة مرات ثم عاد إليه ، ولم يشير أي مصدر من المصادر التي ترجمت له مثل البدر الطالع وحدائق الزهر وعقود الدرر ونيل الوطر إلى ذلك .
لقد ورد في كتاب الجواهر اللطاف – مخطوط- في حوادث سنة 1217هـ - عرضاً- عند ذكر معركة ضمد أن الجيش السعودي توجه معه بالقاضي عبد الرحمن البهكلي أسيرا إلى الدرعية ، ويذكر الشيخ البهكلي أيضاً كتابه نفح العود أنه حج([2]) واتفق في مكة بـ(عبد الرحمن بن عبد العزيز بن محمد آل سعود ) والشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب. ولم يذكر شيئاً عن ذلك الأسر وأن كان يتبادر إلى الفكر انه بعد أسره ووصوله إلى الدرعية أكرم وأطلق سراحه وأدى فريضة الحج.
فهل الأسير هو نفسه علامتنا الشيخ عبد الرحمن بن أحمد بن الحسن بن علي البهكلي ، أو عمه عبد الرحمن بن الحسن بن علي البهكلي قاضي أبي
---------------------------------------------------
([1]) أشار إلى ذلك في حوادث سنة 1218هـ - عرضا- عند ذكر وفاة الإمام عبد العزيز بن محمد

عريش المولود سنة 1148هـ والمتوفى سنة 1224هـ ، فإن في هذه الأسرة من العلماء ثلاث شخصيات علمية عرفت باسم (عبد الرحمن ) وهم .
1-عبد الرحمن بن الحسن بن علي البهكلي سنة 1148هـ- 1224هـ وهو مؤلف كتاب نزهة الظريف في حوادث دولة أولاد الشريف .
2-عبد الرحمن بن أحمد بن الحسن البهكلي سنة 1182هـ -1248هـ مؤلف نفح العود .
3-عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الرحمن بن الحسن .
والأخير لم نقف له على ترجمة فيما تحت أيدينا من المصادر بيد أن خاله وابن عم أبيه الشيخ عبد الرحمن بن أحمد بن الحسن ذكر اسمه في رسالة جوابية إلى السيد أحمد بن إدريس ، أجاب الحسن ذكر اسمه في رسالة جوابية إلى السيد أحمد بن إدريس أجاب عليه حين وصلت إليه سهواً لتشابه الاسمين في حالة أن الأول وهو مؤلف كتاب نفح العود مقيم في مدينة بيت الفقيه والأخير في مدينة أبي عريش ، فبعد أن وصلت الرسالة وقرأها عرف أنها جوابية مرسلة إلى قريبه صاحب أبي عريش لا إليه فأعادها إلى السيد الإدريسي مع رسالة نوردها في غير هذا المكان قائلا (... لعل الكتاب إليكم من ولدي عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الرحمن صاحب أبي عريش ، فهو ولد كبدي ، وكتف عضدي لأني خاله ، وأبوه أبن عمي ، فجعل الله الاجتماع في الاسم سبباً لوصول هذه البشرى إلي ، وحصولاً للذكرى لدي ....)
فكيف نوفق عمليا بين ما ورد وفي المصادر السالفة من إشغاله وظيفة القضاء واستقراره في مدينة بيت الفقيه من سنة 1211هـ إلى حال وفاته سنة 1248هـ ، وبين أنه اسر بعد معركة ضمد سنة 1217هـ وسيق أسيراً إلى الدرعية وليس أمامنا إلا أمرين:
1-أما أن يكون وصل من بيت الفقيه إلى المخلاف السليماني في زيارة قصيرة لوطنه والتعهد بأبناء عمومته وذويه في سنة 1217هـ فوقعت معركة ضمد وهو هناك ووقع في الأسر وبوصول السرية به إلى الدرعية أطلق سراحه وأكرم مثواه وأدى في طريق رجوعه فريضة الحج وعاد إلى وظيفته في مدينة بيت الفقيه .
2-أن يكون الأسير الذي سبق إلى الدرعية هو عمه عبد الرحمن بن الحسن البهكلي قاضي مدينة أبي عريش وأن عبد الرحمن بن أحمد حج حجة الإسلام من بيت الفقيه في تلك السنة . وقد يكون عند غيري من المعلومات الوافية عنهما ما ليس عندي والله المستعان.


نمط من ترسل علامتنا


الشيخ عبد الرحمن بن أحمد البهكلي

رسالة من عبد الرحمن بن أحمد بن الحسن البهكلي إلى السيد أحمد بن إدريس الحسني الهاشمي .
مهد عاكش للرسالة بقوله : وبعد استقراره – الضمير راجع للإدريسي – في مدينة صبيا وصلة هذا النثر العجيب ، والنظم الغريب من شيخنا ووالدنا الحافظ عبد الرحمن بن أحمد البهكلي صاحب بيت الفقيه والسبب أنه لم يتهيأ له الاتفاق به مدة قامته باليمن لعارض ، وكان يرتجي أن يمضي إليه إلى بيت الفقيه لأنها الطريق المسلوكة ، فلم يقدر ذلك وهذا لفظ الكتاب.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وأني أحمد إليك الله الذي جعل مشكاة الهداية ، ونبراس الوراثة المحمدية التي بلغت بها الولاية ، وصلى الله وسلم على نبي الرحمن ’ وشفيع الأمة ، صاحب المقام المحمود حين يتضاءل عنه أهل الورود ، وعلى آله وأصحابه وأتباعه.
وبعد فإنه وصل إلي كتاب كريم معنوناً باسمي ، ففتحته عملاً بظاهر العنوان ، وسرحت طرفي في جنانه ذات الأفنان ، وأحيا الله به القلب الميت ، وشرح به الصدر فعثرت في أثناء قراءتي له على ما به ، لأنه جواب عن كتاب قد صدر مني وعلمي أنه لم يصدر مني كتاب ، لقصوري عن مواجهتكم بشيء من الخطاب واقتصاري على التقاء ما يرد من فوائد كم على السنة الواصلين إلينا من ذلك الجناب ، ولعل الكتاب إليكم من ولدي عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الرحمن بن حسن البهكلي صاحب أبي عريش ، فهو ولد كبدي ، وكتف عضدي لأني خاله ، وأبوه ابن عمي فجعل الله الاجتماع في الرحم والاسم سبباً لوصول هذه البشرى إلي وحصولاً للذكرى لدي ، وهو سر الأرواح جنود مجندة ... التقارب الروحاني ، ولقد سمع الرسالة الواصلة منكم بعض الإخوان الذي هو لكم من أخص الأحباب ، فأنشد القصيدة ، شاكراً لله على هذه الحصة ، فقال:
علمت شوقنا إليها فزارت



وأشارت أن تم ود صحيح


راعها إذ رأت جفانا فأغضت



وكذا يفعل الحبيب الصفوح


نزلت خير منزل في ربانا



ولها عن كتابة تصريح


عبرت في الهوى على حي ليلى



ولها في الهوى بهم تبريح


فاستعارت أنفاسها وهي تسرى



فعلاها منهم أريج مريح


عطرت كل منزل نزلته



فهي تسعى وكل ند يفوح


علمتنا بلطفها كيف نأتي



دارها وهي عن ربانا تريح


وارتنا قرب المنازل لما



رفعت الحجب فالديار تلوح


فتراءت ديار أهل المصلى



للمحبين والدموع سفوح


فتراءت ديار أهل المصلى



للمحبين والدموع سفوح


سارعوا نحوها الخطى وأناخوا



فاستراحوا بوصلها وأريحوا


شاهدوا العفو والرضا وتعافى



قلب صب بهم محب جريح


عاينوا حين عاينوا صفوة الله



فيوضاً فيها لهم ترويح


حضرة القانت الإمام المفدى



من على كل قانت له الترجيح


حضرة تحضر الملائك فيها



ولهم في مجالها تسبيح


فهناك الأرواح أفضل حمد الله



بالحمد تغتدي وتروح؟



وكانت آمالنا طافحة وأشواقنا غادية رائحة ، أن يكون من زبيد طريقكم علينا وجه خاطركم الشريف فما راعنا إلا أن قالوا ضرب الإمام طريق الساحل ، وخلفكم وراءه ، فخاب رجاء الأمل فقمنا نتمثل بما قد قاله من قبلنا في هذه القصيدة ، وعلمنا أن الفل والخير بالحصة
أيها السائر سر في دعة



أينما سرت فما منك خلف


إنما أنت سحاب ماطر



حيثما صرفه الله انصرف


ليت شعري أي قوم أجدبوا



فأغيثوا بك من بعد تلف


ساقك الله إليهم رحمة



وحرمناك لذنب قد سلف



على أن هذه البلدة التي رحمها الله بك وجعلها مهاجراً لأهل الله بسببك هي:

بلاد بها نيطت علي تمائمي وأول أرض مس جلدي ترابها

وما زلت أحن إليه ، لأن الرجل يحن إلى مسقط رأسه ، وما علمت أن الله خبأ لها هذا الفضل العظيم بطلوع الأنوار المحمدية ، وتنزلات الرحمات السرمدية ، وحمدت الله لأهلها ورجوت أن لا يرحمني من خصائص تلك الرحمة وفضلها ، وأدع لي بخير الدارين ، واجعلني على ذكر منك ذكرك الله فيمن عنده والسلام.

-----------------------------------------------

ترجمة لصاحب التكملة


( الشيخ الحسن بن أحمد بن عبد الله الضمدي )


" الملقب بعاكش"([3])

عالم المخلاف السليماني – غير مدافع – في القرن الثالث عشر " ولد سنة 1221هـ -1806م " وتلقى علومه على ما ينوف على أحد عشر عالماً من علماء المخلاف السليماني ، حتى استوعب ما لديهم من معارف ، ثم رحل إلى مكة المكرمة ودرس على علمائها ، ومن ثم عاد إلى وطنه ثم والي سيرة للطلب والاستزادة إلى (بيت الفقيه) ثم (زبيد) فـ(صنعاء ) فدرس على عالم عصره الشيخ محمد بن علي الشوكاني وغيره ، وعاد إلى وطنه وقد استكمل واستوعب جل معارف عصره ، وكانت عودته في عهد إمارة الشريف علي بن حيدر الخيراتي ، فاحتفى بصحبته ابنه الحسن بن علي بن حيدر الذي كان ينوب عن والده تارة في المخلاف السليماني وأخرى في القسم الشمالي من تهامة اليمن – راجع كتابنا المخلاف السليماني الفصلين الخاصين بالأمير علي بن حيدر وابنه الحسين بن علي.
وعندما توسعت إمارة الحسين بن علي بن حيدر ، بضمة إليها تهامة اليمن إلى ما وراء زبيد ، استصحبه الأمير إلى زبيد ليباهي به علمائها ، ويباري به أدباءها ، فكان لعالمنا جولات وصولات في ميدان الأدب والشعر والبيان- راجع الدراسة المسهبة عن هذا العالم الجليل في كتابنا ( أضواء على الأدب والأدباء في منطقة جازان) الجزء الأول المطبوع سنة (1400هـ- 1979م) .
-----------------------------------------------
([1] ) راجع البحث المسهب والترجمة الموسعة في كتابنا ( أضواء على الأدب والأدباء ) ص36جـ1.

وبعد تسلم الأتراك للبلاد من الحسين بن علي وصدور الأمير بترحيله إلى الأستانة، وبوصوله خير من المكان الذي يرغب الإقامة به ، فاختار (مكة) وظل بها إلى أن أدركته الوفاة .
وبقي عالمنا في مدينة أبي عريش مناراً للهداية ومدرسة للعلم يؤم داره الطلاب من أبناء المنطقة ومن البلاد المجاورة.
وعندما شمل نفوذ محمد بن عائض المنطقة كان عالمنا محل عطفه وتقديره ، فمدحه بغرر القصائد وألف له رسالة باسم ( الدر الثمين في مناقب أمير المسلمين ).
وبعد استعادة الأتراك لجنوب الجزيرة ومن ضمنها منطقة جازان ، ظل في مدينة أبي عريش على رأس مدرسته مع القيام بالإرشاد والإفتاء حتى أدركته الوفاة([4]). وكان محل تقدير ولاة الأتراك([5]).


(مؤلفاته وآثاره العلمية )

1-كتاب ( روض الأزهار شرح نظم المدخل في علمي المعاني والبيان).
2-نزهة الأبصار – استوعب فيه ما في كتاب ( السيل الجرار) لشيخه محمد بن علي الشوكاني.
3-الديباج الخسرواني في ذكر أعيان المخلاف السليماني .
------------------------------------------------------
([1] ) اختلف في تاريخ وفاته فقيل عام 1289هـ وقيل غير ذلك .
([1] ) من محتويات المكتبة العلمية العقيلية بجازان – أربعة وثائق تاريخية تخص الشيخ وأخاه إسماعيل نورد صورها بعد هذا للحقيقة والتاريخ .

4-الذهب المسبوك في سيرة سيد الملوك- أرجح أنه هو نفس كتاب الديباج الخسرواني .
5-حدائق الزهر في ذكر أشياخ الدهر.
6-عقود الدرر في تراجم القرن الثالث عشر .
7-تفسير لآي الذكر الحكيم.
8-مجموعة من شعره ومراسلات (مجلد).
9-آثار عليمة وأدبية متفرقة في عدد من مؤلفات عصره.

وبعد فهذا إعلان بيد نائب الشرع القاضي حسن بن أحمد وأخيه المفتي إسماعيل وأولادهم وإخوانهم ومن يلوذ بهم جميعاً ..... إن لهم الإجلال والإكرام والرعاية والاحترام حسب ما يليق بجانب العلماء من أمثالهم على ما بيدهم ملك ووقف من التمسكات لاسيما وهم قائمين بخدمة الشريعة المطهرة وبذلك الجهد في النصح للدولة العلمية يعلم ذلك كل واقف عليه من الأمراء بتاريخ شهر شوال سنة 1288هـ

الختم
ولي باشا

-------------------------------------------------

بسم الله الرحمن الرحيم

من الحسن بن محمد إلى أخيه القاضي العلامة الذروة الفهامة شرف الإسلام حسن بن أحمد بن عبد الله سلمه الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد حمد الله حق حمده والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه ، صدره للسلام ... وتأكيد الوداد ..... والرسالة العظمى وصلت وبحبل المودة اتصلت ..... رعاك الله أن الخط الأول وما فيه فهو على الغرض ولقد أفدت جزاك الله خيراً ... وأخيك ما استقر ... إلا أنه على الغرض .... أكره أن تعرض على مثل هذا وأقوى ما حملني .... التي هي بترياق داء الجهل وما لمحت إليه ... ثم لم نطلب منكم انجاز الوعد على الوجه الذي افترقنا عليه فأنا والله حاذر أمور أعظمها في جانبك فإني ....لسهام الألسن ، وعسى الله يقدر الاتفاق على أحسن وفاق ويتبع .... هذا الجهل ، وإن كنت لا تحتاج إلى إعادة ، نعم أدام الله علكم النعم وافر القسم ( ) بيد الأخ أحمد بن علي عواجي وبيده النصف الأخير من القاموس وهو أقل من النصف دخل علينا جزأين الأول إلى باب العين ..... والآخر يصادف وصوله وأنتم .... الاعتناء بتصليحه كما تراه يليق ولكم الفضل في احتمال المشقة ، وتفضلوا وعجلوا .... بل المقطوع به .... أدام الله علاه ..... لا عذر .... القاموس بعد وقد عرفتوه بوصول النسخة وما تحتاج من تصليح ما هو مانعه ..... تحضر النسخة حقناً لأجل المقابلة وتفضلوا عجلوا لنا ذلك أعادكم الله بالحسنى وصدرت ربع شدة بياض من الموجود والبياض قليل وعلى كل حال... هذا وسلم على من حواه مقامكم الشريف ..... الأخ الجمالي والأخ العزي وشريف السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الختم
الحسن بن محمد
ملاحظة : هذا ما استطعنا نسخه من الأصل المشوش الغير واضح وصورة الخطاب بالصفحة المقابلة.


نفح العود
في
سيرة دولة الشريف حمود


تأليف


العلامة الشيخ عبد الرحمن بن أحمد البهكلي


تكملة


العلامة الشيخ الحسن بن أحمد عاكش


دراسة وتحقيق وتعليق

الشيخ محمد بن أحمد العقيلي



([1]) انظر ص148 من كتابنا هذا وصحة اسم الكتاب ( انساب أشراف المخلاف).
([2]) أشار إلى ذلك في حوادث سنة 1218هـ - عرضا- عند ذكر وفاة الإمام عبد العزيز بن محمد
([3] ) راجع البحث المسهب والترجمة الموسعة في كتابنا ( أضواء على الأدب والأدباء ) ص36جـ1.
([4] ) اختلف في تاريخ وفاته فقيل عام 1289هـ وقيل غير ذلك .
([5] ) من محتويات المكتبة العلمية العقيلية بجازان – أربعة وثائق تاريخية تخص الشيخ وأخاه إسماعيل نورد صورها بعد هذا للحقيقة والتاريخ .

-------------------------------------------------------------------

تــابع



;jhf ktp hgu,] td sdvm ],gm hgavdt pl,]












التوقيع

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
الشيخ:/ محمد بن حسين بن بيطلي بن حسين أبوعطله العامري
شيخ شمل قبيلة بني يعلا بوادي يبه

 
آخر مواضيعي

0 من الذي باع أراضي فلسطين لليهود ؟ سمسار اسرائيلي يؤرخ ويروي الأسماء !
0 محامي الجيزاوي: موكلي مغرر به وسأطعن بالإجراءات وانسحب إذا رفض طلبي
0 مقتدى الصدر الرافضي يلتقي معارضين بحرينيين في إيران
0 زيارة الملك سعود بن عبد العزيز للأردن على ظهر جواد عام 1933
0 الداخلية تكشف تورُّط الزنادي في إطلاق النار بالعوامية وتقبض عليه مصاباً


التعديل الأخير تم بواسطة آل قطبي الحسني ; 01-11-2010 الساعة 12:25 AM
عرض البوم صور آل قطبي الحسني   رد مع اقتباس
قديم 01-11-2010, 12:22 AM   رقم المشاركة: 2
مشرف سابق

الصورة الرمزية آل قطبي الحسني



رقـم العضـوية 14
تاريخ التسجيل Mar 2010
عدد المشاركات 5,596
القبيلة نحن بنو يعلى من كنانة=رأس المضريين وفرسانها
مكان الإقامة إمارة بني يعلى
المهنة طالب
 
 
آل قطبي الحسني غير متواجد حالياً

افتراضي

نص المخطوطة



بسم الله الرحمن الرحيم

الذي قص في كتابه أحسن القصص ، وذكر فيه أخبار الأمم السالفة ، ثم عم في محكم آياته وخص ، سبحانه لا أحصى ثناء عليه ، وهو كما أثنى على نفسه ، أجرى أمور العالمين بحكمته على اختلاف نوعه وجنسه ، هو مالك الملك يؤتي الملك من يشاء ، وينزع الملك ممن يشاء من عباده ، جعل الأيام دولاً بين مقتضى ما جرت به الإرادة ، والصلاة والسلام على خيرته من الأمم الذي لولاه هو لم تخرج الدنيا من العدم ، من تجملت بسيرته الطروس لكل عارف ، وتعطرت بذكر أيامه المجالس والمواقف ، وعلى آله وأصحابه الذين قفوا على آثاره وأحيوا بمساعيهم الجميلة منارة.
أما بعد : فيقول الفقير إلى الله تعالى حسن بن أحمد عبد الله ، غفر الله ذنوبه ، وستر عيوبه ، ورحم سلفه ، وأذاقه حلاوة المعروفة ، غفر الله ذنوبه ، وستر عيوبه ، ورحم سلفه ، وأذاقه حلاوة المعرفة ، أنه لما بلغني أن والدنا وشيخنا الإمام شيخ مشايخ قاضي الجماعة عبد الرحمن بن أحمد بن الحسن البهكلي قدس الله تعالى روحه ، وجعل من الرحيق المختوم غبوقه وصبوحه ، ألف مؤلفاً بديعاً في أيام الشريف الذي استوفى شرف النجار ، واستكمل معاني الفخار ، سيد ملوك الإسلام ، وأعظم قطب الأشراف الكرام ، حمود بن محمد بن أحمد الحسيني – رحمه الله تعالى – لم أزل أبحث عنه ممن أظن أن عنده بذلك خبراً ، ولم أقف له مع ذلك أثر ، وكان قد ألفت مجموعة في أخبار أعيان المخلاف السليماني ، وسميته الديباج الخسرواني ، وأثبت فيه من أيام الشريف المذكور ما بلغني من وقائعه الفخام ، كما تلقيت من الثقات الذي يعتمد على أقوالهم في المقام ، لان بعض أيامه وقعت قبل أن ابرز إلى عالم الوجود ، حتى من الله سبحانه بالعثور على ذلك المؤلف الذي سماه (نفح العود في أيام الشريف حمود) فلما تأملته وجدته قد استكمل مبتدى سيرته بعبارة أرق من النسيم ، وابهر من الروض النضير([1])لأن تلك الوقائع على عين منه ومسمع ، ولا ينبئك مثل خبير ، ولكنه جرد أوله من الخطبة كما جرت عادة المؤلفين في السير ، وبلغ فيه إلى سنة خمس وعشرين بعد المائتين والألف ، وفي طي ذلك وقائع متتابعة وملاحم كثيرة رائعة ، وقد أردت بعون الله أن أكمل ما فاته من السنين ، وذكرت ما بلغني من الحوادث عن علم ويقين ، لتكمل فائدة ذلك المؤلف الجليل وبالله الاستعانة وعليه التعويل ، وهو حسبي ونعم الوكيل ، قال شيخنا – بل الله بوابل الرحمة ثراه – ما لفظه وقد أردنا نقل الكتاب الواصل إلى هنا لأنه لا يخلو من فائدة لأنا سنذكر ما تسبب عنه من اختلاف الناس بسببه وما جرى بينهم من أجله وصورته : بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبد العزيز بن سعود([2])إلى

([1] ) النضير بالضاد ، لا بالظاء كما وردت في الأصل (النظير):- جرى التنبيه.
([2] ) عبد العزيز محمد بن سعود1133/11218هـ - 1720/1830م ولد في بلدة الدرعية قاعدة إمارة أبيه محمد بن مسعود ، وتعلم القراءة والكتابة مبكراً ، وكان له من مجلس والده وما يدور في شئون البلدة وما جاورها ، ما يعد كمدرسة لمن هو في ذكائه
----------------------------------------------------------------------------
ومنشئة ، وفي حوالي الخمس عشر من ستة كانت عودة الشيح محمد بن عبد الوهاب من حر يملأ إلى العيينة ، وقد شاعت دعوته وسطع اسمه وانداحت دعوته ، وطرقت أسماع أهل الدرعية ، وقبلها البعض مثل عميه الأميرين ثنيان ومشاري وعبد العزيز نفسه وآل سويلم، (1) وكتب عبد العزيز للشيخ يطلب تفسير سورة الفاتحة وكتب الشيخ لأجله ذلك التفسير المعروف المثبوت في تاريخ ابن غنام.

وبعد وصول الشيخ إلى الدرعية واتفاقه مع محمد بن سعود ، كان عبد العزيز من الملازمين لحلقة الشيخ ، وقد حاز على ثقة الشيخ وحبه وإعجابه ، وكان يثني عليه في مجالسه العامة والخاصة ، وينوه بمزاياه ويشيد بتقواه وشجاعته.
ويفيدنا(رينو) الذي هو أول أوروبي يصل إلى الدرعية ، ويقابل عبد العزيز ، وينعته بجملة مختصرة وإنما على اختصارها واسعة الدلالة ، إذ يقول : انه على حظ كبير من الثقافة والعلم (2).

وبدأ عبد العزيز منذ وصول الشيخ وتأسيس الدولة في الاشتراك مع أبيه محمد بن سعود في إدارة الأمور وتولي قيادة الجيش.
وعندما توفى والده محمد بن سعود كان عبد العزيز في السادسة والأربعين من العمر ، ولم يكن في الأسرة من هو أقدر على إدارة الأمور وأحق بخلافة أبيه منه ، فبايعه الخاصة فقام عبد العزيز بالأمر والدعوة واستطاع بحنكته وحسن إدارته وتفوق قيادته أن يستولي على الرياض في سنة 1187هـ- 1773م بعد حروب دامت 27 سنة ، وكان ذلك الاستيلاء على الرياض نصراً مؤزراً ونجاحاً للدعوة السلفية ، وقد ترتب على ذلك انضمام العارض برمته والدخول في الدعوة ، وقهر وهزيمة أكبر خصومها وأقوى معارضيها في نجد أمير الرياض (دهام بن دواس) فانهارت المقاومة في نجد إلا القليل وذلك بعد مضي سبع سنوات من ولاية عبد العزيز.

وبحسب عبد العزيز أن يكون مؤسس دولة إسلامية عربية حرة مستلة شمل سلطانها الجزيرة العربية ما عدا بعض الجهات في اليمن وعدن وعمان ، وقد استمر عهده تسعة وثلاثين سنة بعد أن شمل :

من يراه من أهل المخلاف السليماني خصوصاً أولاد محمد بن أحمد ، وحمود([1]) وناصر([2])
---------------------------------------------------------------------------------

1- بلاد نجد
2- الأحساء
3- جبال شمر
4- عسير
5- المخلاف السليماني
6- جبال الحجاز

7- تهامة اليمن
8- بلاد القواسم
9- عمان
10- البحرين.

توفي شهيداً في مسجد الطريف بالدرعية وهو ساجد في أثناء صلاة العصر في العشر الأواخر من شهر رجب عام 1218هـ- 1804م.
صفاته الجسمانية
وصفة المستشرق ( رينو) بأنه رشيق القوام نحيلاً وكان حين قابله في نحو الستين من عمره – كما يقول – رينو نفسه(1)
أخلاقه
وصف بالتدين والشجاعة والحزم والتروي في الأمور والبعد عن روح المغامرة والميل إلى المهادنة.
([1] ) حمود بن محمد بن أحمد الخيراتي ولد سنة 1170هـ- 1756م / وتوفي سنة 1233هـ- 1817م. توفي والده الأمير ( محمد بن أحمد) سنة 1184هـ- 1770م وابنه في الرابعة عشر من عمره ، فعاش في رعاية أخيه الكبير (أحمد بن محمد بن أحمد ) الذي آلات إليه الإمارة والمعروف أنه لم يحصل على قسط من التعليم ما عدا التربية الارستقراطية وتمارين الفروسية ، والاحتكاك بكبار رجال الأسرة وكفى بالدهر مدرسة وبالزمان مؤدباً .
وترعرع وشب في دوامة الفوضى والاضطرابات ، وتدحرج الإمارة بين إخوانه تدحرج الكرة بين أقدام اللاعبين ، يتولاها هذا فيعارضه الآخر ويغتصبها منه ، وما يلبث أن يعارضه ويقاومه ثالث ، ومرتزقة (يام) يوالون الأول ظاهراً ، ويماثلون الآخر خفية حتى ينضب ما مع الأول فيميلون مع الثاني ، بعد أن يأخذوا منه العهود والوعود، فإذا وفا لهم أملوا عليه مطالب جديدة، فإن قبلها فهو لا يستطيع الوفاء بها ،
-----------------------------------------------------------------------
وأن رفضها ناصبوه العداء ، وفي كلاً الحالتين فالبديل من إخوانه جاهز، وفي خلال 27سنة – تقريباً- تناوب على مركز الإمارة خمسه أمراء على الوجه الآتي:
1- تولاها الأمير أحمد بن محمد علي فترات متفاوتة ثلاث مرات .
2- تولاها الأمير حيدر مرة واحدة .
3- تولاها الأمير الحسن بن أحمد مرة واحدة.
4- تولاها الأمير علي بن محمد مرتين.
5- تولاها الأمير يحيى بن محمد مرتين.
6- راجع كتابنا المخلاف السليماني، الفصل الخاص بآل خيرات، وحمود يشاهد الأحداث عن كثب أو يشارك بصورة غير مباشرة.
(1) المصدر السابق ص28
([1] ) انظر حوادث سنة العشرين بعد المائتين والآلف
واستمر في الخلفيات وفي زاوية الظل حتى سنة 1195هـ- 1780م وقد بلغ الخامسة والعشرين من العمر
(1) المصدر السابق ص28
في تلك السنة خرج حمود وإخوانه – بشير – منصور، وابن أخيهما محمد بن حيدر ومعهم غيرهم من أبناء الأسرة، معارضين للأمير أحمد بسبب قطع مقرراتهم، فعاثوا في الطرقات بالنهب والسلب وقتلوا بعض أهل (الدور)، واستولوا على قافلة لأهل أبي عريش وصبيا.
ونرجع أنه بعد ذلك انصرف إلى الزراعة، فأحيا مساحات في وادي تعشر وخلب ، وصرف اهتمامه إلى تثميرها واستثمارها ، وسهل له مكانته ونفوذه إيصال مياه السيول إليه صيفاً وشتاءً ولم تكن بتلك الجهات مزارع تذكر إلا أقل من القليل ، فكان يؤمن لمزارعة السقي والحماية ، والبذور الجيدة ، والأيدي العاملة ، وأقام في أطرافها حظائر لخيله ومساكن لمواليه، واشرف عليها بنفسه.
فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله
ولا مال في الدنيا لمن قل مجده
-----------------------------------------------------------------
ثم نجد اسمه يطفوا للمرة الثانية على صفحات الأحداث في حوادث سنة 1196هـ 1781م في محاولة (علي بن مطاحن الخواجي) الثورة على أخيه عامل صبيا (ناصر بن محمد) الذي كتب إلى سائر إخوانه يستنجدهم، وسار حمود ومنصور ومحمد بن حيدر لنجدته ضد ابن مطاحن الذي خرج من صبيا فاراً، فهدموا داره وانتهكوا حرماته، وكشفوا عوراته، وبذلك استقرت الحالة في صبيا لأخيهم ناصر.
وفي سنة1201هـ 1786م ورد اسمه في الفتنة التي وقعت بين أخويه الأميرين علي ويحيى ابني محمد، فقد ورد اسمه في الترتيب الثاني بعد أولاد أخيه الأمير المتوفى أحمد بن محمد، وجاء ذكره للمرة الثالثة في كتاب نفح العود، : أنه لما منع الجعافرة الداخلين في الدعوة السلفية (الخارص) من تقدير زكاة ثمرة زراعتهم، جمع الأمير علي بن حيدر من لديه من الجنود من يام وغيرهم ، وعزم على غزوهم في ديارهم ، وكتب لعمه (حمود) في جهة وادي تعشر يستدعيه للاشتراك بنفسه وجياده ، للوصول إليه في (الحجرين) وعند وصوله اسند إليه قيادة الميمنة.
لقد لعب حمود دوراً إيجابياً وحربياً وسياسياً في إنجاح تلك المعركة طغى على اسم ومكانة الأمير الفعلي ابن أخيه علي بن حيدر، وبما أن أسرة آل خيرات جميعهم تعاونوا وتكاتفوا وأعطوا كل مجهود ومال للفوز في تلك المعركة ، التي يترتب على نتيجتها بقاؤهم كأسرة حاكمة و، وطبقة لها مميزاتها ، ولها مجد الإمارة وصوله السلطة ، إلا أن حمود:
1- برز كقائد أسهم في تلك المعركة لتحقيق النصر كألمع شخصية ظهرت على المسرح
2- أحتوى على إعجاب وتقدير أغلب أمراء الأسرة وجماهير العامة .
3- ظهور كقوة حربية في الميدان لها ثقلها ورصيدها بين رجال الأسرة والأتباع ، تضارع قوة الأمير الفعلي نفسه.
4- شعر حمود – تلقائياً- بقوته المادية والأدبية ، وقدرته على التصرف بطريقة أفضل من الأمير المتربع على كرسي السلطة .
---------------------------------------------------------------
1- شعر هو وشعر الناس أنه قدم ضريبة للمجد بفقده شقيقه وأقرب الناس إلى نفسه أخيه مسعود بن محمد الذي هو القتيل الوحيد من الأسرة في تلك المعركة .
2- أفرزت تلك المعركة خلفيات في صالح حمود لم يكن يؤملها قبلاً
وبعودتهم إلى أبي عريش بل قد يكون من معسكره في الحجرين أخذ في توضيح تلك المعطاءات لاحتواء ميول الأسرة وإعجاب الجند واستقطاب العامة ومن المعسكر شعر (علي بن حيدر ) بتفوق عمه ، وزخم طموحاته ، والطروحات الجديدة ووظفها حمود لمصلحته وأخذ يمهد بها لوثبته ، ويحضر لقفزته وعاد علي بن حيدر إلى قاعدته مدينة أبي عريش مع جنده وإخوانه ومن بينهم حمود. وفي أبي عريش احتدم بينهما النزاع. وأخذ مظهراً علنياً يترجح فيه جانب حمود وعلي بن حيدر لديه كفاءة القائد ، وشجاعة البطل وليس له صفات السياسي البارع وموهبة الدهاء ، لهذا أخذت ضغوط عمه تحتويه وتقلص نفوذه ومكانته حتى أرغمته على التخفي في قصره ، والانزواء في داره ، والوقوف من الأحداث موقف المدافع وبعد ثمانية أشهر من الحرب النفسية وظف خلالها حمود كل قدراته وأعلن الحرب على ابن أخيه المنعزل في قصره ، والذي قد اجتواه كل جنده وأهل المدينة ما عدا البعض من إخوانه وبعض المخلصين من خاصته . في تلك الأثناء امتد زخم تيار الدعوة في قوة واندفاع ، من دار بني شعبة إلى حدود مدينة صبيا .
أم الجعافرة وحلفائهم من الطمحة والشواجرة والمقارية فقد احتوتهم الدعوة وإزاء الموقف المتفجر من صبيا وجنوباً إلى حدود المنطقة من الجنوب ، وما يسودها من تمزقات واضطرابات تنازل علي بن حيدر عن الإمارة لعمه حمود .
وما وقع من مقدمات وخلفيات بعد هذا نجد قد تبناه المتن إلى سنة 1225هـ - 1810م .
ظل حمود تحت طاعة الإمام عبد العزيز وباسمه وبمن أرسلهم من الغزو لمساعدته مع من جندهم حمود من مرتزقة ، فتح حمود ما فتح من تهامة اليمن وجبالها إلى أن توفى عبد العزيز سنة 1218هـ-1803م فبعث وفداً إلى الدرعية للتعزية وإعطاء البيعة للإمام الجديد سعود بن عبد العزيز وكتب له سعود باستمرار ولايته على
-----------------------------------------------------------------
المخلاف وما استولى عليه من تهامة اليمن ، وأمده بغزو أهل نجد ومن يليهم ، فنشط حمود وفتح زبيد ثم المخا وبواديه إلى قرب باب المندب .
وبذلك أصبحت شواطئ البحر الأحمر الشرقي من قرب العقبة إلى المنتدب تحت سلطة الدولة السعودية ، كما أنه من الناحية الأخرى توهج اسم حمود وأصبح معروفاً في خارج الجزيرة العربية كاسم ( أبو نقطة) فإن بواخر البرتغال والإنكليز والهولنديين والفرنسيين كانت تغشى ميناء المخا للاتجار ونقل ثمرة البن.
ويقول الشيخ محمد الشوكاني في كتاب البدر الطالع في ترجمة حمود أن (حمود دخل في الدعوة النجدية ) في سنة (1217هـ- 1802م ) إلى نهاية سنة (1223هـ - 1808م ) وأنه غزى البلاد الإمامية من اللحية إلى حيس وأنه فسد ما بينه وبين الدرعية إلى أن يقول : وقد جرى بينه وبين الجيش الإمامي وقائع . وفي سنة 1224هـ - 1809م وقع الصلح بينه وبين إمام صنعاء بإطلاع الشوكاني نفسه على تثبيت حمود على ما قد صار تحت يده من البلاد (1) .
واستمر حمود بمخالفته على الدولة السعودية في أول سنة 1224هـ - 1809م إلى أول سنة 1226هـ- 1811م والغارات تترى على حمود ، وقارن هو بين ماضيه في انتماءه إلى سعوديين وحاضره بين الغارات من الشمال وما صنعته لإمام صنعاء في الجنوب مع استنزاف موارده لمرتزقة من همدان ويام ، وتنازلاته عن مكاسب النهضة الإصلاحية في جهة المخا وغيرها واتصل بأمير صعدة الذي قام بالوساطة لعودته إلى طاعة الإمام سعود ثم بعد هذا انتقض الصلح بينه وبين الأمام ولم تزل الحرب ثائرة بينه وبين الإمام إلى تحرير الترجمة سنة 1229هـ -1813م وحمود مستمر على الانتماء إلى صاحب نجد ومات سنة 1233هـ - 1817م ولا يستطيع أحد أن يجحد كفاءة ومقدرة حمود أبي مسمار، سواء السياسية أو الإدارية أو الحربية فهو ولا ريب المع أمراء أسرته واسطع اسماً وأشيع ذكرى ، وإنما يتساءل المرء بطبيعته عن مسببات النجاح وأسباب الفوز فهي أمور بعد توفيق الله لها مهيئاتها ، والإنجازات الكبيرة لا تكون وليدة الطفرة أو ربيبة الارتجال ، وقد كان أسلافه من والده محمد بن أحمد مؤسس الإمارة ، ثم من تعاقب عليها من
-----------------------------------------------------------
إخوانه لهم سياسته المرسومة وخططهم المعروفة حتى لا تكاد أن تكون الطبعة متتالية وخطة متوارثة ، وتتميز من شخص لآخر قوة وضعافاً في التصرف البسيط ضمن إمارتهم المحددة .
ومع أنهم منذ حصولهم على المباركة والتفويض والموافقة على طلب بعض رؤساء المناطق لتنصيب أول شخصية منهم من إمام صنعاء فقد صاروا على ما يأتي :
1- الاستعانة بمرتزقة من غير أهل المنطقة التي يتولون أمرها المؤسس الأول استعان بكتيبة من مرتزقة الشحر في أول أمره ، وبعدها استهان بمرتزقة من قبائل يام .
2- قبل حمود لم نقف على اسم شخص بارز من أبناء المنطقة تولت وزارة أو قيادة أو إمارة اللهم إلا أندر من ندر .
3- الاعتزاز والترفع عن مخالطة الشعب وهذا ما يلمسه القارئ في الكتب المخطوطة المعتنية بتاريخه
4- إن إمارتهم التفويضية لا تعدو المنطقة إلى الواعظات من تهامة اليمن ، أما البلدان المهمة التي
(1) البدر الطالع ص241 باختصار.


على الساحل ، أو في داخل البلاد مثل بلدة مور(1) أو اللحية أو الزيدية أو غيرها فلم تطلها إمارتهم.
إن الشخصية الذكية من ظروفها وبيئتها وسياسة عصرها ، استفادة تختلف قوة وضعفا بحسب الاستعداد الشخصي للمستفيد.
فنرى حمود يستفيد أولاً من مواقف دعاة الدعوة والدولة السعودية ، وتظهر كفاءته الحربية وقدرته الفكرية بحيث يصبح الشخص الوحيد المتصدي للمقاومة ، ويتصل بإمام صنعاء يطلب منه العون والمدد الحربي فلم يجد لطلبه صدى ، ولم تلب طلباته وعلى ذلك فيقف موقفه المعروف.

------------------
تــابع











التوقيع

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
الشيخ:/ محمد بن حسين بن بيطلي بن حسين أبوعطله العامري
شيخ شمل قبيلة بني يعلا بوادي يبه

 
آخر مواضيعي

0 من الذي باع أراضي فلسطين لليهود ؟ سمسار اسرائيلي يؤرخ ويروي الأسماء !
0 محامي الجيزاوي: موكلي مغرر به وسأطعن بالإجراءات وانسحب إذا رفض طلبي
0 مقتدى الصدر الرافضي يلتقي معارضين بحرينيين في إيران
0 زيارة الملك سعود بن عبد العزيز للأردن على ظهر جواد عام 1933
0 الداخلية تكشف تورُّط الزنادي في إطلاق النار بالعوامية وتقبض عليه مصاباً

عرض البوم صور آل قطبي الحسني   رد مع اقتباس
قديم 01-11-2010, 12:39 AM   رقم المشاركة: 3
مشرف سابق

الصورة الرمزية آل قطبي الحسني



رقـم العضـوية 14
تاريخ التسجيل Mar 2010
عدد المشاركات 5,596
القبيلة نحن بنو يعلى من كنانة=رأس المضريين وفرسانها
مكان الإقامة إمارة بني يعلى
المهنة طالب
 
 
آل قطبي الحسني غير متواجد حالياً

افتراضي

وترفع دعاة الدرعية مثل عرار بن شار ، والفلقي ، ومنصور بن ناصر، موضحين خطورة دوره في مقاومة سريان الطلائع الإصلاحية .
وسرعان ما تصدر الأوامر بالتجهيز لكسر شوكته التي انتهت بخضوع حمود ودخوله تحت الطاعة السعودية.
وهنا تتضح كفاءة حمود وقدراته وسرعان ما يطبق التكتيك السعودي بهمة وإخلاص ، وقد نبذ كل التقاليد الموروثة وصار على الخطة الجديدة ، فيخرج من أبي عريش بجند يسير ، ويدعو أعتى قبائل المنطقة للاستجابة للدعوة والدخول في طاعة السعوديين (2) ، فيوفق كل التوفيق لاستجابتهم ، ثم يرسل ابن أخيه علي بن حيدر في ثلاثين فارساً ، فيقبل على أقوى قبائل المنطقة وأكثرهم عدداً وهي قبيلة بني مروان ويعرض عليهم الاستجابة والدخول في الطاعة وإلا فالحرب فيستجيبوا لداعيه ويدخلون في الدعوة طائعين ، فيولى عليهم رئيسهم ، ويأمرهم بالأمر والنهي عن المعروف ، ويأخذ مجاهديهم ويتقدم على تهامة اليمن ، وبتلك الطريقة يتمكن قائده في أيام معدودة من الاستيلاء على ما أمامه من البلاد إلى وادي مور ، فكلما اقبل على قبيلة استجابت للدعوة ودخلت في الطاعة وقدمت مجاهديها ، فولى عليها رئسها وسار إلى من بعدها.
كان حمود حقاً يعرف موقع السيف من موقع الندى ، ولا يقدم إلا متى عرف أن خصمه مشغول عنه بما هو أعظم منه ، أو رأى الفرصة المواتية ، ولنا من سجل تاريخه الدليل ، ثم أنه يماطل الخصم ولو هاجمه لاستدراجه للمعركة معه ، فإن شعر بالغلبة لم يمض في الشوط إلى النهاية ، بل يذعن ويتراجع ويخضع أن لزم الأمر ولدينا الشاهد :
1- من مقاومته لعبد الوهاب حتى يئس من نجدة إمام صنعاء .
2- تخلف بعض إخوانه ورجال أسرته عن المعركة مثل علي بن حيدر وغيره .
3- بعد أن أدارت المعركة رحاها وأتت على أكثر جيشه وحصون الدفاع.
-----------------------------------------------------------------------------
عند ذلك استسلم لعبد الوهاب بن عامر ، وكان استسلامه بعد البلاء الحسن موضع الإعجاب والتقدير من عبد الوهاب نفسه، ومع ما قيل عن أسباب إعادته إلى إمارة المنطقة فإن موقفه من المعركة جعل خصمه يقدر موقفه الدفاعي، ويعجب بصموده ، فالذي في مثل موقفه يقف موقفاً يستحق الإعجاب،
(1) بلدة مور هي المسماة ( الجامعي) (2) هي قبيلة بني الحرث
الناس مقطورون على الإعجاب بنبل التضحية والتمسك بحبل الوفاء والصمود في مواقف البأس ، فإن عاش الشخص ظفر بكل معاني التقدير، وإن هلك أصبح رمزاً لمعنى من المعاني التي تتعلق بها الإنسانية .
1- أنه يدخل في الطاعة ويبرز من الكفاءة والمقدرة على القيام بالواجب ، وباستخدامه وسائل خصمه بالأمس في صالحه اليوم ، وبذلك تمكن من فتح تهامة اليمن ، في أقل وقت .
عندما نزلت قبائل يام في سنة 1222هـ - 1807م وكان يعلم باتفاقيتهم مع إمام صنعاء ، فأخذ أولاً في بذلك المال في استمالتهم ، إلا أن ما أعطاهم الإمام ووعدهم من العطاء كان أكبر فأخذ موقف الحذر وراح يصاولهم ويجاولهم على بعد ، حتى أنه لم يأخذ بثأر قتل ابن أخيه (يحيى بن علي فارس ) " طمعاً لهم بعقاب يوم مفسد "
وأخذ يتعقبهم بجيشه وهو القادر على الاشتباك معهم ، وإنما كان لا يجزم بالفوز فطاول الأمر معهم حتى تمكن مع بذل المال والسياسة في تفريق جموعهم .
نجدة يعرف كيف يجعل المادة من المال وسيلة لبلوغ الغرض أو دفع الضرر ، فالمادة لديه وسيلة لا غاية إذا كان يمكن أن تنوب عن السلاح في تحقيق غاية ، بذلها راضياً غير آسف، كما صنع عندما هاجمه جيش الإمام على غرة في قلعة (مختارة) في ( اليمن) ، فقد اشتبك معه في المعركة وعندما شعر بتكافؤ القوى إن لم يكن قد رجع تغلب خصمه لولا
---------------------------------------------------------------------
1- حلول الظلام على الفريقين ، بعث رسله بالمال ليلاً للرؤساء والقادة حتى تمكن من صرفهم عن المعركة ثم الانسحاب .
ومثله ما قام به بعد معركة بيش سنة 1224هـ - 1809م التي انتهت بهزيمة حمود وانسحابه إلى أبي عريش، فتقدم الجيش المنتصر واستولى على قلعة صبيا ، ولو أغتنم الفرصة وتقدم على أبي عريش ، فتقدم لاستولى عليها بدون قتال يذكر ، لأن حموداً قد قل حده وفت في عضده وتفرق جيشه شذراً مداراً .
ويقول المصدر نفسه : ( واختلف في أسباب تراجعهم إلى عسير فكثير من الناس يقولون، إن الشريف حمود منح كبراء القوم شيئاً من المال فأظهرا أمانتهم قولهم ، فعلنا ما فعلنا وما يمكن منا التعدي على اليمن إلا بعد الجواب من سعود). انتهى .
يقول صاحب نفح العود في صفة القيادة والمذكور ( لقوة بأسه وثباته جأشه يكتفي بالقليل من الجند ، وكثيراً ما يقول في مجادلاته ، النصر بالمدد لا بالعدد(1) والغلبة بالقدرة لا بالكثرة).
(2) ناصر بن محمد بن أحمد الحسني:
ولد بمدينة أبي عريش قادة إمارتهم ، وشب وترعرع في تلك البيئة الأرستقراطية يمارس الفروسية ومطالعة كتب الأدب والسيرة ودواوين شعراء الجاهلية والمخضرمين والمولدين، مما أتاح له رصيداً من المعرفة والوعي الثقافي.
وعندما تولى أخوه الأكبر ( أحمد بن محمد) إمارة المنطقة كان ناصر يتطلع بطموحه إلى أن يوليه أخوه إمارة صبيا ، فلم يفعل ، وعندما تأزمت الأمور واضطربت الأحوال على الأمير أحمد ، رأي أن مصدر تلك الاضطرابات هو إخوانه وقلة ممن يدور في فلكهم ، فوزع المنطقة بين إخوانه وكان نصيب ناصر مدينة صبيا وما حولها وذلك في سنة 1185هـ 1771م .
وصل ناصر إلى صبيا وباشر مهام إمارته محاولاً ترسيخ قدميه وتوطيد مركزه ، فاصطدم بالنفوذ الموروث للأمراء الخواجيين ، فأخذ في المحاولة لتفريغ مكانتهم من نفوس أهل صبيا وخلخلة نفوذهم من قلوب أهل الجهة ، وكانت محاولة بطيئة وإنما في
---------------------------------------------------------------------
نفس الوقت مرنة ، واستطاع مع الصبر تقليص نفوذهم ، وتزوج في صبيا عند أسرة غنية وذات مكانة في المجتمع هم آل الشاذلي ، ورزق بابنة منصور وغيره وذلك حوالي سنة 1190هـ1776م ، ومع أن ناصر كان له أولاد في أبي عريش بعضهم قد جاوز عصر الشباب إلا أنه رأى في منصور كل ما يقربه إلى نفسه .
وفي حوالي سنة 1205هـ- 1790- تقريباً تخلى لابنه منصور عن إمارة صبيا أو بالأصح أنابه على الإمارة وظل يشرف على توجيهه وتدريبه عن كثب.
كان من سياسة ناصر أن يكون مستقلاً بإقطاعيته ، لا يحب أن يكون للأمير القائم من أسرته تدخلا في شئونه الإدارية ولا يجب هو بدوره أن يشارك إخوانه في مؤامراتهم ومشاكلهم إلا فيما هو أهم من الأمور وبالأخص فيما يتعلق بشئون الإمارة من حرب أو فتنة تعود بالضرر على الأسرة ككل ، ولا يحب تدخلهم في شئونه إلا إذا خربه أمر يؤول إلى ضياع إقطاعيته كما حصل في استعانته بإخوانه في مخالفة (علي بن مطاعن الخواجي) ، وتورثه لإزاحته من الإمارة – راجع ص430 جـ1 من كتابنا المخلاف السليماني الطبعة الثانية.
وفي حوالي سنة 1213هـ 1798م عندما ول زخم الدعوة السلفية ونفوذ الدولة السعودية الأولى إلى مشارف المنطقة ، ثم تلاه بعد ذلك لفترة وصول الداعية أحمد بن حسين الفلقي ، يحمل رسالة الإمام عبد العزيز بن محمد إلى أمراء آل خيرات ، ووجهاء المنطقة ، باعتناق الدعوة والدخول في الطاعة ، أخذ ناصر يشير على ابنه محمد طرف خفي إلى دراسة الوضع واتخاذ سياسة مرنة حول ذلك.
وعندما تحالف الداعيتان ( عرار بن شار الشعبي ) و( أحمد الفلقي ) وحصل الأول على فوز حربي في معركة (السلامة) والذي ساهم فيه منصور بتوجيهات أبيه وإرشاده بمجهود فوز حربي في معركة (السلامة) والذي ساهم فيه منصور بتوجيهات أبيه وإرشاده بمجهود سياسي متواضع ، أشار الوالد على ابنه باعتناق الدعوة والدخول في الطاعة ، ليكون له السبق والأولوية والخطوة لدى الدولة الجديدة والقوة الفتية.
---------------------------------------------------------------------
قام منصور – عملاً بتوجيهات والده إلى الاتصال بعرار والفلقي ، ثم أعلن دخوله في الدعوة وأمر على أهل منطقته بمنع شرب التنباك ، وأشار شعار الدعوة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
(1)انظر حوادث سنة العشرين بعد المائتين والألف.
والتنبيه على أوقات الصلوات المفروضات ، ومعاقبة المتخلف وهدم المزارات .
فاستثار عمه حمود أمير المنطقة بما أقدم عليه وهو يعرف في نفس الوقت بأن وراء منصور والده المدبر المشير ، ومع عودة حمود من قرية (السلامة) منتصراً وصل قرية (الباحر) وتجهز لغزو صبيا لإرغام ابن أخيه على التخلي عن الدعوة والبيعة ، وفهم ناصر كل شيء وهو التخاذل أو التذبذب أو التراجع ، كما أشار عليه حالاً باستنفار أهل صبيا وجهاتها والاستعداد للدفاع والمقاومة فيما لو عزم حمود على مهاجمة مدينة صبيا.
وشعر حمود بجدية الأمر فأخذ في التروي والإشارة إلى كبار الأسرة بالتدخل ، فتدخل كبار الأسرة وانتهى الأمر بأن يكتفي بوصول منصور للسلام على عمه في قرية الباحر صوناً لماء الوجه وإظهارا لترابط الأسرة ، وبعدها يعود حمود إلى قاعدة إمارته في أبي عريش وكان من حصاد حسن تدبير ناصر وحزمه بتوجيهات ابنه ما يأتي:
1- توطيد إمارة ابنه في صبيا وجهاتها.
2- ارتفاع رصيده لدى الدرعية وجعله كأمير مرتبط بها لا بأبي عريش.
3- توفر الإمكانيات السياسية والحربية لمنصور لانضمام الجعافرة والمخلاف الشمالي إلى مساعدته فيما لو هاجمه عمه حمود مرة ثانية ، كما أن (عرار بن شار ) في جهة (درب بني شعبة) مع ما يتبعه من جهة (قنا) و(البحر ) أصبح عمقاً ثانياً لمجهوده وجهاده.
4- أصبح منصور يشترك في جهاد الدعوة بمجاهديه ضمن مجاهدي الدعوة وفعلاً اشترك في معركة ضمد.
وعندما تفاقم الأمر ونزل عبد الوهاب لإخضاع (حمود بن محمد ) ، اشترك منصور بمجاهدي منطقة صبيا مع عبد الوهاب ، مثل سالم بن شكبان وشيخ الدواسر وعرار بن شار والفلقي وغيرهم ، وقد تمكن منصور بتوجيهات والده من نفع أسرته وإبقاء مكانتهم ، في عدة مواقف ، ومنها – بعد معركة أبي عريش- ما يأتي:
1- لتقد أجتمع رأي القادة على الإشارة على عبد الوهاب بمهاجمة-(حي الديرة) – (حي الأشراف) – بحجة أن الأمر يترتب على خضوع آل خيرات ، فمتى ما أرغموا بالقوة على الخضوع سلمت المدينة والحصون والقلاع ، فعارض منصور الفكرة بحجة أن استئصال أسرته لا يفيد حربياً ما دام أن المدينة – (مدينة أبي عريش) 0 بحصونها وقلاعها لم تسلم ، وأنه بعد القتال المرير من قبل حشود ورجال الأسرة يضطر الجيش إلى معركة ثانية مع أهالي المدينة واستحكاماتها وحصونها .
2- بعد المعركة وتسليم المدينة وخروج حمود إلى معسكر عبد الوهاب للسلام والتسليم وتقديم الطاعة ، ورجوع حمود إلى داره وقد تخلى عن الإمارة بالنسبة إلى هزيمته ، أخذ غير واحد من القادة يشير على عبد الوهاب بتوليه أمارة المنطقة إلى (يحيى بن محمد) بصفته أول من دخل إلى الدعوة وبايع على الطاعة ، وبعضهم أشار بغير متحاشين عدم الإشارة إلى حمود.
‌أ- إن حمود بوصفه الأمير الشرعي يجب إعادة الاعتبار إليه سياسياً وإداريا .
‌ب- إن كل إخوانه أو أبناء عمه ليس منهم من يماثل حمود في حزمه وعزمه وكفايته .
‌ج- إنه لو تولى الأمر غيره فإن حمود سيثير الغبار في وجهه بشتى الوسائل ، والإمكانيات التي لديه.
‌د- لا يستبعد أن ينسحب حمود إلى الناحية الجبلية من المنطقة بعد عودة جيش عبد الوهاب ثم يهاجم المنطقة والأمير المتولي ، وسوف يجد من إمام صنعاء كل عون حربي ومادي.
‌ه- إن لدى حمود من العدد والعدة كالخيل والسلاح والموالي والمال ما لا يوجد عند جميع الأسرة .
‌و- إنه للأسباب المذكورة يمكنه إسناد إمارة المنطقة إلى حمود ، ويعلق أمر الموافقة على توليته لعبد العزيز ، وتكون توليته في تلك الفترة تحت التجربة ، فإن رأى منه عدم نصح أو مخالفة ففي الوسع استبداله بغيره من إخوانه.
فأستدعى عبد الوهاب حمود إلى مخيمه وأخذ منه العهد على السمع والطاعة ، ومباينة كل من خالف الدعوة ، وجهاد من ورائه في اليمن ، وصرح له بأن الأمر النهائي متعلق بولي الأمر عبد العزيز بن محمد من الموافقة وعدمه.
إن ناصر بن محمد معروف بسداد الرأي ، وأن إخوانه يعودون إليه في حل المشاكل ، ولهذا نرى ابنه منصور يسير في ضوء توجيهاته مما لم يعد منه عن جادة الصواب ونهج السياسية المستقيمة والسير في طريق الإخلاص ، ورصيده لدى الدرعية في ارتفاع وعند عبد الوهاب في ازدياد ، وهو يعامل باحترام وثقة لا يحصل عليها حمود نفسه حتى عام 1218هـ - 1803م.
ويتوفى الله عبد العزيز ويبدأ حمود في تنفيذ ما يراه كفرصة سانحة بعد توفقه في غزو تهامة اليمن وضمها إلى الدولة السعودية ، بدأ في تنفيذ م يحاوله من الانفصال عن عبد الوهاب وطلب ربطه بالدرعية رأساً .
فنراه يشعر بأن من أهم وسائل النجاح أن يبعث وفداً يكون في رفقة منصور بن ناصر لما للدرعية فيه من حسن الظن وجميل الثقة ، وفي نفس الوقت يعرف أن مفتاح شخصية منصور أو بالأصح أمر انصياع منصور مناط بوالده.
لهذا نرى حموداً يتصل بأخيه ناصر ويعرض عليه كالمستشير ما خلاصته أنه بمناسبة وفاة عبد العزيز سعود ، وأن بصفة منصور أمير على جهة صبيا وبيش والجعافرة ، مثله على المنطقة الجنوبية فيكون لمنصور وفد يرأسه شخصياً بنفسه كما أن حمود أي نفسه يكون له وفد يتكون من ابنه ووزيره وابن أخيه لنفسه الغرض ، بمناسبة ذلك يكون منصور يسعى بطلب الفصل عن ارتباطه بعبد الوهاب ولطلب الارتباط بالدرعية رأساً .
ويحيى وسائر إخوانهم وبني إخوانهم وكذلك الأشراف بني النعمي وكافة أهل تهامة ، وفقهنا الله وإياهم إلى سبيل الحق والهداية ، وجنبنا وإياهم طريق الشرك والغواية.
أما بعد فالموجب لهذه الرسالة ، أن الشريف أحمد بن حسين الفلقي([1]) قدم إلينا فرأى ما نحن عليه وتحقق صحة ذلك لديه ، فبعد التمس منا أن نكتب لكم ما يزول به

ويعرف ناصر بدربته وحنكته مغزى حمود وفي نفس الوقت يشعر بما يعود على ابنه من استقلال إداري ، كما يطلبه فيوافق ويشير على ابنه بالتوجه .
وفعلاً يصل الوافدان إلى الدرعية وتنجح المهمة على الوجه الآتي:
1- يوافق سعود على فصل منصور من ارتباطه بعبد الوهاب – وبربطه بالدرعية فيما عدا الجهاد لقرب جهته من عبد الوهاب.
2- الموافقة على طلب حمود بالانفصال من عبد الوهاب وارتباطه رأساً بالدرعية.
ويعود الوافدان ولم تطل بعد ذلك حياة (ناصر) فيتوفاه الله وابنه مشترك في معركة السعدية قرب مكة مع عبد الوهاب ، وبعد ذلك يعود منصور ، ونرى ابتداء التداعي والتخلخل في سياسته كما سيمر بك مفصلاً .
(النعامية)
3- من مشهوري عشائر المخلاف السليماني الهاشميين وأكثر تجمعهم في الدهنا والعالية وما حولها ، كما يوجد منهم جماعات في الملحا وصبيا وضمد ، وأم الخشب والعدايا ومنهم بيوت في رجال المع وفي أبها وغيرها ، ومن أشهر سلفهم عدد من العلماء والقضاة ومن مشاهيرهم:
‌أ- محمد بن الحسن النهمي المتوفى ستة 999هـ 1590م عالمياً دينياً معروفاً بالجهر بالحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام بالفتوى والتدريس في شمال المخلاف السليماني.
‌ب- الحسن بن محمد بن حسن النعمي المتوفى سنة 1019هـ- 1610م عالماً دينياً معروفاً بالجهر بالحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام بالفتوى والتدريس في شمال المخلاف السليماني.
‌ج- مساوي بن عقيل النعمي احد أعيان قرية الملحا – توفى سنة 1026هـ 1617م.
‌د- إبراهيم بن هادي الفقيه النعمي كان من أركان إمارة الخواجيين بصبيا وفيصل القضاء الشرعي توفى سنة 1038هـ- 1628م.
([1] )انظر الحاشية ص 640 جـ2 من كتابنا المخلاف السليماني الطبعة الثانية
‌ه- العلامة القاضي ناصر بن أحمد عيشان النعمي ، كان من حكام الشرع مشهوراً بسداد الأحكام.
تحري العدالة بين الخصوم حتى أدركته الوفاة سنة 1054هـ- 1644م.
‌و- ومنهم الزاهد يحيى بن حسن النعمي المتوفى سنة1038هـ-1628م.
‌ز- حسن بن محمد النعمي المتوفى سنة 1047هـ- 1937م. ، كان على جانب من الفقه والأدب وله اتصال بأمراء مكة المكرمة ، يواصل زيارته لهم هو والفقيه محمد الأمرح صاحب مشرف ويعودان إلى بلديهما في وساع.
‌ح- العلامة الجليل علي بن محمد بن حسن النعمي ، جمع بين العلم والعمل صادعاً بالحق موفور الجاه بين الناس توفي سنة1049هـ 1639م.
‌ط- العلامة علي بن حسين محمد بن الحسن النعمي ، عرف بالفتوى والشفاعة بنفسه وكتبه لصالح الناس ، تولى قضاء المخلاف السليماني ، وكانت وفاته سنة 1073هـ-1665م.
‌ي- ومن متأخريهم من رجال العهد الإدريسي:
1- عرار بن ناصر النعمي عامل بني مالك وجماعة.
2- مصطفى بن محمد النعمي القائد الإدريسي المعروف .
3- محمد بن حيدر القبي النعمي ، رئيس المحاكم الشرعية ومن كبار رجال ذلك العهد.
(1) أحمد بن حسين الفلقي
ولد بصبيا في المركز الشامي الذي لا يزال بعض أسرته يسكنونه إلى الآن- ومن تلك الأسرة – أحمد زمري الفلقي (1) الذي كان من الحرس الخاص للإمام الإدريسي.
واشتغل الفلقي في شبابه الباكر بالبيع والشراء ، وعندما سمع بمهاجرة بعض شباب الجهة والبلاد المجاورة إلى الدرعية لطلب العلم بمدرسة مصلح الدعوة السلفية الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، سارع في التوجه وانتظم في سلك الدارسين مثل (عرار بن شار ) و ( محمد بن عامر) وبعض أهل بيشة وبعد انتهاء دراسته انتدب كداعية لقومه يحمل رسالة من عبد العزيز بن محمد بن سعود إلى أمراء المخلاف السليماني وأهله ، يدعوهم للدخول في دعوة التوحيد وترك البدع ونبذ الشرك.
وصل إلى بلدته صبيا ، وسلم الرسالة لأميرها منصور بن ناصر الخيراتي الذي بعثها لعمه أمير عموم المنطقة ( علي بن حيدر ) في أبي عريش ، وبعد الانتظار غير المجدي رأى أن يقوم بواجب الدعوة في غير بلدته صبيا.
فتوجه إلى ساحل الجعافرة الذي قبائله على جانب من البداوة والعزلة ، فاتخذ منه مقراً وقام بواجب الدعوة فأقبلت إليه الناس ، وأثمر غرسه وقوى حزبه فعاهده الناس على العمل بكتاب الله وسنة رسوله ونبذ الشرك والسمع والطاعة للإمام عبد العزيز ، وخلع بكتاب الله وسنة رسوله ونبذ الشرك والسمع والطاعة للإمام عبد العزيز ، وخلع طاعة أميرهم.
رفع أمير صبيا بالواقع ، لأميره فتحرك الأمير علي بن حيدر بقوة من أبي عريش ، ودارت المعركة حول قرية (الحجرين) ، فأسفرت عن هزيمة (الفلقي ) وحزبه ، فانسحب بفلول محاربيه إلى جهة بيش ، ورفع للدرعية بما صار فوصلته نجده بقيادة (حزام بن عامر العجماني ) الذي عرج على درب بني شعبة وقضى على المخالفين على الداعية ( عرار بن شار) في جهة الدرب .
ثم استصحب ( عرار ) ومجاهديه ووصلوا إلى بيش فانضم إليهم ( الفلقي ) ومجاهدوه ، وساروا إلى ( الحجرين) ومن ( الحجرين) حمل الفلقي رسالة من القائد حزام العجماني إلى أهل المخلاف وأمير صبيا يدعوهم إلى السمع والطاعة ، وبعد مداولات بين أمير صبيا ، وعمه علي بن حيدر المحصور في داره ، وبين الأمير السابق ( يحيى بن محمد) المقيم في قرية (البيض) ومفتي الجهة (أحمد بن عبد الله الضمدي).
اتفق الرأي على إرسال وفد إلى القائد حزام للدخول في الطاعة والتفاوض على التسليم ، وأبرمت الاتفاقية الآتية :
1- يقوم الأمير يحيى بن محمد بالإمارة العامة للمنطقة ونشر دعوة التوحيد في ضمد والمنطقة الجنوبية.
2- يقوم عامل صبيا منصور بنشر الدعوة في جهته.
3- يكون الفلقي مشرفاً على شئون بيش والجعافرة.
4- يقوم علامة المنطقة الشيخ أحمد بن عبد الله الضمدي بوظيفة الإرشاد والإفتاء.
استمر الفلقي على القيام بشئون الدعوة في بيش والجعافرة من أول سنة 1215هـ 1800م إلى رمضان عام 1217هـ- 1802م الذي نزل فيه عبد الوهاب أبو نقطة من عسير يود جيش إخضاع أمير المنطقة الجديدة حمود بن محمد ويحمل أوامر من الدرعية إلى عرار والفلقي بالانضمام بمجاهديهم إلى ذلك الجيش.
-----------------------------------------------------------------
كما أن وفد حمود يطالب بفصل حمود من ارتباطه بعبد الوهاب ويطلب الارتباط بالدرعية فإن ذلك أنجح للمسعى وأقرب للتحقيق بما لمنصور من مكانة في الدرعية.


ويعرف ناصر بدربته وحنكته مغزى حمود وفي نفس الوقت يشعر بما يعود على ابنه من استقلال إداري ، كما يطلبه فيوافق ويشير على ابنه بالتوجه .
وفعلاً يصل الوافدان إلى الدرعية وتنجح المهمة على الوجه الآتي:
1- يوافق سعود على فصل منصور من ارتباطه بعبد الوهاب – وبربطه بالدرعية فيما عدا الجهاد لقرب جهته من عبد الوهاب.
2- الموافقة على طلب حمود بالانفصال من عبد الوهاب وارتباطه رأساً بالدرعية.
ويعود الوافدان ولم تطل بعد ذلك حياة (ناصر) فيتوفاه الله وابنه مشترك في معركة السعدية قرب مكة مع عبد الوهاب ، وبعد ذلك يعود منصور ، ونرى ابتداء التداعي والتخلخل في سياسته كما سيمر بك مفصلاً .
(النعامية)
3- من مشهوري عشائر المخلاف السليماني الهاشميين وأكثر تجمعهم في الدهنا والعالية وما حولها ، كما يوجد منهم جماعات في الملحا وصبيا وضمد ، وأم الخشب والعدايا ومنهم بيوت في رجال المع وفي أبها وغيرها ، ومن أشهر سلفهم عدد من العلماء والقضاة ومن مشاهيرهم:
‌أ- محمد بن الحسن النهمي المتوفى ستة 999هـ 1590م عالمياً دينياً معروفاً بالجهر بالحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام بالفتوى والتدريس في شمال المخلاف السليماني.
‌ب- الحسن بن محمد بن حسن النعمي المتوفى سنة 1019هـ- 1610م عالماً دينياً معروفاً بالجهر بالحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام بالفتوى والتدريس في شمال المخلاف السليماني.
‌ج- مساوي بن عقيل النعمي احد أعيان قرية الملحا – توفى سنة 1026هـ 1617م.
‌د- إبراهيم بن هادي الفقيه النعمي كان من أركان إمارة الخواجيين بصبيا وفيصل القضاء الشرعي توفى سنة 1038هـ- 1628م.
([1] )انظر الحاشية ص 640 جـ2 من كتابنا المخلاف السليماني الطبعة الثانية
‌ه- العلامة القاضي ناصر بن أحمد عيشان النعمي ، كان من حكام الشرع مشهوراً بسداد الأحكام.
تحري العدالة بين الخصوم حتى أدركته الوفاة سنة 1054هـ- 1644م.
‌و- ومنهم الزاهد يحيى بن حسن النعمي المتوفى سنة1038هـ-1628م.
‌ز- حسن بن محمد النعمي المتوفى سنة 1047هـ- 1937م. ، كان على جانب من الفقه والأدب وله اتصال بأمراء مكة المكرمة ، يواصل زيارته لهم هو والفقيه محمد الأمرح صاحب مشرف ويعودان إلى بلديهما في وساع.
‌ح- العلامة الجليل علي بن محمد بن حسن النعمي ، جمع بين العلم والعمل صادعاً بالحق موفور الجاه بين الناس توفي سنة1049هـ 1639م.
‌ط- العلامة علي بن حسين محمد بن الحسن النعمي ، عرف بالفتوى والشفاعة بنفسه وكتبه لصالح الناس ، تولى قضاء المخلاف السليماني ، وكانت وفاته سنة 1073هـ-1665م.
‌ي- ومن متأخريهم من رجال العهد الإدريسي:
1- عرار بن ناصر النعمي عامل بني مالك وجماعة.
2- مصطفى بن محمد النعمي القائد الإدريسي المعروف .
3- محمد بن حيدر القبي النعمي ، رئيس المحاكم الشرعية ومن كبار رجال ذلك العهد.
(1) أحمد بن حسين الفلقي
ولد بصبيا في المركز الشامي الذي لا يزال بعض أسرته يسكنونه إلى الآن- ومن تلك الأسرة – أحمد زمري الفلقي (1) الذي كان من الحرس الخاص للإمام الإدريسي.
واشتغل الفلقي في شبابه الباكر بالبيع والشراء ، وعندما سمع بمهاجرة بعض شباب الجهة والبلاد المجاورة إلى الدرعية لطلب العلم بمدرسة مصلح الدعوة السلفية الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، سارع في التوجه وانتظم في سلك الدارسين مثل (عرار بن شار ) و ( محمد بن عامر) وبعض أهل بيشة وبعد انتهاء دراسته انتدب كداعية لقومه يحمل رسالة من عبد العزيز بن محمد بن سعود إلى أمراء المخلاف السليماني وأهله ، يدعوهم للدخول في دعوة التوحيد وترك البدع ونبذ الشرك.
وصل إلى بلدته صبيا ، وسلم الرسالة لأميرها منصور بن ناصر الخيراتي الذي بعثها لعمه أمير عموم المنطقة ( علي بن حيدر ) في أبي عريش ، وبعد الانتظار غير المجدي رأى أن يقوم بواجب الدعوة في غير بلدته صبيا.
فتوجه إلى ساحل الجعافرة الذي قبائله على جانب من البداوة والعزلة ، فاتخذ منه مقراً وقام بواجب الدعوة فأقبلت إليه الناس ، وأثمر غرسه وقوى حزبه فعاهده الناس على العمل بكتاب الله وسنة رسوله ونبذ الشرك والسمع والطاعة للإمام عبد العزيز ، وخلع بكتاب الله وسنة رسوله ونبذ الشرك والسمع والطاعة للإمام عبد العزيز ، وخلع طاعة أميرهم.
رفع أمير صبيا بالواقع ، لأميره فتحرك الأمير علي بن حيدر بقوة من أبي عريش ، ودارت المعركة حول قرية (الحجرين) ، فأسفرت عن هزيمة (الفلقي ) وحزبه ، فانسحب بفلول محاربيه إلى جهة بيش ، ورفع للدرعية بما صار فوصلته
الاشتباه ، فاعلموا رحمكم الله تعالى أن الله سبحانه وتعالى أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم ، على فهدي به الدين الكامل ، والشرع التام ، وأعظم ذلك وأكبره ، وزبدته إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له ، والنهي عن الشرك ، وذلك هو الذي خلق الله الخلق لأجله ، ودل الكتاب على فضله كما قال تعالى: ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن أعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) وقال تعالى : ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) وإخلاص الدين هو إخلاص العبادة لله تعالى وحده لا شريك له ، وذلك بأن لا
نجده بقيادة (حزام بن عامر العجماني ) الذي عرج على درب بني شعبة وقضى على المخالفين على الداعية ( عرار بن شار) في جهة الدرب .
ثم استصحب ( عرار ) ومجاهديه ووصلوا إلى بيش فانضم إليهم ( الفلقي ) ومجاهدوه ، وساروا إلى ( الحجرين) ومن ( الحجرين) حمل الفلقي رسالة من القائد حزام العجماني إلى أهل المخلاف وأمير صبيا يدعوهم إلى السمع والطاعة ، وبعد مداولات بين أمير صبيا ، وعمه علي بن حيدر المحصور في داره ، وبين الأمير السابق ( يحيى بن محمد) المقيم في قرية (البيض) ومفتي الجهة (أحمد بن عبد الله الضمدي).
اتفق الرأي على إرسال وفد إلى القائد حزام للدخول في الطاعة والتفاوض على التسليم ، وأبرمت الاتفاقية الآتية :
1- يقوم الأمير يحيى بن محمد بالإمارة العامة للمنطقة ونشر دعوة التوحيد في ضمد والمنطقة الجنوبية.
2- يقوم عامل صبيا منصور بنشر الدعوة في جهته.
3- يكون الفلقي مشرفاً على شئون بيش والجعافرة.
4- يقوم علامة المنطقة الشيخ أحمد بن عبد الله الضمدي بوظيفة الإرشاد والإفتاء.
استمر الفلقي على القيام بشئون الدعوة في بيش والجعافرة من أول سنة 1215هـ 1800م إلى رمضان عام 1217هـ- 1802م الذي نزل فيه عبد الوهاب أبو نقطة من عسير يود جيش إخضاع أمير المنطقة الجديدة حمود بن محمد ويحمل أوامر من الدرعية إلى عرار والفلقي بالانضمام بمجاهديهم إلى ذلك الجيش.
يدعى إلا الله تعالى ، ويستغاث إلا به ولا يذبح إلا له ولا يخشى ولا يرجى سواه ، ولا يرغب إلا فيما لديه ، ولا يتوكل في جميع الأمور عليه ، وإن كل ما هنالك لله تعالى ، لا يصلح شيء منه لملك مقرب ولا لنبي مرسل ، ولا شيء غيرهما.
وهذا هو بعينه توحيد الألوهية الذي أسس الإسلام عليه ، وانفرد به المسلم عن الكافر ، وهو معنى شهادة أن لا إله إلا الله . فلما من الله علينا بمعرفة ذلك وعلمنا أنه دين الإسلام اتبعناه ، ودعونا الناس إليه وإلا فنحن قبل ذلك كنا على ما عليه غالب الناس من الشرك بالله ، من عبادة القبور، والاستعانة بهم ، والترب بالذبح لهم ، وطلب الحاجات منهم ، مع ما ينضم إلى ذلك من فعل الفواحش والمنكرات وارتكاب المحرمات وترك الصلاة وترك شعائر الدين ، حتى أظهر الله الحق بعد خفائه على يد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب([1] ) أحسن الله له المآب ، فأبرز لنا ما هو الحق

وأشترك فعلاً في المعركة التي انتهت بخضوع حمود وانضمام المقاطعة إلى الدرعية ، وبعودة عبد الوهاب إلى صبيا أصلح بين أمير صبيا وبين الفلقي ، وان المخلاف الشامي إلى بيش شمالاً يتبع أمير صبيا ، وأن يكون إمارة الفلقي على الجعافرة ومن يتبعهم فقط ، وأن ينتمي إلى منصور ، وبعد ذلك التاريخ لم نقف على خبر في مظان كتب تاريخ المنطقة عن الفلقي في جهة الجعافرة ، ونرجح أنه توفي إما في أواخر سنة 1217هـ - 1802م أو سنة1218هـ - 1803م.
([1] ) هو الشيخ محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد الراشد بن بريد بن محمد بن بريد بن مشرف بن عمر بن معضاض بن ريس بن زاخر بن محمد بن علوي بن وهيب بن قاسم بن مسعود بن عقبة بن منيع بن نهشل بن شداد بن زهير بن شهاب بن ربيعة بن أبي مسعود بن مالك بن حنظلة بن زيد بن مناة بن تميم بن مرة.
ولد في سنة 1115هـ- 1703م والحالة في البلاد العربية بلد شبه الجزيرة ، على ما كانت عليه من التخلف والفوضى والانحطاط والبعد عن روح الدين الحنيف ، ولد محمد بن عبد الوهاب في بيت كالواحة الخضراء في صحراء الجهل وهجير الفتن .
نشأ وترعرع يفيض عليه حب والده وحنان والدته غدقاً من الحب الأبوي ، وتتعهده تربيتها بما يغرس فيه روح الإيمان ، ويغمر نفسه الغضة بالطمأنينة والرضا وتهيئته لطلب العلم بقلب متفتح وعقل متقبل.
وكلما شب تألق على محياه الذكاء اللماح ، وشعت في أساريره المخائل النجيبة.
إن الهلال إذا رأيت نموه أيقنت أن سيكون بدراً كاملاً
يميزه عن أترابه فوق تلك السمات النبيلة ، والخلق الجاد ، والعزيمة المصممة ، والنضوج المبكر، والنبوغ المرتقب بأنه يصرف جل وقته في تلك السن للمطالعة العميقة في كتب التفسير والحديث ، وقبل بلوغه سن العاشرة استظهر حفظ القرآن وتلاوة (1) ، ومعاني وتفسيراً .

بلغت لعشر مضت من سنينك




ما يبلغ السيد الأشيب



فهمك فيها جسام الأمور




وهم لداتك ، أن يلعبوا




ولما بلغ الثانية عشر بلغ الحلم وأدرك ما يدركه الرجال ، قدمه أبوه في إمامة الصلاة، وكان والده شديد التعجب من قوة حافظته ، وسرعة حفظه لكل ما يطالعه ولو لمرة واحدة ويعترف علناً بالاستفادة منه مع صغره سنة (2)
ولا عجب في ذلك – فبعد مشيئة الله سبحانه وتعالى قد تضافرت في الفتى مقومات التفوق . ومؤهلات النجاح – أسباب ومسببات – هيأها الله للفتى وراثية وفطرية وبيئية ، تجمعت في شخصيته الفذة ، من الذكاء المتقدم ، والشغف العلمي الملتهب ، والطموح الخلقي المحلق ، لاستيعاب أكبر قدر من المعارف الدينية ، والعلوم الإسلامية في أقصر وقت.
ومع كل ذلك فالفتى عملي الطبع ، ديني الخلق ، العلم لديه معلومات تستوعب في سرعة وتركيز ، وفهم مدروك هضام ، ثم تتحول إلى عمل يطبق في التوحيد والعبادة والأخلاق والمعاملات والتوجيه والإرشاد ، وتعليم إسلامي يسير على ضوء العقيدة الصحيحة والنهج القويم ، المستمد من الكتاب والسنة.
وفي تلك السن المبكرة ، من عمره الغض ، جلي في دروسه ، وتفوق في معلوماته وفاق من هو أكبر منه سناً بمراحل ، بل وجعل والده وأستاذه يكتب لصديق من أصدقائه .
(.... أن له فهماً جيداً ، ولو يلازمه سنة على الولاية ، لظهر في الحفظ والاتفاق آية(3)
وأشترك فعلاً في المعركة التي انتهت بخضوع حمود وانضمام المقاطعة إلى الدرعية ، وبعودة عبد الوهاب إلى صبيا أصلح بين أمير صبيا وبين الفلقي ، وان المخلاف الشامي إلى بيش شمالاً يتبع أمير صبيا ، وأن يكون إمارة الفلقي على الجعافرة ومن يتبعهم فقط ، وأن ينتمي إلى منصور ، وبعد ذلك التاريخ لم نقف على خبر في مظان كتب تاريخ المنطقة عن الفلقي في جهة الجعافرة ، ونرجح أنه توفي إما في أواخر سنة 1217هـ - 1802م أو سنة1218هـ - 1803م.
([1] ) هو الشيخ محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد الراشد بن بريد بن محمد بن بريد بن مشرف بن عمر بن معضاض بن ريس بن زاخر بن محمد بن علوي بن وهيب بن قاسم بن مسعود بن عقبة بن منيع بن نهشل بن شداد بن زهير بن شهاب بن ربيعة بن أبي مسعود بن مالك بن حنظلة بن زيد بن مناة بن تميم بن مرة.
ولد في سنة 1115هـ- 1703م والحالة في البلاد العربية بلد شبه الجزيرة ، على ما كانت عليه من التخلف والفوضى والانحطاط والبعد عن روح الدين الحنيف ، ولد محمد بن عبد الوهاب في بيت كالواحة الخضراء في صحراء الجهل وهجير الفتن .
نشأ وترعرع يفيض عليه حب والده وحنان والدته غدقاً من الحب الأبوي ، وتتعهده تربيتها بما يغرس فيه روح الإيمان ، ويغمر نفسه الغضة بالطمأنينة والرضا وتهيئته لطلب العلم بقلب متفتح وعقل متقبل.
وكلما شب تألق على محياه الذكاء اللماح ، وشعت في أساريره المخائل النجيبة.
إن الهلال إذا رأيت نموه أيقنت أن سيكون بدراً كاملاً
يميزه عن أترابه فوق تلك السمات النبيلة ، والخلق الجاد ، والعزيمة المصممة ، والنضوج المبكر، والنبوغ المرتقب بأنه يصرف جل وقته في تلك السن للمطالعة العميقة في كتب التفسير والحديث ، وقبل بلوغه سن العاشرة استظهر حفظ القرآن وتلاوة (1) ، ومعاني وتفسيراً .

بلغت لعشر مضت من سنينك




ما يبلغ السيد الأشيب



فهمك فيها جسام الأمور




وهم لداتك ، أن يلعبوا




ولما بلغ الثانية عشر بلغ الحلم وأدرك ما يدركه الرجال ، قدمه أبوه في إمامة الصلاة، وكان والده شديد التعجب من قوة حافظته ، وسرعة حفظه لكل ما يطالعه ولو لمرة واحدة ويعترف علناً بالاستفادة منه مع صغره سنة (2)
ولا عجب في ذلك – فبعد مشيئة الله سبحانه وتعالى قد تضافرت في الفتى مقومات التفوق . ومؤهلات النجاح – أسباب ومسببات – هيأها الله للفتى وراثية وفطرية وبيئية ، تجمعت في شخصيته الفذة ، من الذكاء المتقدم ، والشغف العلمي الملتهب ، والطموح الخلقي المحلق ، لاستيعاب أكبر قدر من المعارف الدينية ، والعلوم الإسلامية في أقصر وقت.
ومع كل ذلك فالفتى عملي الطبع ، ديني الخلق ، العلم لديه معلومات تستوعب في سرعة وتركيز ، وفهم مدروك هضام ، ثم تتحول إلى عمل يطبق في التوحيد
والصواب من كتاب الله المجيد ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، فتبين لنا الذي نحن عليه وهو دين غالب الناس اليوم ، من الاعتقاد في الصالحين وغيرهم ، ودعوتهم والتقرب بالذبح لهم ، والنذر لهم ، والاستعانة بهم في الشدائد ، وطلب الحاجات منهم ، أنه الشرك الأكبر الذي نهى الله عنه ، وتهدد بالوعيد الشديد عليه ، وأخبر في كتابه أنه لا يغفره إلا بالتوبة منه ، قال تعالى: ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك) ([1] ) وقال تعالى : ( إنه من يشرك بالله فقد حرم عليه

الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار ([2]) . وقال تعالى : ( والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير) ([3]) . والآيات في أن دعوة غيره

([1] ) روضة الإفهام 25/1
(2) سورة النساء آية 48
(3) روضة الإفهام 25/1
(4) المصدر نفسه ص26/1 ، انظر كتابنا ( الشيخ محمد بن عبد الوهاب ) حياته وآثاره العلمية ط/ سنة1404هـ - 1984م.


([2]) سورة المائدة آية 72

([3]) صورة الجن آية 18
-----------------------------------------------------------------------
والعبادة والأخلاق والمعاملات والتوجيه والإرشاد ، وتعليم إسلامي يسير على ضوء العقيدة الصحيحة والنهج القويم ، المستمد من الكتاب والسنة.
وفي تلك السن المبكرة ، من عمره الغض ، جلي في دروسه ، وتفوق في معلوماته وفاق من هو أكبر منه سناً بمراحل ، بل وجعل والده وأستاذه يكتب لصديق من أصدقائه .
(.... أن له فهماً جيداً ، ولو يلازمه سنة على الولاية ، لظهر في الحفظ والاتفاق آية(3)
([1] ) روضة الإفهام 25/1
(2) سورة النساء آية 48
(3) روضة الإفهام 25/1
(4) المصدر نفسه ص26/1 ، انظر كتابنا ( الشيخ محمد بن عبد الوهاب ) حياته وآثاره العلمية ط/ سنة1404هـ - 1984م.

([1]) سورة المائدة آية 72
([1]) صورة الجن آية 18
([1]) سورة فاطر آية 13 ، 14

شرك أكبر كثيرة واضحة شهيرة ، فحين كشف الله لنا الأمر وعرفنا ما نحن عليه من الشرك والكفر بالنصوص القاطعة والأدلة الساطعة ، من كتاب الله عز وجل وسنة رسوله وكلام الأئمة الأعلام الذي اجتمعت الأمة على روايتهم ، عرفنا ما نحن عليه وما كنا ندين به ، أنه الشرك الأكبر الذي نهى الله عنه وحذر ، وأن الله أول ما أمرنا به أن ندعوه وحده وذلك كما قال تعالى : ( وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً ) ([1]) وقال تعالى : ( له دعوة الحق ) ([2]) وقوله تعالى : ( ومن أظلم ممن يدعو من دون الله من كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين) . وإذا عرفتم هذا فأعلموا رحمكم الله أن الدين لله تعالى ، وهو إخلاص العبادة لله وحده ، ونفي الشرك ، وإقامة الصلاة جماعة ، وغير ذلك من أركان الإسلام ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يخفي على ذوي البصائر والأفهام والمتدبرين من الأنام أن هذا هو الدين الذي جاءنا به الرسول صلى الله عليه وسلم ، قال جل جلاله ( ومن يتبع غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه) وقال تعالى : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً ) ) فمن قبل هذا وألزم العمل به فهو حظه في الدنيا والآخرة ونعم الحظين الإسلام ، ومن أتى غيره واستكبر فلم يقبل هدى الله لما تبين نوره وسناه ، نحيناه عن ذلك وقاتلناه قال تعالى : ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ) وقصدنا بهذه النصيحة لكم والقيام بواجب الدعوة . قال تبارك وتعالى ( قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن أتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين).
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً . انتهى .
فلما وصل السيد أحمد بن حسين الفلقي بهذا الكتاب ، وكان قد استوطن أسفل وادي بيش([3]) عند الأشراف الجعافرة([4]) ، وهم بدو قليل مخالطتهم لأهل الأمصار ، فكان

([1]) سورة فاطر آية 13 ، 14

([2]) سورة الرعد آية 14

([3]) وادي بيش هو أكبر أودية المنطقة – راجع كتابنا المعجم الجغرافي ، الطبعة الثانية – ويطلق اسمه –
مجازاً – على ما تسقيه مياهه ، من (النخري) و( مسليه ) إلى ساحل ( الجعافرة ) .

([4]) (الجعافرة) اسم قبيلة معروف من قبائل المنطقة تمتد مواطنها من ( جريبة) إلى ( المقارية) في ساحل
(جازان) ، وهو ( خلف ) يضم عدداً من القبائل تنضوي تحت اسم القبيلة الرئيسية – الجعافرة الهاشمية – كأهل ( الأثلة) وأهل قرية (الحجرين) وغيرهم
------------------------------------------------------------------
([1]) سورة فاطر آية 13 ، 14
([1]) سورة الرعد آية 14
([1]) وادي بيش هو أكبر أودية المنطقة – راجع كتابنا المعجم الجغرافي ،
الطبعة الثانية – ويطلق اسمه –السيد أحمد يعظهم ويعلمهم الشرائع ، ومع خلو قلوبهم يقر فيها ما وعوه عنه ، فلما تبين لهم هذا اجتمعت كلمتهم على أن يتعاهدوا ويتعاقدوا على ما تضمنه كتاب ابن سعود المذكور ، وقبل هذا انضم إليهم قبائل من أهل وادي بيش ، فيها جماعة من الفقهاء من أهل (الأثلة) قرية غربي وادي بيش ، ثم انتشر هذا الأمر إلى أكثر من قرى المخلاف([1]) واجتمع رأيهم على خلع طاعة أمير البلد ، وكانت ولايتهم إلى أمير صبيا وهو ينتمي إلى عامل أبي عريش ، وصاحب صبيا يومئذ الشريف الماجد الرئيس منصور بن ناصر بن محمد بن أحمد الحسني الملقب بالملك العادل([2]) ، وسيأتي له


([1])المخلاف السليماني اسم يطلق على المنطقة بأسرها من (الموسم ) في الجنوب إلى (حلي) في
الشمال نسبة إلى سليمان بن طرف الحكمي – القرن الرابع الهجري العاشر الميلادي

([2]) منصور بن ناصر
من أبرز أمراء الأسرة الخيراتية ، وعلى جانب من الثقافة والأدب والتهذيب ، وقد عنى أبوه بأمر تنشئته وتدريبه وتوجيهه على شئون الإمارة مبكراً ، وعندما بلغ سن الشباب واستكمل نضجه أنابه على الإمارة – كما سبق التوضيح في ترجمة والده.
وظل يرعاه ويوجهه ويشير إليه بطرق السداد ، كما لقبه بالملك العادل ليزمن ولو على اتصاف ببعض صفات اللقب ، ويسير ولو باختصار على شيء أو بعض شيء من نعته الجديد .
ظل منصور يسير على النهج الواضح والخطة السياسية الحكيمة في نهج ما يرسمه والده حتى توفي الله الوالد – كما سبق الإشارة إلى ذلك.
وبعد ذلك فقد منصور الروح الموحية ، والإرادة الموجهة والالتزام بالخطة الواحدة ، فيرى عمه حمود بأن ابن أخيه أسهل من أن يصعب عليه قيادة ، فيبدأ بمد أذرع أخطبوط سياسته ، لخضه أولاً واجتذابه – متى سلس قياده – إلى فلكه .
فيبدأ حمود أولاً بتوقيف صرف مقرره من محصول ميناء اللحية ، الذي فرضه له عبد العزيز وأقره سعود بن عبد العزيز لتغطية ما يترتب على منصور من نفقات الجهاد وواجبات الضيافة للوافدين من نجد وعسير إلى حمود من وفود ومجاهدين ) وتتأزم الأمور بين منصور وعمه نتيجة لذلك ، ويبتدئ الجفاء بعقبة من منصور الرفع للدرعية ، ويكتب سعود لحمود باللازم فينتحل حمود الأعذار ، وتطول المطالبة من منصور والمماطلة من حمود .
وتشعر الدرعية بتأزم الموقف بين العم وابني أخيه منصور بن ناصر وعلي بن حيدر ويتصعد الموقف بين حمود وابني أخيه ، ويضطر إلى السفر إلى مكة ويقابلا الإمام سعود بعد الحج ويبثاه شكواهما ، فيبعث لجنة من حل القضية صلحاً بإعادة مقررات منصور وبترضيه علي بن حيدر ببعض مطالبه . ويعود الوفد بعد انتهاء مهمته وإصلاح ذات البين.
وبعد ذلك يبدأ تفاقم الأمر بين عبد الوهاب وحمود ، ويتلبد الأفق بالغيوم بعد سقوط مكة ، وقطع اسم خادم الحرمين في الحجاز ومكة وغيرها من خطبة الجمعة للسلطان ، والدولة العثمانية في ضعفها في تلك الفترة كانت حريصة على قشور الألقاب ، كتعويض وتستر لما بلغته من الضعف ، وشعرت تلقائياً أنها فقدت هيبتها وسلطتها الروحية في العالم الإسلامي ، فبدأت من سنة 1221هـ - 1806م بتهيئة تجريد حملة قوية باسم تحرير الحرمين ، وبثت رسلها إلى كافة أنحاء الجزيرة ، تحرض وتؤلب وتستقطب كل من تتوسم فيه الاستجابة أو التحرك والمشاركة.
فنرى حموداً يبدأ باستقطاب منصور وغيره ، وتشعر الدرعية بحركة حمود الخفية ، ويؤيد ذلك رفعيات عبد الوهاب.ومنصور قد فقد المناعة السياسية التي كان يحصنه بها أبوه ، فيستجيب لإغراءات عمه ويقطع علاقته بالدرعية ، ويعلن انضمامه إلى عمه (1)
ويستدعي حمود إلى الدرعية ، فينتحل الأعذار بعداء إمام صنعاء له وخشيته على مكاسب الدولة السعودية في تهامة اليمن فيصل الأمر بالمقابلة في موسم الحج فيتفتق ذهنه عن محاولة جديدة للتأخير ، فينتحل شتى
([1]) أبو سبعة لا نعرف عنه إلا ما ورد في هذا المصدر – نفح العود- ويظهر أنه من صالحي جهتنا ، فتن الناس حياً كما زادت الفتنة به بعد موته وقد اتخذ من قبره وثناً يعبد حتى وصلت الدعوة السلفية فهدم بناءه
الداعية أحمد الفلقي وأما عشيرته فهم بيت علم ، ويقول مؤلف (الجواهر اللطاف) – مخطوط- السباعية القضاة المشهورون من سكنه قرية (الرجيع) – في بلاد الجعافرة) – انتهى.
الأعذار ويرسل رسالة اعتذار أو ما يعتقده كمبررات لتأخره مع ابن أخيه يحيى بن حيدر فيقابل سعوداً ويقدم الرسالة فلم يلمس لها قبولاً بل يجد التصميم بضرورة حضور عمه.
فيتصل بغالب بن مساعد – الذي لا يبعد أن يكون على اتصال مسبق محمود- فيشير عليه غالب بسرعة العودة إلى عمه ، وما يراه بالنسبة إلى سياستهما مع محمد علي والدولة العثمانية.
وبعودة يحيى بن حيدر تتولى الإغراءات على حمود من :
1- الدولة العثمانية.
2- محمد علي باشا والي مصر.
3- إمام صنعاء.
وتنتهي تلك الإغراءات بإبرام صلح بين حمود وخصمه بالأمس إمام صنعاء على ما يأتي:
1- يتنازل حمود لإمام صنعاء عن ميناء المخا وبواديها.
2- يتعهد إمام صنعاء بإمداد حمود بمرتزقة من همدان وغيرها من قبائل اليمن.
وبذلك يشعر حمود بتأمين ظهره ، فيسفر عن صفحته بالمخالفة وتصدر أوامر الدرعية لعبد الوهاب بن عامر بالتقدم على المخلاف السليماني وخض شوكة حمود.
ويستعد حمود وتدور المعركة في بيش وتنتهي:
1- بقتل عبد الوهاب في أثناء المعركة.
2- هزيمة حمود وانسحابه إلى أبي عريش .
أنسحب حمود مهزوماً من المعركة التي جر إليها ابن أخيه منصور بن ناصر – كما سبق توضيحه – وبوصوله صبيا أبقى خمسمائة من مرتزقة همدان مع ابن أخيه منصور ، وحثه على الثبات ووالى انسحابه إلى أبي عريش.
وضرب الجيش السعودي الحصار على قلعة صبيا ولم يصمد منصور فقد تفاوض مع قادة الجيش الذي هو على معرفة ببعضهم على تسليم القلعة مقابل ما يأتي:
1- سلامة الخمسمائة المرتزقة من همدان وترك حرية الرجوع لهم بالتوجه إلى أبي عريش.
2- أن يستسلم منصور شخصياً ويرفع خطاباً إلى الدرعية معتذراً متنصلاً عن مخالفته ن أملاً في العفو عنه وعودته لإمارته .
فوصل الجواب بعده فترة وهو مقيم في قرية الحسينية في انتظار الجواب الذي وصله سلباً فظل في دوامة وتخبط .
فالدرعية لم تغفر له مخالفته وعصيانه وترى أنه خان العهد وخلع الطاعة ، فلا ينبغي الركون إليه .
وهمه حمود يرى أنه لم يثبت ولم يقاوم في حال أن لديه قوة وسلاحاً ومؤناً قد أمنها له وأنه فقد روح المقاومة وأسباب الثبات .
فاسقط في يده ولم ير وسيلة إلا الكتابة لعمه يطلب الإذن بإرسال أمتعته إلى أبي عريش وربما يلحقهم بدوره.
فاستجاب حمود بلهجة الممتن المتفضل على ابن أخيه وبوصوله إلى أبي عريش ظل وراء دائرة العناية الكلية ، أو المشاركة الفعلية ، واكتفى بتقرير مصروفاته كضيف.
وبعد فترة والحروب دائرة بين قوات محمد علي والدرعية أرسل حمود قوة لاستعادة مدينة صبيا بقيادة لا منصور بل بقيادة شخص آخر ، يرافقها منصور كمستشار ورضي منصور بالواقع على مضض أملا فيما إذا فتحت صبيا أن تعاد له إمارتها.
فإذا عمه يولي ذلك القائد على إمارة صبيا ويعود هو إلى أبي عريش في غاية الضجر والغضب ، ولم يكن حظ علي بن حيدر نفسه بأحسن من حظ منصور ، فيسجن أخاه ويشتعل غضبه بدوره ، ويتوجه هو ومنصور إلى حاكم الحجاز من قبل محمد علي للانضمام إلى قوة محمد علي ضد عمهما.
فيحسن حاكم الحجاز استقبالهما ويخبرهما في المكان الذي يرغبان الإقامة فيه – مؤقتاً – حتى تنتهي معركة الدرعية فيختاران ( حلى بن يعقوب ) ليكونا بمنجي عن وطنهما ، وبعد سقوط الدرعية تسير قوة بقيادة جمعة باشا إلى عسير فيقابلها جيش حمود في (الحمى) من رجال المع فينهزم الجيش ويعود منصور وعلي بن حيدر إلى محل إقامتهما .
ويتقدم بعد ذلك سنان باشا يقود جيشاً إلى عسير يرافقه منصور بن ناصر ، وتدور المعركة بين حمود وبينه في الملاحقة من بلاد بني مالك ، وتنتهي بهزيمة سنان وجيشه وقتل منصور وسنان ، وبعد ذلك كان موت حمود ، أما علي بن حيدر فقد تأخر عن الحملة لأسباب مرضه ، فأثبت بعد ذلك بإرسال حملة عسكرية معه إلى المخلاف السليماني ، تولت القبض على الأمير الجديد احمد بن حمود ، وتوليته إمارة المخلاف تحت تبعية حاكم محمد علي في الحجاز.
وكان منهم (سماية)([1]) تصدر لمن تصدر لذلك ؟ يقال لهم بزعمهم الصائب.
وهو من صاب يصوب صباً فهو صائب من الصواب ، وهو من أسماء الأضداد ، فإن حكم الطاغوت في الحقيقة هو الخطأ المحض. وعند وصول هذه الدعوة نبذوا الأحكام . وكانوا ينتمون في الأقوال والأفعال إلى السيد أحمد الفلقي . وكان قد سكن بينهم كما

أبو سبعة لا نعرف عنه إلا ما ورد في هذا المصدر – نفح العود- ويظهر أنه من صالحي جهتنا، السلفية فهدم بناءه الداعية أحمد الفلقي وأما عشيرته فهم بيت علم ، ويقول مؤلف ( الجواهر اللطاف) –مخطوط- السباعية القضاة المشهورون في سكنه قرية( الرجيع) – في بلاد الجعافرة – انتهى.
ونضيف إلى ذلك أن من مشاهير السباعية:-
1- الشاعر الأديب ذو الخط المتقن الجميل( الهادي بن عثمان السبعي)(1) المتوفى سنة 1061هـ - 1650م.
2- العلامة محمد بن أحمد السبعي(2) من علماء الشافعية في المنطقة وتولى القضاء بمدينة صبيا سنة 1276هـ - 1859م.
3- العلامة محسن بن أحمد السبعي ولي وظيفة القضاء في غير جهة من الجهات عاش إلى سرار القرن الثالث عشر (3) . وفي وقتنا الحاضر منهم أناس في ( الجعافرة) وجماعة في صبيا يعرفون
(1) العقيق اليماني _ مخطوط_
(1) العقيق اليماني_ مخطوط.
(2) تاريخ الوشلي- مخطوط.
بآل عبد الباقي وجماعة منهم في العالية، وآخرون في السلامة ، وعشيرة في الحسنى.
([1] ) هكذا في الأصول الثلاثة التي لدى (سماية) وفي أحداها الكلمة بدون نقط . جرى التنويه.
---------------------------------------------------------------------------
قدمنا وفارق مسقط رأسه (مدينة صبيا) ([1]) وأختار موالاة الجعافرة لأجل أن يبث فيهم الخير ، ويكون ممن قام بوظيفة التبليغ، فتظاهر الجعفريون وأهل (الأثلة) ([2]) وكثير من أهل القرى على القيام بدعوة ابن عبد الوهاب والخروج عن طاعة من خالفها، وأما أهل صبيا فلم يتظاهروا بذلك وأبطنه كثير منهم ، وكان يلقي إلى (الفلقي) الموالاة في الباطن ويعتذرون عن التظاهر بالخوف من الشريف منصور بن ناصر ، وهو ما زال يكتب إلى ابن عمه الشريف علي بن حيدر([3]) القائم بأمر أبي عريش ويستحثه على

([1] ) مدينة (صبيا) و(الأثلة) – راجع كتابنا ( المعجم الجغرافي لمنطقة جازان) الطبعة الثانية (1399هـ
1978م.

([2] ) مدينة (صبيا) و(الأثلة) – راجع كتابنا ( المعجم الجغرافي لمنطقة جازان) الطبعة الثانية (1399هـ
1978م.

([3] ) علي بن حيدر بن محمد الخيراتي:
ولد في سنة 1182هـ- 1768م ، وتوفي سنة 1254هـ1838م اشتهر بالشجاعة والفروسية وعاش في مستهل حياته بين الفروسية ومطالعة كتب الأدب ، وفي أثناء اضطرابات الأمور على عمه يحيى بن محمد الذي كان يتولى أمر المنطقة سنحت له الفرصة فتولى الإمارة بدلاً عن عمه الذي استقر في أملاكه في قرية البيض.
وما هي إلا سنوات قليلة حتى عارضه عمه حمود كما أسلفنا وتغلب عليه حتى استولى على الإمارة ، ومع ذلك نراه يشترك في معركة أبي عريش بجانب عمه ضد الجيش السعودي ، وإنما قبل التسليم وعندما رأى الغلبة أشار على عمه بالتسليم فامتنع ، فأتصل بعبد الوهاب وطلب منه إرسال مقدم من جيشه لحماية داره خوفاً مما سيقع على الحرم من الترويع والمعرة . فيما لو أخذ ( حي الديرة) عنوة ، وإنما في صبيحة تلك الليلة وافق حمود على التسليم.
وبعد دخول حمود في الطاعة وقيامه بإرسال أول سرية لغزو تهامة اليمن نجد أن رئيسها تحت قيادة ابن أخيه علي بن حيدر الذي أصبح من قواد السرايا واشترك في عدة وقائع.
وفي حوالي سنة1222هـ - 1807م تأزمت الأمور بين علي بن حيدر وعمه الأمير حمود، وبعد التجاء منصور بن ناصر من الحسينية إلى عمه حمود في أبي عريش ، ألف الجفاء بين الاثنين في الوقوف معاً وغاضبة عمهما حمود إلى أن اشتد الخلاف فتوجه علي بن حيدر وابن عمه منصور إلى حسن باشا حاكم محمد علي على مكة ، وصارا كما وضحنا في ترجمة منصور بن ناصر – ضيفين على حكومة محمد علي ، إلى أن قتل منصور وانتهت قوات محمد علي من حرب نجد بسقوط الدرعية.
وكان محمد علي واجداً على حمود بالغرم من كل ما سبق لأنه لم يشترك مع حملاته الحربية في أية جهة. فسجل اسمه في القائمة السوداء من جملة من ينبغي تصفيتهم ، ولما كان حمود قد توفي بعد معركة الملاحة مباشرة فأصبح طلب الثأر في رأيهم تصفية أو إزالة إمارته المتمثلة في وريثته الشرعي أحمد بن حمود ، بحجة أن حموداً ثم ابنه أحمداً كانا تحت طاعة السعوديين وأن كان في الحقيقة أن أحمد بن حمود لم يخلف أبيه إلا بعد سقوط الدرعية.
وعملاً بالخطة المرسومة للدولة العثمانية ولسياسة محمد علي التي كانت توائم بين طاعتها لتبعيتها الاسمية للدولة العثمانية ، وارتباطها بالسياسة البريطانية في البلاد العربية ، فقد اتجهت حملته الأخيرة بقيادة خليل باشا إلى جنوب الجزيرة ، واستصحب معه علي بن حيدر – من محل إقامته ( حلي بن يعقوب) – المرشح لأشغال مركز خلف حمود لتناط به إمارة المخلاف السليماني تابعة لإدارة حاكم محمد علي بمكة ، ومن حين وصوله إلى منطقة المخلاف السليماني عسكر خليل باشا بقوته قرب ضمد، ليباشر الضغوط على الأمير أحمد بن حمود ، ويقيم الأحابيل وينصب الأشراك، وتوجه علي بن حيدر من المعسكر رأساً إلى داره في أبي عريش.
وانتهى الموقف بإلقاء القبض على الأمير أحمد بن حمود في أثناء إحدى زياراته لخليل باشا ومن ثم إرساله إلى مدينة جازان ليلاً وترحيله في السفينة التي تنتظر للإبحار به إلى مصر وبترحيله اسند خليل باشا الإمارة إلى علي بن حيدر وسار إلى اليمن بحجة استعادة أملاك الدولة وقسم جنوب الجزيرة إلى قسمين:
1- سلم المخلاف السليماني وقسماً من تهامة اليمن إلى (علي بن حيدر) وأن يكون مرتبطاً بحاكم محمد علي في مكة.
2- سلم القسم الآخر لإمام صنعاء ، على أن يدفع خراجاً سنوياً ميسراً لمحمد علي باسم الدولة العثمانية.
وظل علي بن حيدر في إمارته المتأرجحة بين إدارة محمد علي في مكة تارة وخضوعه القسري لأمراء عسير تارة أخرى حتى توفي سنة 1254هـ - 1838م.
([1] ) (يام) قبيلة يام أهل نجران: كانوا جنداً مرتزقة مع أمراء آل خيرات. انظر (آل خيرات) ، في كتابنا
المخلاف السليماني.
([1] ) (الحجرين) قرية من قرى (الجعافرة) انظر كتابنا (المعجم الجغرافي لمنطقة جازان)
---------------------
تــابع











التوقيع

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
الشيخ:/ محمد بن حسين بن بيطلي بن حسين أبوعطله العامري
شيخ شمل قبيلة بني يعلا بوادي يبه

 
آخر مواضيعي

0 من الذي باع أراضي فلسطين لليهود ؟ سمسار اسرائيلي يؤرخ ويروي الأسماء !
0 محامي الجيزاوي: موكلي مغرر به وسأطعن بالإجراءات وانسحب إذا رفض طلبي
0 مقتدى الصدر الرافضي يلتقي معارضين بحرينيين في إيران
0 زيارة الملك سعود بن عبد العزيز للأردن على ظهر جواد عام 1933
0 الداخلية تكشف تورُّط الزنادي في إطلاق النار بالعوامية وتقبض عليه مصاباً

عرض البوم صور آل قطبي الحسني   رد مع اقتباس
قديم 01-11-2010, 06:58 AM   رقم المشاركة: 4
مشرف سابق

الصورة الرمزية آل قطبي الحسني



رقـم العضـوية 14
تاريخ التسجيل Mar 2010
عدد المشاركات 5,596
القبيلة نحن بنو يعلى من كنانة=رأس المضريين وفرسانها
مكان الإقامة إمارة بني يعلى
المهنة طالب
 
 
آل قطبي الحسني غير متواجد حالياً

افتراضي

([1] ) (الجارة ) قرية شمال غرب (صبيا) من قرى المخلاف الشامي.
([1] ) (العماريون) هاشميون من سكان قرية الجارة ، ومنهم بيوت في قرية (الجمالة) وفي قرية أبي السلع و(الحسيني) وغيرها إلى هذا التاريخ
([1]) يحيى بن محمد بن أحمد خيرات الحسني أحد أمراء آل خيرات : تولى إمارة المنطقة ثلاث مرات في فترات متفاوتة – راجع أخباره في كتابنا المخلاف السليماني ص. 445.جـ1 الطبعة الثانية.
ولما التقى الحيان والتحم القتال كانت الدائرة على الجعافرة ، فولوا الأدبار ولم ينجهم إلا الفرار ، وما زالت خيل الشريف تطردهم حتى مد الظلام ستوره ، وأطلع الليل ديجوره ، فانجلت المعركة عن قتل كثير من أهل المخلاف وأسر كثير ، ثم تفرقوا بعد ذلك أيادي سبأ . الشريف استقر (بالحجرين) وكاتبه أهل المخلاف – مخلاف بيش- يطلبون الأمان فأمن من طلب الأمان ولم يقتل من الأشراف في تلك العشية إلا الشريف الهمام مسعود بن محمد الحسني أخو حمود وخصيصه من بين أخوته ، قتله رجل من موالي أهل الجارة اختلفا هو وإياه بطعنتين برمحين، فالعبد زهقت روحه في المعركة ومسعود تعلل أياماً ثم مات ودفن بصبيا ، لأنه انتقل من المطرح إلى بيت أخيه الشريف ناصر بن محمد، وأقام هناك حتى انتقل إلى جوار ربه ، وقتل رجل من يام في تلك المعركة ، وأقام الشريف في ذلك المطرح نحو شهر حتى انتظم الأمر في المخلاف على الطاعة ، ثم عاد إلى أبي عريش وما لبث بعد عودته إلا أياماً قلائل حتى وثب عليه – عمه – حمود ينازعه في الملك ويجلب عليه دواعي الهلك ، فاستمد الخلاف والشقاق بينهما قريباً من ثمانية أشهر حتى انحاز علي بن حيدر في بيته وكان الحرب بينهما برمي البنادق من البيوت، واقبل الناس على حمود ، ولم يبق مع علي بن حيدر إلا خاصته من إخوانه ومن عليه له إحسان غامر وحين طال النزاع وقوى اله الشام([1]) على التجمع وخلع طاعة الأشراف ، أقبلت غوائر نجد تنهب وتقتل من تقتل وتسبي من تسبي ، وأشتغل منصور بن ناصر صاحب صبيا بمعاناة أهل الشام ، وكان يحث ابن عمه علي بن حيدر وعمه حمود على الصلح والالتئام ، وكان في أثناء محاربة الشريفين وصل من الجهة النجدية (حزام بن عامر العجماني) غازياً في نحو مائة خيال من فرسان العجماني ونحو خمسمائة من أهل الركاب- المطايا – ولما وصل إلى (درب بني شعبة) وكان (عرار بن شار) ([2]) المعروف بـ( أبن شله) الشعبي قد دان دين




([1] ) (أهل الشامل) : يقصد جند الدولة السعودية.
([2] ) عرار بن شار الشعبي من دعاة الدعوة في المنطقة توفي سنة1220هـ-1805م في الدرعية .انظر الفصل الخاص بقبيلة بني شعبة من ص13- 87 في كتابنا ( الأدب الشعبي في الجنوب) جـ2.
النجدي([1]) وأرسل (سالم شكبان) أمير (بيشة) وعاهده على الدخول في الدعوة والقيام بها وبثها في الناس ، والقتال عليها فأطاعه من قومه من أطاعه وعصاه الكثير منهم ، فحين وصل (حزام بن عامر) غازياً انتصر به ودخل الدرب، وصحبه نهاراً ، وأخذ دور المخالفين ولم يرتحل حتى نزل أهل الحصون على حكم عرار ، فقبل منهم العهد على الدخول؟ وأمره عليهم فاستوثق أمر (عرار) واجتمع به السيد ( أحمد بن حسين الفلقي وصحب (حزاماً) في الغزو إلى (اليمن ) وحين ارتحل (حزام) من (الدرب) توجه إلى (خبت السيد) ([2])




([1] ) قول المؤلف (دين النجدي) هو مما روجته الدعاية المغرضة ضد الدعوة الإصلاحية التي قام بها الشيخ محمد لإحياء معالم الدين واستئصال الشرك ونبذ البدع ، وإلا فالدين هو دين الله ورسوله والدعوة هي دعوة مصلح متبع لا مبتدع ، قام يدعو الناص بإحياء ما جاء في كتاب الله وما ورد في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم حيث طغى الجهل على الناس وامتدت سدول الظلام والجهل في نجد وغيرها من أرجاء الجزيرة العربية – مما سنأتي على بيانه- ونكتفي هنا بإيراد كتاب من الشيخ محمد نفسه (ورد في كتاب عنوان المجد جـ1. ص.106) صادر إلى علماء مكة وهذا نصه.


بسم الله الرحمن الرحيم

من محمد بن عبد الوهاب إلى العلماء الأعلام في بلد الله الحرام نصر الله بهم دين سيد الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام وتابعي الأئمة الأعلام .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد جرى علينا من الفتنة ما بلغكم وبلغ غيركم ، وسببه هدم بنيان في أرضنا على قبور الصالحين، ومع هذا نهيناهم عن دعوة الصالحين ، وأمرناهم بإخلاص الدعاء لله ، فما أظهرنا هذه المسائل مع ما ذكرنا من هدم البنيان على القبور العامة وعاضدهم بعض من يدعي العلم لأسباب لا تخفى على مثلكم ، أعظمها اتباع الهوى مع أسباب أخرى ، فأشاعوا عنا أشياء يستحيا من ذكرها.
وأنا أخبركم بما نحن عليه بسبب أن مثلكم لا يروج عليه الكذب ، فنحن ولله الحمد متبعون لا مبتدعون على مذهب الإمام أحمد ، وتعلمون أعزكم الله أن المطاع في كثير من البلدان لو يتبين بهاتين المسألتين أنها تكبر على العامة الذين درجوا وآباؤهم على ضد ذلك ، وأنتم تعلمون رحمكم الله في ولاية الشريف أحمد بن سعيد وصل إليكم الشيخ عبد العزيز بن عبد الله وأشرفتم على ما عندنا بعد ما أحضروا كتب الحنابلة التي عندنا عمدة ، كالتحفة والنهاية عند الشافعية ، فما طلب منا الشريف غالب أعزه الله ونصره امتثلنا وهو إليكم واصل ، فإن كانت المسألة إجماعا فلا كلام ، وإن كانت مسألة اجتهاد فمعلومكم أنه لا إنكار في مسائل الاجتهاد ، فمن عمل بمذهبه في محل ولايته لا ينكر عليه.
وأنا اشهد الله وملائكته وأشهدكم أني على دين الله ورسوله ، وأني متبع لأهل العلم .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،
والدعوة كما ورد في كتبنا وما سار عليه أتباعها هي دعوة لإحياء عقيدة التوحيد وتجديد معالم الدين والسيرة على طريقة السلف الصالح من سابقي هذه الأمة ، وهم يتبعون مذهب الإمام أحمد بن حنبل في الفروع . والدعوة ليست جديدة بل هي تجديد وإحياء للعقيدة الإسلامية الصحيحة التي أساسها كتاب الله وسنة رسوله.
وأهم أمور الدعوة : التوحيد ، واختصاراً نورد ما جاء في كتاب التوحيد للشيخ محمد:
1- توحيد الربوبية:
التوحيد : هو القول بأن لا إله إلا الله وهو إفراد الله سبحانه بالعبادة وهو دين الرسل الذين أرسلهم الله إلى عبادة – أولهم نوح عليه السلام وآخرهم محمد صلى الله علية وسلم .
أرسله الله إلى أناس ليتعبدوا ويحجوا ويتصدقوا ، ويذكروا الله كثيراً ، ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله فبعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم يجدد لهم دين أبيهم إبراهيم عليه السلام ، ويخبرهم أن هذا التقرب والاعتقاد حق لله لا يصلح منه شيء لا لملك مقرب ولا لنبي مرسل ، فضلاً عن غيرهم ، وإلا فهؤلاء المشركون مقرون يشهدون أن الله هو الخالق الرازق وحده لا شريك له وانه لا يرزق إلا هو ، ولا يحيي ولا يميت إلا هو ، وأن جميع السموات السبع ومن فيهن ، والأرضين ومن فيهن حكمهم عبيده ، وتحت تصرفه هو.
والدليل على أن هؤلاء المشركين الذين قاتلهم رسول الله صلى الله علية وسلم يشهدون بهذا فأقروا قوله تعالى: ( قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون) (1) .
(1) سورة يونس الآية 31.
([2] ) انظر كتابنا التوحيد ص52
وقوله : ( قل لمن الأرض ومن فيها أن كنتم تعلمون ، سيقولون لله قل أفلا تتقون ، قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون ، سيقولون لله قل فأنى تسخرون)(1)
فهم مقرون بهذا ، وأنه لم يدخلهم في التوحيد الذي دعاهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
عرفت أن التوحيد الذي جحدوه هو توحيد العبادة الذي يسميه المشركون في زماننا ( الاعتقاد) كما كانوا يدعون الله سبحانه ليلاً ونهاراً ، ثم منهم من يدعوا الملائكة لأجل صلاتهم وقربهم من الله ليتشفعوا له ، أو يدعوا نبياً مثل عيسى . عرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلهم على هذا الشرك ودعاهم إلى إخلاص العبادة لله وحده كما قال تعالى : (وأن المساجد لله فلا تدعوا ما الله أحدا)(2) وقوله تعالى: (له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء ) (3)
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قاتلهم ليكون الدين كله لله ، والذبح والنذر كله لله والاستغاثة كلها بالله ، وجميع أنواع العبادات كلها لله ، وإن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام. الخ.
2- توحيد الألوهية :
وهو أهم أنواع التوحيد الثلاثة وهو إقرار الله بالعبادة ، صرف جميع أنواع العبادة لله سبحانه ، ومنع التوسل والحلف والرجاء والاستعانة والاستعاذة والدعاء والنذر ، وغير ذلك من أنواع العبادة ، قال تعالى : ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين)(4)
وقال تعالى: عن الصلاة والنحر : (فصل لربك وأنحر)(5) وقال تعالى : ( وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا) (6) . وعن الدعاء قال تعالى ( ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذاً من الضالين ) (7) . وقال تعالى عن الرزق. (إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقاً فابتغوا عند الله الرزق) (8) وقال الله تعالى عن التوكل ( وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين )(9) وعن الدعاء قال تعالى : ( أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ) (10)
3- توحيد الأسماء والصفات:
توحيد الله في أسمائه وصفاته : ولا يستقيم التوحيد في القسمين السابقين إلا بتوحيد الأسماء والصفات .
والدعوة السلفية وأصحابها يثبتون ما أثبته الله في القرآن المجيد ، أو ما ورد في الحديث من ذلك بلا تحريف ولا تكليف ولا تمثيل ولا تعطيل ، ويسكتون عما لهم يرد فيه إثبات أو نفي .
(1) سورة المؤمنون الآيات من 84- 89. (2) سورة الجن الآية 18
(3) سورة الرعد أية 14 (4) سورة الأنعام الآية 162
(5) سورة الكوثر الآية 2 (6) سورة الجن الآية 6
(7) سورة يونس الآية 106 (8) سورة العنكبوت الآية(17
(9) سورة المائدة الآية 23 (10) سورة النمل الآية 62
قال صاحب كتاب فتح المجيد في شرح كتاب التوحيد : الكلام في الصفات فرع من الكلام في الذات يحتذى حذوه ، فكما أن هؤلاء المعطلة يثبتون لله ذاتاً لا تشبه الذوات ، فأهل السنة يثبتون ما وصف الله به نفسه ، ووصفه به رسوله ، ومن صفات كماله ونعوت جلاله إلى أن قال :
قال الشيخ محمد : لا يعرف الله إلا الله وهو قد تحدث عن نفسه بصفاته فر ينبغي لنا أن محورها أو نتناولها بل علينا أن نؤمن بها وقوله تعالى ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)(1)
4- زيارة القبور :
قال رسول الله صلى الله علية وسلم : اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد ، أشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ، وسبب ذلك غلو اليهود والنصارى في حق أنبيائهم من عبادتهم من دون الله ، كما قال تعالى : قل يا أهل الكتاب ، لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل)(2)
5- التكفير والقتال:
يقول علماء الدعوة : أنه يجب على المسلمين أن يحافظوا على نقاء الإسلام وطهارته ، وجاء في كتاب ( قرة عيون الموحدين ) في باب أفضل التوحيد ، وما يفكر من الذنوب قال تعالى (الذين أمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ، أولئك لهم الأمن وهم مهتدون )(3) .
قال الشارح : ( اللبس ) الخلط ، والمراد بالظلم هنا الشرك الأكبر لما ثبت في حديث ابن مسعود وغيره مرفوعاً : إنما هو الشرك ، الم تسمع قول العبد الصالح: ( أن الشرك لظلم عظيم ) أراد أن من لم يجتنب الشرك لم يحصل له أمن ولا اهتداء بالكلية ... الخ .
6- البدعة :
من المعروف موقف الحنابلة من البدعة في الدين ، وشيخ الإسلام ابن تيمية يقول إن الدين قائم على أساسين :
1- إلا يعبد إلا الله .
2- ألا يعبد إلا بما شرع(4)
ويقول الشيخ محمد في رسالة لأحد معارضيه : أنت تقول بدعة حسنة ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول ( كل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار ) ولم يستثن شيئاً تشير به علينا .
(1) سورة الشورى الآية 11
(2) سورة المائدة الآية 77
(3) سورة الأنعام الآية 82
(4) أنظر كتاب التوحيد ص52

7- الاجتهاد
الشيخ محمد رحمه الله لا يذكر في مؤلفاته أنه يدعي الاجتهاد بل قد سبق أن أوردنا رسالته إلى علماء (مكة) في سنة 1204هـ 1798م أنه متبع لا مبتدع وقال أنه في الفروع على مذهب الأمام أحمد .
ويقول الشيخ : أن الله فرض على عباده طاعة الله وطاعة رسوله ، ولم يوجب طاعة أحد بعينه فيما يؤمر به وينهى عنه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والاعتماد عند الشيخ محمد في الأصول على القرآن والحديث ، ويقول هذا هو طريق أهل السنة والجماعة ، والشيخ لا يرفض الإجماع بل هو لديه مصدر التشريع.
والأشراف ومن في الجهة من أهل العلم فأجمع رأيهم على الرفع إلى (أبي عريش) وحصل الغوالي والتوالي؟([1]) على أن الشريف الكبير الشهير ( يحيى بن محمد الحسني) ينفذ من (أبي عريش إلى (صبيا) وينفذ معه الشريف منصور بن ناصر وشيخ الإسلام أحمد بن عبد الله الضمدي) فنفذ الجميع إلى (حزام) وقد خيم بقرية (الجديين) ([2]) – وفي بعض النسخ (الحجرين) – واجتمع به الجماعة المذكورون وانعقد الأمر على أن الشريف ( يحيى بن محمد ) يقوم بالعهد والدعوة في (أبي عريش) و( منصور) في جهة (صبيا) وأمورهما منوطة بشيخ الإسلام الضمدي([3]) . وفي أثناء ذلك غزا (حزام) وبعض أصحابه إلى خلف أبي عريش في اليمن وقتلوا ونهبوا وسبوا ففزع الناس فزعاً كبيراً ، وبعد عودة يحيى بن محمد الحسني من عنده قوض الخيام ونهض يؤم الهضام والآكام وعاد إلى (نجد) العريض ، والناس بقوا بعض ذلك في أمر مريج ، ولم ينتظم لهم أمر في الوفي بعهد (حزام) ، ولا اتفقت كلمتهم على قتال أهل نجد وأهل الشام.
وفي أثناء هذه الفتنة حصل الصلح بين الشريفين حمود وابن أخيه (علي بن حيدر) على أن يتأخر علي بن حيدر عن الإمارة والولاية ويتقلدها ليث الغابة ومن هو في الراية (عرابة) ([4]) ، فقام بالأمر أتم قيام ورفع الأشراف والقضاة في ذلك إلى





([1] ) رفيع ووضيع القوم
([2] ) (الجديين ) قرية غربي جنوب صبيا تبعد عنها بـ18 كم – تقريباً – راجع حرف الجيم من كتابنا المعجم الجغرافي
([3] ) هو الشيخ أحمد بن عبد الله عالم ومفتي المنطقة في عصره ولد في ضمد سنة1174هـ 1790م وتوفي سنة 1222هـ 1807م في مدينة أبي عريش .
([4] ) (عرابة بن أوس الخزرجي) : بفتح العين والراء المهملتين بعدها ألف فباء وآخرها هاء التأنيث
نسبة : هو عرابة بن أوس بن قيظي بن عمر بن زيد بن جشم بن حارثة بن الحارث بن الخزرج.
ترجمة : هو صحابي جليل ممن أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم هو وغلمان معه فاستصغرهم الرسول في غزوة أحد وردهم ، وهم:
1.عبد الله بن عمر بن الخطاب.
2.زيد بن ثابت .
3.أسيد بن حضير.
4.البراء بن عازب.
5.عرابة بن الأوس
6.أبو سعيد الخدري.
والده : والده أوس بن قيظي من المنافقين الذين شهدوا غزوة أحد ، وهو القائل : ( إن بيوتنا عورة).
وعمه أخو أبيه ( مربع بن قيظي) بكسر الميم وفتح الباء – الأعمى الذي حثى في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب حين مر في حائطه وقال : إن كنت نبياً فما أحل لك أن تدخل حائطي ، فضربه سعد بن زيد الأشهلي بقوس فشجه ، وقال دعني يا رسول الله أقتله فإنه منافق ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : دعوه فإنه ( أعمى القلب ، أعمى البصيرة) فقال أخوه أوس بن قيظي : لا لكنها عداوتكم يا بني عبد الأشهل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( لا ولكنه نفاقكم يا بني قيظي).
أخلاقه : كان عرابة سيداً جواداً مشهوداً له بذلك ، وصل الشاعر الشماخ إلى المدينة فلقيه عرابة فسأله عما أقدمه المدينة فقال : أردت أمتار لأهلي على هذين البعيرين فأخذه إلى داره وأكرمه وكساه وأوفر البعيرين براً وتمراً فأمتدحه بقصيده منها البيتان المشهوران:

رأيت عرابة الأوسي يسموا
إلى الخيرات منقطع القرين


إذا ما رأيته رفعت لمجد
تلقاها عرابة باليمين



وقول الشماخ : ( عرابة الأوسي ) بياء النسبة هو لنسبته إلى أبيه لا قبيلة الأوس لأن عرابة خزرجي كما سبق أن أوردناه نسبه .
ووفد عرابة على معاوية فقال له بأي شيء سدت قومك ، فقال : أعفو عن جاهلهم وأعطى سائلهم ، وأسعى عن حاجاتهم فمن فعل كما أفعل فهو مثلي ومن قصر عنه فأنا خير منه ومن زاد منهم فهو خير مني .

([1] ) هو الإمام المنصور علي تولى الإمامة في اليمن سنة 1189- 1224هـ / 1775- 1809م وكان عهده عهد اضطراب وفتن وفوضى ، قال عنه المؤرخ ( الكبسي) :
( كان في زي عظيم وملك عقيم ، تلاشت عليه الأمور بخروج التهائم وبنادرها ... وبقيام عبد العزيز
النجدي وابنه سعود ، فلم يبق للمنصور ذكر في التهائم (1)
(1) تاريخ عدن وجنوب الجزيرة لحمزة لقمان ص150.
([1] ) (الملحا) قرية معروفة شمال غرب قرية ( أبي السلع)
([1] ) راجع ص63 جـ1 من كتابنا الأدب الشعبي ، تفاصيل وملابسات تلك الوقعة من الأشعار الشعبية.

----------------------------------------------------------

استوحش أهل الملحا من موالاة ( النجدي) وساروا إلى الشريف حمود .. وعاهدوه على الموالاة والمعاداة وهم قوم لهم منعة في قريتهم ، وحين أتحدث كلمة ( الفلقي) و(عرار) وقويت شوكة مخلاف بيش واستنفر ( الفلقي) أهل ساحل بيش الجعافرة ، وأهل (الأثلة) على قتال أهل (الملحا ) وتقدموا إلى ( أم الخشب) حتى جعلوا ( الملحا) ورائهم ، وانتظروا وصول المدد من عرار بجنود يقومون بهم على أخذ الملحا ، فلاذ أهل الملحا بالشريف واستنفروه للغارة عليهم فأمدهم بيحيى بن علي فارس ابن أخيه وبالعلامة الحسن بن خالد الحازمي([1]) في أهل الخيل ، وأمره أن يستنفر من هو من حزبه من الرعايا فاستنفر أهل (ضمد) وأهل ( الحسيني) .
أما ضمد فهي بلدة العلامة الحسن بن خالد ، المعروفة بهجرة العلم قديماً وحديثاً، يسكنها بطون من الأشراف الحوازمة ، والمعافين([2]) ، ويسكنها القضاة البهكليون([3]) ، وبنو النعمان([4]) ، والعمريون حملة العلم([5]) ، فنفر في صحبة الحسن بن خالد كل من لم يخالط فلبه بشاشة أهل الدعوة النجدية ، وأما أهل الحسيني ، وهي




([1] ) الحسن بن خالد الحازمي من أهل ضمد ومن عشيرة الحوازمة الهاشميين من بيوت العلم والسيادة تولى وزارة حمود وقيادة جيوشه – راجع ص86جـ1 من كتابنا أضواء على الأدب والأدباء في منطقة جازان.
([2] ) (المعافين ) من العشائر الهاشمية ومن بيوت العلم ومن أشهرهم العلامة أحمد بن علي المعافا القرن العاشر ، وغيره وأكثريتهم تسكن بلدة ضمد ويوجد بعضهم في الكثير من القرى.
([3] ) ( البهاكلة) بيت من بيوت العلم والفضل ، راجع ص103 جـ1 من كتابنا أضواء على الأدب والأدباء
([4] ) بنو النعمان من بيوت العلم والأدب ومن أشهرهم الشيخ عبد الله بن علي النعماني مؤلف كتاب العقيق اليماني في حوادث ووفيات المخلاف السليماني ، عاش في القرن الحادي عشر الهجري.
([5] ) العمريون : من بيوت العلم والقضاء ومن أشهرهم القاضي محمد بن علي بن عمر عالم ومفتي المنطقة الموفى سنة 990هـ 1582م.

بلدة من أعمال صبيا ، يسكنها الأشراف الذرويون أولاد ذروة بن يحيى بن أبي الطيب ، فأجابوا داعية ولم يستأذنوا من أميرهم الملك العادل منصور بن ناصر ، وكان أهم أهل صبيا بالاعتراض للشريف يحيى الملك العادل منصور بن ناصر ، وكان هم أهل صبيا بالاعتراض للشريف يحيى بن علي فارس وحسن بن خالد ومن معهما من الأجناد ، وفاء لما هم عليه من العهد ومنعهم الشريف منصور استبقاء لمودة عمه ( حمود) وكان شرط في عهده ، أنه لا ينفر إن استنفر ما دام الأمر مضطرباً فنفذ ( يحيى بن علي ) و ( الحسن بن خالد ) حتى وصلا ( سلامة العرب ) ، وإضافتها للعرب للاختصاص ، ولمقابلتها سلامة الأشراف ، فإنها غربي هذه بحذاها من الغرب ، يسكنها الأشراف الخواجيون أهل بيش ، ويجتمع نسبهم في معافى بن رديني هم وأشراف صبيا ، وقد استوفينا ذلك فيما كتبناه في أنساب أشراف المخلاف... فحين ختم الشريف يحيى بن علي والحسن بن خالد ( بالسلامة) ، اجتمع أصحاب السيد أحمد الفلقي في محل يقال له ( مشرف) بضم الميم وسكون الشين المعجمة وكسر الراء المهملة وآخره فاء ، غربي السلامة العليا وقبلي سلامة الأشراف الطاوية([1]) ويجتمع نسبهم في نعمة الكبرى([2]) ، وكان اجتماع أصحاب الفلقي هناك ليكون الواصل إليهم من أصحابهم يمكنه الاتصال بهم من دون حيلولة ، فعند خروجهم من ( أم الخشب ) يريدون ( مشرف) بصربهم أصحاب الشريفين الذين في سلامة العرب فتقدموا إليهم وناوشوهم الحرب فالتحم القتال ، واتصل الرجال بالرجال والخيل بالخيل ، وكانت الغلبة لأصحاب حمود ، وانهزم أصحاب ( الفلقي) وقتل منهم جماعة وأسر جماعة وتفرقوا في قرى بيش ، واتصل الخبر بعرار بن شار في الدرب ، فجند الجنود ، وبند البنود ، وأقبل يقصد العصابة التي في السلامة أصحاب (يحيى بن علي ) و ( حسن بن خالد) ، فحين بلغ منصور بن ناصر إقبال عرار بالجيش الجرار ثنته الأواصر على قومه وأخذته الحمية أن يدعهم لـ(عرار ) ، فكتب إلى عرار يطلب منه الاتفاق وتأكيد العهود بالميثاق ، وكتب إلى الشريف يحيى بن علي والعلامة الحسن بن خالد يأمرهما


([1] ) هي ما تعرف الآن بـ( السلامة السفلى)
([2] ) هو نعمة بن علي بن فليته العلوي.


---------------------------------------------------------

بالكف عن إثارة الحرب حتى يصل إليهما ويسعى في الصلح ما بين عرار وبينهما ، فخرج في نصف شهر القعدة الحرام سنة ست عشرة بعد المائتين والألف ، وجمع من أهل صبيا زهاء الألف ، ولما وصل إلى السلامة خيم بين المطرحين ، وأصلح بين الفريقين على هدنة تكون ، ويرجع الشريفان ومن معهما إلى أبي عريش وخلفهما عرار في كتيبة قد اعتقل أصحابها السمر ذوات الريش فدخل الذي كان فيه يحيى بن علي وحسن بن خالد في (سلامة العرب) ، كان عمره الشريف أبو طالب بن محمد أخو الشريف حمود ومات في تلك السنة التي وقع فيها الحادث ، فاستقر عرار بالسلامة واستتم له الأمر والزعامة ، واجتمع به الشريف منصور وتأكدت بينهما العهود في جميع الأمور ، وعاد عرار إلى الدرب ، وأقبل منصور إلى صبيا ، وقد ظهرت عليه ستار الدعوة النجدية وحث رعيته على العمل بما يعمل به أهل تلك الدعوة ، وبالغ في الزجر على مرتكب التنباك ، وكان هو من أعظم المستعملين له وممن كان يعسر عليه مفارقته ، فهجره هجر الغزال ظله ، وفارقه مفارقة الميت أهله ، وقال قبيح بنا أن نؤدب على الشيء ونحن لا نتركه ن فبلغ جميع ما صنع منصور إلى مسامع عمه حمود الأسد الهصور ، فقلب له ظهر المجن وهم أن يبدأ به في إثارة الفتن ، فأشار عليه إخوانه من الأشراف أن يتركه ويبدأ بعرار وأهل (المخلاف ) فغن قدرة الله عليهم فمنصور أطوع له من الظل ، وأن عجز عنهم فالحال بينه وبين ابن أخيه على جمل([1]) ، ولما بلغ منصور ما هم به عمه جمع أهل بلدة وأجرى عليهم قلم القلمة([2]) ، فنافوا على الثلاثة الآلاف ، ثم جمع أهل الخيل من أهل صبيا والنعميين ومن أقتدر على جمعهم وانتظر قدوم عمه إليه وإرساله الجنود عليه ، وأقبل عرار وقد جمع كثير من رجال السراة من عسير وطوائف البدو وأهل مخلاف عتود.
وحمود خرج من أبي عريش وقد جمع من أطاعه من الجند ولم يجاوز جنده خمسمائة نفر ، والخيل زهاء السبعين ، فخرج من أبي عريش في آخر شهر الحجة



([1] ) جمل : بضم الجيم وسكون الميم : أي على جميل ولا تزال تستعمل الكلمة إلى وقتنا الحاضر.
([2] ) القلمة: أي التعداد وتسجيل العدد بالقلم.

-------------------------------------------------------------

الحرام سنة ست عشرة بعد المائتين والألف إلى وادي جازان ، وفي مخيمه بجازان وافاه الخبر بوفاة الوزير حسن بن عثمان بن علي بن يحيى القرشي الأموي([1]) ، ثم سار إلى وادي ضمد ، ثم إلى ساحل صبيا ، ووصل الشريف المعظم محمد بن حيدر بن محمد الحسني والشريف محمد بن ناصر بن محمد صنو الشريف منصور ، يعرضان عليه ترك التعرض لعمه وأنه إذا لم يناصر عمه فيحفظ مركزه ولا يعين عليه ، ثم ارتحل الشريف حمود إلى ساحل بيش وأخرق القرى ونهب ما فيها من الحبوب([2]) ، وتوجه إلى بيش حتى نزل بالدحل (بضم الدال المشددة وسكون الحاء المهملة بعدها لام) موضع بين سلامة العرب وسلامة الأشراف ، وبينه وبين سلامة العرب رأي العين ، وحين نزل ذلك المكان خرج عرار وجنوده وأبرز عسكره وبنوده ، واصطفوا للقاء أصحابه والشريف حمود صف أصحابه وأشهر سيفه وهز عامله والتحم القتال ، واشتد وقع الرصاص في الرجل ، وكان الصولة لخيل الشريف فركضت الخيل حتى دخلت القرية ، وانهزم أصحاب عرار وكان غنيمتهم الفرار ، وانحازوا إلى حصن أبي طالب وظنوا أنه النجاة ولا نجاة لهارب.
وحين سكنت رحى الحرب وهدأت عيون الطعن والضرب ، استقر حمود بمخيمه واقبل إليه الجند بأسير مسلوب أو سيف مخضوب وعامل يسيل منه الأنبوب ، وقد تبسم له وجه النصر ولاحت على مخيمة تباشير الظفر ولم يقتل من جنده إلا عمه الشريف أحمد بن ناصر بن احمد ، وكان شريفاً مكملاً وقتل ابن أخيه الشريف ناصر بن علي فارس بن محمد وكان في عنفوان الشباب ما بلغ العشرين، ولم يقتل غيرهما من أهل الخيل ، وقتل من العسكر أهل البندق نفر يسير ، وقتل من أصحاب عرار جماعة من العسكر ، وقتل من أصحاب رؤساء خيله السيد الفاضل العارف علي بن داحش بن عقيل القبة من القباب مسكنه الملحا ، يجتمع نسبهم في نعمة الكبرى هم




([1] ) حسن بن عثمان العلفي وزير إمام اليمن المنصور علي تولى الوزارة سنة 1199هـ- 1784م
([2] ) هكذا ظل سكان المنطقة يقاسون الأمرين من الأمير المحلي ، والغازي الطارئ .

---------------------------------------------------------------

والأشراف المتامة أهل الملحا وأولاد فليته أهل أم الخشب ، كل هؤلاء من بطون أشراف المخلاف الذين يجتمع نسبهم في نعمة الكبرى ، وكان المذكور سيداً فاضلاً تعلق بطلب العلم وحصل من فروع الفقه شيئاً وانتسب إلى طلبه العلم أياما ، ثم انحاز إلى مجاورة الشيخ الرئيس عرار بن شار ، فتتلمذ له عرار وطلب على يده العلم وتكفل عرار له بأمر دنياه ، وسكن في الدرب حتى اقبل عرار على دعوة ابن عبد الوهاب فتناول بن داحش من ثمار تلك الدعوة ما أينع وطاب ، وتظاهر بالرسالة نيابة عن عرار إلى كل من راسله عرار ، ولعله كان يصدر منه إقذاع في القول ويسارع إلى إطلاق الشرك على من خالف عرار في نحلته ، وأن لم يكن مشركاً في نفس الأمر ، فوجد عليه الشريف حمود والأشراف وكبر ذلك في المخلاف ، ومع ذلك عدواً قتله من الانتصار ومن الأخذ بالثـأر ، والى الله يرجع الأمر كله وهو الغفور الستار ، والشيخ عرار بعد انقضاء الحرب استقر بالحصن إلى آخر ذلك اليوم ثم قوض الخيام يقصد (الدرب) وقد امتلأت عيبته من الطعن والضرب ، شعراً :

فيوم علينا ويوم لنا
ويم نساء ويم نسر

والشريف استقر بذلك المخيم وجعل في حصن أبي طالب رتبة تمنع عنه الطالب وتؤمن الهارب، وأقبل إليه أهل السلامة وطلبوا الأمان وآحاد من أهل المخلاف ، واختلف الناس فبعض اقبل على الشريف وبعض ارتحل إلى الجبال يتوقى وقائع الاستقبال ، فاستقر في مخلاف بيش نحو من عشرين يوماً ثم انصرف راجعاً إلى أبي عريش ، وقد وجد في نفسه على الشريف منصور وأهل صبيا ، وكانت طريقه على الساحل من وادي بيش حتى طرح بقرية الباحر ، وهي قرية غربي صبيا بنحو فرسخ أو اقل ، وضرب هنالك الخيام وتهيأ لأخذ صبيا ومن فيها من الأقوام ، ولما تحقق ذلك للشريف منصور زأر زأرة الليث ووثب للدفاع من غير ريث ، وجمع جنده وقدح زنده ورتب الأقوام في أطراف البدل ، وعبأ أهل البندق على حدة ، ومثلهم أهل الخيل والسيوف المجردة وركب في الخيل بعد أن اجتمع عنده منها ما يشبه السيل ، وشارفتا خيل الشريف حمود على قرب ساحة البلدة على رؤية العين ، فأنتدب للقائها من يحمي الذمار ويدفع العار ، وحين علم الأشراف أن منصور لا يسلم البلد ويمكن نيلها وقد صارت غيلاً للأسد ، سعى كبراؤهم كالشريف علي بن حيدر والشريف يحيى بن علي إلى الشريف حمود ، أن يأذن لهم في السعاية والدخول إلى منصور ، وخاطباه بما يطلبه الليث الهصور في الدخول تحت الطاعة والانقياد مع الجماعة فقابلهما بكلام كأنه الدر المنثور وفي معناه قاسيات الصخور ، وكاد الأمر أن يتفاقم والشر أن يتعاظم ، فرأى السعادة أن يلتقي منصور وعمه ومع الاتفاق يزول وحر الصدور([1]) ، ويذهب ما في العين من الكدر([2]) ، فركب منصور إلى ( الباحر) وسلم على عمه وأعتذر له بأن الحامل له لما صدر منه هو من عدم المعاونة ، والباعث له على إظهار المباينة ما يخشاه من غوازي أهل بخد وأنهم لقوة بأسهم وكثرة ناسهم لا تنقطع غوازيهم في كل شهر ، ومع ميل قلوب أهل البلد إلى ما عليه النجود ، يخشى أن يحل بساحتهم ما حل بأهل الأخدود وما رأينا اسلم للبقاء على أهل صبيا والمخلاف إلا بإظهاره الانتماء إلى أهل هذه الدعوة وترك الخلاف ، وهو حسن العبارة ذلق اللسان يظهر على كلامه ورونق القبول ولا يسمع السامع لكلامه إلا الإنصات لما يقول ، فقبل عمه معاذيره .
وتفرقا من ذلك المخيم وقد أظهر البشر من كل منهما أساريره ، فارتحل الشريف من ( الباحر) في أوائل افتتاح سنة سبع عشرة ومائتين بعد الألف .
وكان طريقه إلى قرية (ضمد) فخيم في جانبها الغربي وقبض على جماعة كان أتهمهم بموالاة (الفلقي) ومكاتبه ( عرار ) وأنصرف إلى ( أبي عريش) في آخر النهار ، وأمسى في طرف البلدة ودخل ( أبي عريش ) نهاراً ، وواجهوه الناس يهنئونه بالظفر سراً وجهاراً وبقي نحو ثمانية أيام يتوخى أخبار أهل الشام فما راعه إلا وصول أهل الملحا هاربين ، وقد أرجف الناس بهم وأوجف فيهم البأس ؟ ، وقيل هذه غوازي (شهران) وخيولهم التي هي كالعقبان ، وهذه مطايا ( قحطان) كأنها القلل ، والكتائب

([1] ) وحر : بالحاء المهملة وغر عليه صدره وفي الحديث ( تهادوا أن الهدية تذهب وحر الصدور ،
والوحر – بفتحتين – في الصدر كالغل)
([2] ) هكذا في الأصل ولعل الصواب ( ويذهب بما في العين من القذى).

----------------------
تــابع












التوقيع

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
الشيخ:/ محمد بن حسين بن بيطلي بن حسين أبوعطله العامري
شيخ شمل قبيلة بني يعلا بوادي يبه

 
آخر مواضيعي

0 من الذي باع أراضي فلسطين لليهود ؟ سمسار اسرائيلي يؤرخ ويروي الأسماء !
0 محامي الجيزاوي: موكلي مغرر به وسأطعن بالإجراءات وانسحب إذا رفض طلبي
0 مقتدى الصدر الرافضي يلتقي معارضين بحرينيين في إيران
0 زيارة الملك سعود بن عبد العزيز للأردن على ظهر جواد عام 1933
0 الداخلية تكشف تورُّط الزنادي في إطلاق النار بالعوامية وتقبض عليه مصاباً

عرض البوم صور آل قطبي الحسني   رد مع اقتباس
قديم 01-11-2010, 07:06 AM   رقم المشاركة: 5
مشرف سابق

الصورة الرمزية آل قطبي الحسني



رقـم العضـوية 14
تاريخ التسجيل Mar 2010
عدد المشاركات 5,596
القبيلة نحن بنو يعلى من كنانة=رأس المضريين وفرسانها
مكان الإقامة إمارة بني يعلى
المهنة طالب
 
 
آل قطبي الحسني غير متواجد حالياً

افتراضي

التي كل كتيبة تشابه الجبل ، فخرجوا من قريتهم إلى جهة (اليمن) وقد نادى الشريف منصور في أهل مملكته أن لازمه ولا جوار لأحد من أهل الملحا ، ومن توسع لهم حل به ما حل بهم من النكال ، فنبذهم أهل مخلاف صبيا نبذ القوس القذة فلحقوا بالشريف حمود فأمرهم بالنزول في قرية ضمد ، وما والاها مما تناله حمايته وجاءت غازية قحطان وأشعلت في بيوتهم النار ، وذهبت لا عين ولا اثر ، ثم تتابع الغزو من النجود في كل أسبوع غازية ، وما زال منصور ينمو خبره ، وعرار يتزايد شرره ، والفلقي يعلو أثره ، والناس تقبل إلى منصور للمعاهدة والدخول تحت الطاعة ، وجيل من الناس يجنح إلى الفلقي ، وكان في نفس الشريف منصور شيء كثير على أهل ( الحسيني) لأنهم من بلد ولايته ولم يكن منهم انضمام إليه بل توجهوا إلى حمود وتظاهروا بقتال عرار والنجود ، وبقي الحال إلى أوائل شهر ربيع أول سنة سبع عشرة ومائتين بعد الألف ، وإذا قد وصلت الأخبار بإقبال الغوازي الكبار ، مثل ( حزام العجماني) وزبران القحطاني ، وكانت طريق ( زبران ) الحازة([1]) – بتشديد الزاي- الشرقية يريد غزو أهل الحسيني ، وتم له ذلك ووقع بينه وبين أهل الحسيني المعارك ، واستولى الغزو على مواشي أهل الحسيني وقتلوا منهم رجالاً كثيراً ، وثبت في ذلك اليوم الشريف أحمد بن حسين الذروي ، وأصيب برصاصة في حلقة أصابت سلعة([2]) كانت نابتة في حلقه من تحت ذقنه قد أعياه أمرها ، فوقعت الرصاصة فيها فإذا بها كأن لم تكن وسلم الحلق ، ورب خير يأتي من طارق شر ، فهرب أهل الحسيني إلى صبيا ، ولما وصلوا طلب الشريف منصور كبراءهم رهائن لديه ، وحبس من خاصتهم جماعة ، ونكلهم من المال شيئاً كثيراً ، وبعد ذلك عاهدوه على السمع والطاعة والدخول مع الجماعة.





([1] ) ( الحازة) بفتح الحاء المهملة بعدها ألف فزاي مثقلة مفتوحة وآخرها هاء النسوة الحزن: هو ضد
السهل
([2] ) السلعة : زائدة لحمية تكون في العنق تحت الذقن.
وأما (حزام) ومن صحبه من الغزو كسلطان بن ربيع ، و(ربيع ) مصغراً([1]) وربيع باسم الشهر المعروف ، أمير الدواسر وهذا أمير الغازية ولده ، وخيموا بقرية (





(3) هو ربيع – بالتصغير – رئيس ( المخاريم) من قبيلة الدواسر في الوادي المعروف . بوادي الدواسر – وفي القديم بوادي العقيق ، وفد ربيع وأخوه ( بدون ) أبناء زيد الدوسري إلى الدرعية للدخول في الدعوة سنة 1198هـ - 1783م وعاد بعد إعطاء البيعة فلقي مقاومة من قبيلته الدواسر ولا زال معهم في حرب تارة له وتارة عليه ، وأخيراً أرسلت الدرعية (سليمان بن عفيصان ) فقضى على المعارضين وصار برؤسائهم إلى الدرعية فبايعوا على السمع والطاعة وذلك سنة 1202هـ 1787م . ومن وادي الدواسر انتشرت الدعوة إلى قحطان –بيشة –شهران- ومنهم إلى من ورائهم فإلى بلاد (عسير) المجاورة.
إن الدعوة يتسرب إشعاعها إلى القبائل قبل الرؤساء فإذا تمكن دعاتها من الوصول إلى قرية أو قبيلة استقطبت نفوس وقلوب القبيلة في يسر وسهولة، فاخذوا في تدارس القرآن الكريم وتعليمه للأميين وألزموا بصلاة الجماعة في المسجد . وبتواجدهم يقرأ عليهم المطوع رسائل الشيخ في التوحيد ، وسرعان ما تنجذب نفسهم لسلطان الدين وهدى كتاب الله وسنة رسوله ويترجم الإيمان إلى الأعمال ويعيشه معتنقوه في عبادتهم وأخلاقهم وتصرفاتهم بحيث يصبحون طبعة إسلامية جديدة للدين.
ولا يبعد أنه بعد رسول سلطان الدعوة في وادي الدواسر تسربت في سرعة ومضاء إلى قحطان وشهران وعسير -كما أشرنا –وأخذت زمناً تتخمر فتعمل ثم تنتشر فالدواسر بقربها نسبياً من عسير أخذت الدعوة بواسطة الدعاة تعمل في نفوس أهلها وقتاً ثم عندما أحرزت بعض النجاح توجه ( ربيع وأخو ) إلى الدرعية للمبايعة وتقديم الطاعة ، سنة 1198هـ 1783م . ونقدر أن تباشر الدعوة بدأت بواسطة الدعاة والمتوافدين أولاً بنحو خمس أو ست سنوات ومع ذلك بعد اعتماد (ربيع) كأمير أو رئيس للدعاة في قومه استغرق دخول جمهره الدواسر في الدعوة أربع سنوات ، بعد قتال ومقاومة معروف أمهرا.(1)
وهذا ما نراه يتفق والواقع في عسير ، فإن الدعوة قد تسربت إليهم بواسطة الدعاة أولاً عن طريق مجاوريهم ولا يبعد أن يكون في سنة 1208هـ 1793م .
ولنا الدليل في الدعوة وطريقتها ، فإنها تبدأ باستقطاب القاعدة قبل القمة ، وبالأفراد قبل الرؤساء ، وعندما تتمكن من القاعدة يضطر الرؤساء إلى اعتناقها قبل أن يطلق عليهم اسم الشرك ، أو يتولى على القاعدة مكانهم أهل السابقة في الدعوة .
وهذا ما ينطبق على الواقع من قبل ثلاث وستين سنة – تقريباً – من تاريخنا الحاضر . في جهة ( تربة) بدأت الدعوة بالقاعدة بوقت ما ، وبرغم ما يقال عن الظروف الظاهرة وما هو معروف من الاختلاف بين خالد بن لؤي والحسن بن علي وابنه عبد الله ، فالحقيقة أن خالداً قد شعر بسلطان الدعوة في قبائل البقوم وغيرهم من قبائل تلك الجهة وكادت أن تهتزم مكانته بفقد رياسته فيهم ، أن قوة سلطان الدين على النفوس فوق كل سلطان ولذلك نظر في الخيار الذي ليس فيه خيار ، القوم قد اعتنقوا الدعوة واتجهوا روحياً إلى مصدر ولا ينقادوا لأية سلطة عليهم أو سلطة إلا مصدرها ، فإما أن يدخل في الدعوة ويتصل بمصدرها لتعطيه الشرعية والسلطة الدينية والزمنية ، وإلا فالبديل موجود في القاعدة نفسها .
لهذا سبق أو زامن الخلاف بين الحسين وخالد مع الوقت ومقتضيات الموقف فأتجه هو إلى الرياض ودخل في الدعوة سراً .
وهذا هو ما وقع في عسير في عهد الدولة السعودية الجديدة ، بدأت الدعوة تنتشر في القبائل التي حول عسير ، ومنها تسربت إلى عسير نفسها ، وكان أنصار الدعوة ومعتنقوها وعلى رأسهم عبد الوهاب ( أبو ملحة) وغيرهم
(1) راجع ص101 جـ1 وما بعدها من كتاب عنوان المجد في تاريخ نجد تحقيق الشيخ عبد الرحمن بن عبد اللطيف بن عبد الله
الظاهرين الذين نالهم التنكيل والبطش من رؤساء آل عائض ، أما المستخفون فتستروا تحت ستار من التعمية والتخفي ، وعندما أعيا آل عائض إخفات الأصوات وإخماد الحركة ، أخذوا في محاولات القبض على أنصار الدعوة الظاهرية ففر من فر إلى الرياض ، وبقية الأحداث معروفة.
والدعوة في عهدها الأول أخذت دورتها فاستقطبت بعض آل المتحمي ، ومنهم محمد بن عامر وعبد الوهاب ونقدر أن الأخوين عندما أخلصا للدعوة توجها إلى الدرعية بتوصية وتعريف من الدعاة ، وهناك أخذ في تلقي الدروس المختصرة في مدرسة الشيخ ، وعندما استكملا الدراسة ولمس منها الإخلاص أسندت إليهما رئاسة الدعوة في وطنهما ، فاستجاب لهما من استجاب وعارض من عارض ، فرفعا للدرعية بالواقع فوصلتهما الإمدادات فمكنت الدعوة وانتهت المعارضة في حوالي سنة 1215هـ 1800م فسار إلى الدرعية برؤساء المعارضين الذين استسلموا ، وهناك دعت الحاجة بناء على استصراخ عرار والفلقي ومنصور من حمود ، وصادف وصول الأخوين محمد وعبد الوهاب ومن رافقهم فأسندت إليهم الدرعية أمر إخضاع حمود ، وزودوا بأوامر إلى رؤساء الدواسر وقحطان وشهران وبيشة وغيرهم للسير معهم بمجاهديهم فتوفى الله محمد بن عامر في الطريق فصدرت الأوامر بإسناد منصبه إلى أخيه عبد الوهاب .
كان من الخطط العامة أو ما يسمى بالإستراتيجية في المصطلح الحديث تنمية الروح العسكرية في الشعب – كما كان في العهد الإسلامي الأول – بحيث يكون الشعب معبأة روحة بالاستعداد للجهاد في أي وقت ، فإذا أرادت الدولة الاستنفار للقتال – صدرت الأوامر إلى رؤساء القبائل والبلدات بإرسال مجاهديهم إلى محل معروف في يوم معروف.
والاستفسار على نوعين:
1-استنفار عام – فرض عين.
2-استنفار ثانوي – وهذا يكون نسبياً وفي بعض الجهات المستوجب عليهم القيام بواجب الجهاد في ما حولهم وفي مثل غزوة عبد الوهاب بن عامر فإنه أرفقته الدرعية ببعض القادة والموجهين – هيئة أركان حرب – وأوامر إلى رؤساء قبائل :
وادي الدواسر – وقحطان – وبيشة – وشهران – وبني شهر – وعسير وغيرهم مثل :
عرار بن شار داعية بني شعبة والفلقي في بيش والجعافرة ، ومنصور بن ناصر في صبيا وجهاتها وكلما مر على جهة سلمهم أمر جهادهم ، وحدد لهم يوماً للوصول إلى معسكره ، وهكذا وبصوله عسير أمر القبائل بإحضار شوكتهم في يوم معروف يتفق وموعد وصول القبائل المشار إليهم أعلاه ، وعلى كل قبيلة أن توزع على أفرادها قيمة البند والمطية والعتاد لمن لا يملك ذلك ، أما المقتدر فعليه سلاحه وعتاده وفرسه ، أو مطيته ومؤنته وتكون المؤنة (الزاد) لشهر واحد لوصولهم إلى منطقة الغزو.
فإذا كان مجاهدو القبيلة مائة شخص وتعدادها ألف فيكون على كل أسرة مكونة من عشرة أشخاص عليهم ريال وما زاد وما نقص بحسابه – وهذا على وجه التقريب – فمائة ريال على الألف ليس بالأمر الباهض الذي يثقل كاهل القبيلة ، والمائة الريال في ذلك الوقت لها قيمتها الشرائية فتكون كافية لتجهيز الفقير من شوكة القبيلة ، أما الغني كما أشرنا إليه فعليه تسليح وكفاية نفسه .
وبتلك الطريقة تعباً روح الشعب للجهاد، وتنمي فيه القدرة الحربية ، والعزة القومية والروح الإسلامية فيصبح قوة جاهزة على مستوى الشعب ، يشعل الدين فيهم روح الجهاد وقوة العزيمة وحب التضحية ، يحفزها دائماً ، ما يلقى بمساجد كل قرية من الحث على الجهاد وفضائله والدروس الدينية في التوحيد ، وأن العزة لله ولرسوله وللمسلمين وخلوص النفوس من الشرك والاعتقاد في ( ولي) أو قبر أو بشر مثلهم أو الخضوع لغير الله فيصبح الفرد طاقة معبأة بالقوة الروحية العليا ، والطاقة الإيمانية وروح التضحية ، والقسم المتخلف مشتغل نفسياً وفكرياً بأبنائه وإخوانه في الجهاد ، مستشرقاً ومتطلعاً لأخبار انتصاراتهم ، موفراً ما يمكنه إرساله إليهم فأن كان نصر فالشكر لله وإن كانت الأخرى فالأجر محتسب للجميع ، وهذا بخلاف الجند المرتزقة الذين لا هم لهم إلا الارتزاق ، والشعب من ورائهم لا يرى أنهم إلا أجراء من سلطة لا رابطة بينه وبينها إلا التسلط عليه ، فإن انتصر المرتزقة فلا يرى في ذلك إلا تمكيناً للتسلط عليه ، فإن أنتصر المرتزقة فلا يرى في ذلك تمكيناً للتسلط ممن جهزهم ، وأن هزموا فلا يرى في هزيمتهم إلا التشفي المستور.

------------------------------------------------------------
عنده وهو أخوه عيسى بن شار ، فأنت أجمع أهل طاعتك وأنضم إلى غزو المسلمين ، ويكون القصد قرية ( ضمد ) فجمع منصور قومه وخرج بنفسه ، واجتمع من جميع الغزو ما ينوف عن الثلاثة الآلاف ، ثم توجهوا بعد ذلك إلى ( هجرة ضمد) ، وقد اجتمعت كلمة أهلها على المدافعة والقتال ، ورئيسهم الأسد الرئبال الشريف العلامة ( الحسن بن خالد الحازمي) وهو في ريعان الشباب وبدء النشأة التي انطوت على العجب العجاب ، فصبحهم العدو وقت الإشراق ، ولقيهم أهل ضمد بعوالي الرماح والبيض الرقاق ، وأشتد القتال وطال مثار النقع إلى منازل الهلاك ، واستولى ( الشروق) على البلد بعد أن شربوا الزعاق وتجرعوا الكمد ، وقتل جماعة من أهل العلم والتدريس وهتك كثير من الحرم ، ولم يرع صاحب ولا خليل لخليله شيئاً من الذمم ، وسبب ذلك التأويل فإن أهل نجد يزعمون أن أهل ضمد شرك ثم أسلموا عند وصول (حزام) وخروج الشريف يحيى بن محمد الحسني إليه وصحبته شيخ الإسلام أحمد بن عبد الله كما قدمنا في هذا الكتاب ، ولما ولو الشريف حمود وجعلوا تلك الموالاة ردة ، وتأويل أهل ضمد والسيد العلامة الحسن بن خالد وعلماء ضمد أهل نجد خوارج حكمهم حكم الخوارج ([1]) أهل النهروان . وهذه مسائل قد فرغ منها ، شعراء:
وقد أنقضت تلك السنون وأهلها

كأنهم وكأنها أحلام



وعند الله تجتمع الخصوم . وبعد انقضاء الحرب واستيلاء أهل نجد وأهل المخلاف على قرية ضمد وإحراقها بالنار ، تفرق أهلها إلى أبي عريش والى جهة اليمن ، والشريف منصور ومن في صحبته من النجديين عادوا إلى جهة صبيا واستقر مطرح النجود بالظبية ، وجرى منهم على أهلها تغيير وقتلوا وجرحوا أناس من أفاضلها مع أنها قد دخلت في عهد الشريف منصور ، ولكن زعم أهل نجد أن صدر منهم ما ينكث العهد فاستحلوا منهم ما حرم الله وانقلوا من ( الظبية ) إلى أطراف مدينة صبيا وأكدت بينهم وبين الشريف منصور العهود وتعاضد أمراء المخلاف منصور والفلقي وعرار على مباينة الشريف وأهل أبي عريش ومن والاهم من أهل اليمن ، ثم نفذ الغزو إلى بلادهم والشريف منصور واستقر في صبيا ينهي ويأمر ويؤنب ويزجر ، والناس أطوع له من نعله ، متمثلون مقتادون بفعلة ، والسيد أحمد الفلقي استقر بالأثلة ساحل وادي بيش وانتظم أمر صبيا ومخلاف بيش على شعار الدعوة النجدية في الأوامر والنواهي والموالاة والمعادة وقوي أمر الشريف منصور ، وظهر صيته عند أهل نجد ، ومثله عرار بن شار في مخلاف الدرب ، وما زالت الغارات بين أهل الشام وأهل أبي عريش . والشريف حمود يكتب إلى الإمام([2]) يستنهضه ويطلب الإمداد بالأمور والأقوام ، ويكتب إلى أهل ( نجران) ([3]) يستدعي قبائل (يام ) ويكتب إلى (





([1] ) الخوارج
جمع خارجي وهم أقدم فرقة من الفرق الإسلامية ، وكان لها دورها السياسي والديني في عصرها من ناحية نظريتهم في الخلافة ، وهل الإيمان الصحيح يكون بالإيمان أو العمل ، وغير ذلك من أقوالهم التي سنأتي عليها:
وقد اضطرب الأمن وتعسكر السلام في شرق البلاد الإسلامية في السنتين الأخيرتين من خلافة علي ، وساعدوا بصفة غير مباشرة في فوز جانب معاوية بإضعاف قوة علي.
([2] )الإمام المنصور إمام اليمن من سنة 1189-1224هـ / 1775-1809م
([3] )أهل نجران ( يام )
أما أصل حركتهم فكانت في صفر سنة 37هـ يوليو سنة657م – تقريباً عندما شعر معاوية بالهزيمة في (صفين) فأشار عمر بن العاص برفع المصاحف منادياً أن يحكم كتاب الله فيما بينهم فسارع أغلب جند ( علي ) طالبين إيقاف القتال وقالوا لعلي : القوم يدعونا إلى كتاب الله وأنت تدعونا إلى من معاوية وعمرو بن العاص فإنهم أصروا على إيقاف القتال وطلبوا منه حالاً إيقاف الهجوم الصاعق الذي يشنه (الأشتر) على صفوف معاوية مهددين بأنه إن لم يفعل فعلوا به ما فعلوه بعثمان.
وخشية من الفتنة أمر علي ( الأشتر) بالتراجع وبقية القصة معروفة باختيار الحكمين وما تم في ( دومة الجندل ) بين أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص.
ثم خروج طائفة لم ترض الحكم وجلهم من بني تميم من معسكر على وانسحابهم إلى ( حروراء ) وأمروا عليهم رجلاً منهم ( هو عبد الله بن وهب الراسي) . فيحاول ( علي) إعادتهم بالحسنى والموعظة فلم يفعلوا ، فكر عليهم حتى أتى على أكثرهم قتلاً ، قيل أنه لم ينج منهم إلا تسعة تفرقوا في البلدان ثم تزايدوا بمن كان غائباً أو انضم إلى طريقهم أو دخل في نحلتهم ، واستمروا في تطرفهم وفي تصرفاتهم وعقائدهم والقول بالطعن في سلوك عثمان واستنكار الثأر لمقتله ، والقول بعدم أحقية علي في الخلافة ، وبكفر من لا يجاريهم في التبرز من عثمان وغير ذلك مما هو معروف عنهم وانقسموا إلى فرق عدة ، كما هو معروف في كتب الملل والنحل ، ومن المعروف أن حركة الخوارج في أيام الخلافة العباسية كانت قد انقرضت وكان آخر حركة تذكر لهم هي حركة ( الوليد بن طريف) في عهد هارون الرشيد.
والشيخ محمد سلفي العقيدة حنبلي المذهب ، يشيد بالصحابة ويقدرهم ويترضى عنهم جميعاً ويتولى الخلفاء الراشدين الأربعة أبا بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم .
أما في موضوع الخلافية والإمامة فهو يتبع رأي أهل السنة والجماعة لأن الخلافة أمر دنيوي ، والله سبحانه وتعالى يقول : ( أطيعوا الله ورسوله وأولي الأمر منكم) وفي الأثر اسمعوا وأطيعوا ولو ولي عليكم عبد حبشي ، ومن قول عمر عندما شعر بدنو الأجل – بعد جرحه المعروف – لو كان أبو عبيدة حياً لأشرت بتوليته ولو عاتبين ربي لقلت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : أبو عبيدة أمين هذه الأمة ، ولو كان سالم مولى حذيفة حياً لأشرت إليه ، ولو عاتبين ربي فيه لقلت سمعت رسول الله صلى الله علية وسلم يقول: ( سالم) تستحي منه ملائكة الرحمن ، أو ما هو بهذا المعنى
وأمر الخلافة أو الإمامة أمر يطول شرحه ويعمق بحره ويكثر القول فيه يقول الشهرستاني(1) أنه ليس مسألة من المسائل أسالت الدماء وأثارت النزاع في كل العهود التاريخية ، كما أسالت وأثارت مسالة الخلافة.
وفي حديث الأئمة من قريش والحديث ، اسمعوا وأطيعوا ولو ولى عليكم عبد حبشي ما يغني وفي كتاب الماوردي ( الأحكام السلطانية) عرض للموضوع ومنها أن يكون الأئمة من قريش وأن يكون ذكر بالغاً متصفاً بسلامة الحواس ... .
إنما الواقع التاريخي من بعد عهد الخلفاء الراشدين ابتداء من عهد معاوية كان يعين الخلفية خلفه أو يأخذ له البيعة وهو حي ، وابن خلدون في مقدمته الشهيرة اصطدم بواقع التاريخ واعترف أنه لم يبق من الخفة بعد زوال سلطان العرب إلا اسمها وأن الشيعة يسمون كل فرد من أئمتهم بالإمام ما داموا يدعون في الخفاء فإذا تم لهم الأمر يحولون لقبه إلى أمير المؤمنين وهذا ما كان من العباسيين ثم الفاطميين.
وعن عدم حصر الخلافة في قريش قال به بعض كبار علماء السنة مثل ( أبي بكر الباقلاني ) ومنهم بدر الدين بن جماعة المتوفى سنة 773هـ 1371م في كتابه (الأحكام في تدبير ملة (الإسلام) حيث يقول : إن الإمام يلي منصبه أما بالانتخابات وأما بالقوة وفي الحالة الثانية يجب أن تؤدي الطاعة للإمام الذي يصل إلى الإمامة بحد السيف ، ويبرر هذا الاغتصاب بالصالح العام ووحدة الجماعة الإسلامية التي تحقق على هذا النحو.
وبعض الفقهاء جاروا الواقع التاريخي وأقاموا مذهبهم ، على ما جاء في الحديث في أن الخلافة ثلاثون عاما فقط ، فيكون بذلك انتهت بقتل الإمام علي وتلك هي عقدة ( النسفي) المتوفى سنة 537هـ - 1142م وقد تولى أمر الخلافة الكبرى بنو عثمان وهم ليسوا من العرب فضلاً أن يكونوا من قريش.
أما الشيعة فجعلوا الإمامة من أصول عقيدتهم ولم يكتفوا بحصرها في قريش فقط بل يوقفونا على ( علي ) وأبناءه من فاطمة كما هو معروف في كتبهم وعقائدهم.
( كتاب الملل والنحل ص12.
وقد ورد في كتاب ( الديباج الخسرواني) – مخطوط- قوله : وقد سمعت جماعة من علماء العصر يقولون عنهم بأن مذهبهم مذهب الخوارج ) فإن عامة ما هم عليه هو الدعوة إلى التوحيد وترك ما عليه الآباء والأجداد من التقليد ، وهدم ما أمر الشرع بهدمه .... وكلام من تكلم إنما هو بحسب العصبية وعدم التفطن للأدلة الشرعية)
فإن بدعوتهم زالت بدع كثيرات وارتدع الناس عن المنكرات فجزاهم الله خيراً
برط) ([1] ) يستدعي رجال بكلي كل ذلك يردي استنفاذ صبيا وما ورائها ، وجوابات . الإمام تصل إليه يعده بإرسال الجنود وما يحتاجه في مقاتلة النجود ،وقبائل همدان ... يجيبون عليه بالمواعيد ويمنونه ما يريد . والشريف منصور وعرار بن شار والسيد أحمد بن حسين الفلقي ، يكتبون إلى الدرعية ويذكرون لعبد العزيز ما حصل من حمود في الرعية ، ويعظمون عليه أمر حمود إن لم يتدارك أخذه قبل الإمداد من الإمام ربما يتعسر أخذه ، فأراد ( عبد العزيز ) أن يوجه لقتال ( حمود) أمير بيشة وشهران وهو ( سالم بن شكبان) بضم الشين المعجمة وسكون الكاف بعدها باء موحدة مفتوحة على وزن سلطان وكان أميراً كبراً من أمراء الدولة النجدية ، وكان مشهور بفظاعة الأفعال ، فحين توجه إليهم وإذا قد وفد علي ( عبد العزيز ) بن سعود ) محمد بن عامر الرفيدي ... العسيري المكني بأبي نقطة من بلاد السراة بعد وصول الدعوة إليهم ودخولهم تحت طاعة النجدي ، وظهر لعبد العزيز فيه مخائل الرياسة وكان معه في الوفد إخوة عبد الوهاب بن عامر ، فأشار عبد العزيز بإمارة السراة وما تحتها من بلاد اليمن كالدرب وبيش وصبيا إلى محمد بن عامر ، فتلكأ محمد بن عامر في قبول الإمارة وأشار إلى أخيه عبد الوهاب ، فأمتنع عبد الوهاب ، وتقلد الأمير أبو نقطة محمد المذكور ، وشرط عليه عبد العزيز قتال حمود وأخذ اليمن وفتح ما قدر عليه وأصحبه خطوطاً([2] ) إلى كبراء السراة يأمرهم بالسمع والطاعة لمحمد بن عامر
ويستفزهم معه لقتال تهامة ، وكتب إلى الشريف منصور والى الشيخ عرار بأمرهما بالطاعة والنفير صحبة محمد بن عامر ، وأنصرف من الدرعية في صحبة أخيه عبد الوهاب ورجال كبراء عسير أهل السيرة ، فوصل إلى أثناء الطريق ومرض من الجدري ، ثم توفاه الله تعالى قبل وصوله إلى السراة ، فمال الناس إلى أقامة أخيه





([1] )(برط ) قاعدة بلاد قبيلة بكيل من قبائل اليمن الشقيق.
([2] ) إن المؤلف رحمه الله لم يتتبع خط سير الدعوة التاريخي ، وكيف بدأت فهو جعل وفاة محمد بن عامر إلى الدرعية بعد وصول الدعوة إلى عسير مباشرة ، وهذا في رأينا المتواضع يخالف سنة التطور وتدرج الأمور فالدعوة كانت ثم من بعد ذلك لبثها الدعاة والمرشدون فتنتشر بعد الله بمجهودهم في القبيلة فإذا انتشرت واستقطبت كمرشد أو موجه النجيب من المستجيبين ، ورف إلى الدرعية بتزكيته والموافقة على قيامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وبعد ذلك يفد على الدرعية هو ومن أخلص للدعوة
-----------------------------------------------------------
عبد الوهاب بن عامر ، ولم يرضى عبد الوهاب إلا بما جاء من عبد العزيز ، وحين بلغ الخبر إلى عبد العزيز كتب ولاية لعبد الوهاب بن عامر على بلاد عسير وما والاها ، وأمره باستفتاح تهامة ، وكتب إلى أمراء تهامة في السمع والطاعة والنفر ، وان استنفرهم عبد الوهاب ، فوصل الشريف قاسم بن أبي طالب الخواجي من الدرعية وقد كان نفذ رسولاً إليها من عند الشريف منصور يستحث عبد العزيز على إرسال الجنود على ( حمود) ، فوصل بجواب إلى منصور يتضمن الخبر بولاية عبد الوهاب بلاد عسير وأمره بقتال حمود وجمع الجنود ، ووصل صحبة الشريف قاسم خط من عبد الوهاب إلى الشريف منصور يخبره بأنه واصل لأخذ أبي عريش ، وأمر منصور أن يستنفر الناس ولا يعذر إلا من عذره الله عن الجهاد ، وكتب مثل ذلك إلى عرار ، ومثله إلى السيد أحمد الفلقي ، فوقع استنفار الناس من أعلى طور السراة إلى تخوم تهامة وبلغ الخبر إلى الشريف حمود وجاءت العيون .. والجواسيس يخبرونه بالأمر اليقين والخبر الذي لا يتصف بالتظنين ، فكتب الخطوط إلى صنعاء والى يام يستحثهم على المبادرة ، ويحضهم على الوصول قبل حصول البادرة ، فوصل قوم من يام إلى حرض ، أرسل إليهم الشريف حمود الشريف علي بن حيدر يلتزم لهم بالمال ، ويطلب منهم الوصول للقتال([1]) فمرضوا له العبارة ومنوه بالإشارة وقالوا له حركات أهل نجد بطيئة ونحن نسير إلى اليمن ننهب منه ما يقوينا على حرب العدو ، ونعود قبل وصول العدو ، فلم يجد الشريف علي منهم مساعدة إلا بالمواعيد ، ونفذ يام إلى اليمن يفسدون في الأرض يستحلون في طول البسيطة والعرض ، وعاد الشريف علي بن حيدر إلى عمه الشريف حمود وأخبره بما وقع بينه وبين يام ، وانه لم يقف منهم على شيء وقد بذل المجهود ، وبعد وصوله في العشر الأوائل من رمضان، تزايدت الأخبار بنزول عبد الوهاب بن عامر من طور السارة يقود الجيش الجرار ، وكل ما وصل مطرحاً لقيه قوم من أهل تلك البقة قد أدركهم الاستنفار البارح؟ وتحقق الخبر عند الشريف أن قدر القوم عشرون ألفا أو تنيف ، وأن فيهم من أهل السراة الصناديد ، ومن رجال ألمع ، من يحوط الحوزة ويمنع ، وحين أتصل ببلاد عرار أجابه كل محتلم ، وسار بين يديه وهو يرى أنه لفضيلة الجهاد المغتنم ، ولما وصل إلى بيش وصبيا وتلك المخالف ، لم يتخلف منهم إلا من لم يقع عليه خطاب التكليف وكان وصوله في اليوم الثاني عشر من رمضان – سنة سبع عشرة بعد المائتين والألف وفي صحبته الأمراء الكبراء والرؤساء([2]) الذين عليهم في ذلك الجند المدار ، كاهل الحجاز الساحل المتصل بمخلاف عرار([3]) ، وكان من أهل الرأي في ذلك الجند الشيخ عرار بن شار ، والشيخ العلامة الفاضل محمد بن أحمد بن عبد القادر الحفظي ، الشيخ العلامة محمد بن عبد الوهاب بن الشيخ بكري ، وهما عالما أهل الحجاز المتصل بطور السراة من جهة اليمن ، وكان الشيخ محمد بن أحمد ووالده الشيخ العلامة الكبير أحمد بن عبد القادر ممن خالطت قلوبهم بشاشة الدعوة النجدية وناصروا دعاتها بأشعار الحماسة والأقوال في الرسائل إلى أهل الرياسة، ومما بلغ عن الشيخ محمد بن أحمد بن عبد القادر أنه قال : أعظم حامل لي على مصاحبة الأمير عبد الوهاب إلى اليمن إنما هو محبة السعي في سلامة أهل العلم من أهل اليمن ، لئلا يتبادر فيهم سوء من الأمير تقليداً لما بين يديه من رسائل النجديين ، وتعميم الشرك على كل من لم يدخل معهم في الدعوة ، وكان الأمر كما قال فإن سلامة أهل العلم واستقامة أحوالهم إنما كان السبب الأعظم فيما بعد الله سبحانه الشيخ محمد نعم وحين استقر الأمير عبد الوهاب في جنوده التي تملأ الرحاب في وادي صبيا قبلي المدينة ، خرج إليه الشريف منصور واخبره بأنه قد جمع من قومه ما يجمل به الدستور([4]) ، وارتحل الأمير عبد الوهاب إلى ( الظبية) ([5]) ووافاه السيد أحمد بن حسين الفلقي في جموع من أهل مخلاف بيش والساحل ، ووافاه أيضاً الشريف منصور في ذلك المخيم ، وكان منصور بعد وصوله إلى حضرة الأمير عبد الوهاب هو المشار إليه في الخطاب وراية المقدم ، فأرتحل من الظبية إلى وادي ضمد ولقيه هناك الشريف الأمجد يحيى بن محمد ، والشريف الغضنفر محمد بن حيدر ، وبايعاه على السمع والطاعة والعمل بما يعمل به الجماعة ، وكان قد أبدى للشريف يحيى بسبب تقدم عهده لحزام ولم يترتب على ذلك العهد انتظام ، وحضر القضية منصور فتكلم بكلام أذهب وحر الصدور ، ثم أرتحل الأمير بتلك الجنود التي يقصر عن حصرها قلم التعبير ، وطرح بمحل قبلي أبي عريش بينه وبين البلد نحو ميلين ولم يكن دون البلد ما يمنع رؤية العين ، فحين ضربت الخيام ، امتد مديدها إلى تحت الجبل المشهور بـ(الجرد) ، بجيم مفتوحة وراء مهملة ساكنة وآخره دال مهملة – جبل يتصل بأطراف أبي عريش من جهة الشرق ، وامتد سماط الخيام في الجانب الغربي حتى تعدى حد البلدة ، وكاد أن ينعطف عليها انعطاف الأم على الولد ، ثم أمر الأمير أن يصف الرماة للتعشيرة([6]) ووجهوا بذلك الرمي إلى أبي عريش والديرة ، فأخبرني من أثق بخبره ولا أتهمه في أثره أنه سمع التعشيرة وهو في الركعة الأولى من صلاة العصر يصلي خلف الإمام فامتدت أصوات التعشيرة من ذلك الحين إلى أن تمت الصلاة وما يتبعها من الدعاء ، حتى خرج المصلى إلى أطراف البلدة من جهة الشام والصوت ممتد لم ينقطع ، ومثل هذا يكون من كثرة الجند تارة ومن حسن الصناع تارة ، وقد جمع أهل هذا الجند الأمرين ، وحين شاهد أهل أبي عريش تلك الخيام وامتدادها إلى أن اتصلت بالآكام.. وسمعوا تلك التعشيرة ذهل منهم من ذهل وثبت من ثبته الله ، وفزع بعض منهم إلى الليث الخادر ، والهزبر الزائر ، الشريف حمود في بيته فوصله بعض الجنود وقال له : قد وصل الأقوام ، ونصبوا ما لم يوصف من الخيام ، وفي تعشيرتهم أمارة الكثرة وبرهان الوفرة ، فقال : أما التعشيرة فلم أسمعها لأني كنت راقد([7]) وأما الخيام فهي غنيمتنا غداً إن شاء الله . فسكن قلب ذلك المخبر ، ثم ركب الشريف في حينه وأمر أهل الخيل بالركوب ، وطاف المحلات المرتبة بالرجال المستعد أهلها للقتال ، وعبأ الصفوف في طرف البلد وجعل في ناحية الغرب رتبة لتمنع من أراد اغتيال الديرة وهي محلة الأشراف متصلة بأبي عريش ، والديرة([8]) – بكسر الطال المهملة المشددة بعدها ياء مثناة تحتية بعدها راء مفتوحة وآخرها هاء السكتة وهي مؤنث دير واحد الديور جرى الاستعمال فيها على غير القياس- ولما نظر الشريف إلى الخيام التفت إلى الناس وقال : لا يروعكم ما ترون من كثرة الخيام فإنها لا تدل على كثرة الأقوام ، وإنما يرون بهذا الإرهاب ، واسترقاق قلب من لا يألف الطعن والضرب ، فهم لنا غنيمة وسيوفنا لهم منيمة ، وموعدنا غداً إن شاء الله . وفي أثناء قيامه خارج البلد بين الخيل وصل إليه جماعة من جنده بأسير قد أسروه من القوم ، فأستبشر بذلك ثم وصل إليه في تلك الحال السيد الهمام محمد بن علي بن مهدي النعمي أحد فرسان السادة النعميين، وفي صحبته خط من الأمير عبد الوهاب ، يعرض على الشريف الخوف في الطاعة ويحذره من القتال في تلك الساعة ، فقال الشريف للرسول . لولا أنك الذي اعرف من القوم ، ولولا التحذير من قتل الرسل لما رجعت سالماً فقال له : اسمع يا شريف أنا والله جئت ناصحاً لك ومخبرك بالخبر اليقين ، جئتك من عند قوم يرون القتل غنيمة ، وفيهم كثرة ووفرة ، إن ظفروا بك ما أبوق باقية ، وان ظفرت بهم عجز جندك عن حمل بنادقهم لكثرتها ، ولكن أخشى أن اليد لهم فيفعلوا ما لا تحمد عاقبته ، فقال الشريف : ما عندي جواب أرجع من حيث جئت ، فرجع الرسول يخبرهم بتصميم الشريف على القتال ,. والشريف ملأ المراتب التي في المدينة رجال من أهل أبي عريش ، ومن غيرهم ورجال همدان وأكثر رجال مراتب المدينة من أهلها وملأ مراتب (الديرة) رجالاً من همدان ، ومن سحار ، ومنم العبيد ومشى يطوف على الناس ويثبتهم ، وجعل الشريف علي بن حيدر أمير على الخيل مما يلي الديرة خشية أن يغول الديرة طائفة من القوم ، وكان الأمير عبد الوهاب أراد أن يكون حملة القوم على الديرة وتوجيه الحرب إليها لأنها مسكن الأشراف ، وإذا حصل الظفر بالديرة فأهل أبي عريش أطوع للتسليم ، وكان هذا الرأي ابرمه الأمير ، بمشاورة الشيخ عرار بن شار لأنه كان بين عرار وبعض مشايخ أبي عريش مراسلة أنهم لا يريدون الحرب وأنهم باذلون الطاعة من دون محاربة ، وكان الشريف نمى إليه خبرهم فتلطف في قبضهم حتى قبضهم وأودعهم الحبس ، وكانوا من أهل القول المسموع عند أهل أبي عريش ، وبعد القبض عليهم لم يتظاهر أحد من أهل أبي عريش بمخالفة الشريف ، فمن أجل هذا أشار عرار على عبد الوهاب بتوجيه الحرب على الديرة ، وتأخير حرب أبي عريش ، فبلغ الخبر منصور بن ناصر فحدب على قومه وقتل في الذروة والغارب عند عبد الوهاب حتى صرفه عن ذلك الرأي ، ووجه ابتداء الحرب على أبي عريش وكان فيما بلغ التزم له أنه إن ظفر بالمدينة فهو كافل له بوصول الشريف والأشراف إليه والدخول تحت طاعة ابن سعود ، وهكذا أبلغ والله أعلم ثم أن الأمير عبد الوهاب عبأ الجنود وبند البنود وجعل جنده قلباً وميمنة وميسرة ، وجعل الخيل في مقابل خيل الشريف خشية من خيل الشريف وتغول المطرح ، وجعل خلف كل صف رجالاً تسوقهم إلى الأقدام ويرون من أراد الانهزام ، وحين طلع الفجر أذن مؤذنهم حتى ملأ الأفق تأذينهم ثم وصلوا جماعات واقبلوا يقصدون مدينة أبي عريش ، يجهرون بالتكبير وشعارهم ، يا مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين .. والشريف قد كان معه بعد تحصين المراتب طائفة من الجند أغلبهم من أهل أبي عريش ، فصفهم وجاءه العدو من قبلي المدينة مما يلي الشرق ، والتحم القتال وثبت جند الشريف ريثما غشيهم جند عبد الوهاب كأنهم السيل الجرار ، فلجأ أصحاب الشريف إلى الحصون ، وأهل السراة حملوا على الحصون ، فلقوا دونها شراب المنون ، فكانوا لا يبالون بالقتل ويمشون فوق القتلى ودمائهم تسيل ، حتى استولوا على أول حصن ويأتون على من فيها قتلا ، وما سمع أنهم أسروا أحداً من الرجال إلا من النساء والصبيان واستدام الحرب إلى العصر من ذلك اليوم وهو يوم الجمعة خامس عشر رمضان سنة سبع عشرة ومائتين بعد الألف . وأنحاز من نجا من أهل أبي عريش إلى درية الأشراف ، والشريف حمود في هذا اليوم قاتل قتال من يطلب الموت ويتمنى الذهاب والفوت ، وأنه لما أنهزم قومه كان يركض بجواده في الأزقة ويحمل على صفوف أهل السراة ، حتى يخرج من عرض الصف يطعن بالرمح ويضرب بالسيف ، حتى تقصدت بكفه كم من قناة وفل بيده كم من سيف لما كل شباه ، وأخبرني من أثق بخبره عنه قال : ما مضى علي يوم الموت أحب إلي فيه من الحياة من يوم الجمعة يعني ذلك اليوم المشهور ، وأزداد يقيني بالله لكثرة تعرضي للرصاص ودخولي بين الصفوف لا أطلب إلا الموت فلم يصيبني شيء قط ، وحين رأى الأشراف ما حل بأهل أبي عريش من الإبادة واستيلاء جند السراة على الحصون أيقنوا بالهلاك ، وعلموا أن لا مفر من عبد الوهاب ولا فكاك ، وصل كبراهم يحضون على طلب الأمان والدخول في الذي يطالبه عبد العزيز بن سعود فأبى الشريف اشد الإباء وعزم على مفارقة الديار وهجران الربى ، فقال الأشراف أن لنا حر ما نخشى أن تهتك وأن صممنا معك على الحرب أصابنا ما أصاب أهل أبي عريش ، والآن قد برأت ذمتك مع الإمام وعهدة ، وانجلى عنك العار الذي تحاذره وما بقي لك عذر عن الدخول ، فصمم على المنع وقال الجواب في غرار المشرفي ورؤوس النبع ، فلما أبس منه الأشراف طلبوا الأمان لنفوسهم ودورهم كالشريف علي بن حيدر والشريف أبي طالب بن أحمد بن محمد ,انضم إليهما جماعة من الأشراف فأرسل عبد الوهاب رجلاً من قومه يسمى ( جعثم) يكون في دار الشريف علي بن حيدر ، ونادى كل من كان في الحصون من جند عبد الوهاب : أنا ( جعثم) ابن فلان أخبركم أن علي بن حيدر قد دخل مع المسلمين فكفوا الحرب عن داره ، وحين رأى الشريف انخذال الأشراف ، وربما توهم أن يلي الأمر علي بن حيدر أو أحد أخوانه وينقلب الأمر إلى غير زمانه أرسل عبد الوهاب يطلب الأمان ، فبذل له ذل ووصل إلى مخيمه بعد يومين ، وكان دخوله على عبد الوهاب ليلة الأحد سابع عشر من شهر رمضان ولم يحفل به عبد الوهاب عند دخوله بناء على ما يعتقده من الكفر والإسلام ، وكان الشريف وجد في نفسه وعارضته الأنفة فهم بالرجوع وآب إليه من الحلم ما أرضاه بتلك الحالة ، ومد يده للمعاهدة على اتباع دين الإسلام والتبري من كل دين سواه ، وعلى السمع والطاعة لعبد العزيز بن سعود ، وموالاة من والاه ومعاداة من عاداه والدعوة إلى الله ثم بعد ذلك أقبل عليه عبد الوهاب وبش في وجه ، وألان له الحديث وأنصرف الشريف من موقف عبد الوهاب ولم يحصل للإمارة ذكر ، ولا علم الشريف سيكون الأمير هو أو غيره ، وكان الأشراف لا يدركون أيهم يعطاها ، وكل واحد منهم يمت بسبب والأمير عبد الوهاب يتروى من أصحابه أخبار الأشراف ويستعرض صفاتهم ، وكان كل أهل حضرته فرقاً مختلفة أرائهم كل أحد منهم يميل إلى أحد ، ولما بلغ الشريف أن الشريف منصور كان مشيراً بتأثير الشريف ... الغضنفر محمد بن حيدر ، وما أخطأ الصواب لو وافقه المقدور والسيد أحمد الفلقي وعرار بن شار يشيران بتأمير يحيى بن محمد السابق عهدة لحزام ، كما تقدم ذكره ولم يتم من ذلك إلا ما قضاه العليم الحكيم وتقليد الإمارة الشريف حمود بن محمد على ذلك الإقليم ، نعم وكان الشريف بعد الحرب في اليوم الأول حين رأى استحرار القتل في أهل أبي عريش وانحياز الأشراف الرؤساء ، علم أنه إذا لم يطلب الأمان ويدخل في الطاعة ربما تمتد عليه يد الأجناد الوهابية فترجح له طلب الأمان كما قدمنا . ولكن عقد الرأي على إرسال السيد العلامة الحسن بن خالد الحازمي إلى حضرة الخلفية المنصور إلى مدينة صنعاء ن واصحبه خطوطاً تتضمن حكاية الواقع وما أبلاه في تلك المعركة ، وآل الأمر إلى أن دارت عليه رحى الغلبة فجنح إلى المسالمة بظاهره وباطنه يتعلق بالإمام ومناصرته ، ونظره موجه إلى جهته وسمعه مفرغ لما يبرز من قضيته وعهد إلى العلامة أن يلقى إلى مسامع الإمام كلما وقع وما هو مترقب ويشرح قوة الأهل السراة ، وكثرة جنود أهل الدعوة ، ويطلب من الإمام المبادرة بإرسال الجنود قبل أن يتأثل أهل الدعوة ، وتتملك بشاشة دعوتهم قلوب أهل المخلاف السليماني ، فيتعذر حينئذ استنقاذ ما قد استولوا عليه ، فنفذ السيد العلامة الحسن بن خالد إلى حضرة الإمام واتفق بالوزير الخطير الحسن بن حسن بن عثمان العلفي ، وقد تقدم نسبه عند ذكر والده في مبادئ هذه السطور ، فألقى إليه جميع الواقع وحذره وأنذره من المترقب ، وأن الشريف حمود أن لم يبادر بالجنود الأمامية فلا عذر له من التجرد مع أهل الدعوة النجدية ، وفاء بما عاهدوه عليه وشرطوه عليه ، وطلب السيد الحسن الاتفاق بالإمام وإلقاء ما حاك من الكلام ، فأذن له الوزير بالاتفاق وأخذ عليه أن لا يكلم الإمام إلا بما يطابق المقام ، فبقي في صنعاء قدر ستة أشهر ينتظر خروج الأجناد إلى تهامة ونزول العساكر ، ووافى بعده إلى صنعاء الشريف الماجد يحيى بن علي فارس بن محمد الحسني ، وكان من أمره ما سنذكره أن شاء الله ، في غضون هذه الورقات ، ولنعد إلى خوض الأمير عبد الوهاب بن عامر قائد هذه الجحافل والعساكر ، فإنه لما استتب له ملك أبي عريش بعد أن صير معاقله وحصونه ليس لها قوادم ولا ريش ، أزمع على الرحيل إلى السراة والعودة إلى دياره ومأواه ، فجمع ما استولى عليه الجند من الخرثى والمتاع وعمل في تقسيمه على الغانمين قسمة الغنيمة من بعد أن تم إخراج الخمس . عاد المال على المشاع، ثم قسم ما بقي على حسب الفريضة في الغنائم بعد أن نادى في المعسكر بذم ما يعتقده من أهل هذه الديار من أنه قد عمهم الشرك ما بين عامل له وراض به وساكت عن الإنكار مع ما يعرفه أنه شرك وهم القليل ، وهذا باب لا يفتح الكلام فيه فقد أفضى([9]) كل من الأمراء والمأمورين وأهل الدعوة بأسرهم إلى مقعد صدق عند مليك مقتدر([10])، ثم توجه عبد الوهاب إلى عقد الإمارة ، ونصب الشارة لليث العرين ، الملتقى راية المجد باليمين، الأسد الهصور ، الشريف حمود بن محمد المذكور ، فاستدعى به إلى مخيمه وقد حضر من الأشراف أهل الحل والعقد عند الاختلاف كما استحضر أعيان دولته والأعوان من خدمة ، ومن الأشراف مثل الشريف علي بن حيدر ، والملك العادل منصور ، وأعيان كانوا في ذلك الوقت تناط بهم الأمور ، وحين اجتمع الناس استدنى الشريف حمود ، وعاهده على القيام بأمور التكليف ، وشرط أن هذه التولية موقوفة على إجازة أمير العامة عبد العزيز بن سعود صاحب نجد ، ومما شرطه الأمير عبد الوهاب علي الشريف في صلب العهد قتال من وراءه من أهل اليمن ، ومباينة إمام صنعاء ومحاربته أن وصلت منحه جنود حرب ، وما وسع الشريف إلا الالتزام بذلك ، وكان يظن أن الإمام لا يترك بعث الجنود والذب عن ممالكه في السهول والنجود ، ولاسيما وقد نفذ إلى حضرته العلامة الحسن بن خالد- كما قدمنا في ما قبل هذا – وقبل عقد الإمارة طلب الأمير أعيان الناس من الأشراف والعلماء والأكياس وأمرهم بطاعة الشريف ، وأمر الشريف بحضورهم أنه لا يحكم فيهم إلا بما اقتضاه الدين الحنيف ، والهدي المحمدي المنيف ، وخاطب أهل العلم بأنهم لا يحكمون بغير الكتاب والسنة ولا يتخذون غيرها عند المعضلات جنة ، ثم نادى في الرعيل بالرحيل ، وفي تلك الخيام والخيلان أن أزمعوا بالرحيل ؟ ، وانقلبوا إلى بلادكم بما معكم من الخف والتثقيل ، فقوضت الخيام ورحل الناس فئام بعد فئام ، وكان ارتحاله يوم الخميس تاسع وعشرون من شهر رمضان أو ثامن وعشرين منه ، وخيم بوادي ضمد وأظنه استهل شوال فيه ، ثم ارتحل إلى وادي صبيا ، وقرر أحوال أهلها وجمع أمرهم إلى الشريف منصور ، وأظهر لهم أنه عنده وعند أهل الدعوة مفوض في البوادي والحضور ، وأصلح بينه وبين الشريف أحمد بن حسين الفلقي ، بأن أقر يد الفلقي على مخلاف بيش الغربي كأهل ( الأثلة) والأشراف الجعافرة ، وأمره بالانتماء إلى منصور ، بأن يكون حكم المولى من عنده حتى تنتهي إلى عبد العزيز الأمور، ثم توجه من صبيا إلى وادي بيش ، ثم منه إلى ( درب بني شعبة) وأقر الشيخ عرار بن شار على ملك تلك الديار ، ثم توجه إلى الحجاز ومنه إلى السراة:
وألقت عصاها وأستقر بها النوى كما فر عيناً بالإياب المسافر
والشريف بعد نفوذ عبد الوهاب نظر فيما بين يديه وإذا مدينة أبي عريش قد استولى عليها الخراب ، وبواديها تلحق بالقفر اليباب ، ولم يبق عنده من الجنود من يقوم له بالمقصود لأن الذين كانوا معه يوم حرب عسير قد تفرقوا شذراً ، ونفروا إلى كل حجر ومدر ، ورجال أبي عريش قد طحنتهم الوقعة وذهبوا تحت حنك السيف متعة . شعرا.
ولم يبق إلا ما حماها من الظبا لمى شفتيها والثدي النواهد؟
فترجح له أن يخرج من أبي عريش بمن بقي من خوافي ذلك الريش ويقصد بلاد بني الحرث([11]) ويدعوهم إلى التوحيد ويمنعهم عن التنديد ، رجاء أن يحصل له منهم رجالاً يكونون معه فيما بقصده من الإقبال ، فخرج في نفر بسير ومع من الخيل ما لا يبلغ الثلاثين، وفي صحبته الشريف الغضنفر علي بن حيدر وهو أكبر الأشراف يومئذ بعد الشريف حمود ، لأن أخاه محمد بن حيدر اعتذر من الخروج ، والشريف يحيى بن حيدر كان في الواعظات ، لم يحضر تلك الوقائع الماضيات ، والشريف يحيى بن علي كان في جهة اليمن طالب الثأر حتى اتصل بالإمام ، ووقف على ما سنذكره إن شاء الله في بطون الأوراق، فوصل الشريف حمود إلى بلاد الحارثيين ودعاهم إلى الدخول في الدين ، فأجابوا داعية ولبوا مناديه على شروط كانوا ذكروها وأمور كانوا عمروها وقبل منهم الشريف ظاهر الطاعة كما قيل:
لقد أجلك من يرضيك ظاهره وقد عصاك الذي يرضيك مستتراً
وكان وصول الشريف بلادهم بعد أن استدعى كبراهم ووصلوا إليه وأخذ منهم رهائن وأرسلهم إلى أبي عريش ، وكانوا يزعمون أن الشريف استدعاهم بأمان وارتهنهم بغير رضي منهم والله أعلم بحقيقة الأمر ، وكان السفير بينه وبينهم السيد أبن عقيل الحازمي أحد أعوان الشريف ، وبعد دخول الشريف بلاد الحارثيين ودخل لهم في الطاعة ، كتب إلى خولان الشام وهم أهل جبل الظاهر([12]) وما والاه من الجبال كـ(طلان) و(حيدان) ([13]) ، وكان كتاب الشريف يدعوهم إلى الدخول في الطاعة والتحلي بما يتحلى به الجماعة وخولان أهل عزة ومنعة وكثرة ، وهم ينتمون في الأوامر إلى أهل (صعدة) من آل الإمام القاسم رضوان الله عليه ، فكتب أهل خولان عند وصول كتاب الشريف كتاباً إلى السيد العلامة الفاضل محمد بن علي بن القاسم بن علي بن أحمد بن الإمام القاسم ، والى أخيه السيد الماجد الرئيس الحسين بن علي بن قاسم ، واخبروهما بما يطلب الشريف من أهل ذلك الجبل المنيف ، فتمالا إلى علي بن قاسم ؟ على نفوذ السيد العلامة محمد بن علي في لقاء الشريف ويتعرف الأمر الذي يدعو إليه ، والمهيع الذي يدل عليه ، فكتب محمد بن علي إلى الشريف كتاباً يطلب الاتفاق وعين محلاً للوقفة في الحد ما بين الحرث وخولان ، فأتفق المذكوران هناك وفهم كل واحد منهما ما عند الآخر ، واصطلحا على أن الشريف يترك بلاد خولان وبلاد أهل صعدة ولا يتعرضهم بدعوة ، ولا يبعث لهم جنداً وتعاهد هو والسيد محمد بن علي بن قاسم على المناصرة ، وأن الشريف إذا دعته حاجة إلى رجال من خولان أو سحار فعلى محمد بن علي أن يمده بالذي يطلب ، والشريف التزم لمحمد بن علي كذلك أي يناصره بما قدر عله ، ثم توجه الشريف راجعاً إلى تهامة فوصل إلى أطراف بلاد الحارثيين من اليمن جهة (دارس) ([14]) بصيغة اسم الفاعل من درس- قبيلة يرجعون في موالاة بني مروان، وعزم من هناك على تجهيز الشريف علي بن حيدر بن محمد الحسني ابن أخيه، وصحبته جماعة من أهل خيل الأشراف وغيرهم، وعين معه جنداً يسيراً وأمره أن يتوجه إلى اليمن، يدعو الناس إلى طاعة الشريف فمن قبل أخذ منه العهد وأقره ومن أبى قاتله، فنفذ الشريف علي بن حيدر وصحبته ثلاثون من خيالة الأشراف وغيرهم، فوصل إلى حرض، وكتب إلى (بني مروان) ([15]) يدعوهم إلى الدخول في طاعة الشريف حمود وإلا يبعثن عليهم الجنود، فوصل كبراؤهم وعاهدوه على السمع والطاعة، وقبول ما جاء في الأوامر الدينية، فقبل منهم وأمر عليهم رجلاً منهم يسمى أحمد بن علي معوز، وشرط عليهم في العهد الجهاد فيمن وراءهم حتى يدخلوا فيما دخلوا فيه([16]) فأقبلوا على ذلك، ونفذ منهم رجال صحبة الشريف علي بن حيدر إلى جهة اليمن، فنزلوا في بلاد (بني حسن) ودعاهم فأقبلوا إليه طائعين، ونفذوا صحبته مجاهدين، حتى نزلوا بلاد (عبس الدفعي) فوجد كبراءهم ((آل ثواب)) ضد عقاب، وهم أهل رئاسة فيهم، فواجهوه وبذلوا له الطاعة وأمر عليهم (احمد بن مقبول ثواب) ثم توجه إلى الواعظات وهي آخر البلد التي حكم ولايتها أشراف أبي عريش وما وراءها إلى اليمن، فولايتها إلى أعمال (اللُّحَيَّة) و (الزيدية) من تحت خليفة صنعاء، فأقبل أهل الواعظات إلى العهد؟ ودخلوا في السلك من غير تعسير، وقد كان في الواعظات الشريف يحيى بن حيدر الحسني أخو الشريف علي بن حيدر وابن أخي الشريف حمود، وكان قد اجتمعت كلمته وكلمة الشريف يحيى بن علي على موالاة الدولة الإمامية ومباينة الشريف حمود وأهل الدعوة الشامية، وكان الشريف يحيى بن علي توجه إلى أمير اللحية منضماً إليه في المناصرة، لما أحس بإقبال الشريف علي بن حيدر يسوق الناس بعصاه، وبقي الشريف يحيى بن حيدر في جهة الواعظات حتى وصل أخوه، فجنح إلى المسالمة وانضم إلى أخيه وأصلح شأنه مع الشريف، وبقي من جملة الجند، والشريف علي بن حيدر لما استقر بالواعظات كتب إلى أهل (الزعلية) وإلى (صليل) فأقبل مشائخ الزعلية كالفقهاء آل أبي حربة، والمشائخ البلاسدة، وعاهدوا الشريف علي، على الدخول في الطاعة للشريف حمود، وعند ذلك كتب الشريف علي بن حيدر إلى عامل (مور) وكان فيه إذ ذاك نائب يسمى (محبوب) من موالي (محمد بن فرحان) يأمره بتسليم البلد، والدخول في الطاعة، ويكون له الأمان ويرجع إلى ((اللحية)) إلى من ولاه وهو الأمير صالح بن عبد الملك، وكتب الشريف علي كتاباً إلى أهل مدينة (مور) المشائخ والعقال يأمرهم بالإقبال إليه، والسلوك بين يديه فأجابوه بالسمع والطاعة، وأما الأمير محبوب فطلب الأمان، وسلم الحصون ونفذ إلى اللحية بصفقة المغبون، وأرسل أهل مور إلى الشريف علي أن أقبل إلينا فقد خرج الأمير من بين أظهرنا، فدخل الشريف علي إلى مور وصحبته الأعراب من أهل تلك الجهات، وأكثرهم من الواعظات، وحسن استقر في قلعة مور كاتب أمير اللحية صالح بن عبد الملك العلفي يطلب منه الدخول في طاعة الشريف حمود، والعمل بما يعمل به أهل الدعوة دعوة ابن سعود، ويخلع طاعة الإمام وينزع حلة الإنعام، ثم كتب الشريف حمود وهو بمدينة (حرض) يخبره بما استفاض عليه من البلدان حتى انتهى به الشوط إلى قلعة مور، وقد صار يكاتب أمير اللحية في الدخول في الطاعة والخروج من البلدة وتسليمه قلاعه، فأما الأمير صالح بن عبد الملك فكان حاله عند وصول الخطاب بالتخبط والاضطراب، وطلب العساكر الذي بين يديه وحضهم على المقاتلة والدفاع، وحفظ البندر حتى تأتي الغارة من صنعاء تملأ البقاع، فلم يسعده أحد من الجند إلى القتال بعد أن بذل لهم كثيراً من المال، بل أصغوا إلى أراجيف أهل الشام لاسيما وقد وصلت سواعي أهل الشقيق([17]) ونصبت الحرب على أهل اللحية بالمدافع من البحر وانتهبوا الأموال التي في السواعي([18]) فامتلأت قلوب الناس رعباً من أهل الدعوة النجدية، وكان غاية ما أشار به جند الأمير صالح عليه أن يترك البلد ويتوجه إلى صنعاء، أو يتراخى في الحديدة، أو بيت الفقيه، ريثما يصله الإمداد فيعود الاستنقاذ ما ترك من البلد، وما نظر إلى قول من قال:
إذا ما أول الخطي أخطا



فما يرجى لآخره انتصار



ولما عزم على الخروج أقبل إليه وجوه الناس وأعيان الدولة يؤنبونه ويخوفونه العاقبة فلم يلتفت إلى المقال، ولا ارعوى عما لعله عزم عليه من الارتحال، وكان الجند الذي بين يديه قد عادت إليهم همهم أن يثبتوا في البندر ويمنعوا حوزته حتى يأتيهم الغوث من حضرة الإمام أو من البنادر الأخرى كالحديدة، وبيت الفقيه وزبيد، فوصلوا وعرضوا عليه البقاء فلم يلتفت، فطلبوا منه خط أنهم بذلوا له القتال ولم يرض، ولما أزمع على الخروج وبقى الناس لا يدرون على ما يقعون فيه، فتمالأ كبراء البلد على إرسال السيد العظيم حسن بن محمد النعمي إلى الشريف حمود بالبيعة، ويخبره بخروج صالح بن عبد الملك، وتخليه البلد وأهلها، فصالح نفذ إلى جهة اليمن([19]) وبين يديه من الجنود من حاشد زهاء ثمانمائة نفر، ونفذ معه الشريف الماجد الغضنفر يحيى بن علي فارس بن محمد الحسني، ووالده الشريف الكبير الكريم الخليفة المنصور، ليشرحوا ما حل بهم من عظيم الأمور.
وأما الشريف محمد بن علي فارس في جماعة من العسكر فوصل إلى مور في اليوم الذي خرج فيه صالح بن عبد الملك من اللحية، وكان قد كتب الأمير محمد بن قيراط رجل من موالي فرحان كان يتولى أمر اللحية من تحت نظر الإمام في بعض أيام، وهو الأمير علي بن يحيى سرور من بقايا أمراء الدولة في اللحية، فكتب ابن قيراط إلى علي بن حيدر يخبره بخروج صالح ويستدعيه للدخول، فبادر الشريف علي بن حيدر بدخول اللحية ومعه الشريف محمد بن علي، وكل يعد نفسه هو الأحق بإماراتها والنظر في أحوالها فاستقرا فيها ثلاثة أيام، حتى وصل الشريف حمود، وكان من أمره أنه لما وصل إليه السيد حسن بن محسن النعمي ببيعة (اللحية) وأخبره بخروج صالح منها لا يلوي على شيء، نهض في حينه إلى اللحية فدخلها واستقر في دار الإمارة، وبذل الأمان لأهلها وأمرهم بأوامر الله، من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وطلب من التجار مالاً كثيراً أنه يدفع به عنهم أهل الشام، ويسد به ثغور الأقوام، فقبض منهم عشرة آلاف وأقام أسبوعاً ثم ارتحل إلى (مور) وخيم بظاهره إلى جهة القبلة، وجعل محمد بن قيراط أميراً على أهل اللحية والنظر في بيوت الأموال، وحفظ الإدراك إلى السيد حسن بن محسن النعمي فبقي مور في يده، وفي تلك المدة بعث الشريف يحيى بن حيدر غازياً إلى (الحديدة) وكان ذلك في شهر الحجة سنة سبع عشرة بعد المائتين والألف؛ لأن دخول اللحية كان في هلال الحجة، وتجهيز علي بن حيدر إلى اليمن([20]) في ذي القعدة([21]) وكان في أيام بقائه بظاهر مور وصل إليه الكلفود شيخ (صليل) ومشائخ بلاد (الزيدية) وشيخ (الجرابح) وسلم أهل الزيدية القلعة طوعاً، فأمر الشريف على بلدة (الزيدية) وأهلها السيد حسن علوي من السادة الحضارم مسكنه الزيدية، ووصل إليه عهد (علي حميدة) شيخ القحرى من أعمال بيت الفقيه ابن عجيل ووصل إليه السيد عبد الباري بن محمد الأهدل صاحب المراوعة من أعمال بيت الفقيه، وكل من وصل إليه يعاهده على السمع والطاعة وقتال من وراءه من الناس، والذي جر الشريف على إرسال يحيى بن حيدر غازياً إلى الحديدة وصول العهد من علي حميدة، ووصول السيد عبد الباري من (سهام) وظهر أنه سيتم للشريف يحيى بن حيدر ما تم للشريف علي بن حيدر في بلاد اللحية، من انقياد الناس إلى الإجابة من دون طعنة ولا ضربة، وليس كل بيضاء شحمة، فوصل الشريف يحيى بن حيدر إلى الحديدة في عصابة من أهل الشام([22]) وأكثرهم من (عبس) والواعظات، ومعه كردوس من أهل الخيل وخيم قبلي الحديدة بالقرب منها، ولبث نحو ثلاثة أيام وخرج إليه أمير الحديدة الفقيه (صالح بن يحيى العلفي) ومعه من عسكر الحديدة الرتبة، فحين تراءى الجمعان فر أصحاب الشريف إلى الشام ولو يلووا على شيء، ووصل أصحاب الفقيه صالح إلى مخيمهم وأخذوا ما فيه من الزاد ولم يكن فيه طائل، وانصرف أصحاب يحيى بن حيدر إلى (الجبانة) قرية قبلي (الحديدة) من أعمال (القحرى) وكان الشريف يحيى قد كتب إلى علي حميدة وإلى محمد جماعي شيخ العبوس، وإلى أهل سهام و(الرماة) أنهم يرسلون إليه طعاماً للجند وعلفاً للدواب، وقد أقبلوا إليه فبعضهم وصل بما طولب به والآخر في الطريق، فبلغهم انهزام قومه فعادوا إلى محلاتهم، والشريف يحيى نفذ بعسكره إلى الحي فوافاه هناك الشريف محمد بن علي فارس، وقد أرسله الشريف حمود منهزماً بطلت بقية الردف، واجتمع رأي الشريفين على العود إلى الشريف حمود إلى مور، فوصل الشريفان ومن معهما إلى الشريف فقبل منهم المعاذير وأرجع الأمر إلى المقادير، وكان الشريف بعد خروجه من أبي عريش إلى اليمن ترجح له أن يرسل رسولاً من عنده إلى الدرعية، إلى عبد العزيز بن سعود القائم بدعوة ابن عبد الوهاب، وأراد الشريف أن يتعرف له الأحوال، أحوال القوم وعقائدهم وما هم عليه، ويريد أن يكون اعتزاءه إليهم من غير واسطة عبد الوهاب بن عامر صاحب السراة، فأجمع رأيه على إرسال الشريف الفاضل ناصر السنة الحسن بن بشير بن مبارك بن محمد الحسني، وكتب معه كتاباً ذكر فيه صحة المعاهدة لهم والتعرف بهم، وأظهر لهم استحسان ما هم عليه، وأن الله سبحانه وتعالى قد شرح صدره لقبول ما هم عليه وما جاءوا به، وظهر له أنه الحق إلى غير ذلك، واتفق بعبد الشريف وأولاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب وهم حسين بن محمد وعبد الله بن محمد وعلي بن محمد، وكان كبيرهم إذ ذاك حسين بن محمد، ووصف لهم من حال الشريف ما طابت نفوسهم عليه، واطمأنت من أجله خواطرهم إليه، فأجاب عليه (عبد العزيز بن محمد بن سعود) بجوابات شفت للشريف الغليل، واشتم منها نسيم الإقبال العليل، فركن الشريف إلى أهل نجد وأظهر النصح في إظهار دعوته والجهد.
نعم، عدنا إلى ذكر صالح بن عبد الملك أمير اللحية في خروجه منها، فإنه نفذ إلى الحديدة ومنعه أميرها لا يدخل إليها، فخيم خارج البلد، والشريف يحيى بن علي في صحبته، فأقام يومين ثم ارتحل إلى بيت الفقيه ابن عجيل، وحين وصل طرف البلدة منعه أميرها الدخول إليها وأذن لنسائه وحرمه أن يدخلوا، فبقى صالح غربي بيت الفقيه في تربة ابن عجيل هو ومن معه من الجند، وكان أمير بيت الفقيه إذ ذاك (فتح بن سعيد) من موالي المجربيين، والمجربيون موالي أيضاً لبعض آل الإمام، وهؤلاء بنو المجربي العبيد لهم رئاسة مع الأئمة يتولون البلدان ويباشرون الأعمال الكبار، ثم جاءت تمشية الغدير يوم ثاني عشر الحجة، خرج الأمير فتح للتمشية على عادتهم في قانون الدولة، وأرسل للأمير صالح والشريف يحيى بن علي يركبان في خيلهما وعزم عليهما في دار الضيافة ذلك اليوم، وأتما يومهما لديه وانصرفا إلى مخيمهما آخر النهار، وفي صبيحة ذلك اليوم عادت الجوابات من الإمام المنصور على الشريف يحيى بن علي والأمير صالح، وكان قد كتبا عند خروجها من اللحية بالواقع من أسباب الخروج والمقتضيات، فعادت الجوابات بأن الأمير صالح يبقى في بيت الفقيه، والأمير فتح يجري له الكفايات التامة مما يحتاج إليه، والشريف يحيى بن علي يتوجه إلى الحضرة الشريفة والأعتاب المنيفة، ويكون الأمير صالح منتظراً عود الشريف يحيى بالأجناد من المقرات العالية، أو يأتيه جند مستقل والشريف يحيى يأتي من طريق آخر، فنفذ الشريف يحيى بن علي إلى صنعاء وترك أولاده الثلاثة نفر دون التكليف في بيت الفقيه، وأجرى لهم الأمير فتح الكفاية ومعهم عمهم الشريف حمود بن علي فارس، وكانت طريق الشريف يحيى بن علي على (ريمه) لأن الأعراب الذين في طريق صنعاء قد وصلتهم دعوة يحيى بن حيدر([23]) وأجابوا داعيه، وربما هموا بمن طلع إلى صنعاء أو نزل منها، وهم لا يقدرون في رد الجند إلا أن يكون الواحد والاثنين، ولكن الشريف يحيى([24]) أخذ الحذر كل الحذر وعمل بالحزم ونالته مشقة في سلوك طريق (ريمه) وذهبت بعض مراكبه، ولكنه لما اتصل بالخليفة المنصور أقبل عليه بالإنعام، وأوصل إليه صنوف الإكرام، واستدناه إليه وسمع منه ما قال، وكان الوزير إذ ذاك الفقيه الرئيس الحسن بن الحسن بن عثمان العلفي القرشي ولد الفقيه حسن بن عثمان –السابق ذكره في هذه الورقات- وهو من نجباء الأبناء، اقتعد دست الوزارة وهو بعد العشرين السنة سنة أو سنتين، وكمل فيما قام به، ولكنه وافق دولة الوهابية وأيام الأسد الرئبال حمود، وكان غالب ما يصدر من الوزير لا يتم له نفوذ، فمن هنا نقصت كفايته لا من حيث كمالاته والأمر كله لله.
نعم. واجتمع الشريف يحيى بن علي بالسيد العلامة الحسن بن خالد، وقد كان قد بعثه الشريف حمود رسولاً إلى الإمام، يستنهضه ويستحثه على القيام ويجند الجنود لقتال النجود، وكان في هم الشريف حمود إن وقع من الإمام قيام وبعث الأجناد ونشر رايات الجهاد على وجه يرجح معه الانتصار على أهل نجد، أن يعود إلى الطاعة للإمام ويتولى قتال أهل الشام، ومن أجل هذا اتفقا كلمة الحسن بن خالد والشريف يحيى بن علي على أن المطلب من الإمام واحد، فأقام نحو ستة أشهر ولم يتهيأ للإمام التجنيد على ما يطلب الشريفان، فالشريف يحيى بن علي جمعت الدولة بينه وبين علي بن منصر أحمر الشعر من ذو محمد بطن من بكيل يقال لهم: ذو محمد آل صلاح بن كولا، وضموا إليه عبد الله بن حسين بن نصيب اليامي من رؤساء يام، يزعم أن نسبه يرجع إلى الحارث بن كعب ذو العصم أحد جمرات العرب، والله أعلم.
وفي مدة بقاء الشريف يحيى بن علي بصنعاء، كان والده الشريف علي فارس بن محمد قد طلع إلى حضرة الخليفة قبل ولده، وسلك طريق اليمن فوصل إلى صنعاء وتلقاه الخليفة بأحسن التلقي، وجعل له رأياً في الإقامة ببيت الفقيه، وأجرى عليه أحسن الإنعام، فعاد إلى صنعاء سالكاً طريق اليمن، فمرض في أثناء الطريق ثم توفاه الله تعالى في بلاد (العدين) بقرية تسمى وحقات وكان في صحبته الشريف الماجد الحسين بن ناصر بن حسن الحسني، فتولى تجهيزه وواراه أحسن المواراة([25]) وكان الشريف علي فارس بن محمد شريفاً سرياً ماجداً أبياً كريماً على الإطلاق، وحسن المكارم والأخلاق، صاحب معروف ومروءة وكرم طباع تلقاها عن ورثة النبوة، كان في الكرم آية بينة، وفي السيادة والرئاسة رفيع الأمكنة، ولي الأعمال العريشية من تحت الإمام المنصور مراراً متعددة، ولبس من ملابس الملك أثوابه المتجددة، وكان معظماً في قومه معروفاً بالبأس للعدو، والمعروف للصديق في أمسه ويومه، وخلف أولاداً أنجاباً أجلهم قدراً الشريف العماد المذكور في هذا الخطاب، ورتبت الدولة على أن الشريف يحيى بن علي الأمير على الجند، وعلي بن منصر يقود رجال بكيل، وعبد الله بن نصيب يقود رجال يام، وينفذون إلى تهامة، وخرج الشريف يحيى من صنعاء إلى (برط) إلى عند علي بن منصر، ثم منه إلى بر نجران، فوصل إلى أطراف نجران في بلاد وائلة، وقدم في بعض بيوت أكابرهم، وقد وجد رؤساء يام في نفوسهم على الشريف يحيى حيث لم يختر منهم إلا عبد الله بن نصيب، فتجنوا له أسباب الخلاف حتى تسلطوا على نهب خيله، وما أجلب به وما خرج إلا مرفقاً، واختل عليه النظام الذي خرج به من صنعاء، وتعذر عليه العودة إليها فكتب إلى عمه الشريف حمود يطلب منه العفو والمسامحة، فأجاب عليه بالإسعاد وفرح بقدومه إليه لأنه من الأعضاد.
وأما الشريف العلامة الحسن بن خالد فخرج من صنعاء إلى صعدة ينتظر ما يكون من خبر الشريف يحيى، وما كان بقاؤه في صنعاء إلا ظاناً فائدة ذلك، فحين أخفق مسعى الشريف العماد عاد السيد الحسن إلى البلاد، فسر الشريف بقدومه واتخذه خليله وجليسه يستضيء بنور علمه.
وأما الأمير صالح بن عبد الملك فأقام ببيت الفقيه مدة ينتظر قدوم الإمداد فلم يقف على غير الإرجاء والاستعداد، ورجح رأي الخليفة طلوعه إلى حضرته الشريفة، فوصل هناك وأقام نحو أسبوع، وشرعت فيه علة الحمام وانطوى في خبر الإعدام، وحل بطون الأرماس والأرجام.
ثم دخلت سنة ثمان عشرة بعد المائتين والألف في المحرم عاد الشريف حمود إلى أبي عريش وقد امتدت يده على (الزيدية) و (الضحي) و (اللحية) و (مور) و(بوادي بيت الفقيه) ونفذ من عامل الحديدة صالح بن يحيى الرفع إلى صنعاء بانتصاره على الشريف يحيى بن حيدر، والرفع من عامل بيت الفقيه بخروج الرعاية البرية([26]) عن الطاعة، واختيارهم متابعة الشريف يحيى بن حيدر، فترجح للإمام المنصور أن يرسل عصابة من توابع صنعاء، وأهل الخيل من العبيد عبيد الإمام إلى بيت الفقيه، ويأمر الأمير فتح سعيد أن يخرج بهم إلى (البر) لاسترجاع طاعتهم وتأديبهم على المخالفة، وبعث جنداً ثانياً كثيراً أمر عليهم النقيب يحيى بن هادي الشايف من رؤساء (ذو حسين) من بكيل، والتزم يحيى بن هادي بأخذ (علي حميدة) ([27]) ثم يتوجه بعده إلى بلاد الشام، وكاد يتم للأمير (فتح) الزانة وركب غير آبه، وخرج بمن تحت يده من الأجناد، وقد وافاه الخبر بنزول الشايف لتأمين الخائف، فوصل (شجينة)- تصغير شجنة مأخوذ من شجن العود- وهي قرية في بلاد الرامية منسوبة إلى شجينة أم الشيخ البجلي([28]) المقبورة فيها، هكذا قيل والله أعلم، وهو قدوم الشايف على (علي حميدة) حتى يكون له حكم الردء، ويتم له نفاذ الأوامر على مخلاف بيت الفقيه كما يريد، فما راعه إلا وصول خط من الشايف يخبره أنه طارح على حصن (علي حميدة) وأنه وقع بينهم الحرب، ويستدعي الأمير فتح إلى (الغنيمة) –قرية في بلاد العبسيين مما يحاد بلاد القحرى بفتح الغين المعجمة بعدها نون ساكنة بعدها ميم بعدها ياء النسبة وهاء التأنيث- منسوبة إلى غنم بن سملقة بن الحباب من عك، هكذا في كثير من كتب التاريخ، فنفذ (الأمير فتح) من حينه واستقر بـ(الغنمية) وبين شجينة والغنمية نحو ثلاثة فراسخ، فاستقر فتح في الغنمية وأرسل من يتعرف له أخبار (يحيى بن هادي) وأهل حصن علي حميدة؛ لأن علي حميدة لما قرب الشائف ترك الحصن وخرج منه إلى الهيجة (هيجة الجرابح) وترك في الحصن رجالاً ثباتاً لهم دربة بالقتال، ودراية بأمور الحرب وثباتاً في القتال، فقاتلوا جند الشائف قتالاً شديداً، حتى أيس الشائف من قبض الحصن، ودرس إليه علي حميدة من يرجفه بالأخبار وان الشام قد ألقى إليه أفلاذ كبده بجيوش لا قبل لك بها، وأن الأولى تقبل من علي حميدة (عقائر) ([29]) البقر، وترحل عن (باجل) وهي قرية علي حميدة، وباجل –بالباء الموحدة بعدها ألف يليها جيم مكسورة وآخرها لام- فقيل الشايف (العقائر) من علي حميدة وهي عنوان الطاعة، وأن (علي حميدة) سيلحق إلى الغنمية للمواجهة والتسليم، فبادر يحيى بن هادي النقلة ولحق بالأمير فتح وأخبره الخبر، فقال له فتح: لقد خدعك علي حميدة وهذه هي من أراجيفه، فبينما هما في هذا الكلام إذ فاجأتهم نواصي الخيل من جهة الشام([30]) تميل إلى الغرب نحو سبعة خيالة أغاروا في طرف المطرح([31]) وساقوا جمالاً فركب رجال من بكيل ولحقوا بعد الجمال حتى اتصلوا بالطليعة، وأصيب رجل من بكيل وعادت خيل بكيل إلى المطرح، وريثما نزلوا عن خيلهم إذ أقبل جماعة يدعون حي بكيل، ويطلبون منهم الاتفاق معهم، فوصل منهم رجلان بأمان إلى مطرح بكيل، ومنعوا أن لا يأكلوا ذبائح بكيل لأن معتقدهم أن من خالفهم فهو مشرك، وعظم ذلك على بكيل وسار معهم رعب، ثم ساروا بكيل([32]) بأناس أخبروهم أنهم من العجمان، وقالوا لهم: إن بيننا وبينكم اتصال في البلاد، ولا نريد أن يحصل فيكم قتل أو سلب، فإن وراءنا جنود لا تحصى، وخلائق لا تستقصى وعدد كثير من الأمراء كالشريف حمود وعبد الوهاب بن عامر وسالم بن شكبان([33]) وغيرهم من الأمراء الذين امتلأت الأرض بصيتهم ووقائعهم، فركنت بكيل إلى أقوالهم وعزموا من (الغنمية) وصحبتهم الأمير فتح وجنده وجملة من جند الشايف وجند (فتح) يقارب ألفين والخيل تنيف على الخمسين، فارتحل الأقوام من الغنمية وقت الإشراق يوم رابع عشر من شهر صفر سنة ثمان عشرة بعد المائتين والألف، وحين سلكوا الطريق إلى اليمن لحقت بعدهم خيل العجمان تأخذ ما تأخر في الساقة، وبقي من فيه ثبات من أهل خيل الدولة يكافح عن المشاة جهده، ولم يزل الأمر كذلك، واليوم صائف، والشمس في كبد السماء في أيام حزيران، فهلك بحر الشمس والسموم عالم من الجند وأهل الخيل والمشاة لم تفارقهم طلائع نجد إلى قرية شجينة، وأمسوا في شجينة ليلة ثم توجهوا إلى بيت الفقيه، فأصابهم حر الشمس ولكن لم تلحقهم الخيل لأن أهل الخيل رجعوا إلى أصحاب لهم في أطراف (باجل) وأخبروهم الخبر، فتوجهوا إلى جهة اليمن غزاة فصبحوا قرية (القطيع) –بقاف مضمومة وطاء مهملة مفتوحة ومثناة تحتية ساكنة بعدها عين مهملة تصغير قطع- وهي قرية في خبت (سهام) يسكنها السادة الأعلام آل الهجام من (الأهدليين) والأهدليون أهل علم وشرف ورئاسة وصلاح، فقصدتهم الغازية وهي من العجمان من قبائل نجد عددها زهاء ثلاثمائة ما بين فارس وصاحب مطية، فانجاز أهل القطيع إلى حصن السادة آل الهجام، ولكنه لم يكمل بناؤه وبقي فيها ما يتم

([1]) الصواب: ثم سار بكيل.
([1]) سالم بن محمد بن شكبان الرميثين من أهل بيشة من قرية (الدحو) أسندت إليه إمارة جهته من قبل الدرعية سنة 1213هـ/1798هـ إلى أن توفي سنة 1239هـ/1823م في وطنه، كان من أبرز قادة الدولة السعودية، واشترك في الغزو في الشمال والجنوب وخلفه على رئاسة قومه ابنه فهاد بن سالم، ولا زالت الرئاسة في أسرته.

للعدو معه الدخول، ولكن فيه جماعة أهل بنادق حموا عنه جهدهم، فاستولت الغازية على القرية وقتلوا من أحاط بالحصن، وبلغ عدد القتلى من الرجال والصبيان قريب المائة، ومات بالعطش مثلهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولم ينصرفوا إلا بشيء من المال سلمه أهل الحصن مفاداة، ثم انصرفوا.
وأما فتح فعاد إلى محل ولايته (بيت الفقيه) وفرق جنده في أرباع البلاد.
وأما الشايف فدخل بيت الفقيه وملأ المساجد والبيوت بجنده، واستقر نحو أسبوع، وجنده يذهبون أرسالاً على رؤوسهم إلى جهة اليمن([1]) وهو رفع قضيته إلى الإمام المنصور فعاد الجواب بأن يطلع إلى الحضرة، فلابد بعد الفرة من كرة، فطلع إلى حضرة الإمام ولم يقض من ذلك التجهيز المرام، وذهبت الأموال المنفقة في حيز الذهاب والبذرقة([2]).
عدنا إلى ذكر الشريف حمود ونفوذه من مور إلى جهة الشام فإنه وصل (الجنة) ([3]) قرية من قرى وادي خلب، باسم دار القرار، كان اختطها عمه الشريف حسن بن أحمد الحسني وسكنها معه الشريف حمود، وبنى فيها معقلاً شامخ الذرى حامياً لتلك القرى، وخلب –بضم الخاء المعجمة وفتح اللام وآخره باء موحدة- واد بين حرض وأبي عريش، فبينما الشريف مستقر هناك إذ ورد عليه غزاة من طوائف نجد من قحطان ومن الدواسر ومن شهران والعجمان قوم كثير، معهم من الخيل والركاب ما يملأ الرحاب، فلما وصلوا إلى الشريف أخبروه أنهم لا نفوذ لهم إلى اليمن إلا به أو بإذن منه، أو يصحبهم أحد أصحابه، فاستكثر تلك العصابة وامتلأ بهم وطابه، وعزم على



([1]) أي من بيت الفقيه إلى جهة اليمن مع أنهم ساروا إلى جهة صنعاء.
([2]) البذرقة: الجماعة تتقدم القافلة للحراسة، قيل معرب وقيل مولد. (المصباح المنير) وجاء في كتاب الأغاني جـ 16، ص 314 بالمعنى نفسه.
([3]) الجنة: على اسم الجنة التي وعد بها المتقون، قرية كانت قرب قرية (المرابى) وقد دثرت ولا تزال بئرها معروفة إلى الآن، وكان عندها حصن لحامية مزارعها دثر هو أيضاً، راجع كتابنا المعجم الجغرافي حرف الميم الطبعة الثانية.

الغزو بنفسه فنادى في رجاله، وعزم على من في حباله، وتوجه أميراً على تلك الجنود وهو يقصد اليمن، وجل مقصده منه (الحديدة) لما صدر منهم في أصحاب يحيى بن حيدر، وما زال يتابع السفر حتى أناخ بظاهر (الحديدة) وكتب كتاباً إلى قاضيها وعاملها، وكان القاضي يومئذٍ العلامة الكبير المجتهد النحرير محمد بن أحمد بن محمد مشحم من علماء السنة ومفاخر اليمن، وقد استوفيت ترجمته في كتاب الوفيات؛ لأنه رقم هذه الوريقات قد درج إلى دار السلام أسكنه الله تعالى دار الرضى والإنعام، وكان العامل الفقيه صالح بن يحيى العلفي القرشي، ومضمون ذلك الكتاب دعوتهم إلى طاعته ودخولهم في جماعته، وإلا فقد اعذر من أنذر، فتمالأ أهل الحديدة على عدم الجواب، وعود الرسول عاري الإهاب، وكان في آخر ذلك اليوم تقدم أصحاب الشريف على أهل الحديدة، وخرج إليهم ناس من التوابع، وغوغاء من الصومال وأهل البلد، وحين رأوا إقبال الأقوام لبسوا ثياب الانهزام، وبلغ هاربهم إلى البحر، وانحاز الفقيه صالح بن يحيى إلى قلعة الصديقية وهي من أعظم معاقل الحديدة، معمورة بالمدافع وآلات الحرب، وضربت المدافع من جميع النوب، وتقدم أصحاب الشريف إلى أن دخل كثير منهم البلد، فبادر الفقيه صالح بإحراق البيوت والخواص، فاضطرمت النار في تلك البيوت الكبار حتى كانت ترى على مرحلتين، ولله در القائل:
تنورتها من أذرعات ودارها




بيثرب أدنى دارها نظر عالي




ومع اضطرام النار خرج أصحاب الشريف من البلد وخرجوا إلى مخيمهم ورصاص المدافع قد أزعج أهل المخيم، وأصيب الشريف حمود بمسمار وقع في عرض رقبته، ولم يؤثر فيه ضراً؛ لأنه وصل فيه بارد، وأمراء أهل الحديدة يحرقون بدلهم ويرمون بالبنادق والمدافع، والشريف في مخيمه يعمل الأفكار للقدوم على البلد، وأهل الحديدة تلك الليلة قد أجمع رأيهم على تسليم مال للشريف على أن يرتحل، وفي همهم أن يبعثوا إليه في الصباح من يتوسط بتسليم المال، فما راع الشريف إلا وصول رؤساء الغزو من الدواسر وقحطان وهم يقولون: القول يا شريف ما بقي لنا مطمع في هذه البلدة، ما فيها إلا بندق ومدفع، ونحن نريد الطرش من الإبل والماشية، فحاولهم على البقاء ولو ذلك اليوم لعله ينقضي له المرام، فلم يسعدوه وهم الكثرة والوفرة، فما وسعه إلا الشداد والارتحال من الحديدة، فارتاح أهلها من أذى الحصار ومما كانوا هموا بتسليمه من النضار، والشريف توجه بتلك الغازية على الساحل فجاء على (غلافقة) ثم (الجاح) ثم (المجيلس) حتى انتهى إلى (التحيتا) ([1]) تصغير تحت-وهي بالتاء المثناة الفوقية وفتح الحاء المهملة بعدها ياء تحتية فمثناة فوقية وألف مقصورة- قرية من قرى زبيد، يسكنها بنو المزجاجي وبنو حسان وأخلاط معهم، فدخلها القوم وانتهبوا ما فيها، والشريف استقر فيها ريثما غزا بغض البدو إلى اليمن وحصلوا من المواشي ما فيه مرادهم، ثم نفذ الشريف راجعاً إلى الشام([2]) وجاء طريقاً أعلى من الطريق التي ذهب فيها، وخرج على قرية (المراوعة) في وادي (سهام) يسكنها السادة بنو عبد الباري الأهدليون أهل سمت وصلاح وإطعام للطعام، والمراوعة بصيغة منتهى الجموع –بفتح الميم والراء بعدها ألف وبعدها واو مكسورة فعين مهملة مفتوحة فهاء السكتة- على زنة جحاجحة، ثم منها إلى بلاد الحضريين من القحرى، واجتمع به هناك من مشائخ اليمن من قد والاه، وأكد عليهم العهود، وواعدهم بالغوث إن جاءت عليهم الجنود، وتوجه إلى الشام، وفي بلاد صليل اجتمع به إبراهيم بن علي الكلفود وأكد معه العهد واغتبط بطاعة الشريف ووصل الشريف إلى وادي (مور) وأرسل الشريف الماجد يحيى بن حيدر بن محمد بن أخيه والياً على اللحية وجعل إليه أعمال تلك الجهة، واستقر الشريف بمور أياماً ثم نفذ إلى الشام.
وفي شهر المحرم من هذه السنة توفى الشريف الكريم، حسنة الإقليم، سيد الطالبيين، في الخلق والخلق، وبدر المؤمنين، الذي يستضاء به كل أفق وأحد الكرام رئيس الشم الفخام، زعيم القادة الأشراف، وأجل من امتطى صهوات العتاق في عصره من ولد عبد مناف، أبو أحمد محمد بن حيدر بن محمد الحسني، وكان سبب موته مرض البحران، وكان موته في البيض، والقرية التي اختطها جده الشريف محمد بن أحمد بأعلى جازان، من أعمال أبي عريش وبينها وبين أبي عريش نحو الفرسخين تزيد قليلاً وحمل على أعناق الرجال إلى أبي عريش ودفن في مقبرة الديرة ، شعراً:
أرضوى إذا طاشت حلوم أولي النهى





وهو الهزبر إذا تشاجرت القنا




رحمه الله رحمة الأبرار وبرد مضجعه.
وقد استوفيت ترجمته وفضائله في وفيات أعيان القرن الثالث عشر، وبعد استقرار الشريف ما زالت الأوامر ترد عليه من الأمير عبد الوهاب بن عامر والرسل من قومه من أهل السراة، ويخاطبون الشريف بما لم يألفه من خطابات العامة، ولا يحترمون لمجلسه حرمة، والرجل من الملوك قد ألفت نفسه وروحه الجلال وعرف مقامه بالإجلال، وكان أهل السراة عن آخرهم عند أهل تهامة بمنزلة الخدم فلا يحتشمون في شيء ولا يرون لهم ما يرونه لغيرهم من الحق، فلما استجابوا لدعوة ابن عبد الوهاب عظمت هيبتهم ووقع من فتكاتهم ما ارتاع منه الجمهور، وكان الشريف لا يرى الاحتمال لاما يقوله ويفعله أهل السراة([3]) والرد لا تطيقه نفسه لما يأتي منهم يثير الحفائظ ويأتي بالنقائص، فرأى من سديد الرأي أن يجتمع هو وابن أخيه الملك العادل الشريف منصور بن ناصر، وربما استعان برأي من له رأي ثاقب من الأشراف كالشريف العظيم أبي منصور ناصر بن محمد، وهو أخو حمود ووالد منصور، وكان في قومه كالأحنف في رهطه، وهو أجل وأعلى من الأحنف، وما أدري هل استشار الشريف يحيى بن محمد أم لا، فقد بعدت عن ذهني القضية، واجتمع رأيهم على أن يرسل الشريف من طرفه العلامة الحسن بن خالد، وابن أخيه الماجد أحمد بن حيدر الحسني، يوجههما إلى (الدرعية) إلى عند سعود بن عبد العزيز بن سعود، والملك العادل والشريف الباسل منصور بن ناصر ينفذ عن نفسه فيما يتعلق ببلد ولايته صبيا وبيش، ومعيناً لعمه الشريف حمود؛ لأنه صاحب رأي صادق ولسان ناطق، وله عند أهل نجد فضيلة السبق بالإجابة، وهذا بعد أن بلغت الأخبار بوفاة أمير نجد القائم بدعوة ابن عبد الوهاب والضارب عليها الهامات والرقاب، عبد العزيز بن محمد بن سعود التميمي فيما أخبرني به ولده عبد الرحمن بن عبد العزيز بمكة المشرفة، والمرادى كما أخبرني به العلامة الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب([4]) وكان سبب وفاته أن بعض الرافضة من أهل العراق طعنه بسكين وهو في الثانية أو الثالثة من صلاة العصر، ووقع ما وقع لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فحمل من المسجد إلى البيت وعاش قليلاً ريثما أوصى، ثم انتقلت روحه وصلى عليه الناس في الدرعية أفواجاً، واتصل خبره بجميع الأقطار فصلى عليه كل من بلغت إليه دعوته ودخل في إجابته، وقام بالأمر من بعده ولده سعود بن عبد العزيز وبايعه الحاضرون، وكاتبه بالبيعة الناؤون، ولم يتخلف عن بيعته أحد، فمع ذلك أراد الشريف إرسال من يثق به لتأكيد بيعة سعود وأخذ العهد منه الوثيق، والتعرف بأحواله، فأرسل إليه السيد العلامة الحسن بن خالد الحازمي، وفوض إليه جميع ما في ضميره من المقاصد من سعود وعول على ابن أخيه الملك العادل منصور بن ناصر بن محمد الحسني صاحب صبيا وبيش وتلك الجهات في التوجه صحبة الحسن بن خالد كما قدمنا قريباً، وفي صحبتهما الشريف أحمد بن حيدر بن محمد الحسني من قبل عمه الشريف حمود، وأصحبهم الشريف من المال والهدايا الممتعة من النفائس والغرائب، وجعل من الزاد والرواحل ما يحملهم ويحمل متاعهم، وكانوا ركباً كثيراً ومن جملة ما تحراهم فيه الشريف فصل إمارة عبد الوهاب بن عامر عنه، وأن يكون أميراً مستنداً إلى سعود من غير واسطة والتزم بجهاد اليمن وفتح ما أمكن فتحه ودفع الخراج لسعود، فنفذ المذكورون على اسم الله من أبي عريش إلى صبيا ومنها إلى بيش ثم إلى درب بني شعبة ثم إلى العقبة، وقد كتب الشريف إلى عبد الوهاب يخبره بأنه سيرسل من طرفه من ينفذ إلى الدرعية لأجل العزاء في عبد العزيز، وتأكيد البيعة، وأوهمه أنه ما تعرض لشيء من خوض الإمارة، ولما وصل الركب إلى طور السراة عبروا في بلاد عبد الوهاب وهم آمنون، وانفصلوا من السراة إلى بلاد شهران ثم إلى بيشة ثم إلى بلاد قحطان، وقطعوها في نحو خمسة أيام حتى وصلوا إلى وادي الدواسر، وأقاموا فيه ريثما يذهب تعب الرواحل، وقام بأمرهم أمير الدواسر بالضيافة، وكذلك كل أمير يعبرون بلده، ثم سافروا من بلاد الدواسر إلى الدرعية في قدر ثمانية أيام من حين خرجوا من بلاد الدواسر إلى الدرعية.
ولما وصلوا إلى الدرعية إلى سعود تلقاهم بما يتلقى به عظماء الوفود، وأنزلهم في بيت يجمعهم وأجرى عليهم الكفايات واستحضرهم في مجالس العامة، واختص بهم في أوقات خاصة بهم، وتأكد منهم العهود وتأكدوا منه في شروط الشريف حمود، وواصلوا أولاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وهم حسين بن محمد وعبد الله بن محمد وعلي بن محمد، وأبلغوا مكاتيب من الشريف تتضمن كل لفظ لطيف، ووصلهم الشريف بشيء من الصلات فاستتب الأمر على ما يريده الأشراف، وأسعفهم سعود إلى مطالبهم أعم إسعاف، وفصل إمارة الشريف عن عبد الوهاب، وجعل نظر اليمن إلى الشريف يدخل فيه من أي باب، وفصل أعمال بيش وصبيا عن نظر عبد الوهاب بن عامر، وجعل جل أمورها وعقدها بنظر أميرها منصور، ورسم للشريف ولمنصور بالاستقلال والخط المزبور، إلا أنه استثنى على منصور الاستنفار عند البعوث الكبار، بأن يكون منقاداً مجيباً إذا استنفره عبد الوهاب، وكان منصور يود أن يكون جهاده مع عمه ليتم له من الاستقلال مراده، وبعد تمام الأمور، أقبل الركب المذكور، وقد انشرحت منهم الصدور، وابتسمت منهم الثغور، بالاستقلال بالمعاقل والثغور، وأقبلوا يطوون البيد، ويستقربون البعيد، فرحاً بالعود من تلك المهامه الفيح، وسروا بما نجحت لهم تلك السفرة من المتجر الربيح، ولما وصلوا إلى الشريف وأخبروه بما وقفوا عليه من ذلك الجناب المنيف، حمد مسعاهم، وأخصب مرعاهم، وتثمل بقول من قال حين وفق إلى بلوغ المراد:
إذا كنت في حاجة مرسلاً




فارسل حكيماً ولا توصه




وكان هؤلاء الثلاثة النفر الذين نفذوا هم كفاة الدولة ودعاة الصولة في مملكة الشريف، واستعجب أهل نجد من فصاحة الشريف منصور وسرعة خطابه، وكثرة صوابه، ورأوه فوق ما هو فيه من الممالك، ولما هو عليه من الكمال الذي هو لكل فضيلة مالك، واشتغلت خواطر الأعيان منهم بما سمعوه من العلامة الحسن بن خالد، في حفظه العلوم، وذلاقة اللسان عند النطق بالمعلوم، وعرضوا ما عندهم من الكتب العلمية، فأخبرني أنه مما عرض عليه كتاب بن فهيد في الرجال في مجلدات، وهو الذي اختصره (العزي) وسماه تهذيب الكمال، ومما عرضوه عليه المحلي وشرح المحلى لأبي محمد بن حزم الظاهري، وكتاب (التمهيد) لابن عبد البر غير كامل، والتفسير الكبير للإمام محمد بن جرير، وغيرها من الكتب التي يمكن وجودها عند غيرهم، ومما أخبرني عنه أنهم على مذهب الإمام أحمد بن حنبل إلا أنهم يقدمون العمل بالنص على العمل بقوله([5]) وحين تم للشريف المراد بانفصاله من عبد الوهاب، لذ له المشرب وطاب، وقام بالمر الذي عهد إليه، وعمل عمل المستقل إن أحسن فله وإن أساء فعليه، ولما تقرر لعبد الوهاب بن عامر انفصال منصور، فيما يعنيه من الأمور، وجد في نفسه على الأشراف، وبقي يتتبع ما يصدر منهم من التقصير وينسبه إليهم من الخلاف، ولقي الوشاة المجال وما زالوا يوحشون قلب الشريف بأكاليم يلقونها عن عبد الوهاب وقعها أعظم من وقع النبال، وكذلك عبد الوهاب يلقون إليه ما يكدر خاطره وينفر قلبه، وما زالت البغضاء تروغ في مجال الفريقين، والشريف مجامل لعبد الوهاب معتذر عن كل ما ينقل عنه من الخطاب، وعبد الوهاب يقول ولا يتلعثم ويجهر ولا يتكتم، حتى أدى الأمر إلى الاتصال بمسامع سعود، وكان يميل إلى قول عبد الوهاب ويكتب إلى الشريف يوبخه ويلومه فيما يشكوه عبد الوهاب، فلا يجد من الشريف جفوة في خطاب، ولا زلة في كتاب.
وفي شهر رمضان سنة ثمان عشرة بعد المائتين والألف بعث الشريف بعثاً أمر عليه علي بن حيدر واستنفر من صبيا الشريف منصور بن ناصر، فبعث جنداً من أهالي صبيا والمخلاف، وجعل أميرهم أخاه علي بن ناصر، واجتمع الجندان بأعلى وادي جازان، وغزوا القبيلة المسماة (بني حريص) –على زنة الصفة المشبهة مشتقة من



([1]) بلدة التحيتا وهي البلدة التي وصلت إليها القوات السعودية بقيادة سمو الأمير فيصل بن عبد العزيز في سنة 1352هـ/ 1933م أثناء الخلاف الواقع بيننا وبين اليمن الشقيق.
([2]) تأمل أيها القارئ الكريم ما ورد في هذه الجملة عن اليمن والشام في الدراسة السابقة بعنوان: اليمن والشام.
([3]) أهل السراة عرب أقحاح وأهل منعة وكرم، وإذا كان شحت بلادهم في حقبة من الدهر فنزل بعضهم إلى المخلاف السليماني لطلب المعيشة، فليس ذلك بالنقص الذي يعاب، فهم نزلوا من جبال بلادهم إلى سهول إخوانهم وأخال أنما وردوه علامتنا الفاضل –كما يقال- شطحة قلم زلة قدم، وسبحان من تفرد بالكمال، وما أحوجنا في تاريخنا الحاضر إلى تنقية تاريخنا من الشوائب التي تنكأ النفوس وتورث الضغائن. أسأل الله التوفيق.
([4]) لقد أورد صاحب كتاب (عنوان المجد) نسب آل سعود على الوجه الآتي بقوله: (وفيها أي في سنة 1179 توفي الإمام الرئيس المجاهد في الدين بالعرمرم الخميس:
1- محمد. 5- ربيعة.
2- سعود. 6- إبراهيم.
3- مقرن. 7- ربيعة للمرة الثانية.
4- مرخان. 8- مانع.
ووقف المؤلف على ما فوق مانع.
وجاء في شرح المحقق على الكتاب وهو الشيخ عبد الرحمن بن عبد اللطيف بن عبد الله آل الشيخ: ووقف المؤلف على ما فوق مانع ثم استطرد قائلاً: (هو الإمام محمد).
2- سعود.
3- محمد.
4- مقرن.
5- مرخان.
6- إبراهيم.
7- موسى.
8- ربيعة.
9- مانع.
10- ربيعة للمرة الثانية.
11- مريد (من رؤساء قبيلة عنزة).
12- أسد.
13- ربيعة.
14- نزار.
15- معد.
وهذا ما يتفق عليه مؤرخو نجد كابن بشر وابن غنام ومن تلاهما لا يختلف فيه اثنان وما اعتمد في كل كتب التاريخ.

([5]) راجع الحاشية رقم 2، ص 101.
--------------------
تــابع











التوقيع

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
الشيخ:/ محمد بن حسين بن بيطلي بن حسين أبوعطله العامري
شيخ شمل قبيلة بني يعلا بوادي يبه

 
آخر مواضيعي

0 من الذي باع أراضي فلسطين لليهود ؟ سمسار اسرائيلي يؤرخ ويروي الأسماء !
0 محامي الجيزاوي: موكلي مغرر به وسأطعن بالإجراءات وانسحب إذا رفض طلبي
0 مقتدى الصدر الرافضي يلتقي معارضين بحرينيين في إيران
0 زيارة الملك سعود بن عبد العزيز للأردن على ظهر جواد عام 1933
0 الداخلية تكشف تورُّط الزنادي في إطلاق النار بالعوامية وتقبض عليه مصاباً


التعديل الأخير تم بواسطة آل قطبي الحسني ; 01-11-2010 الساعة 07:10 AM
عرض البوم صور آل قطبي الحسني   رد مع اقتباس
قديم 01-11-2010, 07:18 AM   رقم المشاركة: 6
مشرف سابق

الصورة الرمزية آل قطبي الحسني



رقـم العضـوية 14
تاريخ التسجيل Mar 2010
عدد المشاركات 5,596
القبيلة نحن بنو يعلى من كنانة=رأس المضريين وفرسانها
مكان الإقامة إمارة بني يعلى
المهنة طالب
 
 
آل قطبي الحسني غير متواجد حالياً

افتراضي

الحرص الذي هو المنع عن إخراج الحق من المال- وهم قبيلة أهل منعة، فناوشوهم الحرب، وقتل من جند الشريف القليل ومنهم الكثير، ووصل عرفاؤهم إلى أمير الغزو للعهد والدخول في الطاعة، ثم عاد الغزو وتفرق كل قوم إلى بلدهم.
وفيها بلغ إلى مسامع الشريف استيلاء صالح بن يحيى القرشي الأموي أمير الحديدة على قلعة (الزيدية) وإرساله ابن أخيه حسن بن حسين ين يحيى في عصابة من العسكر لقبض القلعة، فناوشهم العسكر –الذي فيها هم من أهل البلد- الحرب قليلاً، ثم نادوا بالصلح على شرط الأمان، وقد كان الكلام مختوماً ما بين الفقيه صالح والعسكر الذي في القلعة، على أن يسلم لهم شيئاً من المال ويظهرون المناوأة ساعة من نهار ثم يسلمون القلعة، فحين بلغ الشريف ذلك بعث الشريف علي بن حيدر في عصابة من الخيل والرجال، وأمره يستنفر من أهل اليمن، كأهل الواعظات، ووادي مور، وبلاد صليل، فنقى من كل قوم طائفة حتى اجتمع عصابة من الجند، وتوجه إلى الزيدية، وخيم في طرفها القبلي مما يلي الشرق، وصبح من فيها ومساهم بالحرب، ولكنهم تعلقوا بالقلعة، وعمروا معاقل على البيوت التي تقرب منها، فتعذر استنقاذها فبقى الحرب نحو من شهر ثم رجع إلى مدينة مور، فوجد الشريف قد رجع من أبي عريش إليها، وكان هذا الأمر الصادر من الفقيه صالح أمير الحديدة وهو بتأمير من الخليفة المنصور إمام صنعاء، وقد كان وجه هذا الأمر والقيام بأعبائه إلى الأمير فتح سعيد المجربي عامل بيت الفقيه ابن عجيل، فاعتذر عن تحمل الأعباء لكون الأمر يحتاج إلى بذل الأموال وليس عنده ما يقوم بذلك، وحين تأبى فتح عن هذه المهمة ألقوها إلى الفقيه صالح، فأقبل إلى ذلك وبلغ فيما هنالك، وحين افتتح قلعة الزيدية رفع إلى الإمام المنصور وأخبره بما افتتحه من الثغور، فعظم ذلك عند الإمام وزاد في قبول ما يطلبه من المرام، ورأى أنه عرابة([1]) الراية فيما طلب منه وندب إليه، وحين ضعف جند الشريف عن استنقاذ (الزيدية) رغب صالح في استنقاذ ما وراءها من مور واللحية، فاستدعى الجند من بكيل، وعول على الخليفة بأن يصحبهم طائفة من الخيل، وطلب أنهم يمرون على عامل بيت الفقيه يخرج بمن عنده من الأقوام، ويطرح في أطراف بلاده من جهة الشام ليكون حكم الردء للفقيه صالح المذكور، فنفذ عامل بيت الفقيه حتى طرح بالغانمية، والفقيه صالح أعد للخروج عدة لم يعهد مثلها في قريب الأيام، وخرج في صحبته أهل الصناعات من الحدادين والنجارين والخياطين، وجهز المدافع على العجلان والبكرات، واستصحب الطنابشة المشهورين في رمي المدافع بالإصابات، واستعد من الأطعمة والأقوات ما يكفي الأقوام من أهل الحاجات، وخرج من الحديدة إلى الضحي والجند البكيلي أقبل من صنعاء طريق البحيح، ثم منه إلى الضحي، ووصلوا إليه قبل قدوم الفقيه صالح، فاستقروا بالضحي ينتظرون قدوم الفقيه صالح، وقد كان خرج إليهم ابن أخيه الفقيه حسن بن حسين من الزيدية، وكان خروجه إليهم من الحديدة في أوائل شهر محرم الحرام سنة 1219هــ

ووصل إلى الضحي وأقام نحو ثلاثة أيام وأكثر، وكان قد حصلت غازية من خيل الشريف على بكيل الذي في الضحي، فأغاروا على الغازية وأسروا رجلاً من الأشراف من يعز على الشريف حمود، فقبضه الفقيه صالح والتزم لهم بالمال مقابل قبضه، وأرسله إلى قلعة الزيدية، ثم عزم على الارتحال إلى الشام([2]) لافتتاح ما قد تملكه الشريف من القلاع وبندر اللحية، وكان الشريف حمود حين بلغه عجز أجناده عن استنقاذ الزيدية، وبلغه أيضاً جمع الفقيه صالح الجنود وتهيؤه للقدوم إلى الشام، خرج من (أبي عريش) في اثني عشر من شهر القعدة وأقام بقلعة مور، واستنفر من كان تحت يده من رجال تهامة، واستدعى بعضاً من رجال همدان من بكيل، ولما وصل إلى مور وتحقق الخبر بحركات صالح، ووصول خط من علي حميدة شيخ (باجل) يطلب منه إرسال رجال يحفظون له قلعته، ورجال من أهل الخيل يجمعون حوزته، فبادر الشريف بإرسال جماعة من أهل الخيل أميرهم ابن أخيه الشريف حيدر بن ظافر، فوصلوا إلى علي حميدة ولكن سبقتهم رسائل العمال إليه، وأرسل إليه الفقيه صالح أنه إن توسع لأصحاب الشريف ليسلطن عليه بكيل النازلين من صنعاء، فخاف ومال إلى الأمير فتح سعيد عامل بيت الفقيه، وطلب منه الأمان وضمانة النقيب هادي بن ناجي بن حشيش، ولما استوثق لنفسه اعتذر من أصحاب الشريف وأرجعهم إلى الشريف، وكتب صحبتهم إلى الشريف كتاباً يخبره فيه بكثرة أقوام أهل اليمن وإحاطتهم به من جميع الجهات، ولما وصل حيدر بن ظافر ومن معه علم حمود أن قلعة (علي حميدة) قد صارت في حوزة عمال الإمام، وألحقت بالزيدية والضحي، فنادى في جنده بالرحيل، وخرج من مور إلى الزعلية، ومنها إلى بعض الديور في بلاد صليل، فاستقر هناك والفقيه صالح بن يحيى ارتحل من الضحي إلى (دير علي) قرية شرقي الزيدية وأقام هناك في ذلك الدير هو وحاشيته وجنده، إلا بكيل الواصلين من صنعاء فإنهم خيموا في دير عطا، قرية قبلي (دير علي) والمسافة بينهما قدر ميلين، وحين علم الشريف ذلك زحف إلى أن طرح قبلي دير علي بميل جهة الغرب، وكان يوم ثامن أو سابع من شهر صفر حصلت المعركة بين جند الشريف وجند الفقيه صالح، وهي المسماة معركة (دير علي) وسبب ذلك أن بعض أهل الخيل من جند الشريف اعترضوا السياق الواصل للفقيه صالح من الحديدة، فشعر بهم جند الفقيه صالح، فخرج منهم جماعة من أهل البندق وراموهم من بعد الشروق حتى انتصف النهار، فأغار أصحاب الشريف في يوم صائف قد اشتد حره، وهم أهل جلد وخشونة، وجند الفقيه صالح أهل جبال لا يطيقون البلاد الحارة لاسيما القفار كثيرة الرمل معدومة المياه، فما كان أسرع من انهزام أصحاب الفقيه صالح، وكانت هزيمتهم إلى مخيمهم بدير علي، فلحقهم جند الشريف وخالطوهم في المطرح، فثبت جماعة من توابع صنعاء وقاتلوا قتالاً يليق بمثلهم، وثبت الفقيه صالح في أهل الخيل،
وحينما خالطهم أصحاب الشريف في مخيمهم خرجوا منه إلى (دير عطا) حيث رجال بكيل، ووصل من رجال بكيل جماعة غائرين على مخيم (دير علي) ولكن لم يصلوه إلا وقد غشيه أصحاب الشريف، وكان في المطرح جبخانة بارود فأحرقها الشريف ومن أصحاب صالح، ثم أقبل مخيم الشريف بقضه وقضيضه وتولى على جميع ما في المخيم حق صالح، من الخيام والأمتعة، وكل ما كان أجلبوا من مال وآلة حرب، وانجلت المعركة عن زهاء ثمانين ما بين قتيل وأسير، ولم يهلك من أصحاب الشريف إلا من أحرقه البارود، وأمسى الفقيه صالح ومن نجا من قومه بدير عطا إلى نصف الليل، ثم ارتحل هو ومن كان معه من بكيل وغيرهم إلى الزيدية، وكانت طريقهم شرقي (دير علي) وركبوا سجوف الظلام حتى دخلوا قلعة الزيدية في آخر تلك الليلة، وأقام الفقيه صالح نحو أسبوع محصوراً في القلعة، حتى توسط السعاة بينه وبين الشريف على هدنة تكون سنة كاملة يترك فيها الحرب، وبعد انقضاء السنة يعود الحرب كما كان، وعلى أن يسلم قلعة الزيدية وجميع البلاد التي كانت في عهد الشريف من وادي سهام وما وراه إلى الشام، ودخل في ذلك العبوس والقحرى وما والاهم، فقيل الفقيه صالح هذه الشروط وسلم قلعة الزيدية وما وراءها إلى جهة اليمن إلى حدود سهام، وانصرف من الزيدية راجعاً إلى الحديدة، وارتحل معه من أهل الزيدية كل من خشي المعاقبة من رؤساء البلد، ولم يبق فيها إلا المستضعفين من أهلها الذي لا يستطيعون الحركة، والشريف بعد عزم صالح انتقل من مطرح دير علي إلى الضحي، وقد كان جنده الذين باشروا الوقعة قد تأثلوا بما وجدوه في مطرح الفقيه صالح، فإنهم وجدوا فيه من الغنائم ما لم يكن لهم في حساب، وكان كلهم من رعايا أهل الجهات الشامية، ما يمكن أكثرهم اكتساب ما غنمه من البنادق الغالية الأثمان، والسيوف المحلاة بالفضة، وجميع أنواع السلاح والثياب، فازداد رغبتهم في القتال بما وجدوه من المال.
وأما النقد الموجود في المطرح فبلغ أنه اختص به الشريف والله أعلم بالحقيقة، وحين سمع أهل الشام بهذه الوقعة وظهور الشريف على الفقيه صالح أقبلوا يهرعون إليه من كل فج، ولما اجتمعوا عنده من الجند ما قرت عينه عزم على غزو (الجرابح) القبيلة المعروفة، وقد كانوا ممن دخل في عهد الشريف في بادئ الأمر، ولما قبض الفقيه قلعة الزيدية دخل معه (الجرابح) وخلعوا طاعة الشريف، وبعد انفصال الأمر بينه وبين صالح راسلهم للعودة إلى طاعته فلم يرفعوا لذلك رأساً وانحازوا إلى الهيجة المعروفة هناك، وهي موضع ذو أشجار كثيرة يتعسر دخول الناس إليه؛ لأنه لم يكن لها إلا طرق معروفة لا يدركها إلا أهلها المختصون بها، فأما الخيل فدخولها فيها متعذر، وللمشاة متعسر، ولما أيس الشريف من إقبالهم غزاهم بذلك الجيش، وتوصل إلى معرفة الطريق برجال من محادديهم من قبيلة صليل، يقال لهم (بنو البرة) على اسم البرة.. الواحدة ينسب إليها طائفة من صليل أهل بأس شديد يحاددون (الجرابح) وكانت العداوة بين الجرابح وصليل قديمة، فبذلوا النصح مع الشريف نكاية في الجرابح، ودلوه على عوراتهم، فبلغ جند الشريف المواضع التي انحاز فيها الجرابح وأودعوا فيها كل نفيس من أموالهم وذراريهم، ولما بلغ الشريف إلى تلك الجهات ارتاعوا من صولة الأسد الرئبال، وتعسر عليهم معه القتال، فكانوا الغنيمة الباردة لتلك الأسود الواردة، فاستأصل الشريف الشأفة، ولله در القائل:

ولم يبق إلا من حمى عن سوارها


وأحجالها عذب الشنيب المبرد

وأسر الشريف رجالاً من كبرائهم ومن عليهم بإطلاق الذرية والنساء، وحصل الجند على شيء كثير من الأموال لاسيما المواشي، وخرب البيوت، وبعد ذلك عادوا إلى الطاعة ونكلهم الحلقة والكراع مما فات على الجند، وبلغت هذه الغزوة إلى هيجة الجرابح مبلغاً عظيماً في صدور الناس، وزادت هيبته عندهم، وأرسل غازية من أهل الخيل إلى جهة (العبوس) ليعلم طاعتهم فوجدهم في طاعته راضين سالكين في جماعته، ثم عاد الغزاة إلى الشريف، وبعد أن ثبت الصلح والمهادنة بينه وبين الفقيه صالح عاد إلى الشام([3]) واستقر بمور أياماً ثم نفذ إلى أبي عريش، وعند عودته من هذه الغزوة مسروراً بما قد وفق إليه، وصل إليه الشريف محسن بن علي الحازمي من (نجران) بخط من الشريف يحيى بن علي فارس يطلب فيه الأمان، ويشكو فيها ما حصل عليه من خذلان رجال يام، وتقاعدهم عن القيام بما خرج به من حضرة الإمام المنصور من صنعاء إنهم ينفذون بين يديه جنداً لحرب أهل تهامة، وإخراجها من يد الشريف حمود، واستعطف بما قدر عليه من الاستعطاف، فكان من الشريف الجواب الكافي الشافي وقبول المعذرة والإسعاف، فوصل عقيب وصول الجواب إليه، فتلقاه الشريف وأدار أخلاف الإحسان عليه، ولازم حضرة الشريف سفراً وحضراً، وكان يستشيره في مهماته ويرجع إلى رأيه في مبهماته.
نعم واستقر الحال بين الشريف وصالح على هدنة، وبعد استقرار الشريف في أبي عريش وصل إليه شيخ من أهل (حجة) ([4]) وهي مخلاف من مخاليف اليمن العالي فيما يحادد بلاد الشريف وبلاد كوكبان، وهي تحت وطأة الخليفة المنصور وعماله يتداولون عليها عامل بعد عامل، وهي داخلة في حوزة الجبال وبينها وبين صنعاء ثلاثة أيام ومن أعمالها حصن الظفير المقبور فيه الإمام أحمد بن يحيى المرتضى وحفيده الإمام شرف الدين، وهي مخلاف واسع أغلب أوقاته الخصب، وأكثر مزارع أهلها (البن) وكان حصل عليها جور من عمال الإمام، ورفعوا شكواهم فلم يلتفت الإمام إليها بالنظر فيما شكوه، فوصل شيخ منهم يسمى الجبيشي –بجيم بعدها مثناة تحتية بعدها شين معجمة وآخرها ياء النسبة- وصحبته مشائخ آخرون يطلبون من الشريف أن يرسل معهم عاملاً وجنداً وهم يملكونه (حجة) وقاعدة ملكها حصن يسمى الجراف، وحصن يسمى نعمان، والسوق بين الحصنين وسهلوا القضية للشريف، وقالوا له ليس عليك إلا إرسال الرئيس وشرذمة من الجند، فوافقهم على ذلك وأرسل رجلاً من الأشراف، على ذهني أنه الشريف محمد بن مسعود بن مبارك، ووافق طلوعهم إلى (حجة) غفلة عامل الإمام، وعدم تيقظ الدولة أن الشريف يتمادى إلى الجبال، فقبض عامل الشريف على الحصنين وأقبل إليه أهل البلد إلا جماعة يسيرة من أهل العزم تمنعوا وتحصنوا، واتصل الخبر بالإمام فعظم عليه الأمر، ولكن عزم عليه المرام، وكان في حضرته من يقوم بهذا الأمر، ولكن تكاسل الأمراء والوزراء عن إنفاق الأموال في مثل هذه الأمور، فيرجع الرئيس مرؤوسا، وينقلب الأمر معكوسا، وكان فيها قبل أن يتملكها الشريف بعامين أو ثلاثة القاضي العلامة المصقع اللوذعي عبد الرحمن بن يحيى الآنسي قاضياً يحكم بين الناس بالشريعة المحمدية، والعامل رجل غيره، ولكن تكون الصولة والدولة للقاضي عبد الرحمن لأنه بحل الكفاية، فأيام يكون قاضياً بحجة يفوض إليه الإمام أمر العمال والرعايا فيحميها حمى الأسد لعرينه، ويأخذ راية الحزم بيمينه، ولما عزله الإمام عن أعمالها، وطال الأمد على عمالها، اختل نظام الجزم فيها، فوجد الشريف الفرصة بواسطة (الجيشي) ومن على جيله فتوجه وزير الإمام للتجهيز مرة أو مرتين ويعود المقدمين بخفي حنين، واستمرت يد الشريف عليها إلى أواسط سنة عشرين، وبلغته الأخبار بما فيه عامله من ضيق الحصار، فأرسل إليه السيد الباسل محسن بن علي الحازمي عوناً، وأمره بأن يبقى هناك ومحمد بن مسعود يصل إلى الشريف، وبعد استقرار السيد محسن بحصن الجراف كادت أن تصفو له البلاد، وتجبى إليه الأموال، فلم يرعه إلا وصول الغارات من الإمام بجنود لا قبل له بها، يقدمهم الفقيه الماجد عثمان بن صالح العلفي، وكان أسعد الإمام أهل القطع التي في (حجة) على حرب جند الشريف، فحصل الحرب وانحاز إليه الحسام في الحصن وعنده جماعة من أهل الشام من رجال تهامة، وانتهى الأمر على المصالحة، وخروج السيد محسن بن علي سالماً هو وجنده بعد أن وصل الشريف غائراً إلى بلاد (الريغة) ووصل الشريف يحيى بن علي إلى بلاد الصلية ولم يبق بينه وبين (حجة) إلا يوم واحد، وقد استوفينا القضية سنة 1219 وكان حقها أن نذكر غارة الشريف وخروج محسن من حجة في سنة عشرين على حسب الواقع ولكن ارتبط الكلام بعضه ببعض.
نعم، وفي هذه السنة وصل من سعود كتاب يستحث الشريف منصور على النفير إلى مكة صحبة الأمير عبد الوهاب، ولم يسعه إلا الامتثال، فجهز جيشاً من رعيته، وأمر عليهم أميراً من جلدته، ولحقوا بعبد الوهاب وقد جاوز (حلي بن يعقوب) ومثل الشريف (عرار بن شار) وصله الأمر الجازم بالنفير صحبة عبد الوهاب، وقد كان فيما أظن فصله سعود برأي مستقل عن ولايته مستفادة من سعود وليس لعبد الوهاب عليه إمارة في غير النفير، فأرسل أخاه عيسى بن شار، وأصحبه كماة من بني شعبة حماة الذمار، فوافق عبد الوهاب بأطراف الليث، فوبخهم على التراخي وعاقبهم بأخذ الخيل والحلقة، ثم أرجعها لهم يقاتلون عليها العدو، وله بعد ذلك حكمه، فاستقر بجبال يلملم في ميقات الإحرام لليماني نحو ثلاثة أشهر، ووقع بينه وبين الشريف غالب شريف (مكة) معركة عظيمة انجلت عن قتلى من الفريقين نحو من ألفين أو ثلاثة، وكانت اليد لعبد الوهاب، فعاد إلى اليمن ظافراً بأخذ الأتراك مسروراً بأجل الإدراك، وحين وصل إلى (حلي) أخذ الخيل على بني شعبة ولم يقبل فيها شفاعة من أحد، وكان بلغ عرار هذه الفعال قبل وصول أخيه، فأعمل الحيلة في استمالة رجال ألمع أهل حجاز السراة، وهم أكثر جند عبد الوهاب، وقد أنف كبراءهم من ولاية عبد الوهاب عليهم، ولكن سلطان سعود أوجب عليهم الوفى بالعقود، فحين خاطبهم وكاتبهم بأن يجتمع هو وهم على كلمة واحدة ولا ينزعون الطاعة عن سعود، إنما يحاربون عبد الوهاب حتى يتصل الأمر بسعود، فيرسل من ينظر الأمر ويحكم بينهم بالحق، هذه علتهم التي دعوا إليها، ثم ترجح لعرار أن يكاتب الشريف حمود بمثل هذا ويجعل الأمر بواسطة الشريف منصور، وكأن الشريفين أعجبهما صنع عرار، ولكنهما بقيا مؤملان العاقبة من عبد الوهاب، ولما اتصل الخبر بالأمير عبد الوهاب، واتضح عنده الأمر من غير شك ولا ارتياب، ألب على من والى عرار من رجال ألمع، وجهز عليهم صناديد السراة، فاستغاث أهل رجال ألمع بعرار، فأمدهم بنفسه ومن أطاعه من قومه، وكتب إلى الشريف يستمده، وهذا بعد أن وصل بنفسه إلى الشريف وتعاهدوا هو وإياه على مباينة عبد الوهاب، ثم عاد إلى الدرب، ولم يستقر حتى طلب رجال ألمع وصوله إليهم، وأخبروه بتجهيز عبد الوهاب عليهم، وقصده إلى ديارهم، فسار بنفسه وبمن أطاعه وكتب إلى الشريف يستمد منه الغارة وإرسال الجند، على حسب ما بينهما من العهود، وكتب إلى الشريف منصور أيضاً، فالشريف حمود جهز الشريف يحيى بن علي وأرسل إليه جنداً يسيراً.
وأما الشريف منصور فتقاعد، ووصل الشريف يحيى بن علي إلى (عتود) وكان عبد الوهاب في بادئ الأمر كتب إلى سعود يخبره بصنع عرار وتماليه هو ورجال ألمع على خلع طاعة عبد الوهاب، وبما كان بينه وبين الشريفين حمود ومنصور، وعرار كتب أيضاً إلى سعود يخبره بما صدر من عبد الوهاب، وبما كان بينهم، وكان يظن أنه يستطيع مقاومة عبد الوهاب، حتى يعود من عند سعود الجواب، ثم وصل عرار إلى قرية (رجال) بضم الراء بعدها جيم وآخرها لام كغراب- ومنه إلى محل يسمى الشعبين مثنى شعب ولم يصل إلا وجنود عبد الوهاب قد أثخنت الوقائع في تلك الجبال، وقد داخل الرعب أكثرهم، وقد تظاهر من لم ينضم في عقد عرار بالمباينة لأصحابه وأظهر الطاعة لعبد الوهاب، وخطب الفقهاء في الأسواق بحفظ عهد عبد الوهاب، والصراحة ببغي عرار وأنه ممن يسعى في الأرض الفساد، فهرب عرار ومن اجتمع معه نحو خمسمائة من رجال ألمع ورجع إلى محلة (الدرب) وباقي رجال ألمع أقبلوا على طاعة عبد الوهاب وبعضهم أخذ منه عبد الوهاب الحلقة وبعضهم عفا عنه، وحين اجتمع رجال ألمع على طاعة عبد الوهاب، وصار بعضهم يقتل بعضاً، وتيقن فرار عرار جمع من جنود السراة نحو عشرة آلاف وأقبل بهم على طريق مناظر، وهو الجبل المتصل بالعقبة الكبيرة المسمى عقبة مناظر، التي نزل منها جنود السراة وغزاة نجد إلى تهامة، فسلك عبد الوهاب تلك العقبة حتى انتهى إلى وادي عتود ومشى في الوادي حتى وصل إلى محل يسمى (الجنبين) تثنية جنب، وجعل عكاد([5]) وعكوتين على يساره وهما الجبلان اللذان يقول فيهما عمارة:
إذا رأيت جبلي عكاد



وعكوتين من مكان باد


فاستبشري يا عين بالرقاد




وطرح في الجنبين، وحين بلغ عرار مسير عبد الوهاب بالجنود التي تملأ الرحاب، جمع أهله وخيله وحشمه وعبيده وحمل ما قدر على تحميله وخرج من الدرب يقصد حضرة الشريف، وصحبته نحو خمسمائة نفر أو أقل من رجال ألمع، اشتد بهم الخوف عن الإقبال على عبد الوهاب، ولما تحقق لعبد الوهاب خلو الدرب وكان يظن أن عرار سيشب فيه نار الحرب فأرسل الأمير عبد الوهاب من يأتيه بخبر الدرب فعاد إليه رواده يخبرونه، شعراً:

أمست خلاء وأضحى اهلها احتملوا

أخنى عليها الذي أخنى على لبد


فأصبح في الصباح تقدم بتلك الجنود على الدرب وهدم الحصون، وحرق البيوت، واستولى على ما تركه عرار من الأمتعة، وقد كان أميراً على أهل الحجاز السافل بلاد آل موسى، وأهل قنا ومن على جيلهم من بدو الزيديين وغيرهم، وجاءت طريقهم على الشقيق فأحرقوه ونهبوه، وبعد استقراره في الدرب أقبل من بقي من بني شعبة وأهل الشقيق وعتود فسلموا إليه الحلقة، وأمنهم على نفوسهم وأمر عليهم أميراً، وهم بالارتحال إلى اليمن لقتال الشريف، واستئصال عرار من المعقل المنيف وجهز السواعي في البحر، وأمرهم بغزو بندر اللحية، فنفذت السواعي حتى رست في مرسى اللحية، وكان بها الشريف يحيى بن حيدر الحسني عاملاً من قبل عمه الشريف حمود وخشي أن يكون في السواعي رجال يدخلون البندر فاستلحق الغارة من عند الشريف، فأرسل الشريف يحيى بن علي وجماعة من أهل الخيل غوثاً لأهل اللحية والشريف لما بلغه إقبال عبد الوهاب اضطرب حاله أشد الاضطراب، وأراد نصب المعاذير ولكن علم أن ليس لها نفاق، ولا يجدي غير أطراف العوالي والسيوف الرقاق، فصمم على الدفاع، وبذل المستطاع، لاسيما وعرار قد صار جاره، وأسكنه داره، والتزم أن يحمي له ذماره، وعبد الوهاب تريث في المسير عالماً أن دون مطلبه الأسد الخادر والليث الهاصر، وبينما هو في أثناء هذا التردد وافاه جماعة من أهل نجد([6]) قد أرسلهم سعود لافتقاد القضية في أمرهم بإيصال الأمراء إلى حضرته، عبد الوهاب والشريفين حمود ومنصور وعرار، فحين وصلوا إلى عبد الوهاب أمروه برفع المطارح، وتفريق الجند ورجوعهم إلى محلاتهم، وبلغوه مرسوم سعود في طلبه إليه، فامتثل ما جاء به أولئك النفر، وتوجه راجعاً إلى السراة وتأهب للنفوذ إلى الدرعية وجمع رؤساء قومه واستصحبهم معه.
وأما الرسل الواصلون من سعود فتوجهوا إلى اليمن، وأول وصولهم إلى صبيا نزلوا على الشريف منصور بن ناصر، فبسط لهم وجه البشر وتلقاهم وأخبروه بما يريده سعود من صوله، فأظهر لهم البشر وأن الوصول إلى سعد طلبته، وكلموه فيما صدر من موالاة عرار فاعتذر بكلام تقبله عقولهم، والرجل كما قدمنا حسن الكلام فصيح المنطق، له عقل وافر يتصرف به في الأمور كيف يشاء، ثم توجهوا من عند منصور إلى حضرة الشريف حمود في أبي عريش، فواجههم بما يحبون من الإكرام وحسن الإقامة، والرجل سخي الكف، واسع المعرفة لا يبخل بالمال، لاسيما عند الحوادث الثقال، ولما خلا به الركب الواصلون أخبروه بما يطلبه سعود من وصوله ووصول عرار فعظم عليه الأمر، ولم تمكن من المخالفة والمشاققة لفعل، ولكن لم يسعه إلا الامتثال، واعتذر من نفوذه وبذل نفوذ ولده أحمد بن حمود لأجل الامتثال لأن ولد الرجل كنفسه، وقصد بذلك أن يقبل سعود معذرته في التخلف، فإنه اعتذر بمشاغلة أهل اليمن، وحفظ البلد التي افتتحها أن تغتالها أيدي أمراء الإمام، وأحسن المعاملة للوفد الواصلين وجعل أمر محاجة عبد الوهاب والإجابة عليه فيما يدعيه من موالاة عرار، على لسان السيد العلامة الحسن بن خالد ونفذ مصاحباً لأحمد بن حمود، واجتمع رأي الحسن ورأي الشريف منصور، ونفذ عرار بن شار ومن معه من بني شعبة صحبتهم، وفعل الشريف حمود ما قدر عليه من إلانة الخطاب([7]) وإرسال ما حسن وطاب من الهدايا العجاب، ونفذ الأشراف وفي صحبتهم الركب الواصلون من عند سعود، ووقع الشريف في هم كبير وغم غير يسير، والأشراف النافذون يضربون الأخماس في الأسداس، وإنما هم أهل قلوب عاقلة وعقول فاضلة، وبعد أن توجهوا إلى نجد توجه الشريف إلى اليمن بعد كثرة الكتب من أميره بحجة، يذكر أن الإمام قد جهز الأقوام، وساعده أهل القطع([8]) وأنه قد أنكر انقباض أهل البلد وتغيرهم في الإمداد والمدد، فجمع الشريف من كان تحت يده من الجنود وتوجه إلى قلعة (مور) ثم منها إلى الريغة، ومن هناك أرسل الشريف يحيى بن علي إلى (الصلبة) –بصاد مهملة ولام مفتوحة وباء موحدة وهاء التأنيث- وقد قدمنا ذكر المسافة بينها وبين (حجة) واستنقاذ أميره منها فيما قبل هذا بيسير.
وفي هذه السنة العشرين ابتدأ بإقامة الحدود الشرعية على من وجب عليه، فقطع أيدي رجال وأرجلهم بعد أن تقرر عليهم عند حاكم الشريعة مجازاتهم، وقطع أيدي جماعة تقررت عليهم السرقة، وكان لذلك في قلوب المفسدين وأهل المعاصي موقع عظيم، وفي أيام بقبائه في (الريغة) –بفتح الراء المرفقة بعد مثناة تحتية بعدها غين معجمة بعدها هاء السكتة- بلد شرقي الزعلية وصليل، تمضي في وسطها سائلة وادي مور، وهي بلاد فيها معقل للدولة وفيها سوق يجتمع فيه عالم، وهي من قسم الجبال، ولكن أمرها في أيام المنصور إلى عامل الزيدية واللحية، وحين افتتح الشريف اليمن عاهده أهلها وجعل أمرها إلى شيخ منهم.
نعم وفي مدة استقرار الشريف هنالك وصل إليه جماعة من رؤساء يام يخبرونه أنهم نزلوا إلى (تهامة) فإن له إرادة في استخدامهم فهم لا يقدمون عليه أحداً، فهم سيتوجهون إلى اليمن ويكاتبوا الخليفة وعماله، ولما وصلوا إلى أعلى بلاد القحرى (بلاد حرز) وكتبوا إلى الفقيه صالح عامل (الحديدة) يعرضون عليه الخدمة إن أرادهم، فاعتذر بأنهم سيفاوض الدولة يعني الخليفة المنصور، وهم أيضاً كتبوا إلى الإمام وعرضوا عليه نفوسهم للاستخدام وكأنه لم يعد عليهم جواب منه فيه الالتزام، ولا شموا منه رائحة بلوغ المرام، والإمام في تلك الأيام قد كان جهز جيشاً إلى حراز وأمر عليهم عبداً يسمى (ميسور) وكان حراز قد تغلبت على قلعته رجال من يام على يد رجل من أهل حراز يقال له (علي شبام) فبلغ (ميسور) إلى حراز وتعسر عليه إقامة الجند ولم يصل إليه مدد من الدولة فتفرقت الأجناد وعاد إلى حيث لم يبلغ المرام، وعند ذلك عادت الدولة إلى التجهيز وأعد له رجال من بكيل، وهم عمدة رجالهم، وأمر الفقيه الماجد الرئيس يحيى بن محسن حنش، وكان من رؤساء الدولة ومن أهل العقول في حزم الخلافة، فتوجه إلى (حراز) على أن يناجز المتغلبين على قلعة شبام حراز، وإضافة شبام إلى حراز لتخرج عن (شبام كوكبان) وهذا الحصن –أعني شبام حراز- حصن من معاقل اليمن الحصينة وقد تغلب عليه الفقيه (علي شبام) وجماعة من رجال يام لاتحادهم في النحلة، فتوجه(يحيى بن محسن) إلى (حراز) واستقر بحصن من حصونه المنيفة يسمى الضلفاع- بكسر الضاد المعجمة وبعدها لام ساكنة بعدا فاء مفتوحة بعدها ألف وآخره عين مهملة- وهو يقابل حصن شبام على رؤية العين، وحسن استقر يحيى بن محسن في (الضلفاع) وعلم أهل حصن شبام أن معه رجالاً ربما يغلبون ويبلغون في نكايتهم المقصود، كتب (علي شبام) ومن معه إلى (يام) وهم طارحون في أعالي القحرى وأسافل حراز وطلبوا منهم المناصرة علي (ابن حنش) ودلوهم على عورة حصن الضلفاع، فغزا من يام نحو الخمسمائة، وفيهم أغلب عقولهم، ووصلوا تحت الضلفاع في الليل وقد ساعدهم جماعة من أهل الحصن من الرعية وأدلوا إليهم حبالاً من جهة ما فيها أحد من العسكر، وكان (ابن حنش) وقومه في غفلة وعدم تيقظ أن يطرقهم في ذلك الحصن طارق، ويام من وصل إليه الحبل تمسك به وطلع ولم يزالوا على هذا الحال حتى اجتمع منهم خلق كثير، فصاحوا في رحبة الحصر فحصل الفشل مع العسكر الذي فيه، وثبت جماعة من ذوي محمد من بكيل، وملكت يام جميع معاقل الحصن، ثم فتحوا الباب لمن بقي منهم فدخلوا وانحاز (يحيى بن محسن حنش) إلى جماعة من ذوي محمد في زاوية حتى طلب الأمان في الخروج بسلام، ونهبت يام كل ما كان مع ابن حنش، ولم ينج إلا بنفسه وانحاز إلى محل بين (الحيمة) و (حراز) ورفع أمره إلى صنعاء ينتظر ما يأمر به، وانتهى أمره إلى أن عاد إلى صنعاء، وقد كان عند وصوله إلى (حراز) نهب منه أهل تهامة الموالون للشريف، وكان الشريف يظن أن يصدر منه شيئاً في أطراف تهامة، والشريف بعد نفوذ يام من يديه وهم حرب له وعودة الشريف محسن بن علي الحازمي من (حجة) عاد إلى مدينة مور، وسكن بها وعمر في القلعة زيادات، وأكد معاقلها واشتغل بالزراعة في ذلك الوادي وهو ينتظر عودة ولده ومن معه من الركب الذين ساروا إلى (الدرعية) ويترقب أيضاً ما يحصل من أهل اليمن وخشي أن يستخدم صالح بن يحيى رجال يام؛ لأن الهدنة بينه وبين صالح قد انقضت، والأخبار تصل إليه أن الخوض يدور بين صالح ورجال يام، حتى تقرر له انضمام كلمة الفقيه صالح ورجال يام، ووصلت إليه الخطوط من (علي حميدة) شيخ القحرى صاحب (باجل) يذكر له اجتماع كلمة يام والفقيه صالح عن أمر الإمام، وأنهم يقصدونه بالشر قبل كل أحد، وهو يستمد الغوث من الشريف، فأرسل إليه الشريف رتبة للحصن يحفظونه، ووعده بالوصول إليه بنفسه وجنوده إن صدقت مخايل يام، وحين ختم الأمر بين يام والفقيه صالح طلب منهم الوصول إلى (باجل) والمطرح على حصن علي حميدة، فطلبوا منه أن يخرج إليهم مقدمياً ينصب الخيمة بينهم، فأرسل إليهم ابن أخيه حسن بن حسين بن يحيى العلفي، بعد أن أخذ منهم المواثيق في صيانته وإعزازه وإكرامه وأنهم لا يخاطبونه بشيء من المطالب، وبعد ذلك راسلوا علي حميدة أنه يخلع طاعة الشريف ويرجع إلى طاعة الإمام، فبقى يمرض([9]) لهم الكلام وهو يكتب إلى الشريف يستنجده في الغارة، وكان الشريف فيما بلغ قد عزم على إرسال أحد الشريفين الرئيسين الماجدين.
أما يحيى بن علي فارس أو الشريف (علي بن حيدر) يكون النافذ بينهما أمر الجند وإليه ولاية مناجزة يام والفقيه صالح على أن يكون قيام الجند فيما يحتاجونه موكولاً إلى (علي حميدة) وبعض خزنة الشريف، وبينما هو في تحكيم هذا الرأي إذ وافاه حبر موت (علي حميدة) وأنه حل به الحمام وأحله بين الجنادل والرجام، فحينئذٍ عزم الشريف على النفوذ بنفسه وتوجه إلى قتال عدوه بنوعه وجنسه، وفي صحبته رجال الأشراف، وأهل الخيل وجند ليس من قبيلة واحدة، إنما هم كحاطب ليل، ولكن المذكور لقوة بأسه وثبات جأشه يكتفي بالقليل من الجند، وكثيراً ما يقول في مجادلاته: (النصر بالمدد لا بالعدد) والغلبة بالقدرة لا بالكثرة([10]) فنفذ من مدينة مور في أوائل شهر رمضان سنة عشرين بعد المائتين والألف ومعه من الجند أهل القتال نحو الألف، فيهم من ذوي حسين نحو المائتين، ومن رجا ألمع مثلهم والباقون من ألفاف الشام، وحين بلغت الأخبار إلى يام بانفصال الشريف علموا وقوع الشر فتأهبوا للقائه وحشدوا رجالهم لمناجزته، وقد كان الشريف مصراً على أن لا يبتدي يام بحرب، ولا يباشرهم بطعن ولا ضرب، إنما قد كان عنده من بعضهم كلام، وفي يام رجلان من كبرائهم كانوا حريصين على قتال الشريف وعدم المخادعة معه، والحامل لهما أمران:
أحدهما: قد لاحت لهما بارقة الأطماع في صالح بن يحيى وأيقنوا أنهما يقفان منه على مال جزيل وعطاء أثيل.
والثاني: أن في أنفسهما ضغينة للشريف حيث لم يجدا منه ليناً ولا قولاً حسناً، حين وصولهم وهو في (الريغة) والرجلان المذكوران هما (جابر بن مانع بن مذكور) من (آل فاطمة) من هبرة، والثاني: عبد الله بن حسين نصيب من (مواجد بن مذكور) يزعم أنه من ولد الحارث بن كعب أحد جمرات العرب، كما قدمنا في هذا الكتاب، فأقبل الشريف يقصد قرية باجل غير متأهب أهبة الحرب، وكان يظن أن يام لا يقصدونه إلا إذا قصدهم، فحين رآه رجال يام نصبوا الرايات وتفرقوا ثلاثة ثبات وأقبلوا حاملين على جند الشريف غير مبالين بإيجاف ولا وجيف، فحين علم الشريف أنهم قاصدونه ويرون أنهم عن (باجل) يصدونه، عبأ جنده، وقده زنده، وتبسم تبسم الهزبر الهصور، وجال جولة الفارس العقور، وجعل من رجال قومه وفرسان يومه أميراً لأهل الرايات، وحمل من حينه فالتحم الحرب، واختلط الطعن بالضرب، وثار العجاج، وأظلم أفق تلك الفجاج، وكان في راية الشريف رجال من ذوي حسين من بكيل، فثبتوا ثبات أسد الغيل، وحمل الشريف حملات حتى هزم من في مقابله، وضرب حتى تثلم سيفه وطعن حتى تقصد على عامله، وعقر تحته كم من جواد، وانتقل في ذلك الحين على ظهور الجياد، وخلط المواضي بالصعاد، وأثخن القتل، وفرق من أعدائه الشمل، وأخذ في تثبيت مشاة جنده من ذوي حسين ورجال ألمع، وثبت كل أهل الخيل وهو أثبتهم، ويليه الفارسان البطلان (يحيى بن علي) و (علي بن حيدر) واستطال العراك، وطار القسطل في منازل السماك، وما رضي أحد الفريقين بالانهزام، حتى قتل من رؤساء يام الشيخ عبد الله بن حسين بن نصيب احد الرجلين الذين شاءوا حصول الحرب، فانهزمت يام بعد صرعته، وانقلبوا به جريحاً إلى خيمته، ولبث بها إلى غروب الشمس، ثم حل به الحمام، وسكن الرمس.
وأما جابر بن مانع فلم يحضر الوقعة ولا روى فيها نبعه، إنما كان همه الهجوم على ساقة الشريف، وأخذ ما فيها من الزانة([11]) والرقيق، تشتمل على كثير من الأمتعة وزانة الحرب، ولم يعد من أخذه الساقة إلا وقد أذنت الحرب بالافتراق، وانحاز الشريف ورجاله إلى حصن باجل، وخيم برحبة الحصن في ظاهر البلد، فأكثر الفقيه حسن بن حسين الرمي بالمدافع، وفي الصبح بقي الشريف في محله غير مبالي برمي المدافع، ولا بمال يفعل ويصنع، وهناك جبل يكشف على عورة مبالي برمي المدفع، ولا بما يفعل ويصنع، وهناك جبل يكشف على عورة الحصن أراد رجال يام الصعود عليه، وطرد الشريف من باجل، ففطن الشريف لذلك فأرسل عصابة من ذوي حسين يحفظون الجبل فطردوا عنه يام، وبقوا نحو ثلاثة أيام، والشريف يعمل الحيل في مخادعة يام، وتفريقهم عن ذلك المطرح وخروجهم من طاعة الإمام، والفقيه حسن يعمل العمل والحيل في رجال بكيل، ويبذل لهم المال ما أقل منه يميل، وقد كان ذوي حسين ثاروا على الشريف في مطالب التقارير ورأوا أنه بعد صنيعهم يوم الملحة لم يبق له عذر عن تسليمها، فما راعه إلا نفوذهم إلى مطرح الفقيه حسن، ثم قبضهم المال ونفوذهم إلا بلادهم، فعند ذلك جاء الفرج بعد الشدة، ولله در القائل:

بك استنصرت حين بقيت خلى



وحين خدعت جاءتك الخطوب



ويام بعد هذه الوقعة ركبوا الصعب والذلول، فطالبوا الفقيه صالح بما يعظم ويهول، ورفعوا قضيتهم إلى الإمام، وذكروا أن الشريف في ضيق حال، ولابد أن يقبضوه ويرسلوه إلى ذلك المقام، فظن الإمام صدق ما قالوه، فأرسل لهم بعطاء لولا ذلك ما نالوه، مع أنهم يعلمون عجزهم عما ذكروه، وكذبهم بما افتروه، شعر:

وما الباز صيد للثعابين إنما

ترى الباز يصطاد الثعابين عن يد

والشريف ما زال يفتل في الذروة والغارب حتى استمال أكثرهم فثاروا على الفقيه صالح في الزلاج، ومفارقة هذه الفجاج، وقالوا: قد فعلنا ما لا يفعله أحد غيرنا، وقتلنا الأشراف آل خيرات الذين كل فارس منهم على فرسه يعد بمائة، فجاولهم الفقيه على أن يستنقذوا له حصن (باجل) ويصطفوا له ما قد تغلب عليه الشريف من الرعايا والقبائل، فلم يسمعوا له خطاب، ولا أرجعوا له جواب، وغاية ما وفق عليه منهم أن يسلم لهم جميع ما يطلبونه، ويوصلون إليه ابن أخيه، ويصلحون شأنه، وشأن الشريف علي هدنة سنة، ويكفل الشريف علي غوازي([12]) نجد، ويقابل كل من قصد اليمن بالرد والمنع، فالتزموا له بذلك، ووعدوه الوفاء بما هنالك، فخاطبوا الشريف فقال: لا بأس وطلب شيئاً من المال، مثل ما سلمه صالح العام بعد القتال، فقالت له يام: أقبل من الإصلاح وبعد نفوذنا افعل ما بدا لك، وأسباب النقض كثيرة فساعدهم الشريف على ذلك المطلب، وهو منطو على ما هو أعظم وأعجب، فرجع الفقيه حسن بن حسين إلى الحديد بعد التي واللتيا، وقد لقي من يام الشدة والكربة، ووقع من مطالبهم في عرق

([1]) راجع الحاشية على ص 108 (عرابة الأوسي).

([2]) ثم عزم على الارتحال إلى الشام: أي إلى مور واللحية.

([3]) هنا يشير أن حمود عاد إلى الشام، ويفسره بـ((مور)) أي وادي مور، وفي موضع سابق عندما أشار إلى عودة عبد الوهاب من جهة (يلملم) قال: وعاد عبد الوهاب إلى اليمن وهو يقصد عسيراً، ص 179.

([4]) فقد دخلت حجة وقبائلها في الدعوة السلفية وطاعة الإمام سعود إلى سنة 1220هـ/1805م فاستعادها إمام صنعاء.

([5]) عكاد وبعضهم يسميهم في وقتنا الحاضر العكادين، بالتثنية: جبلان صغيران غرب خط الإسفلت، شاهدتها بنفسي، وليس قربها أو حولها جبل يسمى عكوتين، والعكوتين التي عند قرية (جخيرة) تبعد عن (العكاد) بمسافة 75 كيلاً، راجع كتابنا المعجم الجغرافي الطبعة الثانية مادة العين وعن (العكوتين) في جبل مصيدة ببلاد بني الغازي من منطقة (جازان).

([6]) وصلت اللجنة من الدرعية وقوامها ثلاثة أشخاص، وسلمت أمراً لعبد الوهاب يقضي بتسريح المقاتلين حالاً، وتوجهه إلى الدرعية فنفذ الأمر في الحال، وتوجهت اللجنة إلى أبي عريش فسلمت حموداً أمراً يقضي بترحيل عرار إلى الدرعية وتوجهه صحبته، فاعتذر عن نهوضه بنفسه بما قد يترتب من خلل في تهامة اليمن، واستعد بترحيل عرار، فأي وازع ديني وسلطة روحية عليا وقوة أدبية تذعن لها الرقاب بمثل تلك السرعة والامتثال؟ جيش قوامه عشرة آلاف مقاتل يأمره القائد وهو في نشوة انتصاره بتسريح جنده فيحنو للحق هامته، ويسرحه وهو لم يطو الرسالة بعد، ثم اتصل اللجنة إلى (حمود) وهو في عاصمته ومقر حكمه وقد حصنها بكل وسائل الدفاع المعروفة آنذاك ولديه ما لا يقل عن عدد جيش عبد الوهاب، فينحني ممتثلاً طائعاً وينفذ المر، ويرحل عرار ويبعث فلذة كبده ووحيده، ويعلن للوفد بأنه مستعد لكل ما يترتب عليهن، إنها قوة الإسلام التي أعادت للتوحيد سلطانه على النفوس والتي امتثل لها خالد بن الوليد حين تسلم أمر عزله في عنفوان المعركة.

([7]) في النسخة (خـ): من إلانة الخطاب والجواب، وفي النسخة (م): من إلانة الخطاب في الجواب، وفي النسخة (جـ): من إلانة الخطاب، جرى التنويه.

([8]) هكذا (القطع) في الثلاث النسخ، جرى التنويه.

([9]) يمرض: من المرض ضد الصحة.

([10]) جملة حكيمة لشخصية كريمة، وكان حمود رحمه الله يطبقها عملياً، كما ستجد ذلك في تضاعيف هذا الكتاب، راجع الحاشية رقم (1) في ص. 108.

([11]) الزانة: العتاد. أسلحة الحرب.

([12]) وهذا يوضح ما كان لغوازي نجد وأهل الدعوة من دور في القتال.
--------------------------------------------------------------
القربة، وكانت عودته إلى عمه من أعظم المسار، بعد أن خوفه الناس أنه ربما يحصل فيه بعض العكسات، شعراً:

فهات ابني ودعني من خصام

تقواله المعدي والنزاري


وكان يهون لو أنفقت مالي


وعاد ابني إليَّ بعقر داري


ثم توجه بنو يام إلى نجران، وقد قبضوا من المال ما يعجز عن حصره أهل الحساب، وكل ذلك أخذه صالح من تجار الحديدة وعامتهم حتى أثخن فيهم النكال، وأساء السيرة معهم في الأقوال والأعمال، والشريف أقام بباجل يعمر الحصون، ويحفظ الظهور والمتون، وفي إقامته تلك وصل إليه الركب الذي نفذ إلى (الدرعية) وهم ولده الشريف أحمد بن حمود والعلامة الحسن وصحبتهم جماعة من مطاوعة([1]) النجود فتم له السرور، وطلعت على وجهه طلائع البشر والحبور، بعودة ولده سالماً وعدم ظفر عبد الوهاب بنكايته، وقد كان لذلك.... ([2]) وأخبره العلامة الحسن بما كان وما صار، وما ادعاه عبد الوهاب من موالاة عرار بن شار، وتصدى عبد الوهاب لإقامة الحجة على الشريفين حمود ومنصور، وأظهر خطوطاً منهم إلى عرار فيها ما شهد بما يدعيه المذكور، وتقرر عند صحة ما ادعاه عبد الوهاب، وثبت عنده ما قيل قد يكبو الجواد وتنبو السيوف الحداد، وبقى منصور يكثر المعاذير وينكر ما يصلح فيه الإنكار والحسن يبرز الدلائل، ويدخل هذه الوقعة في منازل المسائل، وانجلت تلك المحاكمة على إطفاء نار المخاصمة، وبين سعود للركب الشريفي وأوضح لهم أن الحجة قد قامت، وطيور المخالفة منكم قد حامت، ولكن نعفو ونصفح، ولا نؤاخذكم بشيء يجرح، وكان يطلب عبد الوهاب بإرجاعهم إلى إمارته، ولكن فطن سعود أن ذلك يكون سبباً لأخذهم بالضغينة فلم يسعده إلى ذلك، وبين للأشراف أنه صد عبد الوهاب عما طلب إلا منصور فجعل عليه الجهاد مع عبد الوهاب إذا استنفره في المغازي والبعوث، وعطف على الأشراف وأعطاهم الخيل، وما يعتادوه من النيل، وأرسل معهم عمالاً يشارفون على خراج اليمن، ويكون إلى سعود، إلا قدر معلوم أبقاه لحمود([3]) وعين لمنصور جانباً من الخراج ولم يتم لمنع الشريف أن يشاركه منصور في شيء بأمر سعود، وشرط سعود على الشريف شروطاً، منها عدم استخدام رجال همدان إلا أن يدخلوا في عقد الدعوة ويجيبوا الداعي وإن لم يفعلوا ذلك فلا سلوك لهم في هذه المسالك، وبلغ من الشروح أن لا يصالح عمال الإمام ولا يهادنهم، فأظهر الشريف القبول لما جاء في الشروط ورتب العمال الواصلين للمشارفة على خراج البلاد في اللحية وقرر لهم ما دعت حاجتهم إليه، وبعث بعضهم مع المصدقين لأخذ زكاة الأنعام، وأنعم على أولئك بمواد الإنعام، حتى نفذت منهم الكتب إلى سعود يخبرونه بالامتثال والانقياد من حمود، والشريف بعد نفوذ يام وعزمهم إلى بلادهم، تعلل على صالح بن يحيى بنقض ما قد سعت فيه يام من الصلح وجعل العلة طلبه دخول العبسية، والرماة إليه في الصلح على حسب ما كانوا عليه في الصلح الأول، أيام قتال دير علي، والسبب أنه حصل من أهل العبسية بعض تعد في جهة القحرى، وزعموا أنهم من جملة رعية الإمام، وليس للشريف عليهم خطام ولا زمام، فثارت حفيظته، شعراً:

وكنت أردت في حلمي عليهم

ودادهم ولكن شاوروني


فأرسل الشريف يحيى بن علي فارس وصحبته جند من رجال الشريف، وجماعة من أهل الخيل، فوصلت الغازية إلى العبسية وضربت الخيام بين تلك الآكام، وأثاروا عليهم الدهماء، وسفكوا منهم الدماء، والعبوس يكتبون إلى صالح، وهو لا يمد ناصر، فتوسط السيد الجليل محمد بن عقيل السقاف، بين الشريف والفقيه صالح على تسليم مال للشريف وإرجاع العبسية والرامية إليه، وتكون هدنة تسعة أشهر، واعتذر الشريف عن تطويل المهادنة بما وصل إليه من سعود من المنع عن المصالحة أهل اليمن، وبعد عقد الصلح قوض الشريف الخيام، ورجع قاصداً الشام، وقد استوثق له الأمر في جهة (سهام) وما خلفها إلى جهة الشام، وجعل أمر القحرى إلى (العيدروس بن علي حميدة) والعبوس إلى محمد جماعي جعله شيخاً عليهم، والرامية إلى علي بن محمد الرامي، وانتهى سيره إلى مدينة مور يترقب انتهاء المدة ويعود إلى اليمن، واشتغل بأمر الزراعة واكتساب أراضي كثيرة في وادي مور، يشتريها من ملاكها وقد صارت عامرة بالأشجار، ولم يبق للصلاح آثار؟ فاشتغل بإخراجها، وأنفق الأموال في تصييرها صالحة للازدراع، وعمر لها الإعمار ووجه إليها الغيل والسيل العام.
وفي هذه السنة اختط مدينة الزهراء([4]) في شرق مدينة مور بنحو ثلاثة أميال، وجانبها القبلي متصل بالخبت في البلد التي كانت ولاياتها للأشراف قبل دعوة ابن عبد الوهاب، وجانبها اليماني متصل المعاميل لوادي مور، وكذلك جانبها الغربي ينعطف عليها الوادي، ومن الشرق متصل ببلد الواعظات فعمر بها معقلاً كبيراً واحتفر الآبار وأمر أن يسكنها الناس، وأجرى على من يسكنها من أنعامه أفخر لباس، وما زال يعمر بها الحصون، ويستجلب إليها الناس للسكون، حتى صارت مصراً من الأمصار، وحرماً يلوذ به أهل الحاجات من جميع الأقطار، ولله در القائل:

وكذا الكريم إذا أقام ببلدة


سال النضار بها وفاض الماء


وفي هذه السنة نجم خلاف (الكلفود) شيخ صليل وقد تقدم ذكره في هذه الوريقات، وكان عند الشريف من أخص الخواص وممن تعقد عليه الخناصر في الإخلاص، والسبب في ظهور الخلاف على ما بلغ أنه فقد رجل من أهل الأسباب هندي من هنود الضحي أو من هنود عبس الواعظات، وتطلبه أهله حتى وجدوا جثته في بئر من آبار خبت صليل، واتصل الخبر بمسامع الشريف فأرسل إلى الكلفود أن يحضر غرماء الهندي، فاعتذر بأنه لا يعلم الغرماء ولا يدري بالقضية، وكأنها قد قامت عند الشريف الدلائل على أن الذي فعل بالهندي ما فعل بعض عبيد الكلفود، فأرسل له الشريف إن لم تصل إلينا بالغرماء فصل إلينا بنفسك، وننظر هذه القضية فمنع من الوصول، وتكلم أنه إن لم يترك له حاله لابد يجول ويصول، فثارت حفيظة الشريف وجهز إليه الجنود وبند البنود، وشبت نار الحرب واستقام الكلفود في مركز الشقاق، وأطاعه كافة صليل ومن على جيلهم من العطاوية وبني محمد وكل من في تلك الجهة، والسبب أن الشريف كان بعد دخول الكلفود في عهده ولاه أمرهم وعهد إليهم يسمعون ويطيعون الكلفود وما كنوا على هذا أيام الإمام المنصور، إنما كان شيخاً على صليل خاصة، وباقي القبائل كل قبيلة عليهم شيخ منهم، ولما جاء الشريف جعل أميرهم الكلفود فحين خالف على الشريف انضموا إليه، وما زالت الحرب بينه وبين الشريف ينالون منه وينال منهم حتى توجه بنفسه وطرح في أطراف بلاد صليل، وجهز على تلك القبائل الليث الصائل علياً بن حيدر واجتهد في نكاية الكلفود، وشرده إلى كل جبل مصعود، وضيق عليه المسالك، واجتمع في بعض الأيام جند الشريف علي بن حيدر صناديد الأشراف، كأخيه الشريف يحيى بن حيدر، والعلامة الحسن بن خالد، ووقعت ملاحم تتجمل بها المشاهد، وحين حصل من جند الشريف ما حصل، انخذل عن الكلفود من قومه من انخذل، وتوسلوا بالشريف علي بن حيدر أن يأخذ لهم من الشريف الأمان، ويخالفون الكلفود بالقلب واللسان، فأمنهم الشريف، وعادوا إلى أوطانهم، وقد ذهبت بهم هبوب الصيف والخريف، والكلفود شاهد ما عليه الناس وما الشريف فيه من قوة البأس تعلق بالجبال، وصاحب السيدان والأوعال، وأنشد لسان حاله قول من قال:

ولي دونكم أهلون سيد عملسٍ

وأرقط زهلول وعرفاء جيأل


هم الأهلون لا مستودع السر ذائع

لديهم ولا الجاني بما جر يخذل


وقد ذكرنا في أول هذه السنة وصول احمد بن حمود والعلامة الحسن بن خالد من الدرعية، وما هو الذي وقفوا عليه في تلك الأجنة؟ ولم يذكر منصور ولا عرار.
فأما الشريف منصور فإنه عاد إلى وطنه ومحل ولايته صبيا ومخلاف بيش آمراً ناهياً، وعلى أهل تلك الجيرة عاملاً والياً، إلا انه شرط عليه سعود إجابة عبد الوهاب في النفير والجهاد بين يديه لأجل التكثير، وظهر منه الانقباض من أهل نجد، ولكن لما لم يرض الشريف حمود بتسليمه ما عينه له سعود من خراج اللحية حصلت الوحشة بينه وبين عمه الشريف حمود، ورأى من الرأي حفظ الموالاة لسعود، والتظاهر بطاعته عند أهل التهائم والنجود، وكان يود لو ساعده عمه لإجراء ما عينه سعود من التوظيف، لكان مال إلى عمه بالقلب والقالب، وأطاعه فيما كره وأحب.
وأما عرار بن شار فاستبقاه سعود عنده في الدرعية وعين له بيتاً يسكن فيه، وأجرى عليه من الإنعام ما يقوم به ويكفيه، والله أعلم ما كان قصد سعود فيه، هل يبطئ أو يسرع في بقائه لديه، ولكن سبقت المنية، وحالت بينه وبين الأمنية، حصلت عليه علة الجدري ومات بسببها هناك وجاور ربه، وفارق حزبه، وفاء إلى الملك الكريم، ولله در القائل:

وافى إلى الملك الرحيم وحسبه

ملك الملوك رحيم كل رحيم

كان عرار بن شار رجلاً رئيساً جواداً مقصوداً، يهب المال ويحمي الذمار، وله مقاصد حسنة ومعرفة بأمور الآخرة، وفيه رئاسة ظاهرة، وقد سبق ذكر إجابته لدعوة ابن عبد الوهاب في أول هذه الأوراق، وبنو شعبه([5]) اختلف الناس في نسبهم فهم يزعمون أنهم من تغلب بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعم بن جديلة بن أسعد بن ربيعة بن نزار ولم يكن لهم على هذه الدعوة شاهد، إنما هم ينتمون إلى بني تغلب، وفهمت من بعض رؤسائهم أنهم من أكلب، وأكلب من خثعم وخثعم يمانية على أصح الأقوال، وليست من نزار، إلا أني رأيت أبا محمد عبد الله بن قتيبة ذكر أن من ولد ربيعة أكلب بن ربيعة، فمنهم أناس دخلوا في خثعم ويمكن أن يكون بنو شعبة من أكلب بن ربيعة الداخلين في خثعم بالحلف، وقد كنت رأيت في بعض كتب الأنساب أن شعبة يمانية، وظهر لي من بعد أنهم ليسوا شعبة هذه، ومسكنهم الآن الدرب المعمور على وادي عتود وهو معمور بهم وما لهم كسب إلا الخيل العتاق، والبيض الرقاق، والسمر الطوال، والسوابغ الثقال، وكانوا قبل وصول دعوة ابن عبد الوهاب إليهم أهل عزة ومنعة، يحمون الذمار ويذودون عن الجار، وما كان أمرهم ينتظم على رجل منهم لعظم نفوسهم، كل رجل يرى نفسه أميراً، وينصبون شيخاً لهم منهم لحوادث المحاددين لهم، وكان مسكنهم فيما قبل بلاد شهران وبلاد بيشة، وقيل: إن هناك محلاً يسمى شعبة نسبوا إليه والله أعلم.
وكان الدرب قبل أن يصلوا إليه يسمى درب (ملوح) –بضم الميم وفتح اللام والواو مشددة مكسورة وآخر الحروف حاء مهملة- وهو مذكور في غزوة الإمام المهدي أحمد بن الحسين إلى الحجاز، حتى انتهى إلى غزوة الصوافقة من أعالي بلاد ألمع، ومذكور في غزوة أحمد بن الحسن بن الإمام المتوكل على الله إسماعيل حين غزاه من اللحية، ومذكور في غزو أحمد بن حسن إلى سرح من آل حبيب بن أنمار حين سبا نساءهم واستأصلهم في أيام المتوكل إسماعيل فيما ذكر أهل السير ووقائع الأئمة درب ملوح([6]) وقد خرجنا عن المقصود، ولكن ما يخلو عن فائدة إن شاء الله، وحين بلغ الشريف وفاة عرار عظم عليه الأمر، وأقبل على أهله وولده بالعطاء الجم، والإحسان الذي عم، فأزال عنهم وحشة فراق أبيهم بما أسداه إليهم، وكان أولاد عرار في خواص جنده، وفي مقام الأعز من ولده.
وأما منصور بن ناصر الملقب بالملك العادل فلم يعد إلى بلده إلا وقد جاءه الخبر بوفاة والده الشريف الصمصام، أوحد السادات في كل مقام، ورأس الأشراف إذا عد الميامين في الأنام، فعظم عليه الأمر المهول، وسلم الأمر، واسترجع بخير ما يقول، وهذا الشريف ناصر بن محمد الحسني أبو منصور، وأجل من خفقت عليه البنود في البوادي والحضور، وكان حسنة من حسنات الزمان، ونادرة من النوادر في عالم الإنسان، أصدق أهل جلدته لهجة، وأهداهم إلى الصواب إذا اشتبهت الحجة، يدبر الأمور برأي ثاقب، ويحكم في الحوادث برأي صائب، كان المرجع لقومه وغيرهم في الحوادث الكبار، والمعول عليه إذا حمي الوطيس وثار الغبار، له معرفة بأيام الناس ووقائع العرب، وله حفظ لدواوين المولدين والمتقدمين، كثير المطالعة جيد الحفظ، كثير الإصابة، وبالجملة كان جمال المحاضر والمجالس، وملئ الصدر عند كل قائم وجالس، لم تتجمل دياره في زمان بمثله، ولم ينكر أحد من الناس جميل فعله، وقد ذكرنا فيما كتبناه في وفيات أهل القرن الثالث عشر.
نعم، ومنصور لم يستقر في بيته إلا قدر شهر أو أقل حتى وصله كتاب من سعود يأمره فيه بالنفر صحبة عبد الوهاب، وأخبره أن الغزو إلى بيت الله الحرام والمرابطة في أطرافها، حتى يدخل أهلها في الدعوة بسلام، فأعد الشريف منصور العدة وعين من جنده من له قدرة على المسير والنفير واستعداد الزاد الكثير، والرواحل التي يحتاجها في ذلك المسير، ونفذ في أثناء شهر شوال أو شهر القعدة، ولحق بعبد الوهاب بوادي الليث وسايره إلى الميقات، وأحرم كل القوم بالحج وهم على غير ثقة ببلوغ الموقف لبقاء مليك مكة الشريف غالب بن مساعد الحسني على المحاربة، وقد جرى بينه وبين عبد العزيز بن سعود معارك يشيب لها الوليد ويهرم منها الحديد وكان قد اشتغل بمثاغرة مكة وتحويزها، وقطع المواد على أهلها عثمان بن عبد الرحمن المضايفي العدواني ومن ولد عدوان بن عمرو بن قيس بن علان بن إلياس بن مضر، وهم قبيلة فيهم عزة وشرف، وكان عثمان هذا خادماً لغالب بن مساعد فبعثه في بعض المرات إلى عبد العزيز رسولاً فما عاد إلا وقد خالطت قلبه بشاشة الدعوة النجدية، وانتهى به الحال إلى أن عادى غالباً وحاربه، وتملك جميع البوادي التي تجاور مكة حتى لم يبق مع غالب أحد غير مكة، وقصته مع غالب يطول شرحها وليس مقصودنا في هذه الورقات الأسيرة الشريف حمود، وإنما نذكر ما عرض وما لابد منه.
نعم، لما وصل عبد الوهاب إلى الميقات وافته كتب غالب، يذكر له أنه قد أراد الدخول تحت طاعة سعود، وقد دار الخوض بينه وبين عبد الرحمن بن نامي عالم من علماء أهل نجد في مخيم عثمان بن عبد الرحمن، فقال: ولكني لا أريد أن يكون لعثمان مشاركة في أمري، وإنما أريد أن يكون بحضورك مع عبد الرحمن بن نامي، ويقع الرفع إلى سعود ويأتيني منه مرسوم العهد ويكون الأمر مني إليه وليس لأمير من الأمراء على إمارة، فحين وصل الخطاب إلى عبد الوهاب رأى ذلك وغالب وكل واحد منهم على انقباض من الآخر، وتم للشريف منصور وجنده الحج كما يريدون، وسلمهم الله القتال في الحرم، وأتموا الغزو والحج، وهذه مسألة طويلة الذيول أعني غزوة المتغلب في الحرم، وللعلماء فيها أقوال كثيرة منهم المجيز لذلك ومنهم المانع المحرم، وكل منهم له دليل، والأحوط ترك الغزو إلى البلاد الحرام ما دام فيها كلمة لا إله الله، وبعد تمام أعمال الحج والعمرة أراد منصور وغالب أن يجتمع أحدهما بالآخر، فحال دون ذلك مرض الشريف منصور بالجدري واستمر فيه حتى ارتحل الحجيج وعاد الناس إلى بلادهم فعزم ولم يتفق به ذلك العام، وحصل على أصحاب الشريف منصور وأصحاب عبد الوهاب مرض الجدري فمات منهم خلق كثير، وظهر النقص في ذلك النفير، ووصل منصور إلى بلاده وقد قضى فريضة الحج وجميع مراده، واستقر يعمل الأفكار هل يجعل إلى عمه الشريف حمود ويتحمل منه الضيم ويكون كما قال صفوان بن أمية يوم حنين: لأن يربني رجل من قريش أحب إليَّ من يربني رجل من هوازن، والقصة معروفة مشهورة.
نعم، وسيأتي إن شاء الله ما آل إليه منصور بعد ما طال وعرض من الأمور.
وفي شهر محرم الحرام افتتاح عام 1221م وصل إليه السيد العلامة زين العابدين جمل الليل عالم المدينة المنورة، والشيخ العالم الفاضل بدر الدين بن محمد الكوراني، وصحبتهما مكتوب من الشريف غالب إلى الفقيه صالح بن يحيى والي الحديدة، يذكر له فيه دخوله في طاعة سعود بعد أن أبلى أشد البلاء وحارب وصال وجاول مدة خمسة عشر سنة، وكأنه لمح للفقيه صالح أن يقبل على سعود ويكون من طريق عبد الوهاب، فوقعت من الفقيه في أذن واعية والذي يغلب عليه الظن أنه ليس للشريف مقصد إلا حصول التأسي، وإذا دخل صالح بردت حرارة وهجه من الدخول مع سعود.
وأما ما ذكره عبد الوهاب فلعله يود ارتفاع عبد الوهاب على عثمان والله أعلم بخفيات الأمور، والفقيه صالح بن يحيى بعد نفوذ الشريف من باجل بعد الصلح الذي وقع على يد محمد بن عقيل السقاف بقي في الحديدة، وقد انضمت إليه ولاية بيت الفقيه، في حين انتصب لقبول يام وقد أرسل إلى (بيت الفقيه) نائباً من عنده، فبينما هو في أول الاستراحة من مصارعة الشريف ومخالطة رجال يام، إذ وافاه خط من بعض أصدقائه بصنعاء، يخبره أن الوزير حسن بن حسن بن عثمان قد ألقى في ذهن الإمام أنك قد لعبت بالبلاد وألغيت المراد، وأنفقت المواد، وظلمت العباد، وسلمت ذلك لأهل الفساد، وان الذي سلمت ليام مائة ألف وعشرين أللف، وقد حلف الوزير ليصادرك فيها حتى تسلمها ولابد يأتي إليك طلاب ظاهره في الرحمة وباطنه من قبله العذاب، فما أمكن إلا أن بادر بإرسال خط إلى الوزير، يخبره أنه عزم على الخروج من الحديدة إلى (بيت الفقيه) لإصلاح أحوالها، وبعد نفوذ الخط خرج إلى بيت لفقيه واستصحب كل من فيها من عبيد الإمام الخيالة نحو ثلاثين خيالاً، وبعد استقراره في بيت الفقيه وصل الجواب، وشكروه على ما صنع من الخروج وتحروه في المبادرة بالوصول، قبل أن تنقضي مهادنة الشريف لأجل أنهم يودعوه مالاً توقى به يده، ويوري به زنده، ثم وصله من ذلك الصديق الذي معه في صنعاء خط يحذره من الطلوع وينذره بالهلكة والوقوع، فاحذر.
وفي أثناء هذه الأيام وصل رسول من عبد الوهاب يأمره بالدخول فيما دخل فيه غالب، ويحذره من شر العواقب، ثم وصل رسول من الشريف في اليوم الذي وصل فيه رسول عبد الوهاب، فذكر له الشريف أن الممادة التي بيننا وبينكم قد قرب تمامها، فإذا لك محبة في السلامة ويبقى تحت يدك شيء من ملك تهامة، فاقبل على الطاعة ويكون حالنا وحالك واحد في مجاملة الإمام ومصاحبة سعود، ونستعين على أمرنا بالملك المعبود، فبقى حائراً يفكر ولا يهتدي إلى خبر، وقوي باله أن الشريف ربما لا يفي له ببقاء ملك الحديدة معه، وأن عبد الوهاب ربما يقنع بالمال مع بعد الديار وحيلولة الشريف بين عبد الوهاب والحديدة، فأجاب على عبد الوهاب جواب يظهر منه اللين ووعده بأنه سيدخل في الدعوة في ذلك الحين، وأجاب على الشريف بجواب ما عليه معول، وكتب بعد ذلك إلى ولي عهد الخليفة ولده الليث الهمام أحمد بن الإمام، وشرح له ما كان وصار وما سبق منه من محاربته الشريف وما هو فيه من تلقي المكروه المخيف، وذكر له ما بلغه من توعد الوزير، وأنه سيصادره على ما أنفق للعسكر في مناجزة الشريف، واستشاره ماذا يصنع، فإنه ما بقي نجاة إلا أن يدخل مع أهل الشام في هذه الأمور الصعاب، إما مع الشريف أو عبد الوهاب، وكان هذا أحمد من فحول الرجال، وصناديد المعارك الثقال، ومن أهل الآراء السديدة، ولكنه حكم عليه البر بوالده بعدم الاعتراض لأن أباه قد ولى أمره هذا الوزير ولا يقبل فيه قول أحد من الناس، ويرى أن كل من عارض أو نصح برأي إنما هو منافس له، وكان الوزير يلقي إلى مسامع الخليفة ما يوحشه على ولده أحمد بن الإمام، وإخوانه يسكتون عن أكثر الأمور محبة أن يؤثر عنهم العقوق ومخالفة أبيهم بما له من واجب الحقوق، فلما وصل الخط إلى (أحمد بن المنصور) حار في القضية، وعلم أنه إن أبرز الخط للوزير زاد في تشدده على صالح، وإن أسر به إلى أبيه لا يجد شيئاً وسيظهره على الوزير، وبلغ أنه أجاب على صالح جواب الحيران، ولا يأمره فيه بشيء مما كان، وفي أثناء ذلك وصلت خطوط عبد الوهاب أنه لا يقبل من صالح إلا الإجابة، وقد أمر العمال الذين في اللحية أنهم يصلون إليه، وأمر الغوازي من أهل نجد أن يكون وقوفهم بين يديه، فصمم صالح على إجابة عبد الوهاب وظن أن يكون ماء ذلك السراب، فتظاهر بالدعوة وأرسل الغزاة إلى الذي في البوادي، ولما اتصل الخبر بالدولة أمروا بقبض أولاده الذين في الحديدة، وسمروا بيوته، وقبضوا على كل ما كان معه هنالك، فحصل معه الفشل، واضطربت أحواله إلى عبد الوهاب يستمد منه الجنود، ويستنقذ أولاده وتستمد يده الحديدة، وكان القابضون على أولاده وبيوته من العبيد الذين في الحديدة، وجعلت الدولة أمر ذلك إلى السلطان حسين أمير (المخا) فأرسل أناساً من عنده بحراً يقبضون أولاد صالح ويسمرون بيوته، ولم يكن من أولاده إلا ابن أخيه حسن بن حسين كما قدمنا.
نعم، ولما وصلت الأخبار إلى صالح بقبض ابن أخيه حسن بن حسين وتسمير بيوته، وكان عنده جماعة من قحطان من غزاة نجد، فوصل إليه مشائخ بادية زبيد وعاهدوه على السمع والطاعة، وطلبوا منه جنداً وأميراً يرسلهم إلى (زبيد) وهم يكفلون له إخراج عامل زبيد من القلعة، وإنما يريدون الجند من عند صالح استظهارا، ووافق ذلك خبر القبض على بيوته، فأراد النكاية للدولة وظن أنه يقبض زبيد، فأرسل الجند وأمر عليهم رجلاً من قومه، ولما وصلوا إلى زبيد انحاز أهل زبيد إلى القلعة وما والاها وتركوا البلاد خالية فاستولى عليها القحطانيون وغيرهم من جند صالح واستباحوا ما فيها، ولم يقفوا على طائل من إخراج الأمير من القلعة، إنما كانت الدائرة على أهل زبيد من أهل العلم والتجارة وغيرهم، فنهبت أموالهم ولم يبق شيء وعاد أمير صالح إلى عنده إلى (بيت الفقيه) ولم يقف إلا على (التحيتا) سلمها أهلها إليه فجعل فيها رتبة من العسكر، والدولة في صنعاء ما زالوا يتابعون الإمداد بالعسكر لعامل زبيد، فرجع إلى طاعته أهل الجانب اليماني مثل (المعاصلة) ومن على جيلهم.
وأما القرشيون وأهل التريبة فهم يظهرون الطاعة لصالح، ويمشون بين يديه، وربما يكاتبون عامل زبيد أنهم منه، وصالح مع هذا كتب إلى عبد الوهاب يستمد منه الإمداد بالجنود، وصادف أن عبد الوهاب في تلك الأيام غزا نجران([7]) بلد يام بجنود كبيرة كان يظن أن يأخذ نجران بأقل منها، ولكنه لقي من أهل نجران قتالاً شديداً لم يثبت من رجاله إلا من شاء الله، وأقام بعرصة نجران نحو شهر، وعمر قلعة عظيمة، وأدخل إليها الماء، احتفر هناك حفائر داخل القلعة وجمع لها رتبة من خواص قومه وأمر عليهم (يحيى بن باشع) أحد قواد قومه وفقهائهم وأهل الرأي فيهم، وجمع لهم من الزاد ما يكفيهم ستة أشهر ثم انصرف راجعاً فتتبعه رجال يام في الساقة يوم شدة وقتلوا في قومه قتلاً ذريعاً، وأسروا صناديد منهم، ولما وصل خط صالح إليه يستدعي الغوث، لم يتمكن من إرسال أحد مع حصول الحاصل، وكان هذا في رجب في السنة الحادية والعشرين بعد المائتين والألف، والشريف في هذه الأيام وقع بينه وبين الكلفود شيخ صليل تلك الحروب، وفي مدة إقامته بصليل كانت هذه المتفقات فعلم أن ظهر صالح قد انكسر من دولة صنعاء، وأن غارة عبد الوهاب بعيدة عنه، فعزم على إرسال ابن أخيه الشريف الماجد الكريم، ذي العنصر الباذخ الصميم، يحيى بن حيدر الحسني، إلى أطراف الحديدة يطرح في جانبها الشرقي على مورد الماء يكاتب من فيها بالدخول تحت الطاعة، فإن أبوا حاصرهم ومنع عنهم الماء وغازاهم، فوصل الشريف يحيى بن حيدر وطرح في شرقي الحديدة، وحاصر الحديدة، وكان إذا سأل الشريف أحد من أصحاب سعود كيف يطرح على الحديدة وهي داخلة في عهد صالح قال المسلمون يد على من سواهم، وأنا وصالح كلنا في طاعة سعود، فعظم الأمر على صالح وبقي حيران إن عاد إلى أهل صنعاء ربما لا يسلم من شرهم ولا يستطيع مخالطته لجنود أهل الشام، ولا وصل إليه من عبد الوهاب ما يطلبه، وكان يظهر للناس أنه لو وصل إليه إمداد جنود لفعل أعظم ما يفعل حمود، والتشهي والتمني لا يبلغ أحد إلا المقصود.
وفي أثناء هذه الأيام وصل جماعة من خاصة عبد الوهاب بخطوط إلى صالح ومعهم هداية له ومقصدهم التعرف بحاله واستقامة أمره، ونصوا على الشريف حمود فتلقاهم بأحسن مما تلقاهم صالح وأعطاهم ما لم يكن لهم في حسبان، وقال لهم: إنه في طاعة سعود، وأنه سيبعث البعوث إلى (الحديدة) لاستنقاذ أولاد (صالح) ولإخراج من فيها من جنود الإمام، ومن بعد ذلك الحكم فيها لسعود، فراجت عندهم هذه المقالة، إلا عند عبد الوهاب فلم ترج، وقال: متى افترس السبع من ينزع الفريسة من بين يديه، ثم أرسل من ساعته رجالاً إلى صالح من طريق البحر نحو ثلاثمائة يحفظون له الحصن-حصن الدريهمي- وحصن (بيت الفقيه) لئلا يقوى الإمام على صالح قبل وصول الغارة، هذا في الظاهر.
وأما في الباطن فيحموه من الشريف ويدخلهم صالح إلى مراتب (الحديدة) إن استطاع ولو بالحيلة، حتى إنهم إذا كانوا في (الحديدة) تعذر ملكها على الشريف، فوصل الجند العسيري وأراد النزول منها إلى (الدريهمي) براً فمنعهم عامل الشريف في (اللحية) حتى أن يستأذن الشريف فأذن له، وبلغني مما عند الشريف أنه كان هم بردهم أو يقاتلهم، إلا أن حسن له بعض من في حضرته أنه لا يحسن الآن المجاهرة بمخالفة أهل نجد، مع كون اليمن ما قد دخل تحت الوطأة، فما وسع حمود بعد ذلك إلا أن كتب إلى عامل اللحية أن يأذن لهم بالنزول ويجعل لهم ضيافة وجمالاً تحمل أثقالهم، وجاء طريقهم الساحل حتى وصلوا إلى الشريف يحيى بن حيدر وهو في مطرحه شرقي الحديدة فتلقاهم وطلب منهم أن تكون يدهم واحدة في حصار (الحديدة) وارتحلوا من عنده إلى (الدريهمي) ولقيهم بعض خواص (صالح) هناك فأنزلهم فيه، وأجرى لهم الإقامة وجعلهم في (الدريهمي) يمنعون من يريد وصول الحديدة من عسكر صنعاء إذا وصلوا، وقد قوي بوصولهم ظهر صالح وأمن على نفسه العساكر الذين عنده من التوابع وعبيد صنعاء؛ لأنه لما خشي منهم الغيلة انكف عن مخالطتهم وحين جاءت هذه الشرذمة قوي بأسه، واصطان رأسه، وحمود بعد انقضاء حرب (الكلفود) –كما قدمنا- واستوثق الأمر له في بلاد (صليل) كما يريد وهرب (الكلفود) إلى الجبال وامن ضره، شرع في عمارة حصن (القنا وص) وحفر بئر يتصل بها القصر، وكان هذا من أعظم الأمور التي توطأت بها (صليل) فإن حصن (القناوص) في وسط بلدهم، ويتعسر بل يتعذر عليهم المخالفة والمشاققة وهو في عقر دورهم، وعزم الشريف حمود على إرسال علي بن حيدر إلى (الحديدة) معيناً ورداء لأخيه يحيى بن حيدر، فوقع بين حمود وعلي أمور أوجبت نفور خاطر علي بن حيدر من موالاة حمود، وكأنه أنكر منه ما كان يألف، والرجل عظيم القدر كامل الرئاسة.

من القناعيس ما أعطت خزامته


يد ولا نازعته رمح منقذع

فاعتذر عن النفوذ إلى الحديدة بعذر قبله الشريف حمود وفارقه إلى الشام، وبعد وصوله إلى أبي عريش توجه إلى الدرعية ليلقي إلى مسعود أموراً أنكرها على حمود، وربما وقع عهده وهي مشروطة فيه، وحين وصل إلى سعود تلقاها تلقياً عظيماً ورغب في أن يكون مطالبه الإمارة فيلبسه قميصها ويعينه على انتزاعها من حمود، ولكن لم يتعرض المذكور بذكر الإمارة، بل بلغ أن حاوله سعود على قبولها ولم يصغ، إنما طلب منه ما هو له من المعتاد والمقررات وعاد إلى بلده، فعظمت الوحشة من حمود وأتباعه، وطال مدة الفرقة حتى كان آخرها الصلح والسداد فيما سنذكره إن شاء الله تعالى في حوادث سنة ثلاث وعشرين بعد المائتين والألف، والشريف حمود لما اعتذر الشريف علي بن حيدر من التوجه إلى الحديدة، أرسل العلامة الحسن بن خالد الحازمي في جماعة من أهل الخيل فطرح مع يحيى بن حيدر وتعاضدا على حصار الحديدة ومغازاتها، وفي غضون ذلك بلغ وصول بعض من بكيل إلى صنعاء حكم الغارة على الحديدة وفيهم رجل من آل العكام يسمى أحمد بن علي، فقد هم رجال عسير الذين في الدريهمي بالاعتراض عليهم، ولكنهم جاءت طريقهم بعيد عن الدريهمي، وهم الشريف يحيى بن حيدر وأصحابه باللقيا لهم ثم امتنعوا، وبلغني أنهم فكروا في القضية، وإذا هناك جماعة من ذو محمد لا يتم منعهم إلا بعد حصول قتل في أصحاب الشريف، ويتولى من القتل معاداة بكيل والله أعلم لمن تكون اليد.
وقوي عند يحيى بن حيدر والحسن بن خالد ترك قتالهم كون دخولهم إلى الحديدة سيكون من المعين على مضرة الحديدة واشتداد الحصار على أهلها، وكان هذا القاضي أحمد بن علي العكام من أهل الدهاء والخبرة بالأمور، فحين وصل الحديدة علم أن كثرة الجند لا يزيد أهل الحديدة إلا ضيقاً وحصراً، والجند إذا قل أمكن الخصم الفرصة فلعله كتب إلى صنعاء يستنجدهم في رجال وخيل يقاتل بهم أهل المطرح عند الحديدة حتى يرتفع المطرح ويجد أهلها التنفس، ولما وصل الخبر إلى صنعاء عزموا على إرسال من عليهم العين من عسكر وخيل، فاجتمع من العسكر التوابع، نحو ستمائة رجل أهل بنادق، واجتمع من الخيل نحو ستين فارساً من أعيان الخيالة أكثرهم من العبيد، وبلغ أن اجتمع رأي الوزير وأحمد بن الإمام على هذا البعث واستصوبه كل من له تعلق بالدولة، وكان هو الرأي الصواب لو لم يعارضه المقدور بما جرى في أم الكتاب، وكان الشريف له عيون في صنعاء من خواص الدولة ينقلون إليه جميع ما يكون في صنعاء، فوصل إليه الخبر من صنعاء بتجهيز هذه الأقوام وعظم شأنهم وأنهم نزلوا للقتال على أي حال يكون، وفيهم عبد أمير من عبيد أحمد بن الإمام يسمى سعد غداره، وبعد بلوغ الخبر الحقيق عزم الشريف على العزم بنفسه ومن بين يديه إلى اليمن([8]) فصادف مع ذلك أنه وصل إليه المحطة من صنعاء وأنه يخشى على قرية القطيع والمعقل الذي بها، وطلب من الشريف زيادة الرتبة التي فيها، فترجح للشريف أن يكون مستقره قرية (القطيع) فنفذ من بلاد صليل بمن بين يديه من الرجال وأهل الخيل، وهو يهمهم همهمة الأسد الضرغام، ويصول صولة الجحفل الهمام، ولله در القائل:

أشب لا يعرف التقيا إذا وثب الدها

ولا يؤثر إلا صغا إلى الفزع


صعب البديهة لا يثني عزيمته

ذكر العواقب عن مفعوله فضع



فوصل إلى القطيع وضرب خيامه بظاهر البلد إلى الشرق، وكان له وقت في الخيام ووقت في ذروة المعقل الذي بلغت شامته مسارح الغمام، فاستقر بها مدة والأخبار عن أهل صنعاء تكثر وتقل، وكان قد بلغ الذي متوجهاً أمير للقوم (أحمد بن الإمام) وهذا الخبر هو الذي استنفر الشريف من جهة الشام، ولما تيقن له أن الأمير هو سعد غدارة وأن أحمد بن أمير المؤمنين لم يكن في السيارة هان على الشريف كثيراً مما كان، وعزموا على قتال المقبلين ولو كانوا ألف حصان، وما زال عيون الشريف يصلون يخبرونه بانفصال القوم من صنعاء، وكل يوم تأتيه عين وينكشف له عن تلك الحادثة عين، حتى وصل الخبر اليقين التام، أنهم بأعلى وادي سهام، قد خرجوا من الخيام، فأرسل جماعة من عمال سعود وأصحبهم كتاباً إلى صالح بن يحيى يستفصله([9]) عما هو عليه ويطلب الوصول إليه والاجتماع به في قتال هؤلاء المقبلين، وأشار إلى عمال سعود أن صالح أسعد إلى ما أملناه فهو صادق في عهده، وإن لم يفعل فاحذروا منه فإنه منطو على غدر، ولما وصل العمال تيقنوا حال صالح وقبلوا عذره وأنه لا يستطيع الخروج وليس في بيت الفقيه من يحفظه من رجال سعود، وأنه يخشى الانقلاب منهم إذا خرج وربما يمنعوا رجوعه، فرجعوا إلى الشريف، وأمنوه من الأمر الذي يخيف، ولكنه بقى في نفسه شيء أن صالح لا يقطع الحبل من أهل صنعاء، والأمر كما ظن لو وجد صالح قبولاً، لكان كما قدمنا وحين نزل القوم من (الحجير) وهو –بالحاء المهملة بعدها جيم مكسورة بعدها مثناة تحتية ساكنة وآخره راء- حصن على طريق صنعاء من تهامة لم يكن دونه إلى جهة الغرب إلا بلاد تهامة، فلما بلغ الشريف نزولهم بعث إلى العمال يستحثهم على الوصول إليه بجميع من في اليمن من رجال المشرق الغزاة من (الدواسر) وقحطان، وطلب منهم أنهم يطلبون من عسير الذين في الدريهمي رجالاً يقوم بهم الحرب وما زال قوم صنعاء يسيرون سير الأثقال حتى انتهوا إلى (ِجينة) والشريف حين بلغه نزولهم من (الحجير) ارتحل من القطيع بالليل ظاناً أنهم يتعدون (شجينة) وكانت ليلة شاتية، شعراً:

لا ينبح الكلب فيها غير واحدة

من القريس ولا تسرى أفاعيها

واستصحب معه بعض السادة آل الهجام لأجل الخبرة بالطريق، واستصحب بعض الأعراب المختبرين بالطريق من القطيع إلى (المكيمنة) لأنها مجمع الطرق للواصل من صنعاء إلى الحديدة، فاشتد الظلام تلك الليلة وما أظنه سلم من رذاذ وطيش فضل الهداة الطريق، ووصل الشريف ومن معه من جنده وهم اليسير بمهامه فيح ورماح لا يقطعها الجمل المشيح، فسلكوا في كثبان كالجبال وبطون تغطي رؤوس القلال، ولله در القائل:

مهامه لم يملك بها الذئب نفسه

ولا حملت فيها الغراب قوائمه

فرأى الشريف أن من الرأي أن يقف ببعض تلك الروابي، وينتظر تبلج الإصباح حتى يهتدي إلى الطريق في تلك البطاح.
وأما أكثر جنده ومن عليه منهم المدار فذهبت بهم تلك الظلمة المذاهب، ولم ينطلق فيها مشي مقنب من المقانب، فتفرقوا في تلك البقاع بعضهم راقد على فرسه وآخر متوسد التراب في القاع، وهذا رابط فرسه برجله، وهذا قد لعب النوم بعقله، ولم يكن معهم ولا مع الشريف شيء من الطعام أظن ولا شراب إلا أن كان من بعض أهل الخيل من يصونه في أهاب، ولما أصبح الصبح صلى كل طائفة منهم بالتيمم بالتراب، وامتطوا ظهور الخيل وأكوار الركاب والشريف بعد أن لاح الفجر فعلم هداية الطريق وخرج لا يلوي على شيء حتى وصل (المكيمنة) ارتفاع النهار، وقد لحقه من أسرع أهل الخيل، فأرسل الشريف الماجد السري محمد بن علي فارس في عصابة من الخيل وأمرهم أن يسلكوا جانب الوادي المسمى (جاحف) يماني وادي سهام، وبينه وبين مجرى وادي سهام نحو الميل، على طريق القطيع من شجينة، وعند المكيمنة يلتقي الواديان، فسار الشريف محمد ومن معه فما وصلوا أثناء الوادي إلا وقد فاجأهم الجند الإمامي يسلكون الطريق المعتاد من (شجينة) إلى الحديدة، فما زالوا يسايرونهم على بعد بأكثر من مبلغ البندق وأرسل الشريف محمد خيلاً يخبر الشريف بإقبال القوم، وما زال أصحاب الشريف يصلون إلى موكب الشريف محمد أرسالاً، فلما كاد البندق يبلغ ابتدأهم العسكر الإمامي بالرمي فرماهم أصحاب الشريف، وكان العسكر الإمامي يمشون على حالتهم يقاتلون في حال السفر، حتى وصلوا إلى بيداء من الأرض خالية من الأشجار قريبة من المكيمنة قدر حضر الفرس، فحمل الخيالة من جند الإمام العبيد ومن معهم من السادة الكرام، وحملوا حملة من لا يخاف، ولكنهم ليس لهم دراية في القتال كما لأصحاب الشريف، وحمي الوطيس، واشتجرت عوالي المرؤوس والرئيس وقرب أهل البندق حتى بلغ رميهم مقام الشريف، وكان رؤساء مقنبة وهو أولاً ثم الشريف يحيى بن علي ثم الشريف محمد بن علي ثم العلامة الحسن بن خالد، فهؤلاء النفر من أهل الخيل قضوا للمشرفيات حقها، وسقوا السمريات حظها، وأصحاب الإمام حملوا على تلك الخيل التي كأنها الشم، وأوردوا رماحهم وسيوفهم المناهل المضرجة بالسم، واشتهر في ذلك اليوم عبدان أحدهما يسمى (كوثر) والآخر يسمى عيسور وشريف من السادة بيت الدرة، ومن الحكايات عنه ما أخبرنا به الشريف (محمد بن علي فارس) أنه قال: يقول ذلك الشريف: إني ولد الجدين، اليوم يومكم لا كلاب النار، ثم يحمل حملة الأسد الضاري، قال: فأجبت عليه أنت صادق الخوارج كلاب النار، أما أنت فهذا آخر ما مشيت في الدنيا، قال: فأجمعت خيل الشريف فقتلته، ومن جملة ما حكى الشريف محمد قال: لو كان في خيالة صنعاء دراية وخبرة بالمحاولة حال القتال لما قدرنا عليهم مع شجاعتهم وفرط إقدامهم، إلا أنه أعاننا عليهم عدم اختبارهم، فاستعجل أهل الخيل من أصحاب الشريف على العبيد وقتل من العبيد اثنان أو ثلاثة ومن غيرهم من أهل الخيل ثلاثة، واستفحل أمر عسكر الإمام فزحزحوا عسكر الشريف، وأصيب الشريف في أول حملة حملها أو الثانية برصاصة في فخذه شرعت إلى قريب أصل الفخذ ولكنها في اللحم لم تصل بالعظم، وأصيب ولده الشريف أحمد بن حمود، وعاده في سن الصبا أول ما ركب الخيل، فرمى برصاصة بلغت الخيشوم وخرجت من إحدى جانب الأنف، وكاد عسكر الشريف أن ينهزم لولا ثبات أهل الخيل، وقد خالط عسكر الشريف زيغ القلوب، ولكن وصلهم غوث مائة نفر من رجال يام الذين عند يحيى بن حيدر من المطرح الذي أعلى الحديدة، وخمسون من رجال عسير الذين في (الدريهمي) وكان وصول الطائفتين في حال التحام الحرب، فأخذت كل طائفة جانباً من الأشجار وأطلقوا أفواه البنادق، فتزعزع عسكر الإمام وعلموا أن القوم قد زادوا، وداخلهم الفشل لذلك، وناداهم بعض أصحاب الشريف من الخيالة: إن كان مرادكم الأمان بذلناه لكم، فطلبوا الأمان، وأكثر المائلين إلى طلبته من أهل الخيل من جند الإمام، واتصل الخبر بالعسكر أن الناس بينهم أمان، ففتر ضرب البندق من الجانبين، وأحاطت بهم خيل الشريف تجمعهم إلى المطرح وهم على ما هم عليه من الملامة، وتمادى بعض خيالة الشريف إلى أخذ بندق من بعض الجند الإمامي فرماه العسكري وقتله وأراد أصحاب الشريف نقض الأمان بسبب القتيل فلم يرض الشريف بنفض الأمان، واغتفر قتلهم لذلك الفارس لما قد يشاهده من الغنيمة في الاستيلاء عليهم بحيلة الأمان، فأقبل الجند الإمامي من أهل الخيل يقصدون مخيم الشريف ثقة بالأمان، وفي ظنهم أنه أمان يشتمل على سلامة الروح والخيل والسلاح فجمعهم الشريف في المطرح، وجعل جنوده يحيطون بهم من الجهات الأربع، وكان قوتهم تلك الليلة مما أجلبوا به معهم من زاد السفر، وأمسوا تلك الليلة لا يظنون إلا أنه متى أصبح الصباح لبسوا العدة والسلاح وحملوا ما معهم من الزاد ورجعوا على أعقابهم إلى صنعاء، وأن الغلبة مقصورة معناها على منعهم من دخول الحديدة، وكان بعد طلوع الشمس طلب منهم الشريف وضع الحلقة، وأنه لا ينجيهم إلا وضع الحلقة فعظم عليهم الأمر وقالوا هذا غدر، فقال لهم الشريف: إنما أمناكم على نفوسكم وأما السلاح والكراع فهي غنيمة لنا، فعظم الأمر على أهل صنعاء وأهل الخيل، وهموا بالدفاع وإثارة الحرب في تلك البقاع، ولكن حال الجريض دون القريض، شعراً:

وحالت دون ما قصدوه حال

يعز بها التوثب والنفار


ويعجز أن يحوم بها عقاب


يحلق أو يكون لها مطار



فلم يسعهم إلا وضع الحلقة، والبيع بأبخس صفقة، ولم يبق إلا فرس أميرهم سعد غدارة([10]) وجعل لهم نحو عشرة جمال يتعاقبون عليها، وجعل لهم رفقاء يمشون معهم حتى يخرجوا من حد تهامة، وتوجهوا إلى حضرة الإمام، وقد حل بهم من الصغار والانكسار ما خف عليهم معه الحمام.
أما الشريف فإنه عظم قدره وتعالى نصره، وبرقت أساريره، وجلت مغافيره، وأمر عمال سعود أن يتولوا رصد البنادق المسلوبة والخيل المنهوبة، وأذن لجنده في الأطعمة أن يأكلوها بغير تخميس، ولم يخمس إلا السلاح والخيل، فبلغ خمس البنادق تسعين بندقاً، وخمس الخيل اثنتا عشرة فرساً، وكان همه إرسال الخمس من السلاح والكراع إلى سعود بن عبد العزيز، وانتدب للنفوذ بذلك السيد الماجد علي بن عقيل الحازمي، فوصلت إلى سعود وبذلك ارتفع صيت حمود، وعظمت منزلته على أهل التهائم والنجود، ثم أقبل الشريف إلى (القطيع) راجعاً وقد تبسم له بالنصر، بما وقع له في

([1]) المطاوعة: فقهاء الدعوة.

([2]) كلمة غير مفهومة.

([3]) كانت اللامركزية أو ما يشبهها سائدة في إدارة الدولة السعودية الأولى مع التقيد بتطبيق أحكام الشرع والقيام بواجب العدل، وكان للتجاوزات إجراءات تمنع تكرارها، ونرى هنا مثالاً على ذلك، فقد بعثت السلطة العليا رقابة للإشراف على الشريف حمود على واردات الإمارة ووزعت الحاصلات على ثلاثة بنود رئيسية: الأولى: لحمود أمير المنطقة، وقسم لأمير صبيا وبيش منصور بن ناصر، والقسم الباقي يرسل إلى الدرعية، هذا عدا شروط ذكر بعضها المؤلف.

([4]) الزهراء هي البلدة المعروفة في غرب وادي مور وقد وردت في هذا الكتاب تارة باسم الزهراء وأخرى باسم الزهرة، ولهذا الاختلاف قد آثرنا ترجيح الاسم كما ينطق به في جنوب الجزيرة ويعرف عند عامة الناس، في تهامة اليمن وفي منطقتنا وهو اسم ((الزهرة))-بضم الزاي وسكون الهاء وفتح وآخره وهاء التأنيث المربوطة-.

([5]) راجع البحث الشامل عن بني شعبة في كتابنا الشعبي ص 13-126.

([6]) هكذا في الثلاث النسخ التي لدي.

([7]) غزوة نجران لم يشر إليها ابن بشر في كتابه (عنوان المجد) لا في حوادث سنة 1219هـ ولا في حوادث 1220هـ كما ذكر المؤلف ولا بعدها، وإنما الحقيقة أن عبد الوهاب غزا نجران وبنى حصناً فيها ولا تزال آثاره باقية وأهل نجران كانوا يدفعون زكاة مواشيهم للمزكين السعوديين في عهد الدولة السعودية الأولى في عهد الإمام سعود، وقد نشرت مجلة الدارة، في العدد الثاني للسنة الأولى جمادى الثانية سنة 1395هـ يونيو 1975م صورة وثيقة تاريخية صادرة من الإمام سعود إلى أهل نجران نوردها للحقيقة والتأريخ من صورتها للشمسية.
بسم الله الرحمن الرحيم
من سعود إلى جناب الأشراف حسين بن ناصر وحسن دهشان وحمزة ومحمد بن حسن وحسين بن أحمد ومقبل بن محمد وصالح بن عبد الله، وأحمد معوض وأحمد علي شما وصالح حسين مسلى، سلمهم الله من الآفات واستعملهم بالباقيات الصالحات.
وبعد.. ألقى علينا مقبل بن عبد الله وأشرف على ما نحن عليه، وما ندعو إليه، وما نأمر به، وما ننهي عنه، ويصف لكم من الرأس أكثر من القرطاس إن شاء الله.
ونخبركم أننا متبعون لا مبتدعون، نعبد الله وحده لا شريك له، ونتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما يأمر به وينهي عنه، ونقيم الفرائض ونجبر من تحت يدنا على العمل بها، وننهي عن الشرك بالله وننهي عن البدع والمحرمات ونقيم الحدود، ونأمر بالمعروف وننهي عن المنكر، ونأمر بالعدل والوفاء بالعهود، والمكاييل والموازين، وبر الوالدين وصلة الأرحام.
هذه صفة ما نحن عليه وما ندعو الناس إليه، فمن أجاب وعمل بما ذكرنا فهو أخونا المسلم حرم الدم والمال، ومن أبى قاتلناه حتى يدين بما ذكرنا.
وأنتم أخص الناس باتباع محمد صلى الله عليه وسلم، والحق عليكم أكبر منه على غيركم، والإسلام هو عزكم وشرفكم، كما قال تعالى: {لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم أفلا تعقلون} [الأنبياء: 10] وقال تعالى: {وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون}[الزخرف: 44] فالمأمول فيكم القيام بالدعوة إلى الله؛ لأن الدعوة سبيل من اتبعه صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: {قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين}[يوسف: 108] وقال تعالى: {ومن أحسن قولاً من دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين}[فصلت: 33].
ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الداعين إليه المجاهدين في سبيله لتكون كلمته العليا ودينه الظاهر وصلى الله على محمد وسلم، انظر مصور الوثيقة ص 238، 239.

([8]) من معسكره في بلاد صليل إلى جهة القطيع.

([9]) فصل. الفصل واحد الفصول، وفصل الشيء فانفصل أي قطعه فانقطع وبابه ضرب، وفصل من البيت: خرج وبابه ضرب وكانوا حكاماً فواصل يفصلون في الحكم، الفاصل بين الحق والباطل، وفصل الشاة تفصيلاً: قطعها.
وقول المؤلف (يستفصله) كأنه يريد يستوضح أمره، أما لغة: فهو قد يقرب من ذلك.

([10]) يرد في الثلاث النسخ اسم غدارة تارة بالذال المعجمة، وأخرى بالمهملة وغم علينا الصواب، فاعتمدنا على الأكثر بالذال المعجمة، جرى التنبيه.
------------
تــابع











التوقيع

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
الشيخ:/ محمد بن حسين بن بيطلي بن حسين أبوعطله العامري
شيخ شمل قبيلة بني يعلا بوادي يبه

 
آخر مواضيعي

0 من الذي باع أراضي فلسطين لليهود ؟ سمسار اسرائيلي يؤرخ ويروي الأسماء !
0 محامي الجيزاوي: موكلي مغرر به وسأطعن بالإجراءات وانسحب إذا رفض طلبي
0 مقتدى الصدر الرافضي يلتقي معارضين بحرينيين في إيران
0 زيارة الملك سعود بن عبد العزيز للأردن على ظهر جواد عام 1933
0 الداخلية تكشف تورُّط الزنادي في إطلاق النار بالعوامية وتقبض عليه مصاباً

عرض البوم صور آل قطبي الحسني   رد مع اقتباس
قديم 01-11-2010, 07:20 AM   رقم المشاركة: 7
مشرف سابق

الصورة الرمزية آل قطبي الحسني



رقـم العضـوية 14
تاريخ التسجيل Mar 2010
عدد المشاركات 5,596
القبيلة نحن بنو يعلى من كنانة=رأس المضريين وفرسانها
مكان الإقامة إمارة بني يعلى
المهنة طالب
 
 
آل قطبي الحسني غير متواجد حالياً

افتراضي

الجند الإمامي من الهصر، وبقي في القطيع يداوي الجراحة التي فيه، وكذلك الجراح التي في ولده أحمد بن حمود، وهو مع ذلك يدبر اتضاح ملك الحديدة، بهذه المقدمات التي قدمها، فجهز الشريف الماجد الباسل يحيى بن علي فارس، وجهز وجمع له كل من في حضرته من الجند، وأمره أن يطرح ردءاً للشريف يحيى بن حيدر وعوناً له ويضيقون على أهل الحديدة المسالك، فاجتمع المطرحان وأحاط الجندان بالحديدة إحاطة الحلقة، وحين بلغ أهل الحديدة ما حصل في أصحاب غدارة وما انتهى إليه أمره، وهم كانوا الغوث والغارة انقصمت ظهورهم وتلاشت أمورهم، وتحقق عندهم الإياس عن وصول غارة من صنعاء أو مدد، ورأوا أنهم إن لم يطلبوا الأمان من الشريف انتهى بهم الحال إلى الأمر المخيف، فتوسط القاضي أحمد بن علي البرطي العكام وهو رئيس الرتبة التي في الحديدة، كما قدمنا وساطة بين الشريف والعسكر الذين في الحديدة على أن الشريف يسلم لهم ما هو لهم من منكسر الجوامك، ويسلم للنقباء والرؤساء زيادات، وكان الخوض بين القاضي العكام والشريف يحيى بن حيدر، والخوض يدور بين الشريف يحيى بن حيدر وبين الشريف حمود، وانضم إلى سعاية العكام سعاية الحاج (جوهر بن محمد حسين) من تجار (الحديدة) فالتزم الشريف بتسليم المطلوب، وأزمع العسكر الذين في الحديدة على الخروج منها وتسليمها للشريف يحيى بن حيدر، ووقع تسليم بعض المال من الشريف يحيى بن حيدر بعناية الحاج جوهر وبعضه من حضرة الشريف من القطيع وهو الأغلب وبعد خروجهم من (الحديدة) دخلها الشريف يحيى في طائفة من جنده وأهل الخيل، واستقر بها أكثر القوم ثم عاد إلى المطرح وترك فيها عسكراً رتبهم في معاقلها، وبعد نفوذ العسكر الإمامية من عند الشريف إلى صنعاء رأى أنه قد تبسم له الإقبال وتسنم ذروة الأشم العال، فتوجه لتدبير ملك اليمن وأخذ يستجلب الناس إلى طاعته ويبذل الرغائب بأن يكونوا من جماعته وقد صارت (الحديدة) في قبضته وهي نقطة بيكار تهامة وعمودها الذي بها يتم نظام الزعامة، وبقي خاطر الشريف متعلقاً ببيت الفقيه وزبيد.
أما بيت الفقيه ففيها صالح بن يحيى وله تعلق بـ(سعود) وكان يعتقد أنه لا يتم به عليه يد (لحمود) فلما ملك حمود الحديدة سقط في يد صالح، وبقي معه أمل في الاستيلاء على زبيد لاسيما وقد عاهده أهل وادي زبيد عن آخرهم، ولم يبق إلا أمير البلد (بولاد حسن) مولى الحسن بن العثمان الوزير آنفاً أن يعاهد صالح أو يسلم إليه البلدة، ورأى أن تسليمها إلى الشريف أخف من أن يسلمها إلى صالح لما في الوسط من الضغائن التي قدمنا بين صالح والوزير، ومما أحكمه الشريف من الرأي أن بعث ابن أخيه الشريف محمد بن علي فارس إلى اليمن، وأصحبه جنداً من أهل الشام، ومن غزاة أهل نجد والدواسر وأخذ عليه أن لا يتعرض لصالح بسوء، بل يظهر له أنما جاء حكم الغوث والعون على أهل زبيد، وأصحبه الشريف خطوطاً إلى مشائخ اليمن يطلب منهم الدخول في الطاعة وأن يعاهدوا محمد بن علي فارس على السمع والطاعة وطمعهم في خطوطه بأنه سيوليهم على جهاتهم التي هم فيها، وسينيلهم مراتب ما كانوا نالوها، ولما وصل الشريف محمد بن علي إلى جهة الزرانيق وافقه شيخ الزرانيق، ونبذ عهد صالح وعاهد محمد بن علي، وطلب منه المهلة في عدم التظاهر بالمناصرة حتى ينظر ما ينهي الله الأمر (لصالح) ثم انتقل إلى أطراف زبيد وأرسل للمشائخ وألقى إليهم ما يطلبه الشريف، فمنهم من أطاعه ومنهم من طلب المهلة، ثم كتب من بقى على عهده (لصالح) إلى (صالح) يذكر له ما وصل به محمد بن علي فارس ويستحثه على الخروج بنفسه إلى زبيد، وأن المدينة يتم تملكها بدون حرب لأن العبد (بولاد) قد تقطعت به المواد، فعزم صالح إلى زبيد وصحبته نحو مائة رجل من (عسير) ومثلهم من (قحطان) و (الدواسر) وغيرهم حتى اجتمع له نحو خمسمائة نفر، وأرسل إلى شيخ الزرانيق بأن يخرج بأصحابه للجهاد بين يديه، ولما وصل إلى زبيد خيم في الجانب الغربي منها، ومحمد بن علي في ناحية من نواحي البر القريب من زبيد فراسل صالح (بولاد) على تسليم القلعة وأسر إليه أن تسليم القلعة إليه فيه بقية من تملك الإمام لها وأنه أولى بها من الغير، فلم يلتفت بولاد إلى شيء من ذلك فنصب صالح الحرب على القلعة واستولى على الكثير من البيوت، وكاد أن يتم له الأمر، ولما أحس بولاد بالغلبة بعث السيد العلامة القاضي (حسين بن عقيل الحازمي) رسولاً إلى محمد بن علي أنه يسلم له القلعة ويكون الأمر للشريف حمود ويرجع صالح في هيئة المطرود، واشترط أن يحفظه الشريف فيما يتركه من الأراضي والنخيل في زبيد وأنه يتوقف عن دخول القلعة حتى ينفذ منها بولاد بشهر أو أقلب وأن يحمل جميع ما معه من الأموال على جمال يسخرها له الشريف، ثم زاد في الشرط أن القلعة يبقى فيها نائب من قبله حتى يصل إلى صنعاء ويأتي منه الأمر إلى نائبه بتسليم القلعة إلى الشريف محمد بن علي، فتمم له الشريف محمد بن علي على هذه الشروط وضمن له القاضي حسين بالوفاء بها وكتبوا إلى الشريف حمود فأجاز الشريف كل ما فعلوه، واستمد الشريف محمد بن علي من الشريف جنداً من الرجال وأهل الخيل يصلون إليه وسيطرد صالح فأرسل الشريف حمود ابن أخيه (ناصر بن يحيى بن محمد) وصحبته كثير من الأشراف وغيرهم من أهل الحيل زهاء خمسين، وحين وصولهم إلى زبيد صفوا كالمتهيئين للقتال وصف أصحاب صالح وحضر رجال من عمال سعود من (رؤساء أهل نجد) وتوسطوا على كف الحرب، وأن صالحاً يرجع إلى بيت الفقيه وأصحاب الشريف يبقون في البادية وحكم القلعة عادة إلى العبد بولاد عامل الإمام، ويكتب صالح بالقصة إلى عبد الوهاب وإلى سعود واستقاك في هذا كثير([1]) من (قحطان) معه جند كثير ولم يلتفت إلى صالح، وحين ظهر لصالح الخذلان عاد إلى بيت الفقيه، وبعد رجوعه تظاهر المشائخ بالطاعة للشريف حمود، وظهر ما كان ختم بينهم وبين بولاد، وتوجه (بولاد) إلى صنعاء، وكل من كان من أهل الأعمال من أهل صنعاء، هذا وفي أثناء هذه الحوادث في زبيد عزم الشريف على دخول الحديدة، وذلك حين تم برؤه من الجراحة التي أصابته في المكيمنة، فجمع أهل خاصته من أهل الخيل والركاب، ومن بين يديه من يام وبكيل وقحطان ثم توجه إلى الحديدة، فأمسى بحوالي مطرح الشريف يحيى بن حيدر إلى أن أسفر وجه الصباح، وكشفت الغزالة عن وجهها النقاب فلاح، فركب الشريف وأمر بإظهار الناس الزينة أعوانه وقواده، ولما قارب خيل الشريف البلد، خرج إليه كل من فيها من أهل الرشد، فاندفعوا يسلمون عليه ويهنونه بالظفر ويوجهون الأمل إليه وهو قاصر نظره على عرف الفرس لا ينظر يميناً ولا شمالاً، ولا يلقي لما بين يديه بالاً، وضربت المدافع من جميع القلاع والمعاقل وازدحم بتلك الساحة أصوات البنادق وزفات الصواهل، وقد خاطبه بقول الشاعر أقبل يا أخي وأنطق القول في محله يليق:
رحلت إلى قوم دروب ديارهم




(مصان) حراماً أن يدب بها النمل


فوسعتها والسيف يفتح ما دنى




إليه ولو رضوا على بابها قفل


وجالت بك الخيل الجياد وقد زهت




ويهتز في أطرافهن القنا الذبل


وناداك نصر الله والفتح هذه




مساعي الأولى قامت لمسعاهم النصل


أقم شرعة الإسلام فيما فتحته




فانت ابن من أحيا به الله ما يتلو


ورثت أباك الطهر أحمد خير من




به بشرت من قبل أباءه الرسل


بفتح الهدى والدين أنت أتيته




ومثلك أسلاف الأئمة من قبل


وأعطاكها بعلاً لسيفك بره




واكرم ممن يبتلي كف من يبلو



ثم دخل دار الإمارة وتهللت الأسارير من وجهه، وانتعش عنوان البشارة، وبقي ينظر في أهل البلد ويتدبر حالهم، ويتروى أخبارهم ويستمد أنظارهم، وأظهر شعار الدعوة الوهابية من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورتب الناس على وظائف الدين، وأمر عليهم من بقوم بها على التعيين، واستدعى عمال سعود وأمرهم أن يكتبوا ما حصل من النقود، وأظهر لهم أنه إنما فتحها لسعود بن عبد العزيز وأنه ليس له رغبة في مطالعة البسيط والوجيز، فقنعوا منه بذلك وشكروه على ما هنالك، ثم فكر في أمر بيت الفقيه فأعمل التدبير في تملكها، وتعلل بدعاوى تحدثها على صالح، وصالح قد كان قد رفع القصة المتفقة في زبيد واستمالة الشريف مشائخ البوادي إلى عبد الوهاب بن عامر، وكان عبد الوهاب قد فتل في الذروة والغارب عند سعود في أيام الحج وأخبره بأن حمود يتظاهر بالطاعة لك وليس منها في قبيل ولا دبير، وطلب من سعود تقوية يد صالح، فأمره سعود أن يرسل طامي بن شعيب الرفيدي في طائفة من عصائب المسلمين من أهل البندق وأهل الخيل ليكونوا غوثه على استخلاص الحديدة من يدي رتبة صنعاء، واستخلاص زبيد من (بولاد).
أما الحديدة فوثب عليها الأسد الرئبال قبل وصول طامي والرجال، واستولى على معاقلها الليث، ولم يتوقف لمهل ولا ريب، فتعذر فيها الخطاب حيث صارت للأسد داخل الأنياب، ولله در القائل":
وما يمكن استرجاع لحمه خادر




وقد لاكها بين الكواشر والحلق



وبينما الشريف في الحديدة يعمل الأفكار في بيت الفقيه وما واراه من الديار وافاه خبر طامي بن شعيب وإقباله يجر مقنباً بلا ريب، وعلم الشريف أن طلبة المصرين (الحديدة) و (زبيد) وبغية البلدين يقف منها على أوفى نصيب، وقد أمن على الحديدة من الانخذال، وتيقن أن ذا البلد قد قبض عليها ببراثنه التي في أطرافها الموت المذال، وإنما الخشية على زبيد فنهض من حينه من الحديدة لا يلوي على شيء حتى لم يمس تلك الليلة إلا بالقطيع، ثم توجه منه في الحال يريد زبيد، وسلك طريق الحازة مما يلي الجبل لأجل تكون طريقه على القبائل التي ما قد وصل إليه عهدهم، ولا اتصل به مدهم، ليلوي عليهم ويأخذ العهد حتى لا يبق لصالح غير مدينة بيت الفقيه، لا قبل ولا بعد، وما زال يجول في الحازة حتى انتهى إلى زبيد، شعراً:
تسير الملوك الصيد تحت ركابه



تقبلها في سيره لا تقابله


وتهوي إليه السمهرية خضعاً



وتفخر منها أنها من حواصله



فدخل زبيد في بعض تلك الأيام وقت الإشراق، ودخلها دخول قتيبة بن مسلم أصبهان من العراق، شعراً:
في فيلق كضخم البحر متصل



بفيلقٍ كسعير النار أبرده



واستقر بدار الملك، وأبدر قمره في ليلها الحلك، وطلب أعيان زبيد عالماً ومتعلماً ومفتياً ومستفتياً، وطلب منهم البيعة على السمع والطاعة، فلم يتخلف عن بيعته أحد، بل أجابوه إلى ما طلب كما يجيب الوالد الولد.
وأما طامي بن شعيب فإنه أقبل يقود تلك العصابة، ويتحرى من سهمه مواقع الإصابة، حتى طرح بالدريهمي وهو في قبضة صالح وطلب من صالح الخروج إليه ليفاوضه فيما وصل به من الخطاب من سعود وعبد الوهاب، فتجهز صالح للخروج إليه وجعل الملتقى مطرح (اللاوية) قرية بينها وبين بيت الفقيه مقدار فرسخين، واجتمعا هنالك وعلم كل واحد ما هو منطوٍ عليه الآخر، فأما صالح فظهر له أن طامياً جل ما يطلبه ويقصده وهو تحصيل المال، وأنه لا يتم منه المناصرة إلا إذا أعطاه صالح كل ما هو في البال، وصالح يدعي الفقر المدقع وأنه لا يريدهم يناصروه إلا لمحض الدين، من غير أن يأملوا فيه بذل المال.
وأما طامي فقال كنا نظن صالح أحد رجلين، إما رجل صاحب دين فيصبر على البلوى والغرابيل حتى يصل إلى ما يطلبه، وإما طالب ملك فيسمح للجنود بما عنده من المال حتى تتوفر رغبتهم للمقاتلة والقتل، ولم يكن أحد الرجلين، أما الدين فبمعزل عنه، وأما الملك فما قام بحقه، وهذا الشريف حمود يستميل الناس لطاعته بإظهار العدل والدين للرعية وبذل المال للجنود فما أحد تخلف عن إجابته وصالح ما هو ذاك الذي يرجى منه، شعراً:
أتعبت نفسك بين ذل كادحٍ



طلب الحياة وبين حرص مؤمل


وأضعت عمرك لا خلاعة ماجنٍ



حصلت فيه ولا وقار مبجل


وتركت حظ النفس في الدنيا وفي



الأخرى ورحت عن الجميع بمعزل



وكان أشار إليه بعض خواصه أنه إذا بقي معه شيء من المال يتألف به طامي ومحمد بن أحمد، ورؤساء عسير ويقوم بكفايتهم حتى تعود جوابات سعود؛ لأن صالحاً قد كتب إلى سعود باستيلاء الشريف على الحديدة، ثم معارضته في زبيد، وذكر لسعود تقدم عهود أهل زبيد له وامتداد يد الشريف على العرب الذي كان قد عاهدهم صالح، وكان لو أطاع واستبقى طامياً ومن بين يديه لكان له خطة رشد في المستقبل ، ولكن لا يتم إلا ما سبق به القلم واقتضته الحكمة ، وكان من ضعف رأي صالح أنه تخيل له انه يطلب من طامي قرضه مال يستعين به على أرزاق العسكر وأراد بذلك أن طامياً ييأس من تأميل حصول شيء منه ، فأجاب عليه طامي أنا وصلنا من عند الإمام عوناً لك وجند بين يديك ، تكتبنا في ديوانك وتجري لنا ما أجريته لغيرنا ، وها نحن عذرناك في الجامكية وإنما نطلب القوت تجريه للجند حتى تستغني عنا وبعد ذلك كتب طامي إلى الشريف يذكر له وصوله غوثاً لصالح وعلى أن يستنقذ له الحديدة وزبيد وحيث وصلنا وقد ملكتها فأنت أمير من أمراء ابن سعود لا يحسن منا قتالك حتى نرفع إلى سعود ويقع العمل منا ومنك بما في جوابه ، ونفذ بالخط محمد بن أحمد العسيري ومن محمد بن علي بن إبراهيم الشعبي فتلقى الشريف ذلك الخطاب بالقبول ، وأجاب على طامي جواباً يخلب عقله في معناه كلنا خدم لله تعالى ثم لسعود ، وأنا ما قدمنا إلى هذين المصرين إلا لما كانت عزيمة صالح ضعيفة ، ولا عنده جند ولا شدة باس فخشينا أن يقوى إمام صنعاء ويستخلصها من يد صالح ، فرأينا حفظها وهما تحت تدبير الله ثم تدبير سعود ، من يريد أن يوليه إياها ولاه ، ثم قال لطامي : ما دعت إليه حاجتك من الدنيا والأمتعة والمراكيب فإنا باذلون كل ما تطلبون ، ثم أعطى الرجلين الجواب ، ووهب لمحمد بن أحمد العسيري مأتي قرش وللشعبي اقل من ذلك ، ولما وصل الجواب من الشريف اغتبط به طامي ، وكتب إلى الشريف يعرفه أنه عزم على الرحيل ، وإنما يريد الوثوق لصالح أن لا يمس بلاده بسوء حتى يأتي جواب سعود ، ولما وصل الخط إلى الشريف رآه من الفرج بعد الشدة ، والنصر الذي بلا عدة ، فبادر الشريف إلى أن بذل لطامي المطلوب وهيأ له مالاً يستعين به على السفر ، وسفينة ماخرة في البحر أودع فيها جملة من الأطعمة والأمتعة ، فاستعد طامي للنفر وقد قنع من الغنيمة بسلامة السفر ، وانه أرسل لصالح بن يحيى رؤساء الجند أهل بيت الفقيه ، فخرجوا إلى مخيمه في تربة ابن عجيل غربي المدينة ، وأظهر لهم انه يريد أن يؤلف بينهم وبين صالح ويفعل بينهم أخاء ، ويكونوا في رأي واحد إلى عودة الجواب من سعود ، وكأنه قد دبر الحيلة في القبض عليهم لموالاة صالح خشية منهم أن يقلبوا لصالح ظهر المجن ، ويملكون البلد للشريف فقبض عليهم طامي وأسر بعضهم وأبقاه بمخيمه ، ثم أنتقل إلى الدريهمي وقد رتب معاقل بيت الفقيه من رجال عسير ، وحكم على صالح بإجراء إقامتهم ، وأمر بهدم الصومعة التي في جامع بيت الفقيه من حيث أنها من أحسن المعاقل وقد وصل إليه منها ضرر أيام بقائه مخيماً بظاهر البلد ، واستقر بالدريهمي يوم أو يومين فرتب حصن الدريهمي بجماعة من أصحابه ، وأبقى أولئك المحابيس من المعسكر أهل بيت الفقيه بالدريهمي وسار معه برجلين أحدهما من أهل البلد ، والآخر من عبيد الإمام ، ولعل ذلك بموالاة من صالح ، فربما كان يحذرهما كثيراً ، ثم توجه إلى بلاد عسير لا يلوي على شيء سوى النفير ، والشريف بعد نفوذ طامي خلاله جو الملك من المعارضة ، وأقبل يفتل في الذروة والغارب ، في استمالة أهل بيت الفقيه حتى انخرطوا في سلكه ، وحين بلغ ذلك صالح بن يحيى لم يسعه إلا أن يستعمل الحزم على نفسه ، وهو ينتظر عودة الجواب إليه من سعود والشريف يراسله بأن يعاهده ويدخل في طاعته ، وهو يعده بذلك ويتطاول في المهلة حتى وافاه جواب سعود ، وإذا فيه غير المقصود وأثنى على الشريف بملكة الحديدة وتلك الحدود، وآخر ما قاله في خطه أن ذلك دعوى على حمود وصلت لمقابلته لدينا وحولت فصل القضية إلينا، فحين وقف صالح على ذلك الجواب ظهر فصل الخطاب، بأن ليس لمدخله باب ولا لغيبته إياب، وعلم أن الدنيا لمن غلب، والحجة لمن سطا وضرب، فأقبل حينئذٍ على إجابة الشريف إلى ما طلب، ونفذ إلى زبيد وهو ينشد قول القائل:
وإذا لم يكن من الذل بدٌ



فالق بالذل إن لقيت الكبارا



فتلقاه الشريف وأنعم عليه، وأخذ منه العهد ووجه نظر مدينة بيت الفقيه إليه، والشريف مدة إقامته بزبيد تابع الغوازي على جهة (المخا) و(حيس) فبايعه أهل (حيس) وسلموا إليه القلعة فبعث إليها عاملاً وعسكر من عنده، ثم أقبل عليه أهل بادية المخا (المشالحة) و (بني دريهم) و (الأخدوع) وكل أهل تلك الجهة وعاهدوه ودخلوا تحت طاعته، وأمر أميراً في جميع بادية المخا، ولم يبق إلا البندر ومدينة موزع كونها محصنة بقلعة، وعند ذلك كاتب عامل المخا الأمير سلطان حسن مولى الحسن بن عثمان العلفي الوزير المذكور، فيما سبق ولم يقبل منه الشريف إلا البيعة، وتسليم المعقل والضيعة، فلم يرض الأمير المذكور وأرسل السيد أحمد بن عبد القادر السقاف رسولاً إلى الشريف في الإمهال، ويمد له في الحبال، فإن تأتى له إمداد من الخليفة حق صنعاء وإلا يسلم للشريف، فقبل الشريف المال وصالح أهل المخا على الإمهال، وأحضر على عقد الصلح عمال سعود، ليعلمهم أنه بلغ في فتوح اليمن المقصود، فيرفعون إلى سعود الخبر ويشهدون للشريف بالنصح ويرفعون عنه الضرر، وسلم لسعود شيئاً من المال وراسله صحبة العمال إليه، وفي أثناء إقامته بزبيد أمر بعمارة السور على المدينة، وعين القائم على عمارته قاضي البلد السيد العلامة القاضي الحسين بن عقيل الحازمي ، وعين علي عقال البلد القيام التام بتحصيل الأعوان والأجراء ، وحضهم الشريف على المسارعة بإنجازه لما يتوقعه من حصول حاصل من الإمام ، فقام القاضي الحسين في ذلك قياماً تاماً ، وكان الشريف يطوف على العمَّارين كل يوم في عصابة من قومه من الخيل ، وأقام الشريف إلى أن تقارب عمل السور إلى التمام ، وهذا السور الذي أمر بعمارته الشريف لم يكن على أصل السور الأول الذي كان قبل الدولة القاسمية ، أخبرني بعض من له خبرة بالتاريخ أن السور الأول كان بينه وبين العمران فسحة ، وهذا الصقه الشريف بالبيوت حتى أن بعض المحلات يكتفي فيها بعمارة البيت الذي اتصل به البناء ، وجعل أبوابه أربعة ، وقد حكى الخزرجي أن أول من أدار السور على مدينة زبيد ( حسين بن سلامة) مولى بني نجاح ، ثم أدار عليها سور آخر الوزير منصور بن أبيه ؟ الفاتكي ، والسور الثالث في أيام بني مهدي ، والرابع أدارة سيف الإسلام ( طغنتكين بن أيوب) وهدمت هذه الأسوار في آخر دولة الأتراك عند ظهور الدولة القاسمية ، وقبل أن هدم هذه الأسوار كان أيام حصار الحسن بن المنصور القاسم بن محمد لزبيد ، ولما ملكها هدم أسوارها وبقيت زبيد بلا سور إلى أن أعاده الشريف كما قدمنا والأبواب الأربعة هي التي كانت في الأسوار الأولة؟ ، نعم ثم توجه الشريف إلى الشام وقد أثنيت له الوسادة ، وتم له ما لم يتم لغيره عادة ، وهكذا حاله الإقبال ، والجد الذي يبلغ به المرء الآمال ، وقد قرر أحوال أهل زبيد وأجراهم على ما يعتادون من الإجلال وأظهر لهم مزيد التأكيد ، وخرج من زبيد ضحوة اليوم في شهر ربيع الأول وصحبته صالح بن يحيى المقدم ذكره ، واستقر بالحسينية قرية للعرب الزرانيق في موضع المدينة المعروفة بـ( فشال) في الزمن الأول:
ونهض منها إلى بيت الفقيه إلى ظاهر البلدة بالجانب الغربي تربه بن عجيل ، ومن هناك فارقة صالح بن يحيى ودخل إلى بيت الفقيه أميراً على المدينة لا غير ، وجعل أمر البادية إلى الشريف زيد بن علي بن أمطاعن الخواجي ، وقرر لصالح ما يقوم به من مواد البلاد ، وارتحل آخر تلك الليلة ، وجاءت طريقة العبسية ثم باجل ثم بلاد الجراح إلى صليل حتى انتهى إلى مور وألقى عصا السير واقبل إليه الناس يهنونه بملك زبيد وتلك الممالك ووصلت إليه جوابات من سعود يحمده على المسعى المحمود ، ويفيض له على الحد المحدود ، وابتسمت له الأيام وأنشد لسان الحال شكر لمولى الأنعام ، شعراً :
ومن يجعل السيف المهند صاحباً



ويسقى أنابيب الرماح نجيعاً


يملكه غلب الرجال اقتحامه



وقائع يتركن الأشم صريعاً


وذاك بحمد الله لا رب غيره



فحمد لمن يولي الحميد جميعاً



وفي هذه السنة سنة اثنين وعشرين ومائتين بعد الألف ، في شهر ربيع الثاني توفي وانتقل إلى جوار ربه شيخنا شيخ الإسلام ، وأما الأئمة الأعلام شيخ السنة وإمام الحديث والطبيب الماهر الذي اذهب الله به من البدع كل خبيث ، وأبو محمد أحمد بن عبد العزيز الضمدي ، كان إماماً في العلوم متفنناً في المعقول والمنقول ، حافظاً متقناً للحدود والرسوم ، طلب العلم في مدينة زبيد وصنعاء ومكة وسمع الحديث في أئمة كبار ، وانتفع به عالم لا يحصون وتخرج به كثير ممن تصدر في العالم ، وقد استوفيت ترجمته وذكر درسه وتدريسه وفهمه وطلبه ؟ وتحصيله وما يؤثر عنه من خير وبركة في الأمة المحمدية فيما كتبت في وفيات أهل القرن الثالث عشر واستوفيت ترجمة في نحو ثلاث صوافح ؟ رحمه الله تعالى وجعله في الرفيق الأعلى مع صالح الملأ ، نعم وبينما الشريف في مطاعم الظفر ، ومشارب الغلبة الصافية من الكدر إذ وافاه الخبر بنزول يام من نجران وأن ليس لهم مقصد إلا الفساد والطغيان ، وجل مقصدهم النهب والانتهاب ، والخدش فيما قد مهده الشريف من الإمام في تلك الرحاب ، فاعتد الشريف للقاهم وعزم على منعهم من الدخول إلى اليمن ، وجمع جموع من قبائل الشام أهل الدعوة النجدية ومن غيرهم من رجال حاشد وبكيل ، وكان صولهم في مستهل شهر رمضان سنة 1222هـ وطرحوا في أعلى وادي عين شرفي مدينة الزهرة بميل إلى القبلة ، فأراد الشريف القدوم عليهم إلى ذلك المكان ومناجزتهم بمواضي القواضب وعوالي المران ، وقد كان مخيماً بظاهر البلد يتوقع أي محل يستقرون به ، وكان حين هم بالقدوم عليهم بلغه الخبر بارتحالهم إلى جهة الواعظات ، وجاءت طريقهم حازة الجبل فنفذ الشريف في الحال حتى طرح بمحل يسمى ( قنبور) من أعمال الواعظات- والقنبور كعصفور وهو بالقاف يعدها نون ثم موحدة تحتية بعدها واو وآخر الحروف راء – ولم يطرح الشريف هنالك إلا بعد أن طرح البغاة في شرق ذلك المحل بين المطرحين نحو فرسخ وكان في آخر ذلك اليوم خرج بعض أهل الخيل من أصحاب الشريف في حكم العين يقصون خبر القوم، وبعد خروجهم رأى الشريف أن يردفهم بابن أخيه الشريف الرئيس أوحد أهل ذلك الخميس يحيى بن علي فارس بن محمد الحسني ، فخرج في طائفة يسيره من الخيل ليكون ردء للمتقدمين من القصص ، فما وصل إلى نصف الطريق ، فأطلق الشريف يحيى جواده وفعل من الحملة ما هو له عادة فرمى برصاصة اثخنت منه الجراحة حتى خر صريعاً في تلك الساعة حتى غشيه الغشو وفر عنه من كان معها من الحشو ، فوصل بعض خياله يام ودفنوه بما معه من السلاح فقضى نحبه ولق ربه ، ونجا بعد ذلك القوم الذي أغاروا عليهم إلا رجل من الأشراف عثر به واده فأسره العدو ، وهذا الشريف المقتول هو الشريف الشهير الباسل الخطير ، بيضه بلده وسيد أهل جلدته ، أنبل من تصدر في المقانب وأنجب من تحملت به النجائب كان بهمة من البهم ، وطود من الحوادث الكبار أشم ، معدود من أهل الرجاحة ، مشهرو بالسخاء والسماحة ، له وقائع تشهد له بطيب النجار ، ومشاهد تتحدث بها في المجالس السمار، شعراً :
لولا الرصاصة ما حامت رماحهم



عليه يوماً ولا سلت لهم شطب


هم يعلمون لو الهندي قلبها



بكفة ما نجي المسلوب والسلب


غضنفر تقمع الأعداء فراسته



كم مرة ذاق منه قرنه العطل



ونقلت روحه في الحال وختم له بالشهادة وهكذا حسن الأعمال ، وعظم على الشريف موته ، وفت في عضد الملكة فوته ، ولكنه تلقى المقدور بقلب أقصى من الصخور وأظهر التجلد الكبير ، وقال هذه عادة الله في كل خطير ، ثم عزم على الأخذ بالثأر ، وأذاقه العدو الصغار ، فعزمت يام بالليل وقطعوا تلك الهامة على ظهور الركاب وصهوات الخيل ، فحين أقبل الشريف قاصداً مطرحهم بلغ بنفوذهم إلى جهة اليمن ، فلوى بعدهم الأعنة ، واستحت أهل الخيل والمواضي والأسنة ، حتى هزم النهار ، وأقبل الليل يخطر في حلة كالقار ثم أناخ الشريف في القناوص قرية من أعمال صليل – وهي بزنة مساجد بصيغة منتهى الجموع ، وهي بالقاف بعدها نون بعدها ألف ثم واو مكسورة وآخرها صاد مهملة ، وأرسل من يأتيه بخير القوم واستقر ليلته تلك وبعض من اليوم ، فوافاه الخبر بأنهم في وادي سردود بقرية (المعروفية) منسوبة إلى المعروف ، لعله اسم رجل سكنها أو اختطها ، وهي متوسطة بين (الزيدية) و(الضحي) ثم توجهوا منها إلى الضحي فضربوا هنالك الخيام وبثوا سراياهم لأقطار اليمن يعيثون بالأنام ، ويستحلون الحرام ، ولم تقم غوازيهم أكثر من يوم لما يترقبونه من هجوم الشريف عليهم بمن معه من القوم والشريف طاب له المقام بالقناوص وشرع في عمارة معقل وحفر الآبار وأمر باجتماع الناس إليه في يوم معلوم للبيع والشراء جعله سوقاً ، فارتفق به جند الشريف ووجدوا عندهم ما يطلبونه من الأطعمة والأمتعة ، وما زالت الجنود تصل إلى الشريف حتى اجتمع له عصابة وافره من رجال حاشد وجماعة من (ذو محمد ) فأمر عليهم أمير وجهزهم لقتال يام ، فألتقي الجيشان في مستوى من الأرض فبلي (المعروفية) والتحم القتال ، وكانت الدوائر ليام ، وقتل من حاشد ناس كثير وأسر من بقي من عمره سعة ، وانحاز من نجا إلى الزيدية ، وقتل من يام جماعة من الصناديد وأصيب رئيسهم القاضي عباس بن أحمد بن إسماعيل المكرمي ، وقيل أنه تعلل منها أياما ومات بسببها ، وحين انتهى إلى الشريف هزيمة جنده كشف عن ساعده وزنده، ونظر في من بين يديه من الأقوام حتى عرف عراره من رنده وعزم على النهوض ومباشرة الجهاد للطغاة بطائره المحظوظ، فبلغ رجال يام زئير الليث، وإقباله على الفرائس بلا ريث، فسارعوا بالانتقال وتوجهوا يقطعون الهضاب والرمال، يؤمنون مدينة زبيد وقد لاح لهم برق خلب، وسحاب جهام لا يمري ولا يحلب، وذلك أنه وصلهم خط من الإمام يطلب منهم القيام بنصرته، والجهاد مع جنده الواصل من حضرته، وكان قد بعث الإمام إلى زبيد بعثا كبيراً مع جنده الواصل من حضرته، وكان قد بعث الإمام إلى زبيد بعثاً كبيراً من حي بكيل حسيني ومحمدي، معهم رؤساؤهم من آل عائض وآل صلاح بن كولا، من ذو محمد، وجعل الأمير على تلك الأجناد الفقيه حسين بن أحمد العلفي وزير العكفة([2]) ذلك الأوان وأمر بمثاغرة (حيس) ثم (زبيد) ثم سائر تهامة، واستنقاذها من يد الشريف ذي الزعامة، وإرجاعها تحت حوطة الإمامة، فتوجه الفقيه حسين بتلك الجنود، وسلك طريق اليمن إلى (ذمار) ثم إلى (يريم) ثم إلى (ذي جبلة) ثم إلى (العدين) حتى طرح بناحية (حيس)، واستنفر رجال يام بخطوط يذكر لهم فيها الالتزام بالشروط ويأمرهم بالنهوض إلى زبيد ، وحيث أتصل بمسمع الشريف وتيقن اجتماع الكلمة بين جند الإمام ورجال يام ، وبادر بإرسال علي بن عقيل الحازمي في عصابة من الخيل والركاب وجعل له الأمارة على زبيد فركب سجوف الظلام ، وحتى وصلها في أقل الأيام ، وقد كان أهل زبيد قبل وصوله في أمر مريج ، وأكثرهم يود قوة أصحاب الإمام فيشيع عنهم كل ما فيه تهييج ، وبعد وصوله قويت شوكة أخوه السيد الفاضل العلامة الحسين بن عقيل الحازمي واشتد ظهره ، فأخذ يعاقب كل من يهم بموالاة الإمام ، ويفعل ما يسد به ذريعة الكلام فأمسك كل واحد على فيه ، وانكف غير معمور ، فسارع القاضي حسين وأخوه إلى إلزام الناس بإتمامه فتم لهم المرام ، وانقضى لهم ما لم ينقض لغيرهم عادة في جاري الأيام ، وهكذا شأن الإقبال ، وفي أثناء ذلك وصل رجال يام إلى يماني زبيد وطرحوا بظاهر البلد ، وأقبل حسين بن أحمد أمير الإمام وطرح بالتريبة قرية شرقي زبيد تصغير تربة ، وكان الشريف أمر على علي بن عقيل وأخيه القاضي الحسين أن يعملا ما يقدران عليه من المكيدة في تفشيل يام وتفريق كلمتهم وأرسل رجلاً من كبار يام كان في خاصته إلى الشريف علي بن عقيل ، وقال يكون السعي من طريقة ، وكان الرجل حول قلب فابتدأ يفتل في الذروة والغارب ويستميل الأكابر منهم بالرغائب ، فتشتت شملهم وتفرقت كلمتهم ، ولم يبق منهم إلا جابر بن مانع رئيس آل فاطمة من مذكر ؟ فكتب إلى الفقيه حسين يطلب منه التزام ما التزم به الإمام واشتملت عليه القواعد المرسلة من الحضرة لرجال يام واشترط عليه أن ينقل المطرح من التريبة إلى الحمى – بكسر الحاء المهملة وميم مفتوحة وألف مقصورة كرضا- وهو محل مشهور ، موضع شرقي زبيد بينه وبين التربية ، كان طرح فيه الحسن بن أمير المؤمنين القاسم بن محمد رضوان الله عليه ، حين وصل لحصار الأتراك بزبيد ، فوصل خط جابر بن مانع ومن بقي من يام إلى الفقيه حسين بن أحمد ومن بين يديه من رجال بكيل ، فبينما هم في جمع الشور في الجواب إذا وافاهم خبر اختلاف الإمام والقاضي يحيى بن حسين البرطي العنسي في صنعاء ، وإقدام القاضي يحيى بن عبد الله المذكور على الوزير حسن بن عثمان العلفي في دار الخلافة وطعنه بجنبية طعنتين قاتلتين ، ولم يحمل من دار الإمام إلى بيته إلا على ظهور الرجال ، وكان الإمام يظن هلاكه من الطعنتين الحاصلتين فيه فقام وقعد للانتقام من القاضي يحيى بن عبد الله ومن معه من ذويه في صنعاء وحصرهم في بعض البيوت حتى خرجوا في وجه ولده أحمد بن أمير المؤمنين فأطلعهم القصر وقيدهم بالحديد إلى أن عن له في بعض الأيام أمر بضرب أعناقهم فضرب أعناقهم وهم القاضي يحيى بن عبد الله وواحد من أولاده وواحد من أعمامه ، فحين بلغ الخبر رجال بكيل الذين صحبة الفقيه حسين قلبوا ظهر المجن ، وجعلوا العداوة التي للشريف لأميرهم الذين كانوا صحبته ولم ينج إلا بعد أن أرفقه احد النقباء الكبار وجعله في حوزته ، ومن ثم تفرق الجند الإمامي ، وفارقوا القطر التهامي وانصرفوا راجعين إلى الجبال لا يلوون على شيء مما كان منتهم به الآمال ، والفقيه حسين بن أحمد نفذ هو والنقيب الذي أجاره وعصابة ذلك النقيب وتوجه طريق (حيس) لأنه كان عند إقباله افتتح حيس بعد قتال قد وقع بينه وبين أصحاب الشريف الذي هنالك ، وما كان هنالك من يعتد به من جند الشريف ولا عند الشريف احتفال بحيس ، نعم ولما اختل نظام المطرح الإمامي ، اقبل على مصالحة أصحاب الشريف الفريق اليامي ، ومنع الناس من جند الإمام وعلموا أن الحصة غالية؟ ([3]) والدنيا ذاهبة سالبة:

تملكها الآتي تملك سالب وفارقها الماضي فراق سليب

وحينئذ صلح شأن يام ، على بذل جمهور([4]) من المال ، بعضه سلم إليهم من زبيد وأكثره تأجل إلى عودهم إلى حضرة الشريف فتوجهت يام إلى الشريف قابضين أيديهم عن البطش حافظين جوارحهم ومواشيهم من الربش([5]) ، حتى أناخوا بظاهر ( الزهرة) بجهة القبلة ، وقد أقاموا قدر الأسبوع ، حتى تهيأ لهم قبض المال الموضوع ، ثم توجهوا إلى نجران ، ولم يقفوا من المطالب على غير الخسران ، وبعد نفوذهم أقبل الشريف على البلاد وأصلح ما فيها من الفساد ، وأقام الحدود على من سعى في الأرض بالفساد ، أيام بقاء يام بتهامة ، وضرب الأعناق ممن ظهر منه الشقاق ، واستوثق الأمر وظهر له في صدور الناس من الهيبة ما كان الغاية في الزجر ، وفي آخر هذا العام الذي هو سنة اثنتين وعشرين بعد المائتين والألف؟ توجه الشريفان العظيمان والملكان الفخيمان علي بن حيدر بن محمد وابن عمه الملك العادل منصور بن ناصر بن محمد إلى مكة المشرفة لقصد الحج ، أما علي بن حيدر فلقضاء فريضة الحج ، وأما منصور فقد كان حج في عام العشرين كما قدمنا عند نفوذه صحبة عبد الوهاب وإنما حج نفلاً وليجتمع بسعود بن عبد العزيز ، ويشكو إليه ما قد أودعه الكتب من منع الشريف حمود عن إجراء ما وصل به من حضرة سعود من تقرير المال من بندر اللحية ، ويوضح له أن المراقب لا تنجح في الشريف والمراسيم لم يكن لها عنده حكم ولا تصريف ، وأما علي بن حيدر فأراد بعد قضاء الفريضة يفضي إلى سعود ما بينه وبين عمه حمود من الوحشة التي أخفتها القلوب المريضة ، لأن علياً كان قد استوحش خاطره من الشريف أيام منازلة الشريف صليل ، وفارقه (علي) من هناك وقد استحكمت الوحشة بينهما ورأى علي أن عمه مقصر في حقه ، وعانده في رزقه واستدل بأفعال ظاهره ، واعتقادات تدل عليها فلتات اللسان السائرة ، مع ما سبق من علي من المعاناة في الفتوح ومباشرة الحروب ، والأقدام على المرهوب ، وإخلاص الطوية فيما تولاه غير الإهانة صبور ، وأنشد لسان حاله يقول
إذا صديق أنكرت جانبه



لم تعيني في فراقه الحيل؟


في سعة الخافقين مضطرب



وفي بلاده عن أختها بدل



وكان علي قد وقص بنفسه إلى الدرعية وشكى على سعود ما أنكره من حمود ، وأمده سعود بمراسيم وأيده بقواعد تقضي تسليم المعاليم ، ولما وصل استوحش منه عمه حمود وبقي يتتبع له الغوائل ، ويتعرض بالأذى لمن هو في طرفه من خواصه ، وعند ذلك أخذ الشريف علي بطرف من الأمور وكان أكثر إقامته عند أخيه ابن عمه الشريف منصور بن ناصر في صبيا ، حتى حان وقت الحج فنفذ هو والشريف منصور كما قدمنا ، وبعد تمام أعمال الحج فوضا الشريفان إلى سعود ما يشكون من الشريف حمود ، وخيرهما سعود بين أن يرسل معهما جنداً من أصحاب الأمير عبد الوهاب أو من غيرهم من أمرائه الذي يرجى بهم انغلاق الباب ، فاختاروا العدول عن قوم عبد الوهاب لما يعلمانه من منافرة القلوب بين الشريف وبين عبد الوهاب([6]) ، لأن سعود قال سيرسل جنداً صحبة من يركنه من الأمراء يصلون إلى الشريف وينظرون فيما بينه وبين الشريف ، ويلزمانه بما رأى سعود ، وأن لم يمتثل قاتلوه فأختار سعود إرسال الأمير محمد بن دهمان ، أمير دهمان قبيلة ما بين مكة واليمن يسكنون تبالة وما والاها ، وهم من الأزد ، واختار معه مشيط بن الشهراني من شهران أخي ناهس ، حي من خثعم من بجيله ، وهذا الرجلان أميران على بلديهما فوصلا صحبة الشريفين ومعهما من الجند زهاء ثلاثة آلاف ، وتقدم الشريفان إلى بلديهما قبلهم بأيام وعند وصولهم إلى صبيا صحبهم الشريفان وتقدم الكل إلى الشريف وخيم الجند بظاهر الزهراء وأرسل الأمير محمد بن دهمان ومشيط إلى الشريف يستأذنان منه في الوصول فأذن في الوصول إليه ، وبعد وصولهما إليه عرضا ما جاء به من عند سعود في شأن الشريفين ، ووافق الشريف على ما جاء به الأمير ، ودخل إليه الشريفان علي ومنصور وصلحت فيما بينهما الأمور وتكررت بينهم المواقف وتأكدت منهم العهود ، بحضرة الشريف يحيى بن حيدر ، وربما حضر العلامة حسن بن خالد بعض الأحيان ، وإلا فأخلب الأحوال أنه يكون القول بينهم وبين الشريف ، ومتى أحكماه أبرزه الشريف إلى الخارج ، لأن الحسن هو عماد الدولة ولسان الصولة ، والمعول برأيه في كل ما عرض ، والمتبع قوله في الجوهر والعرض، إذ هو عيبه الشريف وكرشه([7]) ووزير ملكه ، الذي يستظل تحت عرشه ، فبادر إلى إرجاع الأميرين دهمان ومشيط وقد غمرهما بالعطايا واستمال قلوبهم برغائب المزايا وانصرفا من لديه وقد خمدت نار فتنة الشريفين وسكنت الأخبار وقرت الأعين ، وكتب الشريف كتباً إلى سعود وكذلك الشريفان علي ومنصور كتباً إلى سعود وعرفاه بصلاح الشأن وصيرورتهما من خواص حمود ، وعند ذلك أقبل الشريف يفتل في الذروة والغارب من منصور واستمالة قلبه بكل ما يقدر عليه مما جرت به العادة أنه يلين الصخور ، وقال هو العلامة الحسن بن خالد الآن لاحت الفرصة فإن بقاس منصور منفصلاً عنا ومتصلاً بسعود أعظم غصة ، فما زال الشريف يغازل منصور ويقبح له باب الانتماء إلى أهل الشام ويحسن له الاتحاد والالتئام ، فمال منصور([8]) وراجت عنده الأوهام ، مع سابق المقدور ، وقد كان الشريف حاول من منصور هذا الأمر أيام فتنة عرار ، ولكن عذله أبوه([9]) رحمه الله من الانخذال وقبح له الانتماء إلى الشريف ، وهو معدود عند سعود من أهل الاستقلال ، فثابت إليه الفكرة فلم يتم للشريف ما تم له هذه المرة ، وحين بلغ المرام من استمالة منصور إليه وصيرورته منه في شأن سعود إن حرباً وأن سلماً . أقبل الشريف على منصور وبذل له الرغائب ما لم يكن بعده انحراف أو تقول ، وأنعم على الشريف علي بن حيدر بما هو حقيق وبمثله خليق ، وأخذ عليه الميثاق أن لا ينشر عليه راية خلاف ولا تنازعه نفسه إلى شقاق ، ثم انصرفا من لديه وقد حمد سعيه ، وفرت عينه ، ورجع منصور إلى بلد ولايته وقد أسعف بجرايته ، وكان انقضاء جميع ما ذكر في شهر صفر أحش شهور سنة ثلاث وعشرين بعد المائتين والألف ، وفيها نجم خلاف بني الحرث أهل الجبل وظهر منهم من البغي والأفعال الكفرية ما يستوجب الخروج إليهم فندب الشريف لهذا المقصد وزيره العلامة المتبحر المجاهد الشريف الحسن بن خالد ، فنادى بالنفير من أهل الديار العريشية وجمع غيرهم من طوائف المسلمين وأرسل إلى الشريف منصور باستنفار أهل مملكته ، فأجاب الشريف منصور وجهز رجال من قومه وأمر عليهم أمير من أصحابه ، وحين اجتمع الناس توجه الحسن فقصد الجبل والسهل فنازلهم في ديارهم ، واجتمع منهم قوم كثير واقبلوا إليه بالحرب ، وكافحوه بالطعن والضرب ، فثبت لهم ذلك الجند واستحر القتل ، فكانت الدائرة لأصحاب الحسن فغلبوا الحارثيين وأسروا منهم عدداً كبيراً([10]) ، واحتز الجند رؤوس المقاتيل وأرسلت إلى حضرة الشريف في الزهرة ، وبعد ذلك رأى الحسن رأيه في الأسرى فأمر بضرب أعناقهم وهم نخو خمسة وعشرين ، وعند ذلك ذل الحارثيون ونزلوا من الجبال على السمع والطاعة، وسلموا ما طلبه الحسن من الحلقة ، وأنابوا إلى الله من أفعال الشناعة ، ودخلوا في سلك الطاعة ، وجرت عليهم أحكام أهل الإسلام ، وفيها وقعت المراسلة بين الشريف وبين السيد العظيم شرف الدين بن أحمد مليك كوكبان ، وعلى أن يدخلوا في الدعوة النجدية ويسالمهم الشريف ويصون ديارهم من الترويع والتخويف ، لأن بلادهم محاددة لما قد أخذه الشريف من بلاد الإمام ، فقبل الشريف منهم ذلك وتهادياً كما هي العادة بين الملوك من المراكب والملابس ، ولما علم الإمام المنصور بما جرى بين شرف الدين والشريف ظهر منه ما يدل على الحركة على أهل كوكبان ، فطلبوا من الشريف رجلاً من خاصته صحبة جماعة من الجند ليعلم الإمام ، أن الحركة عليهم بعيدة المرام ، فساعدهم الشريف إلى المطلب وجهز ابن أخيه السيد الماجد حيدر بن ظافر بن محمد وفي صحبته جماعة من العسكر وعصابة من أهل الخيل فوصلوا إلى كوكبان([11]) وتلقاهم السيد شرف الدين أحسن تلقي وقام بهم أتم قيام وغزت خيل الشريف من أطراف كوكبان إلى أطراف بلاد خولان ، ولم تظفر بطائل وما أعجل ما سارعت عله الحمام بالشريف المذكور حيدر فمرض نحو أسبوع وانتقل إلى جوار الرب الغفور ، فكتب شرف الدين إلى الشريف الخبر بموت الشريف حيدر ويطلب أمير آخر فوجه إليه رجلاً من موالي الأشراف يقال له سعد يحيى نسبه إلى سيده الشريف يحيى بن محمد ، وعين معه عصابة من الخيل زيادة على الأولين ونفذ إلى كوكبان أدركته المنية قبل الأمنية ، وبقي الجند الشريفي أياماً حتى اطمأن شرف الدين من أن يحصل عليه من الإمام تحرك أو تسكين ، وفيها جمع عبد الوهاب بن عامر أمير عسير الجموع وخرج من بلده يظهر للناس أنه يريد صنعاء وما وراءها من الصقوع فقلق لذلك خاطر الشريف وظن أنه يواري بصنعاء وإلا فإنه يقصد بلاد الشريف ، فأخذ الشريف أهبة الدفاع حيث لم يشعر به ، وقال أن سلك الطريق إلى صنعاء تركناه وحاله ، وأن تعرض لشيء من ممالكنا دافعناه بالسيف وطعناه من الكم والكيف ، فوصل إلى جبل (الريث) ([12]) – معرفاً باللام مع تشديد الراء المفتوحة بعدها ياء مثناة تحتية وآخرها ثاء مثلثة – وهم قبيلة تسكن جبلاً شاهقاً في أعالي جبال عتود ، فغزاهم بذلك الجمع وأخذهم بما أثاره من أسباب النقع ، وانصرف راجعاً إلى بلده فسرى عن الشريف ما كان يجده في خلده وفيها تتابعت الكتب من سعود إلى الشريف يستدعيه لملاقاته وآيس أن يصل إليه إلى نجد فجعل يبالغ في اللقاء إلى مكة ، ورأى أنه بذلك قطع معاذير الشريف وأغلق عليه أبواب الحيلة ، والحال أن الشريف قد أكثر الاعتذار ، ونوع أسبابه بكلما تقبله العقول ويروق لأهل الاختبار ، ولم تنجح عند سعود المعاذير ولا أسكته ما تصل إليه من الدراهم والدنانير ، والشريف استوحش من الإلحاح وقال : عسي الغوير أبؤسا([13]) ، فترجع له إرسال السيد العلامة محمد بن عز الدين النعمي ن أحد الملازمين لحضرته ، وممن يتولى الأقضية بعقوته ، وأصبحت هدايا سنية وكتب كتاباً أرق من النسيم وألطف من التسنيم، وظن أن محمد بن عز الدين لا يعود إلا بقبول المعذرة ، وإزاحات ما يتوهم من كيل السندرة ، فوصل محمد بن عز الدين بكتاب معه من سعود معناه لا عذر من تلاقينا في مكة ، ولا عذر في ذلك ولا مسامحة فيما هنالك فعين الشريف أبن أخيه الشريف الماجد ، الذي أن أعد ألف بواحد ؟ يحيى بن حيدر الحسني وألقى إليه ما في نفسه وضمره وقال له اعرف ما الذي منطوي عليه سعود ، وتعرف الحقائق من كبراء النجود ، ورؤساء الجنود فإن بقي للدراهم والدنانير مجال ، فنحن لا نبخل بالكثير من المال ، وأن لم يبق لذلك مشرع ولا للجميل مرتع ، عدت إلينا بالخبر اليقين ، وخبر جهينة بالصدق قمين ، فركب الشريف يحيى البحر الزخار ، وعبرت به المنشئات الكبار ، حتى وافى الحرم واشتغل بأعمال الحج ، وبعد تمام الحج لقي سعود ، وسمع منه بروق ورعود وأعمل الأفكار ، في الوقت على الورود والإصدار ، واتفق بالشريف غالب بن مساعد أمير مكة فاخبره الخبر ، وأشار إليه بالمبادرة إلى السفر ، فنفذ من حينه إلى اليمن حتى اتصال بالشريف وألقى إليه ما فهمه من التخويف ، وأصدقه الخبر أن لا عذر أن يقصدك جنود سعود ، ويستولي على ما تحت يدك من البلاد أن وافقتهم الجدود ، عند ذلك ، عند ذلك عمل الشريف على الاستعداد ، من ذلك أنه صالح الإمام على أن يرجع قطعة من بوادي المخا التي كان قد استولى عليها الشريف ويبقى تحت يد الشريف من حيس إلى حد بلاد الشام ، على أن يكون يد الشريف والإمام واحدة ، وأن الإمام يمد الشريف بما شاء من الأقوام ، والشريف يصدق العزيمة في قتال أهل الشام وهذا الباب من أعظم الأبواب التي كان يحذر دخول المكيدة منه ، ومن ذلك أنه أرسل ليام وجهزهم صحبة ولده الشريف أحمد بن حمود على قبائل (عك) من الزرانيق ) ومن على جيلهم لأنهم كانوا خرجوا من الطاعة وخشي أن يكاتبوا عبد الوهاب ، ويتوسعوا لطائفة من جنده في بلادهم فتعظم بذلك المحنة على الشريف ، فأخذهم الشريف احمد بالجند اليامي وقتل منهم قدراً لا يحصى ، واحرق بيوتهم ، وهدم معاقلهم ، حتى صاروا كأمثال الناس ، لما لقوه من شدة البأس . ومن ذلك أن الشريف استبطن الشريف منصور هل هو باق على العهد ، أو قد توجب عنده الرد ، فوجده باق على العهد محارباً لجند سعود بالجد والجهد واستبطن الشريف علي بن حيدر فوجده على العهد حاملاً لواءه وعامراً بناءه ، وسعود منصرفه من الحج أمر عبد الوهاب بن عامر بالتقدم على الشريف ، والاستيلاء على ممالكه ، وأمر أمير قحطان وأمير شهران بالنفير معه ، وعين رجالاً من خاصته يكونون مع عبد الوهاب ثم أنه قدم قبل ذلك كتباً إلى منصور ، وكتاباً إلى علي بن حيدر يذكرهما بعهودهما له ويطلب منهما الانفصال عن حمود والميل إلى عبد الوهاب فحين وصلت الكتب إلى من هي إليهما تململ منصور عن الجواب ، فأشارت إليه أنامله وقلمه برد الجواب ، فأجاب جواباً يشتم منه رائحة الانقلاب عن موالاتهم وينادي على أنه الباع والذراع والعضد لعمه ، وأما علي بن حيدر فالذي بلغ أنه حمل الخطوط والخطط الذي فيه التصريح بالإمارة ووصل بها إلى الشريف بالزهرة وعرضها عليه ، فلما قرأها وجم وظن أنه قد صاد صيده ، وكاد كيده، وبعد أن قرأها أرجعها علي وقال : أنت وذاك ، فقال له علي : سبحان الله لو كنت ملت إليها ما وصلتها إليك ، ولا عرضتها عليك ، إنما أردت بذلك طمأنينة قلبك ، وأمانة ما أنا عليه معك ، وهذه الكتب لديك فسجرها التنور أو أغرقها في سائلة مور).
فسري عن الشريف ، وأبرقت أسارير وجهه ، وشكرها لعلي حتى مات وهم يشكرها وأجاب على سعود ما هو قريب من جواب منصور ، فأنشرح من الشريف الصدر انشراحا ما عليه مزيد ، وأقبل على قتال عسير ومن والاهم منشرح البال ، وبقي ينتظر قدومهم عليه وتوجههم إليه وهذا في أوائل سنة أربعة وعشرين بعد المائتين والألف ، وفي شهر المحرم منها توفي القاضي العلامة الكبير النحرير أبو محمد علي بن حسن بن محمد العواجي قاضي بندر اللحية ، وكان إماما في العلوم فذاً ذكياً في المفهوم ، له اليد الطولى في فروع الفقه وعلم النحو والبيان وأصول الفقه ، وكان في أصول الدين نسيج وحده ([14]) ، لم يبق في أيامه من يعلم هذا الفن مثله ، لا في صنعاء ولا في غيرها ، وكان لطيف المزاج ، له أشعار أرق من تغريد الحمائم ، وألطف من هبات النسائم ، أخذ العلم عن مشايخ كبار وأخذ عنه كثير من أهم زمانه وأنا ممن أخذ عنه ، وقد استوفيت ترجمته فيما وضعته في تراجم أعيان القرن الثالث عشر ، وأثنيت عليه بما هو خليق بأكثر منه لاسيما الورع الذي أقل أن يتحلى به غيره وقد استوفيت ترجمته فيما ذكرت رحمه الله وأكرم نزله ، وفي هذا الشهر توفي الشريف الفخيم والملك المتوج العظيم ، رأس العصابة المحمدية وتاج المملكة الأحمدية ، عماد الدولة ، الذي له في كل هيعة صولة ، وفي كل معركة جولة ، أبو محمد يحيى بن محمد بن أحمد الحسني رحمه الله تعالى ، مات عند منصرفه من الحج في بلدة قرية البيض من أعمال وادي جازان ودفن بها ، وكان شريفاً سرياً ، وملكاً ضخماً عبقرياً ، ملك أعمال المخلاف السليماني مرات متعددة بولاية الإمام المنصور صاحب صنعاء فحمد الناس أيامه ، وشكر العامة أنعامه ولبس الأشراف آل خيرات في أيامه أثواب الدعية ، وخرجوا بنائل جودة وعطاياه من الضيق إلى السعة ، وكان يحب الجود وينفق الموجود ، وكان يحب العفو عن المجرم ، ويتجاوز عن خطيئة المسلم ، عمر المعاقل الحصينة ، واختط البقاع المتينة ، ومدحه جماعات من أهل زمانه بالأشعار الرائقة ، وحمدوه بالمدائح الفائقة ، وكان ابر الناس بإخوانه ، إذا أساءوا أحسن إليهم ، وان أحسنوا أمطر عليهم وابل جوده واهتن ، وجرى بينه وبين أخيه الشريف حمود أمور ما كان يحيى خليقاً بشيء منها ، ومات والوحشة حاصلة بينهما ، وكل ذلك بسعاية أهل الحسد ، والله يتجاوز عن الجميع ، ومن إنشاءات والدي – بل الله ثراه- في الشريف حين أختط لقرى الجهو و ( الكدرة ) و ( محبوبة) وغيرها بأعلى ضمد وهنأه بقصيدة رائقة أولها:
ما لا يلق الفرد أن يسمو مبانيك



ولا المفاخر إلا من معاليكا


يا أيها الملك الميمون لا برحت



لك العناية فيما الله موليكا


أحييت بالعزم أرضاً لا أنيس بها



فأصبحت وهي من أزهى مغانيكا


كانت مراتع وحش في حمايتها



وهي اليوم تحميها عواليكا


لا يسمع الصوت فيها غير صاهلة



أو قارح الروم من بعد يناجيكا



وهي طويلة وفيها مدح يلين الصم ، ويستدل العصم ، وقد استوفينا ترجمة الشريف المذكور في وفيات القرن الثالث عشر ، والله ولي التوفيق والإعانة نعم ،وكان الشريف أحمد وأصحابه رجال يام وأمكنه الله من أخذ الزرانيق ومن على جيلهم([15]) كما قدمنا ، كتب إلى ولده أن يبقي رجال يام في اليمن وفرقهم في الثلاثة المخاليف كل مخلاف يكون فيه راية من رايات يام فعمل على ذلك ، وجعل راية مواجد في مخلاف زبيد ، وراية جشم في مخلاف بيت الفقيه ، وراية آل فاطمة في مخلاف الزيدية ، وأمرهم بالبقاء حتى يتبين أمر عبد الوهاب ، وإقباله على هذه الرحاب ، وهذا في شهر ربيع الثاني سنة 1224هـ ، وفي ذلك الشهر توفي إلى جوار ربه تعالى ورحمته عالم الدنيا والمرجع لهذه الأمة في الحكم والفتايا فاضي الديار العريشية وابن قاضيها ، وإمامها الذي أذعنت له العلوم من صياصيها ، شيخ الإسلام ومرجع الأئمة والحكام أوب محمد القاضي عبد الرحمن بن الحسن البهكلي كان إماما في العلوم يرجع إليه ، وهماماً إذا أعضلت المشاكل يعول في حلها عليه ، ولم يبق فن من فنون العلم إلا وله فيه اليد الطولى ، ولا عويص من المشكلات إلا ويكون له في كشفه السابقة الأولى ، حكم بالحق ونشر العلم على الخلق ، وجمع بين القرى للضيوف ، والإقراء لطالب العلم الملهوف ، وعلى الجملة فقد ترجمته ترجمة تنيف على أربع صوافح؟ فيما ألفناه في وفيات القرن الثالث عشر ، فمن أراد التنزه في الرياض ، والكرع من معين عذب الحياض ، طالع تلك الترجمة في محلها ، وسيعلم أن وجود مثل ذلك الشخص في هذه الأمة من معجزات نبيهاً ، فيظهر حينئذ صحة الحديث ، علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل ، رحمه الله تعالى وجعله من أهل الفردوس الأعلى بفضله وإيانا آمين ، وفي شهر ربيع الثاني وصلت الأخبار الصحيحة عند الشريف بأن عبد الوهاب بن عامر قد برز الخيام ونادى بالنفير فيكل من هو تحت إمارته من جبل هاد إلى وادي ريم سهلاً وحزناً ، وأظهر أمر الغزوة ولم يوار بغيرها ، وما زالت العيون تصل إلى الشريف أرسالاً ، وفي خلال ذلك وصلت غازية أهل ركاب مطايا من قوم يقال لهم البقوم – بالباء الموحدة وقاف بعدها واو وآخر الحروف ميم بصيغة الجمع – ولعلهم من عتيبة القبلية المعروفة وهم تحت إمارة عثمان بن عبد الرحمن المضايفي العدواني([16]) نسبة إلى عدوان القبيلة المعروفة من قيس عيلان ، وهو أحد الأمراء الكبار مع سعود ربما قادة المائتين من الألوف في بعض الوقائع ، نعم فوصلت الغازية إلى ساحل بيش ، وكانوا يظنون أنه بقي في الناس ببقية من الموالاة لسعود ولو في مثل أهل بيش والجعافرة ، وإذا الأمر يتبين لهم كما يلي:
عضل والقارة([17]) ، فأدركهم الطلب من أهل صبيا ومخلاف بيش وسلبوهم الركاب ، وأرجعوهم القهقرى بصفقة التباب ومع هذا الحاصل فيهم من أهل المخلاف تيقن لعبد الوهاب أن كل من يرجى فيه الموالاة قد شرب بكأس المعاداة ، ورأى فيه حلاوة الاستعذاب ، وما زال مقيماً بمخيمه في طور السراة يجمع الجموع ، وينادي بالاستنفار أهل تلك الصقوع ، ولما ورد إلى الشريف خبر خروج عبد الوهاب أمر بالنفير في أهل مملكته من بلاد علي حميدة إلى وادي ضمد ، وأرسل لولده احمد بن حمود ورجال يام الذي في اليمن واستدعى من كان في اليمن من العساكر من غير يام ، هذا وهو مستقر بالزهرة ، ووكل استنفار أهل الجهة الشامية إلى وزيره العلامة الحسن بن خالد ، فقام الحسن بذلك وضرب الخيام في قبلي أبي عريش ، وما زالت الأجناد تصل إليه والشريف يجمع الجموع بالزهرة حتى تحقق له خروج عبد الوهاب من بيته إلى المخيم ، فادر الشريف بالعزم إلى أبي عريش وصحبته الجنود من رجال يام وحي بكيل وقبائل اليمن ، وبعد وصوله إلى أبي عريش أمر الحسن بن خالد أن ينفذ بمن بين يديه من الجنود إلى صبيا وينتظر هناك لقدوم الشريف ، وكان الشريف منصور قد جمع أهل صبيا وأهل بيش وكل من كان تحت وطأته ، وبقي ينتظر قدوم الشريف ، والشريف استقر بابي عريش أقل من أسبوع ، وإذا قد وافاه الخبر الصحيح بنزول عبد الوهاب من عقبة مناظر بجنود تملأ الفضاء ، ويكون سبباً لما يريد الله تعالى من

([1]) أرجح أن الصواب في هذه الجملة كالآتي: (واستقام كبير من قحطان) الخ.

([2]) العكفة: بضم الكاف وفتح الفاء: الحرس الخاص.

([3]) هكذا في الأصل

([4]) لغة جمهرت القوم جمعتهم ، وجمهرت الشيء جمعته ، والجمهور الرمل الكثير ، والجماعة من الناس وجمهرة الناس : جلهم.

([5]) الربش: العشب المختلف الألوان . وأرض ربش كثيرة العشب.

([6]) لقد كان تفاقم العداء الشخصي ، بين عبد الوهاب وحمود ، المعوق الفعال لتقديم مسيرة النهضة الإصلاحية والدعوة السلفية في جنوب الجزيرة بعد أن وصلت طلائعها إلى جبل كوكبان في الشرق الجنوبي ، والى قرب باب المندب في الجنوب الغربي ، ففي النصف الأخير من تلك السنة اشتد الخلاف بينهما وتطور إلى عداء سافر ، وأخذ عبد الوهاب في الكتابة إلى ( الدرعية ) بما يتراءى له من تصرفات حمود ، وحمود بدوره يكتب بتدخلات عبد الوهاب في شئون المنطقة العادة إلى إمارته والحد من نشاطه في نشر الدعوة إلى غير ذلك ، وكانت السياسة السعودية – ولا تزال – سياسة إسلامية رفيعة ومن منهجها حسن الظن بأهل الطاعة حتى ثبت ما يريب ، فرأى الإمام سعود استدعاء حمود ثم إحضار عبد الوهاب وتنقية الموقف بينهما ، فخامر الشك قلب حمود وأخذ في التسويف مرة والاعتذار بمشاغل اليمن أخرى ، فكتب إليه : ( عليك مقابلتنا في الموسم) فبعث حمود بالخراج مع رسالة يلتمس ويرجوا العذر عن القدوم في تلك السنة ، فعاد إليه الجواب بضرورة المقابلة في مكة المكرمة.في موسم الحج وعندما حان الحج بدلاً من أن ينصاع لواجب الطاعة ويرحل بعث ابن أخيه يحيى بن حيدر معتذراً ومستطلعاً لحاله فحج ، وسلم إلى الإمام فسأله عن عمه فأخذ في الاعتذار له فقال لن : ( عليك إبلاغه بالحضور وإلا فهو العصيان ) . فاتصل بعد ذلك بغالب بن مساعد( سراً) الذي هو على اتصال بالأتراك وبمحمد علي ويعلم أن أمر السلطان قد صدر قبل هذا التاريخ بسنة إلى محمد بن عي يغزوا الحجاز ، وأن ما أخره إلا انشغاله بتصفية أمر المماليك ، ومن المعروف أن كل غزو يسبقه اتصالات وتمهيدات ، والعمل على فتح جبهة أو جبهات جانبية ، وغالب من عرف بالتقلب ، فنرى رسول حمود يعود بسرعة إلى أبي عريش ويأخذ حمود في الاستعداد ، وعلى اثر ذلك يصل إلى اليمن مندوب مصري اسمه يوسف القبطان ثم يتم الصلح بين إمام صنعاء وحمود الذي يتنازل عن بعض مكاسب الدعوة في كوكبان والمخا لقاء بعث المذكور له بمرتزقة من همدان وغيرهم ، ثم يأخذ في استمالة ابن أخيه منصور بن ناصر عامل صبيا فيغويه فينضم إليه ويتظاهر بالعصيان العلني ، فيرفع عبد الوهاب للإمام سعود وراء ذلك العصيان السافر صدر الأمر إلى عبد الوهاب بالتقدم لحرب حمود.

([7]) (العيبة) وعاء من جلد ، واستعارة فلان عيبه ، أي موضع سره ومحل ثقته ، وفي الحديث ( الأنصار كرشي وعيبي ) قال بشر بن حازم
وكادت ( عياب ) الود منا ومنكم وأن قيل أبناء العمومة – تصفر.

([8]) راجع ترجمة منصور في الحاشية رقم(3) على ص128.

([9]) راجع ترجمة والده ناصر بن محمد في الحاشية رقم(2) ص115.

([10]) راجع صدى تلك الغزوة وما أفرزته في الأدب الشعبي في كتابنا الأدب الشعبي في الجنوب ص102 جـ 2.

([11]) جبل كوكبان من أشهر جبال اليمن الشقيق وهو على مسافة أربع ساعات عن صنعاء.

([12]) راجع حرف الراء من كتابنا ( المعجم الجغرافي) وراجع ص535 جـ1 و ص1162 ، 1163 جـ2 من كتابي ( المخلاف السليماني ) حول عصيان قبيلة الريث في العهد السعودي .

([13]) مثل سائر معروف : والغوير ما لكلب بناحية السماوة بالعراق ، قال الأصمعي : أصله أنه كان غار فيه ناص فأنهار عليهم ، أو أتاهم عدو فقتلوهم فيه فسار مثلاً لكل شيء بأتي منه شره . وقال الكلبي بغير هذا وأن الغوير هو ما لكلب ، وأن المثل تكلمت به (الزباء) ملكة تدمر لما رأت عير (قصير) مقبلة بأحمالها واصل المثل ( عسى الغوير أبؤسا) وعسي هنا تؤدي معنى الطمع والإشفاق . قال الأزهري هي من حروف المقاربة ، وقال سيبويه : عسى أن تفعل كقولك دنا أن تفعل ، قال الجوهري : أما قولهم (عسى الغوير أبؤسا ) فجاء نادراً وضع أبؤسا موضع الخبر ، وقد بأتي في الأمثال مالا يأتي في غيرها.

([14]) في نسخ الأصول الثلاثة ( شيخ وحده ) والصواب ( نسيج وحده) جرى التنبيه .

([15]) ومن علي جيلهم : أي من صنفهم وجاء في أساس البلاغة : عنده من الناس أجيال : أي أصناف والجيل الأمة ، والجمع أجيال .

([16]) عثمان بن عبد الرحمن المضايفي العدوان من قبيلة عدوان القبيلة العربة المعروفة ، كان من رجال غالب بن مساعد – أمير مكة المقربين وصهره ، ثم وقع بينه وبين غالب ما وقع ففارقه مغاضباً في سنة 1217هـ والتجأ إلى الدرعية فبايع الإمام عبد العزيز بن محمد الذي ولاه إمارة قبيلته والقائل التي حولها فسار من الدرعية حتى استقر في قريته ( العبيلاء) وكانت الدرعية قد استقطبت قبائل تلك الجهات فاجتمعوا حوله ، وكان الصلح الذي ابرم بين عبد العزيز وغالب قد انتقض فصدرت إليه الأوامر والاستيلاء على مدينة الطائف فاستولى عليها في نفس تلك السنة وانحدر بجيوش القبائل على ما حول مكة المكرمة واشترك مع بقية قواد الدولة السعودية حتى خضع غالب وبايع على السمع والطاعة .
وبعد ذلك ظل على إمارة جهته ، ويشترك في الغزوات في الجنوب والشمال ، حتى غزا الحجاز ( محمد علي ) فأبلى أحسن البلاء في قتاله حتى لحقته الهزيمة والأسر بعد معركة ( بسل) فسامه غالب الخسف لما في قلبه عليه من الغيظ فاستلمه منه ( أحمد طوسون) وأرسله إلى مصر مغلولاً بالسلاسل وبوصوله إلى قرب ( القاهرة) نزع من عنقه الأغلال واركب جملاً يحيط به العساكر ، وضرب المدافع إيذانا وإعلاما للناس بقدومه أسيرا حتى طلعوا به إلى القلعة ، وكان وكيل محمد علي ورجال دولته في انتظاره فأدخل إليهم فاخذوا في محادثته بره وهو يجيبهم كما يقول المؤرخ المصري عبد الرحمن الجبرتي : بأحسن خطاب وأفصح جواب ، وفيه سكون وتؤده في الخطاب ، وظاهر عليه أثار الإمارة والحشمة والنجابة ، ومعرفة مواقع الكلام ، حتى قال الجماعة لبعضهم البعض يا أسفاه على مثل هذا إذا ذهب إلى استانبول يقتلونه وبعد ثلاثة أيام أرسل إلى الديار الرومية فقتل هناك رحمه الله تعالى .

([17]) مثل سائر معروف : قال ( الليث ) بني عضل حي من كنانة ، وقال غيره عضل والدبش حيان يقال لهما القارة ، وقال الجواهري عضل بن الهون بن خزيمة أخو الدبش ، وهما القارة : فهما يضرب بهما المثل.
----------------
تابع











التوقيع

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
الشيخ:/ محمد بن حسين بن بيطلي بن حسين أبوعطله العامري
شيخ شمل قبيلة بني يعلا بوادي يبه

 
آخر مواضيعي

0 من الذي باع أراضي فلسطين لليهود ؟ سمسار اسرائيلي يؤرخ ويروي الأسماء !
0 محامي الجيزاوي: موكلي مغرر به وسأطعن بالإجراءات وانسحب إذا رفض طلبي
0 مقتدى الصدر الرافضي يلتقي معارضين بحرينيين في إيران
0 زيارة الملك سعود بن عبد العزيز للأردن على ظهر جواد عام 1933
0 الداخلية تكشف تورُّط الزنادي في إطلاق النار بالعوامية وتقبض عليه مصاباً

عرض البوم صور آل قطبي الحسني   رد مع اقتباس
قديم 01-11-2010, 07:24 AM   رقم المشاركة: 8
مشرف سابق

الصورة الرمزية آل قطبي الحسني



رقـم العضـوية 14
تاريخ التسجيل Mar 2010
عدد المشاركات 5,596
القبيلة نحن بنو يعلى من كنانة=رأس المضريين وفرسانها
مكان الإقامة إمارة بني يعلى
المهنة طالب
 
 
آل قطبي الحسني غير متواجد حالياً

افتراضي

القضاء ن وهم رجال عسير وشهران وقحطان وعصابة من عدوان أصحاب عثمان المضايفي ، أميرهم ، أميرهم علي بن عبد الرحمن المضايفي أخو عثمان ، جاءت طريقهم إلى الساحل ، وصحبه عبد الوهاب رجال من أهل الرأي والمشورة من أصحاب سعود بعثهم إليه يستعين برأيهم في الرأي ، فحين تحقق للشريف ذلك أقبل يقود الجيوش ، ويزأر زأرة الوحوش ، حتى نزل بوادي صبيا في غربي الوادي بظاهر البلد ، والأخبار تترى إليه ، والحقائق تتواتر عليه ، بأن عبد الوهاب قد أقبل بجنوده تملأ الرحاب ، ثم نهض من صبيا وصحبته أجناده وأعوانه وقواده وقد اجتمع لديه نحو سبعة([1]) آلاف من الرجال ونحو الثلاثمائة من أهل الخيل وهذا مجموع الجند الذي معه والذي مع العلامة الحسن ، والذي مع الملك العادل المنصور ، وما زال سائراً حتى خيم بقرية بيش في ظاهر القرية مما يلي (قرية سلامة العرب) وأناخ هناك ينتظر قدوم عبد الوهاب ، وعبد الوهاب يمشي على التأودة والأناة حتى خيم في مسيل وادي بيش ، محل قريب من مطرح الشريف بينهما قدر ميل أو أكثر قليل ، وبقي الشريف يقدم رجلاً ويؤخر أخرى في القدوم على مطرح عبد الوهاب والانتظار في محله حتى يكون عبد الوهاب هو البادئ ، حتى بلغه خبر صح لديه أن عبد الوهاب أحكم المكيدة والخدعة في الحرب ، على أن يركب سجوف الظلام ويسلك الحازة حتى يطرح على مدينة صبيا ، ويحول بين الشريف والرجوع إلى صبيا ويريد بذلك اختلال ملك الشريف وتفريق قلوب أجناده ولا شك لو تم ذلك لوقع مراده ، ولكن الشريف ومن معه من القواد قلوبهم قلوب الآساد ، وآراؤهم عند المضائق لا تكاد تخطئ السداد فعزم الشريف على إرسال طائفة من أهل الخيل في آخر يوم الأحد لعله ليلة الثامن والعشرين من شهر جمادي الآخر سنة 1224، وأراد الشريف أن تلك الجريدة من الخيل ستجر الحرب ، وتفتح باب الطعن والضرب ، فنفذت تلك الغازية وهم من خيالة يام وغيرهم ولم يكن فيهم من كبراء الأشراف والأمراء ، وإنما كان كبيرهم أحد عقال يام ، وحين أقبلت خيل الشريف على مطرح عبد الوهاب لحظهم خيالة نجد ، ورجال الجد والجهد ، فاعتلوا ظهور الخيل واقبلوا عليهم إقبال السيل:
خيل أمثال السعالى شزباً تعدو بيض في الكريهة شوس
فولى أصحاب الشريف الأدبار ولم ينجهم سوى الفرار ، وحين وصلوا إلى مخيم الشريف بتلك الصفقة الخاسرة كان ، كان أهل المطرح أن يدخلهم الفشل ، ويعتقدون أن الصيب عقيب الوشل ، ولكن الشريف في كبراء الأشراف لهم دربة بالحروب وثبات عند تفرق القلوب ، وعند ذلك عزم الشريف على التبكير أول غداة على جنود الشام ، وقصدهم إلى عقر الخيام ، فأصبح يوم الاثنين وقت الإشراق توجه الشريف ومن بين يديه ولم يكن همهم إلا قصد الخيام والاستيلاء على من فيها من الأنام وأصدق الحملة، ووصل المفرد بالجملة والتحم القتال ، وثبت الشريف علي بن حيدر الليث الغضنفر والشريف منصور والحسن بن خالد المشهور ، ومن هو مثلهم من أخوانهم الأشراف وانهزم عسكر الشريف ، وأول من أنهزم رجال يام وقبائل اليمن الأعراب الذين هم قسم من الأنعام ، ولم يلتفت الشريف إلا ولم يبق عنده إلا جماعة من أهل الخيل ، وقد صار هو ومن معه في مثل الدائرة من رجال عسير ، فأعمل الشريف السيف البتار وفعل هو وأولئك الرهط من أصحابه ما يذهب العار ويبقى لهم الذكر الحسن إلى انتهاء الفلك الدوار ، وخرج من ذلك المضيق ، وقد أشرق أعدائه بالريق ، ثم توجه إلى مخيمه فوجده خالياً مقراً قد هرب الناس منه وهم لا يلوون على شيء فما وسعه إلا اللحوق بعد الناس وكان في أخريات أصحابه يدب عنهم من لحق بهم من جند الشام ، وممن أشتهر بالتعقب وراء الناس والدفاع الشريف علي بن حيدر ، وأخبرني بعض من حضر الوقعة من أهل الثبات أنه كان في ذلك الموقف أمة وحدة يأوي إليه الضريع ، ويستنجد به الصريع ، وخيل النجود تحوم عليه وتمد أشطان الرماح إليه ، ولكنه أحب الموت فجبن عنه أعداه ، وعادوا عنه وقد عرفوا منتهاه ، ومداه ، ومن الله على المنهزمين في ذلك اليوم أن أرسل الله تعالى عاصفاً من الريح أثار من الغبار ما حال بين الرجلين المتلازمين فلم يبق شيء من ضوء النهار ، وسلك الشريف الناس يقول أن سلوك الشريف تلك الطريق لم يكن عن قصد ، إنما مع حصول العاصف تعذر معرفة الطريق وهذه الطريق التي سلكها الشريف أيكة متلفة ، وأشجار مصطفة ، وكانت لطفا للفارس ، لأنه لا يمكن اللحاق فيها من العدو وحصل قتل كثير من أصحاب الشريف ، ومن أصحاب عبد الوهاب ، وممن عصف به الريح الذهاب ، وتناولته رقاق المواضي والسنة الكعاب ، وقتل الأمير الماجد الشهير الباسل عبد الوهاب بن عامر الرفيدي ، وأمير هذه الجنود وقائد تلك البنود ، قتل عند حملة الشريف إلى الخيام ، والذي تولى قتلة جماعة من حي بكيل ومن ذو حسين هكذا بلغ والله أعلم ، وتم أقوال في تعيين القاتلين ، ولكن الروايات على ما قدمنا ، ولم يشعر أحد من رؤساء قومه بقتله في المعركة حتى وصل الشريف إلى صبيا آخر يوم الاثنين لعله التاسع والعشرون من شهر جمادي الآخرة سنة أربع وعشرين بعد المائتين والألف ، ولما حط بظاهر البلد من مدينة صبيا ولم يبق عنده من الجند إلا اليسير جاء رجل إلى الشريف منصور يخبره أن معه ( مراية) من لباس الخيل وأن صاحبها مقتول وأنه استلبها من رأس حصانه بعد قتله فعرف منصور ( الراية) أنها مختصة بفرس عبد الوهاب ، حيث أن صاحبها مقتولاً فما هو إلا عبد الوهاب فأخبر الشريف بذلك الخبر فسري عن الشريف بعض ما يجده من وحشة الهزيمة ، وقال أن انجلت هذه المعركة عن قتل عبد الوهاب فكل أمر بعدها جلل ، لأن بقتل عبد الوهاب يختل نظام أهل الشام ، ولا يتم لهم بعد ذلك مرام ، ثم نفذ الشريف من حينه إلى أبي عريش ولم يبت تلك الليلة إلا بقرية (العقدة) بالقرب من أبي عريش وأما الشريف منصور فوصل إلى صبيا صحبة الشريف ووجد أهل صبيا قد خرجوا منها هاربين ، وجميع القرى التي في بيش والساحل هرب سكانها حين بلغهم هزيمة الشريف وأصحابه ، واتصل الهرب بأهل مدينة أبي عريش والبوادي المحيطة بها ولم يبق بتلك الجهات من بيش إلى أطراف حرض أحد من السكان بل تعلقوا بالجبال ، وأوغلوا بالأهلين والعيال ، ولما رأى منصور خلو صبيا من أهلها بادر إلى أخراج أهله وحشمه من الدار ونفذهم إلى أبي عريش وبقي في صبيا هو إليه هو وجماعة من العسكر أنتخبهم من العسكر من قبيلة سحار وجمع ما يحتاج إليه من الزاد والأقوات والزانة وبقي ينتظر ما يرد من أخبار الشام ، وأما الشريف حمود فدخل مدينة أبي عريش وقت الإشراق وصادف قد هرب أهل أبي عريش ولم يبق إلا أهل الديرة من الأشراف وجيرانهم وحصل مع من بقي عند الشريف من الجند الرعب ، أعظمهم قبائل يام فتفرقوا أيدي سبأ ، ولم يبق منهم إلا من ثبته الله ولزمه الحياء ، وأما أهل الشام فأنهم بعد أن دفنوا عبد الوهاب وغيبوه تحت الجنادل والتراب ، أقبلوا على جمع الرأي وإقامة أمير منهم يصدرون من عند رأيه ، وفوضوا الأمر إلى النفر الذين جاءوا من عند سعود لمشاورة ( عبد الوهاب) وفيهم رجلان إليهما يرجع كل من في الخيام ، وأحدهما يسمى غصاب العتيبي بصيغته المبالغة والثاني محمد بن مقرن من رهط سعود ، فأقاما رجلاً من عسير ورفعا الواقع إلى عند سعود ، وطلبا منه تعيين الإمارة لمن تكون ، وقد كان طامي بن شعيب الأمير الكبير في غزو البحر ولم يحضر الوقعة إنما نزل من جازان بعد الحرب واتصل بأهل المطرح([2]) وبقي هنالك إليه الإصدار والإيراد عن أمراء الرجلين معاضد لمن رضيا من رجال عسير ، وحين اجتمع رأيهم عزموا على التوجه إلى اليمن فنفذوا من معركة القتال إلى صبيا ، وخيموا بظاهرها وعشروا بالبنادق تعشيرة بلغ من بعض الناس أنها سمعت من حرض مسيرة ثلاثة أيام لأن القوم فوق العشرين ألف فرعب كل من سمعها من ألأهل أبي عريش وغيرهم ، ثم ناوشوا منصور الحرب وشمر لها عن ساق ، وكانوا لا يقفون منها على طائل إلا أنهم خدعوه بأن بذلوا له العهود بأنه أمير بلدة وحفيظ محتده ، وإنما طلبوا منه العهد في الموالاة ، وحصل له في مد الأمل الإمالة ، وأكثر الانخداع لمحمد بن مقرن لأن الشريف منصور قد عرفه حق المعرفة وسبق بينه وبين المذكور ما يؤمن معه الغوائل ، فأصغى إلى قول ابن مقرن ، وساعده فيما طلب منه خطاب تطمين ما وقع منه الانضمام إلى أهل الشام ، وأنه عين قفا سيكون للشريف في مستقبل الأيام([3]) وحين وصل العسكر إلى الشريف ، وصحبتهم من الشريف منصور التعريف ، وجد نفسه على منصور ، ولامه على الانخداع بأقوال الزور ، وبعد خروج الرتبة من القلعة طلبوا منه تفريغ جانب من القلعة يحلون فيه رتبة من أصحابهم ، وكأنه تلكأ من قبول ذلك ورأى أنه من مبادئ الاختلاف عليه فأفهموه أن الرتبة ستكون نظرها إليه وهو القائم بأمرهم وأمر البلد إليه ، ولما دخل الرتبة من عسير وقحطان إلى القلعة جعلوا عليهم أميراً على العسكر بحكم النقيب على العسكر ، ولكنه ظهر منه الاستبداد وعدم الاحتفال بموارد الشريف منصور ومصادره ، ثم حكم ابن مقرن على منصور بالخروج معهم إلى ضمد ومحاصرة من في القلعة – قلعة ضمد- وفي همهم أنهم يملكون حصن ضمد كما يملكوا حصن صبيا ، ثم يتوجهون إلى أبي عريش فنفذ صحبتهم الشريف منصور ، ( مكرهاً أخاك لا بطل) ، لكن أقتضى الحال المسايرة فتوجهوا إلى ضمد وخيموا بظاهر البلد من جهة القلعة ، وقد كان العلامة ( الحسن بن خالد) قد وصل من أبي عريش إلى ضمد لقصد حماية القلعة ومدافعه أهل الشام واجمع عنده من أهل الرماية بالبنادق جماعة كثيرة ، فنصب أهل الشام الحرب وحملوا على القلعة مراراً وكان الحسن قد خندق على القلعة خندقاً مانعاً ، فأستمر الحرب عشرة أيام ، وكان أهل الشام قد استصحبوا مدفعاً من صبيا فكانوا يرمون به على الحصن وربما أثر الرمي في بعض الأحيان ، ولكن يعمره أصحاب الحصن في الحال وفي هذه الأيام ترجح لحشر القحطاني وقومه قحطان الغزو إلى جهة اليمن ، وبقي في المطرح عسير وغيرهم ، فنفذ إلى جهة ( بني شبيل ) ما بين أبي عريش وحرض ، ولم يفق على طائل ، ثم كرر راجعاً يريد المطرح الذي بضمد ، فوقع للشريف الخبر بإقبال حشر ومن معه فنادى بالذي بين يديه من أهل الخيل والركاب من الأشراف وغيرهم ثم خرج بنفسه ، فضرب الخبت ينتظر إقبال حشر حتى التقى الحيان بمحل يسمى ( الوحلة) غربي أبي عريش يضرب إلى جهة اليمن – والوحلة([4]) بواو بعدها حاء مهملة ساكنة بعدها لام مفتوحة وتاء تأنيث آخره -أصطدم الجيشان ودارت بينهم رحى الحرب ، واختلط الفرسان وحمى الوطيس وأخذت السيوف العوالي مأخذها ، وكانت الدائرة على (حشر) وأصحابه للشريف فلم ينج حشر ومن بقي من قومه إلا الفرار بعد أن قتل منهم ما لا يأتي على الانحصار وعاد الشريف مؤيداً منصور ، وقد هون عليه هذا الواقع ما كان في نفسه من الانكسار في وقعة بيش ، وقعد عودة حشر من اليمن نادى كبراء القوم بالشداد من مطرح ضمد ، ورجعوا إلى الشام وجاءت طريقهم على صبيا ، واختلف الناس في سبب شدادهم فكثير من الناس يقول : إن الشريف منح كبراء القوم بشيء من المال فأظهروا لعامتهم أنا فعلنا ما فعلنا وما يمكن منا التعدي إلى اليمن إلا بعد الجواب من سعود بتعيين الأمير الذي بعد عبد الوهاب ، وعاد معهم الشريف منصور إلى صبيا ، وأشار عليه محمد بن مقرن وغصاب بأن يكتب إلى سعود ويظهر التوبة ويتظاهر بالموالاة ويرسل المكتوب مع ابنه مع بن منصور ، وهم كتبوا كتباً إلى سعود أبانوا فيها المعاذير لمنصور ، فنفذ الولد وبقي منصور في صبيا في القلعة ، يتردد منها إلى الحسينية القرية التي اختطها بوادي نخلان حتى ظهر له بعض الأيام من الرتبة وأميرهم ما أزعجه من الإقامة بينهم فنفذ إلى الحسينية واستقر بها ، وكان قد عمر بها معقلاً حصيناً وقد عمرت بالسكان فاستقر بها ، وكان ينتظر قدوم ولده من عند سعود بن عبد العزيز فان وصل جواب شاف وارجع له صبيا وبيش والبلاد التي كانت بنظرة ، ورفع يد عسير وقحطان عنها بالكلية ، فكان ربما أنسلخ إلى طاعة سعود ولو بابن عمه حمود ، وأن وصل الجواب على خلاف المراد قلب ظهر المجن ، ووالى عمه الشريف حمود بما ظهر منه وما بطن ، فوصل ولده من الدرعية بخط عارٍ من المطاليب يتضمن شيئاً من إقذاع الكلمات التي يتحامها العقلاء والكملاء ويستعملها الرعاع ، وهو أيضاً منحصر([5]) ؟ يدل على عدم اتساع خاطره لمجاوبه الشريف منصور ، ولن يخاطبه بما تخاطب به الصدور فوصل الجواب وأحاط منصور بما تضمنه ، وعلم منه أن الأمر على خلاف ما كان يؤمله ، والشريف منصور من أهل الدهاء ومعرفة الأمور ، صادق الحدس ، وصحيح الفكرة وحينئذ كتب إلى عمه الشريف حمود يتعرف ما هو عليه ويخبره أنه سيقدم إليه ، ويعرف بما لديه فعاد الجواب من الشريف بما يطمن خاطره ويقر به إليه ، فشرع منصور في تحميل أثقاله من الحسينية إلى أبي عريش ، ثم نفذ بد أن لم يبق له طرف في الحسينية ، واظهر الشريف البشر لمنصور ووعده بالقيام والكفاية معه حتى يستعين على استنقاذ صبيا ويرجعها إليه ، وأجرى له من الكفاية ما يقوم بأوده ويكفيه مؤنة أهل وولده ، وأنشد لسان حاله مخاطباً أهل الشام بقول الشاعر([6])
وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى



وفيها لمن رام القلى متحول


لعمرك ما في الأرض ضيق على أمرىء



سرى راغباً أو راهباً وهو يعقل


ولي دونكم أهلون سيد عملس



وأرقط زهلول وعرفاء جيئل


هم الأهل لا مستودع السر ذائع



لديهم ولا الجاني لما جر يخذل



وأما جواب سعود على عسير فإنه جواب لهم بما جبر لهم المصاب ، ومن قتل عبد الوهاب ، وشكر صنيعهم وجل الأمير على كفاية عسير طامي بن شعيب الرفيدي المتحمي أحد قواد عبد الوهاب ، وممن يشار إليه عند الأمور الصعاب ، وهو من قرابة عبد الوهاب في لحمة النسب ، فقام بالأمر أتم قيام، فأرسل إلى صبيا ومخلافها أميراً من خواص أخوانه وصحبته عصابة من رجال عسير ، ونادى في أهل تلك الجهات بالأمان والعفو عما كان ، وأستقر ببلدة ( طبب) من أعمال السراة ، وقد عهد إليه سعود ببذل الوسع في معاداة الشريف حمود ، والشريف حمود مستقر بابي عريش يتتبع الغوائل لاستنقاذ صبيا ومخلافها ، وما زالت غوازي أهل الشام من قحطان ومطير وعسير وشهران وعتيبة تترى على بلاد الشريف وما يتعدون عن أبي عريش ويخرج إليهم فرسان الأشراف وأهل حضرته والحرب سجال:
فيوم علينا ويوم لنا ويوم نساء ويوم نسر
وقصر الشريف نظرة عن الشهيج ؟ إلى افتتاح الأمطار ، وطلب الزيادة من شيء غير هذه الديار ، بل قنع بما في يده من البلاد ، واشتغل بالذب والحماية عنها كما تذب عن فرائسها الآساد ، وملأ المدن والبنادر بالعساكر ، وقواها بالإمداد المتكاثر ، وجعل على كل بلاد عاملاً يركن إليه ، ووبخه بكلام إذا تذكره العامل أختار الموت دون مخالفة ذلك ، وجعل المشارفة على أعمال اليمن لابن أخيه الشريف الماجد الواحد إذا عد الألف بواحد العماد قرين الإسعاد يحيى بن حيدر الحسني فاستقرت الأحوال ولم يحصل على الشريف اختلاف من أحد منهم ، ومن شهر رمضان من هذا العام انتقل إلى جوار ربه الملك العلام ، المولى الإمام أبن الإمام ، خليفة عصره ويوسف مصره ، أمير المؤمنين المنصور بالله رب العالمين ، علي بن أمير المؤمنين المهدي ، العباس بن المنصور:
شعراً:
سادة شيدوا المعالي وسا



سوا ، بالعوالي والمرهفات الناسا


ملكوا ملك جدهم وأبيهم



فأزالوا عن العباد الباسا




كان الإمام المنصور غرة في جبين الممالك ، وقام بأمر الإمامة في اليمن سبع وثلاثين سنة ، فخب ووضع ، وخفض ورفع ، وقد استوفيت سيرته من أول دعوته إلى وفاته فيما كتبته من الوفيات لأهل القرن الثالث عشر وذكر بعوثه وسراياه وما اشتملت عليه مدة ، وكانت وفاته ليلة الأربعاء سادس عشر من رمضان ، وقام بالأمر بعده ولده المتوكل على الله أحمد بن أمير المؤمنين المنصور ، وقد استوفيت سيرته أيضاً في ترجمة وفاته فيما كتبته من وفيات الأعيان ، ثم أن الشريف أكد ما بينه وبين الإمام المتوكل على الله من العهود على اجتماع الكلمة في معاداة سعود والتزم الإمام للشريف بإرسال الجنود ، والشريف التزم بما يحتجون إليه من النقود ، فبعث الإمام إلى الشريف رهطاً من حي بكيل أكثرهم من ذي محمد ، وفتح للشريف الباب الكامل ، فوصل إليه العساكر فما زال حي همدان بكيلي ويامي وحاشدي يصلون إليه ، وفي شهر القعدة انتقل إلى جوار ربه تعالى الشريف الماجد أحد كملاء الأشراف ورؤسائهم الذي يرجع إلى رأيه عند الاختلاف ، ظاهر بن محمد الحسني وكان شريفاً حسن الشيمات واسع المعروف ، محله معمور بالضيوف ، حسن الأخلاق ، بساماً في وجوه الرفاق رحمه الله تعالى ، وفي هذا الشهر انتقل إلى جوار ربه تعالى الأخ القاضي العلامة أحمد بن عبد الرحمن البهكلي رحمه الله تعالى وكان فاضلاً كثير الخوف من الله سبحانه كثير الرجاء في رحمته مواضباً على الطاعات القولية والعملية ؟ ورزق البر الكامل بأبويه ، وله توجه إلى أفعال الخير وله مشاركة في كثير من العلوم رحمه الله تعالى ، وفي شهر الحجة من هذا العام جمع الشريف جنداً من حي بكيل ومعهم ألفاف من غيرهم وأمر عليهم الشريف محسن بن علي الحازمي ، وجعل النظر على الشريف محسن للشريفين منصور بن ناصر وعلي بن حيدر ، وان محسناً لا يستبد بتدبير الحرب ولا غيره إلا بما يقوله الشريفان أما منصور فلكون هذا التجهيز نصرة ، وقد وعده بعض رؤساء أهل المدينة بأنه متى أقبل بجنده انحازوا إلى جانب من البلد وانضموا إليه في معاداة عسير ، وبعض منهم التزم له أن يكف خيره وشره عن الطائفتين ، ولم يبق مع عسير إلا بعض من الناس ، فوجه الشريف مع الجند ولعل يتم له ما وقع من السياسة فبعث ليتملك البلد في أقرب وقت ، وأما الشريف علي بن حيدر فأرسله الشريف مع القوم لكونه واحد كألف أن أمر عنا ، وفي اختباره بتدبير الحرب ومعرفة الطعن والضرب ، فتوجه القوم من حضرة الشريف آخر الحجة في صحبة من ذكره من الأشراف ، وصحبتهم من خياله الشريف كتيبة نافعة ، فلما قاربوا صبيا طرحوا بمحل يسمى ( الباحر) وقد تقدم ضبطه في أول هذه الورقات ، وأرسل الشريف منصور لأهل صبيا الذين وعدوه على الانضمام وإذا هم أهل الكوفة مع الحسن السبط ، وتعللوا بمن معهم من الحرم والصبيان ، فأمرهم منصور أن يدخلوا نسائهم وصبيانهم إلى الجامع الكبير ليصطانوا من المعرة ويسلموا من المضرة ، ويخرج الرجال إليه ويتظاهروا بخذلان عسير ويعينوا عليهم ، ثم بقي ينتظر وصول الرجال ، أو خبر تشد له الرحال فلم يقف على غير الأياس ، فتوجه بمن بيده من حي بكيل إلى صبيا . وثار الحرب بينهم وببين عسير في أطراف البلد مراماة بالبنادق ، ثم توجه قوم الشريف إلى قبلي البلد مما يلي الغرب فدخلوا هنالك ، وطائفة دخلت من الغرب حتى وصلوا الحافة الغربية ، وكان في تلك الحافة حسين بن محمد عسمينة رجل من أهل صبيا الغالين في سلوك طريقة ابن عبد الوهاب ، غلوا ألحقه بالخوارج أهل النهروان لفرط عاميته ، فكان يسرع إلى تفكير الناس ، وكان مقرباً عند عسير بسبب هذا الغلو وكان قد جمع رجالاً في بيت له حصين ، فباشر الذين دخلوا من أصحاب الشريف من الجهة الغربية بالحرب ، واستمر إلى دخول الليل ، وكانت اليد والدولة لأصحاب الشريف ، فدخلوا قلعته وارخصوا سلعته ، واستأسروه وأسروا جماعه من قومه ، ولما أوصلوهم إلى الشريف منصور قرت عينه ، لأن ابن عسمينة قد أقذع في الكلام وما هو بأهل شيء من ذلك ، وإنما الجهل آفة العقل ، وأما الطائفة التي توجهت من قبلي البلد فوقع الحرب بينهم وبين أهل المعاقل القبلية حتى اتصل الحرب بمن في الجامع ولعل من كان في الجامع من رجال صبيا حصل منهم رمي على بعض القوم ، فحمل القوم على الجامع فأغلق ما فيه من الأبواب فجعل جند الشريف يرمون من (الكوات) على من في الجامع ، وقد أجتمع فيه أكثر نساء أهل صبيا وصبيانهم ، إلا من شاء الله ، فقتل ممن في الجامع خلق كثير أكثرهم من النساء والرجال وقليل من الصبيان ، وضج الناس بالصياح وماج بعضهم في بعض ، حتى رحمهم بعض رؤساء جند الشريف فكف عنهم الضرب وخرج من بقي منهم في أمان حتى أوصلهم المطرح ، وحين رأى الشريف هذا الواقع ساءه ما حصل ولكن سبق السيف العذل ، وإنما اجتمع هو والشريف علي بن حيدر على فك النساء والصبيان من أيدي العسكر والمن عليهم وساعدهم أمير الجند محسن بن علي ، وأما عسير الذين في القلعة فما وصل إليهم شيء من الضرب وفيهم أمير يسمى محمد بن أحمد المتحمي أحد كبراء عسير من عشيرة عبد الوهاب ، وعنده في الدار نحم المائة من رجال عسير فأقام الأشراف بظاهر البلد ينتظرون أو لعله يتم شيء من أمر السياسة فلم يتهيأ شيء من ذلك شعراً:
لا نسب اليوم ولا خلة أتسع الخرق على الراقع
ووصلت إليهم أخبار بتوجه طامي بن شعيب وجنوده إلى صبيا غوثاً لمن في القلعة من قومه ، وعند ذلك اختار الأشراف الرجوع إلى حضرة الشريف بمن بين أيديهم من الجند وفي صحبتهم حسين بن عسمينة ووزيره عبده أوب القصب المأسوران بيد بكيل كما قدمنا ، ولما وصلا إلى أبي عريش أفتى العلامة الحسن بن خالد بضرب عنقيهما ، ولم يتأول في ذلك بجهلهما فضرب عنقيهما ولقيام ربهما ، وبعد وصول الأشراف من صبيا وصل طامي بن شعيب وصحبته نحو ألف نفر من رجال عسير وأقام بصبيا أياماً ثم عاد إلى بلده ، وهذا في أول شهر محرم الحرام عام خمسة وعشرين بعد المائتين والألف ، وفي هذا الشهر توفي صديقنا الشريف الماجد علي بن ناصر بن محمد الحسني أخو الشريف منصور في علة تقادم عهدها وبقيت تعاوده في أكثر الأوقات حتى كانت سبب موته ، وكان شريفاً عجيباً ذكياً سريع البادرة حسن المنادمة والمحاضرة ، له شغلة بمطالعة الكتب العلمية والتواريخ والرسائل العلمية ، وله تطلع إلى معرفة أيام العرب ووقائعها ، وكان كثير الشغف بكتب الشيخ صالح المقبلي ، ويميل إلى العمل بما فيها ، والجملة فهو من صالحي أهل البيت رحمه الله تعالى ، وفيه أو في الشره الذي قبله توفي الشريف الحسيب النسيب ، كامل الرأي صادق الحدس في القرب والنأي محمد بن حسن بن أحمد الحسني ، كان تحفة من تحف الزمان ، وزينة يتحمل بها ذلك الأوان ، كثير المطالعة في كتب التاريخ وأيام الناس حسن المذاكرة فيما يحصل فيه الاختلاف والالتباس وكان صحيح الفكرة فيما يترقب وقوعه ، وجيد البنية إذا التقت عليه في الحادثات جموعه ، رحمه الله تعالى ، وفيها أرسل الإمام المتوكل على الله إلى الشريف بجمع من توابعه ، من توابع صنعاء وعبيد القصر ليكونوا رتبة عند الشريف في معاقله حسب ما وقع عليه الشرط في الموالاة واجتماع الكلمة على المباينة لسعود والمعاداة ، فتلقاهم الشريف ، وأسكنهم كل معقل منيف ، وأجرى لهم ما يقوم بأودهم وأسبغ عليهم من الأنعام ما أنساهم بلدهم ، ثم أرسل الإمام طائفة من حي بكيل حسين وعقال ذو محمد من جميع أفخاذهم ، فتلقاهم الشريف وقرر جوامكم ....- واستقبلهم في حضرته لما يترقب من أهل الشام ، وغوازي أهل الشام تترى إلى أطراف بلد أبي عريش ، ويحصل بينهم وبين أصحاب الشريف القتال ويرجون إلى الشام ، حتى كان في شهر ربيع الأول وصلت الأخبار إلى الشريف بأن عثمان بن عبد الرحمن المسمى المضايفي أمير حجاز مكة جميعه إلى أن يتصل بعليا هوازن وسفل تميم قد خرج من بلده الطائف يريد غزو اليمن عن أمر سعود ، وقد جمع من جمع من جنود ما يقارب خمسة آلاف وفيهم أهل ركاب وأهل خيل ، ولما بلغ إلى الشقيق أنضم إليه طامي وقومه وقدرهم زهاء ثلاثة آلاف ، وأنضم إليهم ألفاف شهران وغيرهم نحو الألف ، وتوجه الجميع إلى اليمن وكان طريقهم غربي أبي عريش بنحو فرسخين ، وهم الشريف بالاعتراض لهم وأن يحول بينهم وبين اليمن ، فلم يبلغه خبر مضيهم ألا وقد نفذوا وبقي يترقب رجوعهم وهم غزو إلى مور وانتهوا إلى مورد الماء الذي يرده أهل اللحية ، محل يسمى العيسية ، نسبة إلى رجل يسمى عيسى من أهل الجامعي ، وأخذوا ما وجدوه هنالك من الأنعام ، ووجدوا هنالك رجالاً قد ابتدوا في عمارة حصن عن أمر الشريف ، فظفروا بهم وقتلوهم إلا من شاء الله ، ثم عادوا لا يلوون على شيء ولم يتهيأ لهم دخول اللحية ولا دخول الزهرة ، ولما وصلت الأخبار إلى الشريف بإقبالهم من اليمن خرج بنفسه ونادى فيمن بين يديه بالنفير ، فنفر معه أكثر الأجناد من بكيل وغيرهم من أهل أبي عريش حتى وصل إلى محل غربي الوحلة ضارباً إلى جهة اليمن في محل أفيح فيه بئر أو بئران لا يقوم ماؤها بالجند الكثير يسمى (بربر) ([7]) بزنة جعفر – ببائين منقوطتين من أسفل تحتيتين بينهما راء وآخره راء - فأمسى الشريف بذلك المحل والناس يأتون بعده أرسالاً ، ثم أرسل رجلين من خيالته يقريان الخبت ويرقيان الكثبان الطوال ومتى ظفروا برية القوم عادوا إليه بالخبر اليقين ، فمضى الفارسان في قصص القوم ضاربين في الخبت من أخريات الليل إلى ضحوة النهار وإذا هم بمذاكي القوم الذين يقصون لهم فرأى القصاص أصحاب الشريف وتناجوا فيما بينهم، فأخبرهم أصحاب الشريف أن الشريف في ظل الكثيب عند الأراكة والكثيب الأوعس، وخيالة أهل الشام قالوا:
نحن بنو الحرب فما بالنا



نعافها هيهات من أن تعاف


نحن الأولى ما عرفت خيلنا



يوم الوغى إلا طعان المصاف



ثم التفت الشريف إلى الجهة التي القوم فيها فرأى سيلاً جراراً، وبحراً زخاراً أمواجه العتاق الضمر، وملاحته الصناديد الغمر، فصف الشريف رجاله، وثبت محل الخيالة، وانتظر قرب القوم، فلما هبط القوم من الكثيب الأوعس، والعقنقل الأملس، ضربوا الخيام، وقالوا بذلك الرغام، فانبهر جند الشريف، حين شاهد المخيم الكثيف، والشريف يزأر زئير الليث الهصور، وقد وزع أهل الخيل على رأي علي بن حيدر بن منصور، وبقي الشريف وجنده يزاولون الظلال، ويتفيأون تحت الأراك الطوال، وحين أكل أهل الشام الطعام وشربوا من الماء ما أطفأ الأوام، وهموا بالشداد، ولكنهم خشوا أن يتبعهم الشريف في الأخريات فيظفر منهم في القاصيات، وربما أن حملوا بكلهم فيهزم في قلهم، فترجح لهم القدوم الشريف، وصفوا صفوفاً ملأت الفضاء، والشريف حمل حملة الفحول، وصدم ذلك الجيش المهول، وما أسرع من انكسار خيل الشريف وتوليهم الأدبار، ولم يبق فيها إلا الشريف علي بن حيدر والشريف منصور ينادون فيها يا كتائب ارجعي، وهيهات بعد الانهزام رجوع، وأحاطت خيل الشام مع كثرتهم ووفرتهم بالشريف وعشيرته، فتمثل في تلك الحال بقول ابن الأطنابة الأنصاري:
أقول لها وقد طارت شعاعاً



من الأبطال ويحك لن تراعي


فإنك إن طلبت بقاء يومٍ



على الأجل الذي لك لم تطاع


فصبراً في مجال الموت صبراً



فما نيل الحياة بمستطاع



ثم خلص الشريف وعشيرته من بين تلك الجنود بعد طعان اندقت له صدور العوالي وتثلمت منه النصول.
وأما رجال بكيل حسني ومحمدي فإنهم دخلوا في الأراك وحمى الوطيس هناك، ولم يستطيع أهل الشام الوصول بغير الرصاص، واستمر الحرب بين بكيل وأهل الشام من وقت الظهيرة إلى بعد المغرب، وكان حي بكيل نحو أربعمائة، وأهل الشام نحو أربعة آلاف بندق الذين قصدوا لقتال بكيل، وكانوا يتناوبون حتى انجلت المعركة عن نحو مائة قتيل من ((ذو محمد)) ونحو ثمانين مقتول من ((ذو حسين)).
وأما أصحاب الشريف من أهل أبي عريش والألفاف فعالم كثير لأنهم انهزموا بانهزام أهل الخيل فلحقهم أهل الشام، وأذاقوهم كأس الحمام، وقتل من أهل الشام قوم كثير، ومن اجلهم سعود المضايفي ابن عم عثمان المضايفي، وهو أكبر رؤساء عثمان، منزلته عند عثمان كمنزلة طامي عند عبد الوهاب، وقتل الفقيه يحيى بن شائع العسيري أحد صناديد رجال عسير ومن عليه عندهم المعول والتعويل، فيما يحتاج إليه عند الحروب من التدبير، وقتل من رؤساء أصحاب الشريف أخوه الشريف منصور بن محمد بن أعيان الدولة وفرسان الصولة معدود من خاصة ا لملك، وكان منقطعاً إلى أخيه يحيى بن محمد ما علم منه مخالفة مدة بقاه في الولاية، وكان يميل إلى أولاد أخيه آل حيدر، وينعم عليهم في أكثر ما يأتي وما يذر، فلما توجهت الجهة إلى الشريف حمود، ونال من الملك ما بلغه حظه سعادة المجدود، لازمه الشريف منصور بن محمد وبقي معه في حضرته وكان من عادة الشريف حمود على عشيرته يحسن إلى الرجال منهم ولو لم يكن له إليه حاجة، وأكثر الأشراف في أيامه كانوا على هذا، وقد خرجنا عن المقصود.
فأما الشريف فما غابت الشمس إلا وهو بأبي عريش، وكذلك كل من نجا من لعاب المنية السائل على ذوات الريش، ومن عصف به الريح، فهو في تلك الفيافي طريح، ويبعثون على نياتهم.
وأما من بقي من بكيل فهم وصلوا في آخر الليل، وقد أقاموا الحرب على ساق، وسقوا أعداءهم السم الزعاف، والشريف بعد وصوله بقي يلوم نفسه على الفرار، ويتأسف على عدم ثبوت أصحابه في ذلك المدار، وخطر في باله أن القوم يلحق بعده إلى أبي عريش، فأراد ترتيب المعاقل، فأقبل عليه العلامة الحسن بن خالد وقال له: يا سبحان الله لا تضيق ذرعاً في هذا الحاصل، فإن هذا هو الفتح المبين، حيث علم رؤساء سعود أنك تلقاهم في الفيافي والقفار، وتقاتلهم بمن بين يديك وليسوا منهم عشر المعشار، فإن قتال اليوم قد أوقع الله تعالى به في قلوبهم، وقد انقلبوا إلى بلادهم لا يلوون على شيء، وقد أطال الحديث بقصة الحديبية وتسميتها فتحاً، ولم يكن فيها إلا منع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه من دخول مكة وضرب الهدنة، فسري عن الشريف ما كان يجده من الحرج، وعد هذه المقالة من الحسن من حصول الفرج، والقوم كانوا قبل لقيا الشريف انخذلت طائفة منهم إلى حصن الشريف الذي في قرية (الجنة)([8]) واستولوا على ما فيه من العسكر، وأمروا على أعناقهم السيف الأبتر، ثم إنهم بعد اللقيا بينهم وبين الشريف توجهوا إلى الشام وانخذل رجال من عسير إلى بندر جازان، وكان فيها رجال من أصحاب الشريف فالتحم الحرب ودام القتال بينهم وبين رجال الشريف يوم وليلة، ثم استولى عسير على القلاع واستأسروا من فيها من رجال الدفاع، وأحرقوا الحصون وانصرفوا إلى الشام، وقد بلغوا مرامهم يهرعون (فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون) ([9]) وبعد انصراف الغزاة إلى الشام أقبل بن شكبان أمير بيشة ومعه ما ينيف على ألف، ولما وصل إلى صبيا بلغه أخبار الملحمة وتفرق الناس إلى ديارهم، فهم أن يأتي بما لم يستطع الأولون، وعزم على أن يضرب الخيام بظاهر البلد من مدينة أبي عريش، ونفذ من صبيا على هذه النية، ولما بلغ وادي ضمد خامره خوف المنية، وتعذر عليه بلوغ الأمنية، فطلعت خيله إلى قريب أبي عريش وعادوا، ثم انصرفوا إلى بلادهم، والشريف بعد وقعت (بربر) شرع في تجهيز من بقي من حي بكيل، وأعطاهم عطاء إذا سمع به السامع يقول هذا من قسم المستحيل، وسلم جوامك المقاتيل وواسى أهاليهم وأولادهم في بلادهم بما يجبر المصاب، ويهون عليهم مرارة الصاب، ونفذوا من حضرته مثقلي الظهور وفرا وشكرا، وفي هذه المرة بعد وقعت (بربر) غزا بنفسه غزوتين:
احدهما: انتهت إلى أطراف صبيا، واستاق قومه شيئاً من النعم وخرج إليهم رجال عسير الذين هم في حصن صبيا([10]) وشبت الحرب وانجلى عن سلامة، إلا عقر بعض الخيل.
والغزوة الثانية: إلى وادي بيض –بفتح الباء الموحدة من أسفل وسكون المثناة التحتية بعدها ضاد كجمع بيضة- وبينه وبين أبي عريش قدر مرحلتين([11]) في طريق الساحل مما يلي بلاد الجعافرة، وعبث أصحابه بقتل من وجدوه، حتى أخبرني من حضر الوقعة أنه اجتمع نفر كثير من أهل الخيل على قتل رجل يقول: ربي الله ولم يتركوه، والذي عليه دين الإسلام ترك قتل الباغي والخارجي إذا لم يقاتل واستاق الشريف وقومه من أطراف بيض نعما كثيرة، ثم انصرف راجعاً في الطريق الذي سار فيها، ولحقه جهد جهيد، وقاسى تعباً كثيراً لبعد المسافة ومخافة اللحاق من أهل ذلك المخلاف، ولم يغز بعدها بنفسه وبينا هو مستقر بتخت ملكه أبي عريش في آخر شهر رجب أو أول شعبان وافاه الخبر الحقيقي بأن الأمير الكبير طامي بن شعيب المتحمي قد جمع جموعاً واسعة، واستلحق بالنفير أهل البلاد الشاسعة، وأنه يقصد الشريف في عقر داره، ثم بلغ الشريف أن طامياً إنما يواري بأبي عريش ليكون هم الشريف مقصوراً على النظر في أحوال أبي عريش عما سواه، وإلا فمقصد طامي اللحية والحديدة، فأرسل الشريف ابن أخيه الكامل الباسل العماد يحيى بن حيدر الحسني وأمره بالمسارعة إلى بندر اللحية، وأصحبه عصابة من أهل الخيل والركاب وكان في اللحية عسكر مرتبون في المعاقل من رجال يام وغيرهم، فنفذ الشريف لا يلوي على شيء حتى قطع المسافة في يوم وليلة، وكانت طريقه آخذة في الشرق عن طريق طامي؛ لأن طامياً وقومه ضربوا الساحل، وأسرعوا في المشي قصد أن يأتوا البلد على غرة، فسبقهم الشريف يحيى بن حيدر وتعهد المعاقل وزودها بما تحتاجه من الماء والطعام والرجال، واستقر بقية يومه، وفي الليل وصل طامي بن شعيب إلى ظاهر البلد فضرب الخيام ونشر الأعلام، وفي صبيحة تلك الليلة حمل رجال عسير على البلد فما كان أسرع من أخذها والاستيلاء على كثير من معاقلها إلا معقل أو معقلان في أطراف البلد تركها العدو لعدم الجدوى في تملكها فبقي الرتبة التي من قبل الشريف فيها، ولكنهم لا يجدون شيئاً في الدفاع عن البلد، وأحاط رجال عسير بالدار التي فيها الشريف يحيى بن حيدر ومن معه والمذكور هو طلبة عسير لأنهم يعتقدون أن له في غرس العداوة بين الشريف وسعود اليد الطائلة، وإنما حرب بيش إنما نشب عن الكلام الذي ألقاه إلى الشريف حين بعثه رسولاً إلى سعود، فبالغوا في الإحاطة بداره، والكشف عن عواره، ورأى أنه إن بقي في الدار، طال عليه الحصار، وانقطع عليه الماء الذي عليه المدار، فركب البحر الزخار، وانتظر في المرسى إلى أخر النهار، ولم ير للعودة تأثير ولا للإلقاء بالنفس وجه يختار، وسافرت به السفن حتى وصلت به الحديدة فتلقاه عاملها بالرحب والإمتاع، وواساه في هذا الحادث بما استطاع، وطامي ومن معه من الجند أقاموا باللحية خمسة أيام، حتى أتوا على ما فيها من الحطام، وكان الشريف حمود بعد إرساله يحيى بن حيدر غوثاً لأهل اللحية جمع من عنده من الجنود وأمر عليهم العلامة الحسن بن خالد والشريف الباسل علي بن حيدر الحسني، ونفذوا إلى اليمن يجدان السير، ويبالغان على الحرص على دخول اللحية قبل حصول الضير، فوصلا إلى الزهرة وقد سبقهم سيل السراة، وسمعوا صوت البنادق والمدافع قبل أن يصل إليهم الخبر مشافهة، فركبا من حينهما ووصلا إلى (نعمان) مورد الماء لأهل اللحية، بينه وبينها قريب من فرسخ، فلقيهم ضعفاء أهل البلد مسلوبين الأستار؟ قد غشيتهم الوقائع الكبار، فأصدقوهما الخبر، وعلما عند ذلك أن لا سبيل إلى الدخول إلى البلد، لاسيما وقد خرج منها الشريف يحيى ولم يبق بها ممن يعتد به أحد، فرجعا إلى مور وأقاما بها حتى نفذ طامي ومن معه من أهل الشام، وقد صارت اللحية أثراً بعد عين وعبوساً بعد ابتسام، وكانت منزلاً طلق المحيا، فعادت موحشاً صعب المرام، ووقع بين علي بن حيدر والحسن بن خالد منافسة بسبب نسبة الحسن وأعوان الشريف التقصير من الشريف يحيى في الحماية والمدافعة، وتأول له أخوه على ما بدى له أعذار، التي لن تقبلها العقول، ولا يأتي منها تثريب بمعقول، شعراً:
ولكن عادة كانت قديماً



كلام الناس فيمن فل جيشه


إليه ينسبون الذل أما



تسلطن حلمه والجظ وحشه؟

والشريف يحيى من كملاء الرجال، وممن يعاني الحرب ويلاقي صناديد الأبطال، وله معاذير جمة في هذه القصة، إلا أن الشريف ومن تبعه قل أن يقبل المعاذير ولا يكل الأمر إلى المقادير، لاسيما فيمن هو من رؤسائهم في حكم الأمير، فما يرضيهم إلا أن يفتح الله عليه ويفوز بالقدح المعلى، أو يهلك في ذلك المعرك أهون من أن يتولى، وما زالت هذه القضية تزرع الإحن بين الشريف وابن أخيه الشريف يحيى حتى انتهى الأمر إلى ما سنذكره إن شاء الله.
وبعد رجوع طامي إلى بلاده وجه الشريف نظره إلى تحصين الحديدة، وعمارة ما كان خرب من معاقل اللحية، وبقي يترقب غوائل أهل الشام، وفي هذه الوقعة مدحه بعض شعراء صنعاء وهو القاضي العلامة الفصيح المصقع وجيه الدين عبد الرحمن بن يحيى الآنسي رحمه الله تعالى بقوله:
لعمرك ما الليث الذي هولوا به



ولكنما الليث الهصور حمود


له غابة شبوا بمشتجر القنا



كما يبتدي منها النهوض يعود


إلى لبوة الحرب التي عقمت لدى



سواه، وامست وهي منه ولود


فأشبلت الأسد الضواري التي يرى لها جثمات حوله ونهود


وبرثنه السيف الجراز ونابه



سنان طرير الحافتين حديد


وقمصانه هذي الدروع وبيضها



فلانسه بيض الثياب وسود


فيالك ليثاً خادراً كل خادرٍ



إذا كان يوم الروع منه يحيد


حمى الغور حتى لا يباح بهيعة



لها بين أمواج البحار هديد


وبين شناخيب الجبال لها صدى



كما جلجلت بين السحاب رعود


وغزو كولغ الذئب في إثر غارة



مع الصبح يفنى يومها ويبيد


فما بين (بيش) والحصيب فخيله



مدى الدهر ما جفت لهن لبود


فقل لبقايا النهروان لقاكم



ابن صاحب النهروان فهود


لقاكم شجاع مستحث وصفته



سماعاً، ورأي العين فيه يزيد


أخو غمرات ينجلين بضربة



وقد خدرت بالضاربين زنور


فلا تفرحوا إن نلتموا منه غرةً



تسوق بكم تحت الخفا وتقود


لبيت الفقيه الزيلعي توثباً



يرى الفرسخ الكعبي فيه بريد


فعثتم بها إغفالة لحافظينها



وكم ضيعت بالحافظين حدود


كما عاث في زرع الحدائق غفلـ



ـلة النواظير في أطرافهن قرود


فلا تحسبوها ديدناً فهو حيثما



كرهتم لكم أخرى الزمان يعيد


يعد لطاميكم شراب ابن عامرٍ



وعثمان لم يحضر عليه ورود


أبا أحمد بالله أشهد حلفة



على برها أهل الصلاح شهود


لقمت مقاماً لو تزايلت عنه



أو تطأطأ قليلاً بالقيام قعود


إذاً لسمعنا راغياً في الحدي كالذي سمعته في القديم ثمود


خذوا آل موسى الجون عقداً نظمته



كبار لآلئ سمطهن قصيد


يعفي قديماً رقة ابن هتيمل([12])



على شرفا المخلاف منه جديد


مدحت به هذا الشريف أميركم



كلام لصبح الصدق فيه عمود


على وده لا رفده أصل نظمها



وإني لأمجاد الرجال ودود


فقوموا لها إن أنشدت عنده فقد



يقوم بأحماس الرجال نشيد


فدتك الأعادي يابن بطحاء مكة



ومدتك من عون الإله جنود



إلى هنا انتهى ما وقفت عليه من نفح العود، وهذا التكامل من السنة السادس والعشرين فأقول:
تكملة نفح العود
دخلت سنة ست وعشرين بعد المائتين والألف فيها بعد هذه المتفقات سعى السيد محمد بن علي، ينتهي نسبه إلى الإمام القاسم، وهو صاحب مدينة صعدة في إصلاح ذات البين، وتلافي بعض ما وقع وأجلب عليه الحين، بين سعود والشريف وتم السداد، والصلح على ما يراد، بأمور محكومة، ودفعات من المال معلومة، وتزحلقت يد الشريف عن صبيا والمخلاف، وكان العامل لها من جهة نجد،و بعد تمام الصلح اطمأنت البلاد واستقرت الأحوال والعباد، والتفت الشريف إلى تخت مملكته بجأش ثابت وقدم أرسخ من الثوابت، تركع بين يديه الأشراف والملوك، وتزهو باسمه المنابر والصكوك، وهذا كله بعد أن وقت بينه وبين أهل نجد ما سمعت من الملاحم الكبار، التي تصك المسامع وتعمي الأبصار، فحمى حمى بلاده، وأعانه الله على القيام بمراده، وأذاق أولئك في حربهم السم الزعاق، ورقم السيف على صحائف المملكة بالدم المراق:
وما تقر سيوف في ممالكها



حتى تقلقل دهر منه في القلل



ودخلت سنة سبعة وعشرين بعد المائتين وألف، وكان فيها اختطاط الشريف لأرض ((مختارة)) في أعالي وادي مور([13]) وبنى بها قلعة مشيدة الأركان على ذلك الجبل، وهو الذي سماها بهذا الاسم واختار سكناها على سائر بلاده مدة الزمن، وجعل لها ضريبة يتعامل بها الناس، وقد كان يتعامل الناس بضريبة له عليها رسم أبي عريش، وهذا ا لشريف حمود هو أول من جعل من أهل هذا البيت ضريبة يتعامل بها الناس في مملكته، وغيره ممن سلف من أهل بيته لا يتعامل الناس في بلادهم إلا بضريبة إمام صنعاء، لأنه أول من استقل بمملكة هذه الجهات، وغيره من سلفته مملكته مستقاة من أئمة صنعاء، وجعل أيضاً ضريبة برسم الزهرة، ولم يزل التعامل بتلك الضريبة مدة ثم جعل غيرها كما هو عادة الملوك في كل زمان ومكان، وكان جعل ولده الشريف أحمد بن حمود ضريبة باسم زبيد أيام عمالته بإذن والده، وجرى التعامل بها في جميع ممالك والده.
ودخلت سنة ثمان وعشرين بعد المائتين والألف وفيها كانت وفاة الأمير الكبير سعود بن عبد العزيز([14])، بعد أن دوخ البلاد وقهر بأوامره العباد فسبحان من تفرد بالبقاء، وحكم على غيره بالفناء، وقام بالأمر بعده ولده الأكبر عبد الله بن سعود، وكان سعود من رجال الدهر صرامة وبسالة، ولاحظته السعادة في كل حالة، وقد رأيت تاريخاً حافلاً للعلامة ابن غنام من علماء الحنابلة ترجم لسعود ووالده والشيخ محمد بن عبد الوهاب، وذكر أيامه وما اشتملت عليه سيرته من الوقائع والقلاقل، وانتهى ملكهم إلى تخوم العراق، وملأت غزاياهم سائر الآفاق، وهو تاريخ كبير اشتمل على فنون من التواريخ لأيامهم وعقائدهم وما جريتهم وسيرتهم، وكانت ابتداء دولة آل سعود في جهة اليمامة المسمى بالدرعية ونجد إلى أن غلبوا على أكثر جزيرة العرب من حدود سنة ستين ومائة وألف إلى سنة ثلاث وثلاثين ومائتين وألف، وزالت دولتهم على يد محمد علي باشا صاحب مصر من جهة سلطان الروم([15])، والملك الدائم للحي القيوم.
وفي هذه السنة لم يزل المتوكل على الله أحمد بن علي بن العباس إمام صنعاء يبعث العساكر لمناجزة أجناد الشريف الذين في زبيد مع أن العامل بها من طرف الشريف.
وما زالت المناجزة من يحيى بن علي سعد متولي حجة بأمر إمام صنعاء، والأجناد إليه كل وقت نازلة، وكان ذلك باب الخلاف بين الإمام والشريف وكانت خاتمة الأمور وقعة مختارة وهي في سنة تسع وعشرين بعد المائتين والألف وكان من خبرها أن المتوكل جهز جيشاً جراراً من بكيل لما بلغه استقرار الشريف في مختارة، ولما سمع الشريف بقدوم ذلك الجيش وفيهم الأسود الضارية من همدان الذين هم صناديد الصدام، عند الحرب العوان، لم يزل يجمع الجنود ويستلحق القبائل من كل مكان، وعند أبطال الأشراف، وصفوة الصفوة من آل عبد مناف:
قوم إاذ اقتحموا العجاج رأيتهم



شمساً وخلت وجوههم أقمارا


وإذا زناد الحرب أخمد نارها



قدحوا بأطراف الأسنة نارا



وحين بلغه أنهم طرحوا بالمحلات القريبة منه، وكان في حسبانه أنهم لا يستعجلون بالشر فلم يشعر إلا بأصوات البنادق، فخرج بالجيش بأهبة لها أساليب يرجف لها فؤاد (شبيب) لا جرم وقائدهم داهية في سربال، وقارعة يقوم بها قيامة الأبطال، شعراً:
أسد دم الأسد الهزبر خضابه



موت فريص الموت منه يرعد



وانقسم أهل الخيل إلى قسمين قسم يقدم فيه الأسد الغضنفر والبطل المشهور الشريف علي بن حيدر، وطائفة مع السيد المقام الغضنفري الذي لا يهاب الحمام العلامة الحسن بن خالد، والشريف في باقي الأجناد فتقابلت الفئتان وتخالفت بالطعن والضراب الشجعان، وما زالت سعير الحرب حامية، وأحوال الفريقان متكافئة إلى أن جاءت صولة أصحاب الشريف في ذلك المقام، وخفقت له بريح النصر الأعلام، وأثخن أصحاب الإمام في أصحاب الشريف جراحات، وجرح هو نفسه وأصيب كبار الأشراف بجراحات لها السلامة كالشريف علي بن حيدر والشريف العلامة الحسن بن خالد والشريف حسن بن بشير وغيرهم، ولله در القائل:
ومن ظن من أن يلاقي الحروب



وأن لا يصاب فقد ظن عجزا



وعقرت نحو الأربعين من الخيل لأصحاب الشريف؛ لأن جند الإمام غالبهم من بكيل وهم أثبت همدان، ولا يكاد رميهم يخطئ لما هم عليه من ثبات الجنان، ووقع من أصحاب الإمام عدة مقاتيل من أصحاب الشريف الخيالة، طعناً بالرماح، وضرباً بالصفاح، وقتل في تلك المعركة السيد الماجد محمد بن خالد، أخو الشريف الحسن بن خالد وغيره من سائر الأجناد، شعراً:
نحو بنو الموت فما بالنا



نعاف ما لابد من شربه



وتراجعت بعد ذلك الفئة الإمامية إلى مطرحهم وقد أرخصوا الدماء، وحين رأى الشريف أن شوكة تلك الفئة قوية، وربما يحصل منهم مع معاودة الحرب الأذية جنح إلى رأي محفوف بالسداد، وفيه بلوغ المرام، على قول أبي الطيب:
الرأي قبل شجاعة الشجعان



هو أولٌ وهي المحل الثاني


ولربما طعن الفتى أقرانه



بالرأي قبل تطاعن الأقران



فدس عليهم في جنح الظلام من يوصل إليهم البراطيل التي كم انتفع بها من عليل وانتفع بها كم من غليل، فلبثوا بعد ذلك جملة أيام، وقوضوا من مطرحهم الخيام وأضربوا عما توجهوا إليه من جهة الإمام والسلام، وكان ذلك فرجة للشريف، ساعده عليها الحظ المنيف، وبعد هذه الوقعة أرسل الشريف للسيد الماجد محسن بن علي الحازمي([16]) وكان إذ ذاك بمدينة أبي عريش، ولما وصل إلى حضرته جهزه بجيش كثيف إلى بلدة حيس، ومع وصوله إلى جهة حيس انفتح باب الحرب بينه وبين يحيى بن علي سعد المقدم ذكره من جهة إمام صنعاء، وجرت بينهم مناوشات متواصلة بالحرب وملابسة بالطعن والضرب، وفي آخر وقعة أصابت السيد محسن بن علي رصاصة كان فيها إزهاق روحه وخلاصه، وكانت تلك المعركة قبلي بلاد حيس عند جبل الكلولة –بآلة التعريف بعدها كاف ثم واو ساكنة ولام وهاء تأنيث- وكان هذا السيد من أماجد الرجال، وأكابر الأبطال له العقل الكامل والدهاء، وإليه في حسن السياسة المنتهى، وهو ممن يتعلق بالأدب والعرفان، وله بالعلم إلمام يميزه على أبناء جنسه من الأقران، وكان يرسله الشريف حمود في العظائم ويركن إليه في الأمور المهمات، وما توجه لقصد إلا أتمه الله على يده، وقد أطلعت له على أشعار له دلت على لطف طبعه وحسن ألمعيته رحمه الله تعالى.
وفي هذه المدة وقع التبرم على الشريف من الأشراف، ورأوا أنه لم يعاملهم في سيرته بالإنصاف، ولله در القائل:
ولم تزل قلة الإنصاف قاطعة



بين الرجال وإن كانوا ذوي رحم



وعاملهم بما ليسوا أهلاً له من الإبعاد، واستمرت الوحشة بينه وبينهم الناشئة من مكائد الحساد، وهكذا الدهر ممزوج بالأنكاد، ولله در القائل:
ومن تفكر في الدنيا وبهجتها



أقامه الفكر بين العجز والتعب



لاسيما مثل البطل الهزبر الشريف علي بن حيدر وأخوه الشريف الماجد يحيى بن حيدر وابن عمهما الشريف منصور بن ناصر، مع أن هؤلاء ذروة تاج المجد الباذخ وعصابة دائرة هامته ذات الفخر الشامخ، لا غرو فهم فرع تلك الدوحة الحسنية، وشعاع متصل بتلك الهاشمية، ولله در القائل:
من الأولى غير زجر الخيل ما عرفوا




إذ تعرف العرب زجر الشاة والعكر


جمال ذي الأرض كانوا في الحياة وهم




بعد الممات جمال الكتب والسير



خصوصاً مثل الشريف علي بن حيدر، فهو ممن اطعم الآساد، وأروى الصعاد، إذا همهم مالت الآساد عن طرقه، وإذا غضب خلع هياكل الطاعة عن عنقه:
وصول إلى المستصعبات برأيه؟




فلو كان قرن الشمس ماء لأورد



وله العناية التامة بالشريف أيام مناجزته لأهل نجد، وكان أحد أركان المملكة التي وقع بها الحل والعقد، وما زالوا منكرين للجفاء وهم من جميع حالاتهم على صفا([17]) حتى دخلت سنة 1230هـ/ 1815مى فأودع ابن أخيه الشريف يحيى بن حيدر دار الاعتقال بمدينة الزهرة آخر يوم من شعبان، فخرج الشريف علي بن حيدر وفي صحبته الشريف منصور بن ناصر، وغيرهم من أولادهم ومن لاذ بهم من الأشراف أرباب الكمال ملتهبي الأنفاس، مخاطبين نفوسهم بقول أبي نواس([18]):
ومن كان غير السيف كافل رزقه



فللذل فيه لا محالة جانب



وتوجهوا نحو الشام بقلوب مكلومة، ونفوس مسمومة([19]) مما أصابهم من الشريف وكانوا حقيقيين بالإكرام والتشريف، وأنشد لسان حالهم:
لا تحسبن ذهاب نفسك موتها



ما الموت إلا أن تعيش مذللا


سافر تكن كالسيف سل فبان في



متنيه ما أخفى القراب وأخملا



وكان منتهى سيرهم إلى مكة المشرفة، واتفقوا هناك بالقائم بتلك الجهة حسن باشا وهو كما بلغ رجل كامل العقل ذو رأي وتدبير وخبرة تامة بأمور الدولة السلطانية فتلقاهم بأحسن القبول، بعد أن بثوا عليه شكواهم وطلبوا منه النصرة لما هم بصدده لأجل يبلغون غاية المأمول، فأسعفهم بالمطلوب، وبذل لهم من النفائس كل مرغوب، وحسن الإقامة عنده أو يختارون لهم موضعاً يكون لهم الإقامة فيه النزول، بينما تفرغ الأجناد السلطانية لمناجزة أهل الدرعية الموجهة، من طريق مخدوش الباشا للنسور والذئاب، فلما وصل الخبر إلى الشريف عظم عليه ذلك الأمر ولم يكن عنده عساكر غالبهم من تهامة وجماعة من همدان، وكان عند ولده الشريف أحمد في زبيد عساكر

تختلف الروايات في المصادر التي عنيت بأخبار معركة بيش بين حمود وعبد الوهاب ، ولذلك رأينا عمل مقارنة وترجيع ما أدلى إليه اجتهادي في تقدير الجيشين
تقديرات جيش عبد الوهاب :
1- قدره صاحب نفح العود – كما مر بك آنفا – بما يزيد عن عشرين ألف .
2- قدره ابن بشر بخمسين ألف مع الحملة البحرية التي نزلت في مينا جازان واحتلتها.
3- قدره صاحب البدر الطالع ( الشوكاني) بمائة ألف
تقديرات جيش حمود:
1- لم يقدر عدة ابن بشر وإنما وصفه بجنود كثيرة من مرتزقة حاشد وبكيل وهمدان ويام.
2- قدرة الشوكاني في مطالع البدور بسبعة عشر ألف .
3- أثبته صاحب نفح العود 7000 مشاه + 300 فرسان
والذي نراه أقرب إلى الصحة ونرجحه هو :
أن ما ذكره صاحب انفح العود الذي دارت المعركة في جهته المخلاف السليماني والذي
([2] ) المطرح : الوضع الذي يطرح الجيش فيه أثقاله – أي المعسكر

عايش الواقع أو استقى ممن عاشوه هو ما يأتي :
1- أن جيش عبد الوهاب يزيد عن العشرين ألف بشيء يسير .
2- أن جيش حمود مشاة + 300 فرسان
ونبني ذلك على أن بشر والشوكاني بحكم مواصلات ذلك العصر بعيدين عن موقع المعركة وعن المخلاف السليماني وعسير فهما أخذا بما سمعا بخلاف صاحب نفح العود الذي دارت المعركة في جهته وعايش الواقع.
([3] ) ابتداء من كلمة ( وساعده فيما طلب منه ) إلى قوله ( وأنه عين قفا سيكون للشريف في مستقبل الأيام) جملتين مضطر به المعنى وغير مترابطة ، فآثرنا إيرادها نصاً كما هي في الأصل والنسختين الأخيرتين التي لدينا . جرى التنويه.
([4] ) الوحلة : قرية شمال بلدة المضايا- في الوقت الحاضر – راجع كتابنا المعجم الجغرافي لمنطقة جازان.
([5] ) هكذا في الأصل بتقديم الميم بعدها نون فحاء مهملة وآخره راء مهملة.
([6] ) الأبيات لـ( الشنفرى) من لاميته المشهورة.
([7] ) (بربر) : شعب جنوب قرية المضايا بنحو كيلاً واحداً – تقريباً- ويستدل من إغفال المؤلف لاسم قرية المضايا ، واكتفاءه بذكر اسم (بربر) فقط أن المضايا لم تكن قد أنشئت ، وإلا لأشار إليها ، وقد جرت العادة أن المعركة تنسب إلى البلدة أو القرية المشهورة أو المعروفة القريبة من موقع المعركة ، كما سبق أن ذكر – قبله – قرية ( الوحلة ) . أما عن مكان سكني الحكامية فالمعروف أن مساكنهم كانت في جهة (الزهبين) ولا تزال به قبور أسلافهم – راجع كتابنا المعجم الجغرافي – الطبعة الثانية.
([8]) انظر الحاشية في ص 194.
([9]) سورة يس آية 82.
([10]) حصن صبيا هو قلعة صبيا المعروفة ف وسط البلدة القديمة، وظلت باقية مع تهدمها إلى العقد الثامن من هذا القرن واستعمل بعض أحجارها في بناء الجامع، وبعد ذلك أزيل ما بقي من أنقاضها وبنى في موقعها مجمع المدارس الثلاث في جنوب شرق ((السوق)).
([11]) المسافة بين أبي عريش ووادي ((بيض)) 115 كيلاً تقريباً.
([12]) قاسم بن علي بن هتيمل شاعر المنطقة في القرن السابع الهجري، راجع كتابنا ((القاسم بن علي بن هتيمل)) دراسة وتحليل.
([13]) في جبل قيس على مسافة ساعتين –أو أكثر- من مدينة حجة في اليمن الشقيق.
([14]) صواب تاريخ وفاة الإمام سعود سنة 1229هـ/1814م انظر: عنوان المجد لابن بشر، طبعة وزارة المعارف، ص 225.
الإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود رحمه الله ولد سنة 1165هـ/ 1752م في بلدة الدرعية، أخذت له البيعة بولاية العهد سنة 1202هـ/ 1787م وجددت له البيعة في اليوم الذي اغتيل فيه والده، وذلك في العشر الأولى من رجب 1218هـ/1803م وصفه ابن بشر باليقظة وبعد الهمة والهيبة.
معلوماته:
أخذ العلم عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب نحو سنتين، ثم اشتغل بمساعدة والده وقيادة الجيوش، مع ذلك لا يتأخر عن مجلس ودروس الشيخ محمد بن عبد الوهاب في أثناء تواجده في الدرعية حتى أصبحت لديه ملكة ورصيد في الفقه والحديث والتفسير والتوحيد.
كيف يقضي يومه
يصلي الفجر جماعة في المسجد ثم يعود إلى بيته فإذا طلعت الشمس يخرج إلى مجلس العلم الذي يلقي فيه أبناء الشيخ الدروس فيتصدر المجلس ويستمع للدروس التي تلقى، وكان يجلس إلى جانبه عبد الله بن الشيخ محمد وهو الذي يتولى إلقاء الدرس فإذا انتهى الدرس نهض إلى مجلس الحكم وأقبل عليه الناس ورفعوا إليه حوائجهم ومظالمهم، فينظر في كل ذلك حتى يتعالى النهار ويصير وقت القيلولة، فينهض من مجلسه ويدخل إلى أهله إلى أن تحين وقت صلاة الظهر، فيخرج إلى المسجد فيصلي الظهر جماعة ويفتتح الدرس ويتولاه إمام مسجد الطريف أو القاضي عبد الرحمن بن خميس إمام مسجد النصر، ثم يتكلم سعود ويحقق كلام علماء المفسرين فتمتد إليه الأبصار وتصيخ الأسماع وكان عذب اللسان فصيح البيان.
فإذا انتهى قام إليه أهل الشكايات وطلاب الحاجات من الحاضرة والبادية ويكون كاتبه عن يساره فيشرح بما يأمره وبعد ساعتين تقريباً يدخل إلى قصره ويجلس في مجلسه الخاص ويأتي الكاتب ويكتب الإجابات على كل ما يصل إلى الأمام وذلك بإملاه وأمره ويمكث إلى أن تحين صلاة العصر فينهض للصلاة جماعة.
أما بعد صلاة المغرب فيجتمع الناس عنده ((داخل القصر)) في سطح مسجد ((الظهر)) ويأتي إخوانه وبنو عمه وخواصه لا يتخلف أحد منهم في جميع الثلاثة المجالس مع جمع كثير من أهل البلدة والوافدين ثم يقرأ في صحيح البخاري ويتولى القراءة سليمان بن عبد الله بن الشيخ إلى وقت العشاء فيصلي العشاء ثم يدخل إلى قصره.
امتدت إمارته من سواحل الخليج إلى شواطئ البحر الأحمر وجنوباً إلى اليمن وشمالاً إلى العراق وصحراء سوريا وكانت الدولة في عهده يضرب بها المثل في الأمان والرخاء والتجارة.
وصف الرحالة الأسباني لموكب سعود في الحج
قال علي بك: (إن الوهابيين الذين كانوا قد خيموا بعيداً جداً اخذوا يقتربون وعلى رأسهم الملك سعود والقائد أبي نقطة، ورأيت بعد ذلك جيشاً مؤلفاً من خمسة وأربعين ألف يسير أكثر أفراده يركبون جمالاً يرافقهم ألف جمل تحمل الماء والخيام والحطب والعلف تلاهم مائتا خيال ترفع بيارق على رؤوس الرماح) إلى أن قال: (وقد لاحظت سبعة أو ثمانية بيارق بين راكبي الجمال بدون طبول ولا أبواق).
(وجميع الجيش ومن يرافقهم في ثياب الإحرام وقد تعذر علي تبين سعود... إلا أن شيخاً جليلاً ذا لحية بيضاء طويلة يتقدمه العلم الملكي الأخضر منقوشة عليه كلمة الشهادة بأحرف بيضاء ضخمة وتبينت أحد أبناء سعود من شعره الطويل المنسدل، وكان ولداً في الساعة أو الثامنة من عمره أسمر اللون يرتدي قميصاً طويلاً أبيضاً محاطاً بحرس خاص ممتطياً جواداً أبيضاً رائعاً، عليه لبادة بدون ركابين مغطاة بقطعة من القماش الأحمر الموشى الذي نثرت عليه نجوم ذهبية).
هذا موجز عن حياة الإمام سعود تغمده الله برحمته، توفي سنة 1229هـ/ 1814م في الدرعية.
([15]) لقد قامت الدولة السعودية 1157هـ/ 1744م في عهد الإمام محمد بن سعود المتوفى سنة 1179هـ/ 1765م وبعد أن امتد سلطانها وشملت الدعوة الإصلاحية الكثير من بلاد نجد، خلفه ابنه عبد العزيز بن محمد في سنة 1179هـ/1765م إلى سنة 1218هـ/1803م وامتد سلطانه من مشارف اليمن جنوباً إلى صحراء سوريا وبادية العراق شمالاً، ومن الخليج شرقاً إلى البحر الأحمر غرباً مع بوادي الحجاز ما عدا المدينتين المقدستين، وخلفه الإمام سعود الذي انتهى عهده بوفاته سنة 1229هـ/ 1814م وشمل سلطانه علاوة على ما سبق المدينتين المقدستين وبعض المرتفعات الجنوبية اليمنية وما تبقى من تهامة اليمن إلى بوادي المخا إلى (باب المندب) تقريباً.
وفي سنة 1226هـ/1811م نضجت المؤامرة التي حاكتها تركيا بمساعدة بعض الدول الاستعمارية التي هالها قيام تلك الدولة العربية الفتية ودعوتها الإصلاحية التي بنت الإنسان العربي المسلم على نسق ما تم في الصدر الأول، فعمد محمد علي بالتحرك للقضاء على تلك الدعوة في سنة 1221هـ/1806م إلا أن المراجعات والمداولات والتجهيزات أخذت وقتا طويلاً، ولم يتم الغزو للحجاز إلا في سنة 1226هـ/1811م وانتهت بسقوط الدرعية في 11 ذي القعدة 1233هـ/1818م.
بعد معارك وحروب دامت سبع سنوات –تقريباً- وهكذا تغلبت القوة على الحق، وانسدل الظلام من جديد على شبهه الجزيرة وطويت تلك الصفحة المشرقة وانحسرت تلك الدول العربية والدعوة الإصلاحية الإسلامية.
([16]) محسن بن علي بن عز الدين الحازمي من رجال عهد حمود أبي مسمار، وممن أسندت إليه مهام قيادية، له تعلق بالأدب ودربة في السياسة، بعثه حمود في أثناء حصار أبي عريش مع قريبه حسن بن خالد إلى صنعاء في رمضان سنة 1217هـ/1803م ولا زال يتولى الأعمال الإدارية والقيادية إلى أن قتل في سنة 1229هـ/1818هـ في جهة ((حيس)).
([17]) هكذا في الثلاث نسخ: جرى التنبيه.
([18]) في النسختين (ح)، (م): بقول أبي فراس.
([19]) في الأصل (بقلوب مكلومة، وقلوب مسمومة) وقد أصلحنا الجملة بما هو بعاليه، جرى التنبيه.
--------------
تـابع











التوقيع

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
الشيخ:/ محمد بن حسين بن بيطلي بن حسين أبوعطله العامري
شيخ شمل قبيلة بني يعلا بوادي يبه

 
آخر مواضيعي

0 من الذي باع أراضي فلسطين لليهود ؟ سمسار اسرائيلي يؤرخ ويروي الأسماء !
0 محامي الجيزاوي: موكلي مغرر به وسأطعن بالإجراءات وانسحب إذا رفض طلبي
0 مقتدى الصدر الرافضي يلتقي معارضين بحرينيين في إيران
0 زيارة الملك سعود بن عبد العزيز للأردن على ظهر جواد عام 1933
0 الداخلية تكشف تورُّط الزنادي في إطلاق النار بالعوامية وتقبض عليه مصاباً

عرض البوم صور آل قطبي الحسني   رد مع اقتباس
قديم 01-11-2010, 07:28 AM   رقم المشاركة: 9
مشرف سابق

الصورة الرمزية آل قطبي الحسني



رقـم العضـوية 14
تاريخ التسجيل Mar 2010
عدد المشاركات 5,596
القبيلة نحن بنو يعلى من كنانة=رأس المضريين وفرسانها
مكان الإقامة إمارة بني يعلى
المهنة طالب
 
 
آل قطبي الحسني غير متواجد حالياً

افتراضي

يقضي بهم الغرض في هذا الشأن فاستدعاه إلى حضرته وهو إذ ذلك عامل زبدي، ومع وصوله إليه بمن صحبه من الرجال حماة الحقائق عين معه طائفة من بكيل وأمره بالتقدم معهم إلى تلك المضائق فرقوا ذلك الجبل الطويل ولم يعقهم عائق، بعد أن عاينوا من أولئك الأمر المهيل، ولكنهم أصدقوا اللقاء وحيوهم بما في أجواف البنادق، فما ثبتوا أهل ذلك الجبل إلا ساعة حتى استولى الشريف أحمد ومن معه على ذلك الجبل وما فيه من صامت وناطق، وأخربوا بيوتهم وأشجارهم، وقتلوا منهم جماعة وأسروا ثلة، وباقيهم ومن نجا منهم تفرقوا في تلك المواضع:

وأضحوا كأنهم ورق جفٍ



فألوت به الصبا والدبور


ورجع الشريف أحمد إلى مطرح والده وعلى رايته تباشير الفتوح، والسعادة عن ميامنه وشمائله تلوح، فسر والده عند ذلك، وأقبل الشارد والوارد من أهل ذلك الجبل وغيرهم وبذل لهم الأمان، ودخلوا في سلك الطاعة وخلعوا رداء العصيان، وبعد ذلك توجه الشريف إلى أبي عريش ثم إلى (مختارة) وفيها كانت وفاة الوالد العلامة الهمام إمام البلاغة أحمد بن حسن البهكلي، كان رحمه الله تعالى من صدور الحكام، والمرجع في المشكلات للأنام، وقد استوفيت ترجمته في (الديباج) وهو والد مصنف (نفح العود) الذي هذا ذيله، وفيها كان وصول محمد علي باشا إلى مكة المشرفة من مصر، بلد ولايته بجنود تملأ الرحاب، ويبلغ عثيرها لكثرتها عنان السحاب، من كل مجرب في الترك للحرب العوان، وممن لا يهاب عند ملاقاة الهيجاء للضرب والطعان، وبعد وصوله إلى مكة المشرفة توجه لملاقاته أهل نجد حيث بلغه عزمهم إلى أطراف مكة المشرفة فبادر بالوصول إليهم قبل الوصول إليه([1]) وكان المقدم في جند النجديين طامي بن شعيب، فأقبل وجنوده تملأ الفضاء تخفق البنود على رأسه حتى انتهى إلى موضع في أطراف بلاد غامد وزهران اسمه (كلاخ) –بكاف مضمومة وآخره خاء معجمة- فوقع بينهم في ذلك الموضع التصاف، واشتجروا بالهنديات وتخالفوا بالقنا الرعاف، وكانت معركة عظيمة طحنت فيها رؤوس، وذهبت فيها نفوس، وكانت الدائرة على طامي بن شعيب وأصحابه فولوا منهزمين، والأجناد التركية بعدهم بالطرد مجدين، فلما وصل طامي بن شعيب بلده طبب-بوحدتين محركتين قبلها طاء مهملة- من بلاد السراة، وكان لما أصابه من الذعر لم يقر قراره، ولم ير أن تقيه من شرور أولئك الجند داره، فارتكب الخطر بمفارقته أوطانه، والبعد عن سكانه، وركب جواده منفرداً وتوجه هارباً إلى جهة (مسلية) موضع في أعلى وادي بيش –وهي بضم الميم وسكون السين المهملة واللام من السلو- وكان قد اختط فيها محاريث للزراعة وبها معقل فيه عبيد له وإماء، ولم تطيب الإقامة هناك فتوجه إلى قرية (الحقو) في أطراف الجبال –وهي بحاء مهملة مفتوحة وقاف بعدها واو- ثم انعطف مائلاً إلى جهة المغرب، ولم يشعر السيد العلامة يحيى بن محسن النعمي إلا وقد وصل إلى عقر داره بقرية الدهنا، فعظم عليه الأمر إلى غاية، وبعد ذلك شكا إليه ما لاقاه وأن الأدبار قد حكم عليه، وأن المنايا قد تلقته من خلفه ومن بين يديه، وما لاقاه من الحدثان وما عاناه من صروف الزمان، فما وسعه غير تلقيه بالإكرام وإنزاله عنده في أعلى مقام، عملاً بما ورد في الحديث: ((ارحموا عزيز قوم ذل، وغني قوم افتقر)) منشداً يقول:
ولابد من شكوى إلى ذي مروءةٍ



يواسيك أو يسليك أو يتوجع


وطلب شوره في الإقدام والإحجام على الشريف حمود، مع أنه لم يكن له سابقة خير، غير تلك الملاحم العظام والوقائع التي يشيب لها رأس الغلام، فبلغني أن السيد يحيى أشار عليه بما يعلم منه أن لا يتوجه الشريف حمود، بل يتوجه إلى الجبال الشرقية التي يخفى فيها خبرة بالكلية، فمنع من ذلك الرأي المحمود وصمم على قصد الشريف حمود، وكان في تلك المدة الشريف حمود غائباً عن تلك الجهة بل مستقر في مختارة، والسيد العلامة الحسن بن خالد مستقر في هذه الجهة، وهو أحد أركان مملكة الشريف حمود وله التقديم والتأخير فيما إليه نفع المملكة يعود، والشريف لا يرى صواباً غير ما يقوله، لكونه وزير صدق له، ولعلمه الذي فاق النظر في علمي المعقول والمنقول فجعله سراجاً يهتدي به في ظلمات المشكلات، وإماماً يقتدى به في المسائل الشرعيات، فبلغه الخبر وهو في قرية ضمد، فما كان منه إلا المبادرة بالوصول إلى صبيا فدخلها وملك قلعتها، وأرسل رعيلاً من الخيل اللقاء طامي فوجدوه في أثناء الطريق، وفي صحبته السيد العلامة يحيى بن محسن، فما كان من السيد الحسن بعد وصوله إليه إلا أن أوثقه في الحديد ولم يلتفت إلى قول أحد من أهل العذل والتفنيد، وقد كان محمد علي باشا وصل إلى طبب وبعث طليعة من الخيل ليعلموا من حيث ذهب طامي، فما وصلوا إلى أطراف المخلاف وطلبوا طامياً أطلقه عليهم الحسن بن خالد، وكان حال الأمير طامي بن شعيب كما قال القائل:
وإذا خشيت من الأمور مقدراً



وفررت منه فنحوه تتوجه


فذهبوا به وأنفاسه تتصعد، وقلبه من الأحزان يتوقد وكان يظن بوصوله إلى هذه البلاد تقع له الرحمة في قلوب من توجه إليهم ويمنعونه من الترك أن يقع في أيديهم يرى كونهم عرباً أحسن حالاً من العجم فركب أخف الخطرين([2]) وقارب أدنى الشرَّين ولكن عوامل بنقيض قصده، وأصلح في كونه في يد الأتراك وإن كان حياً في لحده ولله در القائل:
ربما يرجو الفتى نفع فتى



خوفه أولى به من أمله


رب من تجو به دفع أذى



سوف يأتيك الأذى من قبله


وفي حسبان الناس أنه لو وصل إلى حضرة الشريف حمود لمنع عليه ولم يصل أحد من الأتراك إليه والعلم عند الله سبحانه وتعالى([3]).
وفي هذه السنة كانت وقعة (المهدف) بين بني الحرث والسيد الحسن بن خالد الحازمي، وكانت الدائرة على أولئك القبائل بعد أن استولوا على بعض مطرحه، وأحرقوا خزانة البارود، وقتلوا بعض عبيده، ووقعت فيه جراحات كثيرة أفضت إلى السلامة، وأصابت جواده حال المعركة، وبعد انقضاء الحرب ورجوعه إلى المطرح نزل عنها وماتت، ولما كانت اليد له على الأقوام لم يتأثر بما حصل من تلك الآلام، وأسر جماعة منهم وقتل جماعة وقطعت منهم رؤوس وأوصلت إلى أبي عريش لأجل الإرهاب، لأن تلك الفئة يقطعون الطريق وينتهبون القوافل السائرة إلى الجبل، وكان هذا لقتالهم من الأسباب.. و بعد أن انطوت أيام طامي قام مقامه محمد بن أحمد الرفيدي من قرابة طامي واجتمع على طاعته أهل السراة رغبة ورهبة، لأنه كان لابساً رداء الجبروت سفاً كالدماء من غير مراقبة للحي الذي لا يموت، ولله در القائل:
أصم لا يسمع الشكوى وأبكم لا



يدرى المقال وعن حال المشوق عمي


ولم يزل مضمراً للشر حتى دخلت سنة إحدى وثلاثين بعد المائتين والألف فجمع الجموع وعقد البنود لأجل القتال للشريف حمود، وذلك لما يكن في قلبه من الضغينة بإطلاق قريبه طامي على الأتراك، وبما سبق من العداوة التي سفك بسببها دماء كادت تبلغ عقد الشراك، ويرى أن خروج صبيا ومخلافها من أيديهم عليهم فيه عار لا يجليه إلا رجوعها، فلما بلغ الشريف ما يريد من إضرام تلك النار اهتم بجمع الأجناد، وكان بمدينة أبي عريش واجتمعت لديه المقاتلة من قبائل البلاد فخرج للقائهم وقد نشر الرايات، ودعا داعي النصر يا للثارات، شعراً:
في فيلق من حديد لو قذفت له



وجه الزمان لما دارت دوائره


وكان اللقاء قريباً من درب بني شعبة يوم الجمعة ثامن عشر من شهر رجب، وفي ذلك الموضع وقع تخالف الطعن والضرب، فصف الشريف الأجناد وأحسن الصفوف، وجعل على كل طائفة رئيساً له في الشجاعة يوم معروف،وتقدم الشريف بعد أن تسربل بالحديد وتقلد الهندي الباتر، وكان ابنه الشريف أحمد بن حمود في ذلك اليوم مقدماً في طائفة من أهل الخيل، فأصدق الإقدام، على أولئك الأقوام، وفعل أفعالاً عنترية، وأبان عن شجاعة علوية، دل على أن هذا الشبل فرع ذلك الليث:
وخاض بالسيف بحر الموت خلفهم




وكان منه إلى الكعبين زاخره


فكم دم رويت من أسنته




ومهجة ولغت فيه بواتره


وكان الشريف الحسن بن خالد في خيل عشيرته الحوازمة ومن والاهم، فأقدم على تلك الصفوف إقدام من لا يهاب الموت، وشق تلك المقانب، وأروى من دمائهم السمهرية والقواضب، والتحم القتال بين الفريقين، وتصادقوا الطعان، وأرسلوا من البنادق ما يصك أصواتها الآذان، واخترط الأبطال السيوف، وكان للشمس من عثير الخميس كسوف، وانطحنت هناك جماجم، واشتد على تلط الظهور المدبر طعن الردينيات وضرب الصوارم، فولى الجند الشرقي الأدبار، بعد أن هطلت من دمائهم على الأرض الأمطار، وبلغت القتلى إلى عدد تطيش له الأذهان مما يقارب ألف إنسان، وصارت لحومهم طعاماً للوحوش في فلوات البلدان، وانصرف الشريف بعد الظفر بهم إلى مخيمه تخفق على رأسه الرايات ولسان السعادة ينشد بعد هذه المتفقات:
وقد ظللت عقبان راياته ضحى




بعقبان طير في الدماء نواهل


أقامت على الرايات حتى كأنها




من الجيش إلا أنها لم تقاتل


وقتل في ذلك اليوم الشريف محمد بن منصور بن محمد بن أخي الشريف، وكان في الإقدام في مواطن الحروب من الضراغم، وممن يلقى الكتيبة بوجه وضاح وثغر باسم، وقتل في ذلك اليوم إدريس بن إبراهيم الحازمي، وكان هذا السيد من الرجال الأفاضل، وله في فعل الخير مقاصد حسنة تبلغه أعلى المنازل، مع محافظة على أنواع العبادات على الإطلاق، واتصافه بكمال المروءة ومحاسن الأخلاق، وقتل نفر قليل من جند الشريف، ونادى بعد ذلك منادي القدر على أولئك بعد انفصال القتال يوم بيوم بيش والحرب سجال، فرجع بعد ذلك الشريف حمود إلى المدينة العريشية بأبهة ملوكية وشارة حسنة تحف به من جوانبه الأبطال المعدودين بيوم النزال، وعليه لوائح الجلالة تلوح، وطيور السعد والإقبال تغدوا وتروح، وأنشد لسان الحال:
أعلى الممالك ما يبنى على الأسل


ودخلت سنة اثنتين وثلاثين بعد المائتين والألف وفيها بلف الشريف أن محمد بن أحمد العسيري في حركة، فجمع الجموع ومشى إلى وادي بيش وأقام مقدار شهرين ومحمد بن احمد المذكور لما بلغه حركة الشريف استعمل السكوت وأخلف الظنون، وفي أثناء الطريق غزا البدوان آل عبس([4]) وأخذ من أموالهم ما لا يحصى له عدد، وتفرقوا أيدي سبأ، وأمعنوا في تلك الجبال عربا، وبعد ذلك رجع الشريف إلى المدينة العريشية يخفق على رأسه لواء النصر، متوجاً بالسعادة ماضي النهي والأمر، وأقام فيها مقدار نصف شهر، ومشى إلى الجبال وكان أول خروجه إلى بلاد الحرث لتصليح تلك النواحي، ول يزل يرمم الأمور ويديرها على حسب ما يساعده المقدور نحو أربعة أشهر وانتهى نزوله منها إلى مختارة، والسيد الحسن بن خالد أقام في تصليح قلعة الحسينية لأجل إصلاح عبس، وبعد دخولهم في الطاعة، وانتظامهم في سلك الجماعة، لحق بالشريف حمود، وهو مستقر ببلاد الخميسين، وأقام معه حتى نزل إلى مختارة كما ذكرنا بعد حروب في تلك الجبال يشيب منها القذال، واستولى الشريف على جبل (كحلان) وهو من الجبال المنيفة في أرض اليمن، ودخلت سائر رعايا تلك الجهة تحت وطأته، وبعد وصول الشريف حمود وصحبته الحسن إلى مختارة، كان في ذلك الوقت طلوع الوزير الكبير للسلطان حسن باشا بالأتراك إلى بلاد عسير، واستولى عليها لما ساعدته المقادير، وبعد انفصاله عنها وقع منهم الخلاف، والتظاهر بعدم الائتلاف، وكان رئيسهم إذ ذاك محمد بن احمد الرفيدي العسيري([5]) فوقعت المفاوضة بينه وبين (علي بن مجثل المغيدي) ([6]) أنهم يستنجدون الشريف؛ لأن كلاً من الرجلين في معقله ومعه جماعة من عشيرته،و باقي عسير قائمون عليهم بالحرب صباحاً ومساء، محافظة مع الأجناد الأتراك على الوفاء، وأصحبوا الرسل إلى الشريف هدية دروع، وحصان، فترجح له أن يجهز السيد الهصور، العلامة المشهور الحسن بن خالد إلى تلك الجهات، فنفذ من عنده إلى جهة أبي عريش وجمع المقاتلة من القبائل ومن بهذه الجهة من أهل الشام وأم بهم تلقاء ذلك المقصود، وقدم قبله القاضي البطل حسن بن عطيف الحكمي([7]) في ثلة من الجند فاستقر في بلاد رجال ألمع من اليمن، ففاجأه الخبر بأن الشريف علي بن حيدر والشريف منصور بن ناصر والوزير جمعة تابع الشريف غالب بن مساعد متوجهون إليه في جيش جرار، وبحر من الرجال زخار، وكانوا قد انفصلوا من جهة بندر القنفذة وحلي بن يعقوب وخيموا في بلاد رجال ألمع من الشام، وكان السيد الحسن بموضع يقال له (الحمة) بحاء مهملة وميم مشددة وهاء تأنيث وهو بين (الدرب) و (رجال ألمع) فالتقى الجيشان في ذلك المكان في شهر القعدة الحرام، واشتد بينهم الجلاد، وتخالفوا بالهنديات والأسنة الصعاد، واستقام الحرب بينهم على ساق، وانهلت المثقفة السمر بالدم المراق، وكانت الدائرة على أهل الشام، فولوا الأدبار، وخفقت للسيد الحسن وجنوده من النصر أعلام، وذهب من الفريقين من وفد أجله، وانقطع من الدنيا أمله، وقتل في ذلك اليوم السيد الماجد إبراهيم بن يحيى الحازمي، وحمل السيد الحسن رؤوس بعض القتلى إلى أبي عريش للإرهاب، وبعد انقضاء الملحمة طمع السيد الحسن بن خالد في ملك السراة، وإدخالها في ممالك الشريف فاتصل به رؤساء من أهل تلك الجهات وفاوضهم فيما يريده، فرغبوه في الوصول إليهم، فأرسل بين يديه القاضي حسن بن عطيف في جماعة من الأجناد، ولما تغلغل في تلك البلاد أراد ولم يتمكن من الرجوع إلى من أرسله، فلم يزل يبذل الرغبات الكبار لرجال عسير التي تسهل بها بين بني الدنيا كل عسير، فلحق إلى تلك الأماكن واستقر بين أهلها في أعز المساكن، وذلك بعد مواطأة بينه وبين أميرهم محمد بن أحمد الرفيدي، واجتمع في الظاهر أمرهم على ذلك المقصد، ولكن لما كانت تتوقد قلوبهم مما سلف من تلك الوقائع، وينظرون من ذهب من إخوانهم في هاتيك المصارع ولله در القائل:
لا تأمنن امرءاً أسكنت مهجته



غيظاً وتحسب أن الجرح يندمل


فأبدوا له ظواهراً صحيحة وفي البواطن قلوبهم جريحة، ورموه بثالثة الأثافي، ولم يقمع منهم له حبيب صافي، ولزموا عليه أطراف البلاد حتى لا يتمكن من الخروج، وسدوها بالرجال وقالوا ما لطرقها من فروج، فلم يزل يبعث الرسائل إلى الشريف حمود، ويستنجده لاستنقاذه من لهوات الأسود، والشريف مهتم بهذا الشأن مع انه يرى أن تلك الجهة أهلها غير ناصحين، وليس في تلك البلاد مصلحة عائدة إلى المملكة، ولم يزل يطلب العساكر ويبذل لهذا الأمر الذخائر؛ لأن مع وقوع السيد الحسن في هذا الحادث لم يسعه غير تجلية الكارث، والوفاء بالذمم طريقة أهل الإسلام، لاسيما وهو من يسعى فيما به يقع اتساع المملكة فجمع جيوشاً يعسر لها التعداد، وهم من المعدودين للجلاد، ومن الأبطال الكماة، والشجعان الكفاة، والشريف ليث تلك العصابة، ومقدمها الذي لا يتم نصابها إلا به، فخرج من أبي عريش في أبهة تملأ النواظر، وتحف به من أهل الخيل كل هزبر كاسر.
وشزب أحمت الشعرى شكائمها



ووسمتها على آنافها الحكم


فلما وصل إلى الدرب انخذل عنه (يام) لما علموا أن مقصده السراة لاستنقاذ السيد الحسن بن خالد ومن معه، ويرون عدم الاحتفال بمثل هذا الشأن؛ لآن السيد الحسن كان لا يغضي على ما هم عليه من الأمور المخالفة، ويودون هلاكه وعدم نصرته لو ساعدهم الشريف، ولكن هيهات، مع أنهم يعلمون السلامة لسالك تلك الجبال غير مضمونة، فما كان من الشريف أن أبقاهم في قرية الدرب وأبقى لديهم الفقيه علي بن محسن البهكلي يقوم بجرايات كفايتهم، وأغضى على فعلهم وفي العين قذى، وفي الحلق شجى، وعزم ألا يستخدمهم في مستقبل الزمان، وأن يدخلهم في خبر كان، إنما بعض عقالهم وثلاثة من كبارهم آثروا طريق الوفاء وساعدوا الشريف بالطلوع معه خوفاً من عاقبة الجفا، مع أنهم غير راضين من الشريف بهذا الصنيع ويصرحون أنه مخالف للصواب، وكل يود دفعه لو يستطيع، ولكن صمم الشريف على ذلك المرام، ورأى أن استخلاص السيد الحسن بن خالد بغير ذلك لا يتم، وأنه من آكد الحقوق عليه، والوفاء بالذمام طريق أهل الإسلام، مع أن معه من صناديد بكيل وغيرهم من الأجناد، وما تقوم به الكفاية يوم الجلاد، وفي غيرهم الغنية، ولكن عظم عليه فعل (يام) مع أنه قد غمرهم بالعطاء الذي يزيد في مساعدتهم له في الإصدار والإيراد، وبعد ذلك انفصل الشريف من الدرب بجنوده، وتخفق على رأسه عذبات بنوده، وكان طريقه على (ظلع) وطلع من تلك العقبة، فلما استقر بأطراف السراة ذهب من أهلها الشقاق ورأوا أن مقابلة الشريف بالشر لا تطاق.
ودخلت سنة ثلاث وثلاثين بعد المائتين والألف فيها استهل محرم مفتاح هذه السنة ولم يزل أهل السراة يدخلون في طاعته أفواجا، وينفذون إليه من نواحيها وحداناً وأزواجا، فانتظمت له الأحوال، ونفذ بالأوامر والنواهي في البكور والآصال، وبينما هو في تدبير ممالك تلك الجهات وتصليح أحوالها بما اقتضاه حالهم من التدبير، بلغه توجه سنان آغا إليه مرسولاً من محمد علي باشا، باشة مصر لتملك السراة، ودفع من أراد تملكها، لأنه قد تم الاستيلاء عليها من الأتراك كما سلف خبر ذلك، ويرون أن خروجها من أيديهم عار لا يجليه غير إرجاعها إلى حالة مملكتهم، وفي صحبة سنان آغا جند كثيف من الأتراك وصحبتهم الشريف علي بن حيدر والشريف منصور بن ناصر، ومعه قبائل من حلي بن يعقوب وتلك الجهات وانضمامهم إلى سنان كما بلغ بأمر من صاحب مصر، وكان الشريف علي بن حيدر بصيراً بعواقب الأمور ويرى الإقدام على الشريف مع قوته واندراج أهل السراة في سلك طاعته غير صواب، وأن ما في ذلك غير الفشلان، ولكن لم تقع له المساعدة في هذا الرأي السديد لما قد سبق في علم الله من الجاري على تلك الطائفة من الهول الشديد، وفي أثناء ذلك حصل على الشريف علي بن حيدر عارض مرض منعه من الحركة، ولم يقدر على السير معهم لعدم الاستطاعة من شدة المرض، فزحف أولئك القوم بالجيش الجرار إلى أن طلعوا قمة السراة حاملين كل سيف بتار، معتقلين البنادق القداحية التي تذهل العقول بأصواتها وتصك الأسماع والأبصار، وحين بلغ الشريف طلوعهم أيقن ألا مقصد لهم سواه فعبأ جنوده، وعقد لأبطال عسكره بنوده، وكان ذلك اليوم قد علق به المرض، فأشار عليه كبراء الأجناد بالوقوف في المطرح ويكون عنده جماعة، فأبت همته الهاشمية عن الجلوس، ورأى ذلك الرأي منهم حماقة ووضاعة، فتقدم في بعض الخيل في الميمنة الشريفة الحسن بن خالد، وفي الميسرة الشريفة حسن بن بشر بن أخي الشريف في خيل الأشراف، والعسكر في قلب الجيش والشريف معهم في القلب، وكان منهم الاصطفاف، فالتقى الجيشان في تلك الشعاب وصدق الطعن والضراب، وتنفست البنادق من الجانبين بالرصاص، وتبين عند ذلك اليوم ما فيها من خواص، وهزت الكماة عوالي المران، وتعاطى بأطراف اللهذميات الفريقان، فما كان إلا ساعة من نهار حتى ولى الجند التركي ومن معهم الأدبار، وركعت منهم رؤوس بوقع السيوف، واحتسوا بعد كؤوس الصهباء كؤوس الحتوف، والشريف يخوض غمرات الحرب على جواده، ولولا قوة بأسه لم يستطع النهوض من مهاده، لشدة مرضه، ولكن نشطه ما أيده الله به من النصر على أولئك الأقوام.
وأما أهل السراة فكانوا بأطراف الجبال، لم تصدر منهم مناوشة ولا قتال؛ لأنهم يرون من كانت الدائرة له كانوا معه لما انطوت عليه قلوبهم من الأحقاد المتنوعة، فلما شاهدوا انهزام الأتراك لزموا لهم كل مضيق وتقاسموهم نهباً وقتلاً فكل ثلة منهم بعد فريق، ولحقوا سنان آغا في رأس عقبة (تيه) –بتاء مثناة فوقية وياء تحتانية مشددة وآخرها هاء تأنيث- فأذاقوه حد الحسام، ولم يأوه قبراً بل تمزق في تلك الرجام، وذهب جنده في تلك الرجام كأنهم أحلام، وتعدوا أهل السراة على الشريف منصور بن ناصر فاستحلوا منه الدم الحرام، وألحقوه بالملك العلام، ولما وصل بعض المبشرين بقتله يريد البشارة من الشريف في ذلك غضب غاية الغضب، وكاد يفتلك بالمخبر، ولم ينجه إلا الفرار، واسترجع عند الخطب الجسيم وضربته حمية القرابة ولكنه ما وسعه بما سبق به القدر غير التسليم، وقد كان الشريف منصور العبن الناظرة في آل خيرات، والهرماسة البطل إذا تلاقت الكماة له مجد باسل، وعقل كامل وسياسة في الأوامر والنواهي، وهو مع طيب عنصره فهو داهية من الدواهي، هذا مع أخذه بطرف م العرفان، كان بها طراز افتخاره، وتعلق بالآداب انتقش بها مجد نضاره([8]) تولى صبيا ومخلافها سنوات وأذاقهم حلاوة العدل وأزال عنهم الظلامات، ولذا لقب بالملك العادل في تلك الجهات، ولكن رنق صفو أيامه العساكر الندية، فاختار بإذن عمه المقام في المدينة العريشية، وبنى له قلعة عظيمة، وأجرى عليه الإنعامات العميمة، وبعد أن صفت صبيا من أهل نجد بعد انقضاء أيام طامي، كما سلف خبر ذلك، كان مترقباً رجوع عمالتها إليه كما وقع الالتزام له بذلك من عمه، ولكن لما كان تملكها من طريق الحسن بن خالد وجعل عليها عاملاً من قرابته هو السيد إدريس بن إبراهيم الحازمي، فما وسع الشريف غير المساعدة، ولم يرد تكدير خاطر الحسن بن خالد بنزع عامله، واعتذر إلى الشريف منصور بهذا الواقع، ولكن لم يصغ منصور إلى هذا العذر المسامع، وظن أن ذلك من باب التأثير عليه، فسكت على ضيم وما رأى المساعدة، وتمكنت الوحشة في قلبه ولزم عقر بيته، ولما وقع الحاصل من الشريف على ((يحيى بن حيدر)) وخرج أخيه الشريف علي بن حيدر طالباً الانتصار على الشريف ظهر منه الكامن وساعد الشريف بالارتحال، لأجل تمام الظفر بالمقصود، ولكن حالت المنية دون الأمنية، والله غالب على أمره لا يتم إلا مراده في الصدور والورود، وقد رثاه شيخنا الوالد القاضي شيح الإسلام عبد الرحمن بن أحمد رحمه الله تعالى صاحب التاريخ المذكور الذي هنا ذيله؛ لأنه كان عنده من أعز الأصدقاء الأعزاء بهذه القصيدة الفريدة:
لقد أبى الضيم ماضي العزم والجلد

وحل من شرف العلياء في صعد


أشم يشمخ عزاً أن تلامسه



هوج الرياح فما ذا شأن كف يد


لا يمتطي غير سرج الأعوجي ولا



تراه معتقلاً غير القنا الملد


يصبو إلى المجد والعلياء ناظره



حتى ينال ذراها غير مضطهد


يأتي غمار العلا قسراً وإن نكصت



عنه الجياد تراه وارد الثمد


مثلم سيفه عند الرهان فلا



تداس أعقابه في الرفع والوخد


يغشى المهم بقلب غير منفهقٍ



عن الثبات وعقل كامل الرشد


يأبى الدنية حتى لا يصاحبها



ولا يغمض عينيه على ضمد


ولا يصعر خديه على أشر



ولا يبيت على الاقتار ذا حرد


طابت مساعي علاه إذ منابتها الصريح من مضر الحمراء ومن أدد


أرومة من قصي عيصها أسل



في ركنها شرف العلياء والسند


ثبت الجنان كريم الخيم ما فعلت



بك العلى بعد أن وافتك طوع يد؟


ماذا الذي عملته فيك فانخزلت



ويحاً لها، كيف تقضي عزها الأبدي


أنت الذي ضربت فسطاس نخوتها



عليك أيان عين الدهر في رمد


كانت تراك حرياً أن تقود لها



شم الجبال على بطحاء ذي وهد


وأنت والله أهل أن تبلغها



فوق الذي طلبت من منتهى الأبد


لك الأيادي عليها إذ بنيت لها



بيتاً على هامة الجوزاء ذا عمد


ما كنت أحسب أن المجد مقصده



صرف الزمان بطرف فيك منتقد


كنا نعد الليالي منك هائبة



كما يهابك ذلاً زائر الأسد


وأن ام الليالي عنك حائدة



عن أن يصيبك سهم البين بالقصد


لكن تنافس عن علياك صاهلة



من الجياد وتخت الملك عن حسد


وزاحمت فيك غايات العلا شرفاً



فما رأتك مخلا عن علا عدد


فأسلمتك يد العلياء فائضة([9])



خوف اشتراط وقد تسمو يد الحقد


وصيرتك صريعاً حول جندلة



تاهت بقربك منها فوق ذي حيد


ضنت بك الهضبات الشم حين غدت



تحنو عليك وقد صانتك عن وهد


ما كنت تخفي على عاف ومنتجع

بل كنت في كل حال ظاهر المجد


فآلت الأرض أن لا زال ظاهرها



مضمخاً بك لا يلوي على لحد


ففي الحياة ظهور شامخ بذخٌ



وفي الممات ظهور البدر في الكبد


كذا العلا حين لا ترضى مفارقة



الماجد وهو فيها بيضة البلد


ولعتبر بك يا ليث العرين فتى



له إلى طلب العلياء فضل يد


تالله لو ملكت كفاك عاملها



حين اعتلا بك نعب الصادح الغرد([10])
لكنت تارك راميها بمصرعه



طعم الحبارى وأشلاء لذي لبد


فليعظم الأجر كفو الرزء لو قصمت



به ظهور أولي اللامات والسرد


لو كان يملك يوم الروع ذو حدبٍ



عليك منه فداء كنت خير فدى


لهان فيك الذي فوق الورى وسخاً



من ضن بالنفس أو (بالطرف) والتلد


لكن جرى حكم الباري وقدرته



أن لا يقاوى صريع الحادث العتد


فليهنك الخلد في دار النعيم مع



خير العباد أبيك السيد السند


وفي جوار علي والبتول ومن



حلت بهم في معاد رحمة الأحد


وهذه القصيدة في أعلا طبقات البلاغة غاية في باب المراثي لا جرم فقائلها شيخنا الإمام الذي لا يلحق في مضمار الفصاحة.
نعم وبعد انتهاء المعركة رجع الشريف إلى مخيمه بعد أن قرت عينه بما فتح الله عليه من النصر وإدبار المناوئين من أهل البغي والشر، ولكن رافق في الإقامة على السرير، وتزايد عليه المرض حتى لحق باللطيف الخبير، وكانت وفاته في هذا العام أي عام ثلاثة وثلاثين بعد المائتين والألف، في يوم الاثنين رابع عشر ربيع الأول([11]) ودفن في بقعة من بلاد بني مالك تسمى الملاحة –بميم مفتوحة ولام بعدها حاء مهملة فهاء

([1]) وصل محمد علي إلى الحجاز سنة 1229هـ/1814م وبعد وصوله إلى مكة أصدر أوامره إلى:
1- جيشه في المدينة بالزحف إلى نج.
2- جيشه في الطائف لاحتلال تربة.
3- جيشه الثالث بالتقدم إلى ميناء القنفدة التي سبقت أن احتلته قواته في أول هذه السنة وطردها منها طامي بن شعيب شر طردة وغنم مدافعهم وخيلهم ولم يسلم منهم إلا الأقل فلم تتوقف حملتا محمد علي –آنذاك- على نجد وتربة، بل تقدم محمد علي بنفسه إلى جهة الطائف فخاض معركة ((بسل)) المشهورة ضد الجيش السعودي بقيادة فيصل بن سعود وطامي بن شعيب والتي انتهت بانتصاره واحتلال بلدة ((تربة)) ومنها تقدم على ((رنية)) فاحتلها ثم احتل بيشة، وتقدم إلى بلاد غامد وزهران ولم يصلها إلا بعد خمسة عشر يوماً وبعد ما لاقى من المشاق والأهوال ما كاد يقضي عليه.
وهناك التقى بجيش يقوده طامي بن شعيب في كلاخ فهزم محمد علي، وإنما استطاع لم شعث جيشه وقام بهجوم مضاد فقضى على جيش الطامي الذي فر إلى عسير، وقد فقد روح المقاومة وعزيمة الثبات، وشعر بدنو زحف محمد علي إلى عسير، فانحدر بمفرده إلى تهامة فدخل حصنه بمسلية ثم توجه إلى أحد النعامية في الدهنا راجياً منه اصطحابه إلى حمود أبي مسمار، فأشار عليه بالاتجاه إلى الجبال الشرقية فرفض فصحبه إلى صبيا التي كانت بها حامية عسيرية إلا أن وزير حمود حسن بن خالد علم بهزيمة طامي وفراره واستيلاء محمد علي على بلاد عسير فتقدم من ضمد إلى صبيا، وطرد الحامية العسيرية وبعث رعيلاً من الخيالة للقبض على طامي فصادفته قريباً من صبيا، فاقتادته أسيراً وبوصوله إلى حسن بن خالد بصبيا كبله بالحديد وأودعه قلعة صبيا تحت حراسة مشددة، وبعدها وصلت كوكبة من فرسان محمد علي من عسير لمطاردة طامي والقبض عليه وعلمت أنه سجين عند وزير حمود في صبيا فدخلت صبيا وطلبت تسليمه فسلمه لها حسن بن خالد وعادت به إلى محمد علي في عسير الذي أرسله إلى مصر وأمر بقتله هناك.

([2]) الجار عند العرب له حرمته في الجاهلية، وأكد الإسلام حتى الجار بقوله تعالى: {والجار ذي القربى والجار الجنب} [سورة النساء: 26] فالجار ذي القربى هو نسيبك النازل معك في الحواء، ويكون نازلاً في بلدة وأنت في أخرى فله حرمة القربى، والجار الجنب أن لا يكون له مناسباً فيجيء إليه ويسأله أن يجيره أن يمنعه فينزل معه، فهذا الجار الجنب له حرمة نزوله في جواره ومنعته وركونه إلى أمانته وعهده.
وفي التنزيل: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون}[التوبة: 6].
قال الزجاجي: المعنى إن طلب منك أحد من أهل الحرب أن تجيره من القتل إلى أن يسمع كلام الله فأجره، أي أمنه وعرفه ما يجب عليه أن يعرفه من أمر الله الذي يتبين به الإسلام، ثم أبلغه مأمنه لئلا يصاب بسوء قبل إنهائه إلى مأمنه هذا في حق الكافر وكيف بالمسلم.
والجار والمجير هو الذي يمنعك ويجيرك، وفي الحديث ويجير عليهم أدناهم أي إذا أجار واحد من المسلمين حراً أو عبداً أو امرأة أو أحداً أو جماعة من الكفار وخفرهم وأمنهم جاز ذلك على جميع المسلمين لا ينقض على جواره وأمانه.
وأنه من حسن بن خالد تصرف غير كريم وعمل غير حكيم إزاء أمير عربي مسلم ألجأته الظروف وأجبرته الأقدار إلى الالتجاء إلى إمارة أمير عربي مسلم مثله، التجأ إليه من مطارديه وكان الأولى أن يجيره ويؤمن خوفه وأن يرسله إلى حمود أمير البلاد في جهة بلاد بني قيس في قلعة (مختارة) أو يسهل له سبيل الفرار إلى الجبال الشرقية.
وعلى كل فقد علق المؤلف رحمه الله التعليق الصائب، وانتقد تصرف الوزير بتسليم طامي لأعدائه.

([3]) وجاء في كتاب ((الديباج الخسرواني)) لصاحب التكملة تعليقاً على الحادث قوله: (وقد خاض الناس في فعل السيد الحسن بن خالد في هذه القضية، ويرونها عليه رزية...الخ.

([4]) عبس: قبيلة عبس قبيلة معروفة من قبائل المخلاف السليماني في منطقة جازان، وتمتد مواطنها من ضمد جنوباً إلى نهاية الحقو وجبال العزيين شمالاً، وغرباً تحد بقبائل الحسيني وقبائل المخلاف السليماني وبيش وشرقاً بقبائل جبالنا الشرقية كبني الغازي، وغيرهم،و إلى هذا التاريخ نجد أن (عزوة) قبائل صبيا (صبي العبوس) مما يدل أن مداها القبلي كان يمتد إلى صبيا.

([5]) هو: محمد بن احمد المتحمي من عشيرة آل المتحمي من قبيلة ربيعة ورفيدة، عاصر عبد الوهاب أبا نقطة، ووافق طامي بن شعيب في المهمة التي انتدبه عبد الوهاب لها للنظر بين صالح العلفي وحمود، وبعد وصول طامي بلدة القطيع كلف محمد بن أحمد المتحمي بخطاب منه إلى حمود، وذلك في سنة 1220هـ وفي سنة 11223هـ بعثه الأمير طامي بجند لنجدة حامية صبيا، وبعدها تصرفت به الأمور في إمارة ابن عمه طامي حتى قبض على طامي، وأرسل إلى مصر بعد أن حكم ست سنوات، ونتيجة للحكم التركي الغاشم ضاق العسيريون ذرعاً فاغتنم محمد بن أحمد الفرصة وصار على قوات محمد علي وقضى عليها وتولى الحكم وذلك في حوالي سنة 1230هـ.
وفي رجب سنة 1231هـ تقدم لقتال حمود للأخذ بثأر ابن عمه طامي بن شعيب، ودارت المعركة قرب قرية الدرب وانتهت بهزيمة محمد بن أحمد وانسحابه إلى عسير.
وفي جماد الثاني سنة 1232هـ تقدمت قوام محمد علي في الحجاز واستعادت سيطرتها على عسير، فتوارى محمد بن أحمد في جبل (تهلل) فأبقى قائد محمد على حامية في عسير وعاد إلى الحجاز، وبعودته ظهر محمد بن أحمد ونادى للجهاد فلم يوفق وانهزم ثانية، فالتجأ إلى حمود وطلب منه هو علي بن مجثل التقدم للاستيلاء على عسير ففعل حمود، وظل محمد بن أحمد في عسير حتى توفي حمود، وفي حوالي سنة 1235هـ عندما تقدم محمد بن عون على عسير تخوف من موقف محمد بن أحمد فأمر بالقبض عليه وترحيله إلى الحجاز ومنها إلى مصر حيث أُمر بقتله هناك.

([6]) علي بن مجثل المغيدي، تولى إمارة عسير في صفر 1242هـ- 1249هـ، راجع كتابنا (المخلاف السليماني).

([7]) هو: القاضي حسن بن علي عطيف الحكمي، من رجال العلم والقيادة في إمارة حمود أبي مسمار، ولا تزال عشيرته وذووه يعيشون في قرية الحصامة يعرفون بالعطفة وإليهم مشيخة قريتهم وقبيلتهم، أسندت إليه قيادة طليعة القوة التي أرسلت بقيادة الوزير حسن بن خالد لتأديب قبيلة الحرث في سنة 1230ه للمرة الثانية، راجع ص 98 جـ 2 من كتابنا الأدب الشعبي في الجنوب وما ورد في الأشعار الشعبية حول تلك الغزوة، وفي سنة 1233هـ كان القاضي حسن بن عطيف على قيادة مقدمة جيش حمود الذي تقدم إلى عسير بقيادة حسن بن خالد، راجع ص 475 جـ1 الطبعة الثانية من كتابنا (المخلاف السليماني) وبعد وفاة حمود التحق بإمارة ابنه أحمد بن حمود الذي أرسله على رأس حملة لتأديب قبيلة الخميسين في تهامة اليمن، فتألبت جموع تلك القبائل على الحملة وهزمتها وقتلت قائدها القاضي حسن بن علي بن عطيف وذلك في سنة 1234هـ، راجع ص 493 من المصدر نفسه.

([8]) في الأصل (نظاره) والصواب: (نضاره) جرى التنبيه.

([9]) في نسخة (نفح العود): (فائضة) وفي نسخة (الديباج الخسرواني): (غائضة). جرى التنبيه.

([10]) في إحدى النسخ: (الصادح الفرد) وفي النسختين الأخريين: (الصادح الغرد) جرى التنبيه.

([11]) راجع كتابنا (محاضرات في الجامعات والمؤتمرات) ص 34 وما أوردته عن صحة تاريخ معركة الملاحة وصحة تاريخ وفاة حمود والذي أوردنا فيه ما نصه: (... تجمع مصادر تاريخ الجنوب بأن حمود توفاه الله بعد أيام من انتهاء تلك المعركة التي خاض غمارها، وقد ابتدأت به علة المرض، وأن وفاته كانت في يوم الاثنين الموافق 14 ربيع الأول سنة 1233هـ/ 1818م.
ولم تشر تلك المصادر إلى اسم اليوم أو إلى التاريخ الذي دارت فيه رحى المعركة، كما أنها لم تشر إلى أي علاقة أو ارتباط بين استيلاء حمود على عسير وبين المعركة الرئيسية الدائرة بين الدولة السعودية ومحمد علي وهنا نتساءل:
1- في أي يوم وأي تاريخ على وجه التحقيق دارت رحى معركة (الملاحة) بين حمود وسنان؟
2- هل توفى حمود أبو مسمار حقيقة في ذلك التاريخ أي في 14 ربيع الأول سنة 1232هـ.
3- هل كان استيلاء حمود على عسير جزء من مخطط معركة الدفاع الرئيسية؟ أما أنها انتهاز فرصة مع اندفاع خاض منه كما نفهم من مضمون تلك المصادر، واستجابة لنداء وافق رغبة ومطمحاً وهوى؟
وأقول بكل تواضع، أنه بعد مضي 170 سنة –تقريباً- وبفضل الله تعالى وعونه أكون أول من اكتشف الحقائق الآتية:
1- أن معركة الملاحة كانت على وجه التحقيق في يوم الخميس الموافق 24 ربيع الأول سنة 1233هـ.
2- أن صحة تاريخ وفاة (حمود مسمار) في يوم السبت الموافق 10 ربيع الأخرى سنة 1233هـ.
3- أن استيلاء حمود على عسير هو من ضمن مخطط الدفاع السعودي وأنه بالرغم من تلك الأيام الحالكة والمعارك الدائرة في قلب نجد لم تنقطع اتصالات الدولة الأم عن البلاد التابعة لها كما أن تلك البلاد لم تتخل أو تقصر عن ولائها للدولة السعودية، وأن معركة الملاحة هي معركة فرعية من معركة المصير الواحد ضد الغزاة.
والدليل على ذلك هو دليل مشاهد مقروء، يتألف من رسالة تاريخية جوابية من وزير حمود أبي مسمار إلى الأمير عبد الله بن سعود بن عبد العزيز آل سعود رداً على رسالة موجهة إلى حمود قبيل وفاته، وهذه الرسالة الجوابية أشبه ما تكون بتقرير مرفع من قائد أحد الميادين إلى القائد العام عن معركة (الملاحة) والإجراءات الحربية والإدارية التي تمت بعدها، كما تشير إلى رسائل متبادلة قبلها بين (العاصمة) وحمود.
وها هو نصها الحرفي:
بسم الله الرحمن الرحيم
من حسن بن خالد إلى الأمير عبد الله بن سعود بن عبد العزيز آل سعود.. وإياه بالباقيات الصالحات.
سلام الله عليكم ورحمة الله وبركاته: وبعد فبموجب الخطاب إبلاغك السلام والسؤال على حالك أحال الله على الجميع كل مكروه وحسن بن شداد وصل والخطوط التي صحبته وصلت، والحمد لله على عافيتكم.
وكان وصول الخطوط بعد أن اختار الله للشريف (حمود) ما عنده، وانتقل من هذه الدار الفانية إلى الدار الباقية، على أحسن حال (...) وكان وفاته لعشر مضين من شهر ربيع الأخرى، فالله المسؤول أن يرحمه ويكرم نزله، فلقد مات مجاهداً في ذات الله.
وكان وفاته بعد أن جمع الله بيننا وبين أعداء الله من الترك وغيرهم لأربع وعشرين مضين من شهر ربيع الأولى، وأخذ الله من الأروام واستولى على كل ما معهم، وعلى ما جروه من المدافع والقنابر وقتل مقدمهم سنان آغا كما أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد، وقتل من الأتراك أكثر من ألف والحمد لله وحده صدق وعده، ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده.
وتوفاه الله بعد أن أخذ الله الجنود الفاجرة على يديه، وبعد ذلك من كان من العساكر من الجنود الذي جمعهم من أهل الدينار والدرهم ورجعوا إلى بلادهم، وأخذهم على العمل بكتاب الله والسنة والموالاة والمعاداة والسمع والطاعة في العسر واليسر.
ومن بعد وجهنا المسلمين إلى من تمتن أهل الردة، من أهل وادي شهران ومن أهل تندحة، ودمر الله جملة قرى في وادي تندحة وشهران، وبلاد عسير والحال نخط الخط والسجن ملآن من أشرار أهل الردة، وباشات الترك، والخيل التي بأيدي كل من والى الترك بأيدينا، وأخذ حلقة من رأينا أخذ حلقته، وتاريخه وقد عاهدنا وربيعة ورفيدة اليمن، بعد أن أخربنا ديار من أراد الله، وعاهد جميع شهران وبني شهر، وعاهد جميع بني بشر وبالأحمر والأسمر، وصار حد المسلمين إلى شريف وسنحان، وهم يكتبون إلينا، ورجال ألمع عاهد الجميع على العمل بكتاب الله، وسنة رسوله، كما قد ذكرنا لكم.
وتاريخه والمناخ الذي نحن فيه قد اجتمع من المسلمين أكثر من عشرة ألاف، وصدرت ونحن مستعينون الله ومستنصرونه ومثورون لجهاد أعداء الله، نسأل الله الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، ونسأل الله أن ينصر دينه وكتابه {وما النصر إلا من عند الله}.
وقد بلغنا استيلاء هذه الطائفة الكفرية على الوشم والقصيم، وسدير، والاعتصام بالله والتمسك بحبل الله هو رأس النجاة، ولا ينبغي للمسلم أن يفتقر إلى غير الله، نسأل الله الهداية إلى الصراط المستقيم.
جواباتكم صحبت محمد الحويك وصلت وقت وفاة الشريف، وأرسلنا الخط الذي منكم إليه إلى الولد أحمد بن حمود، وصدر إليكم جوابه وهو معاكم إن شاء الله، وقائم بغاية الهمة في جهاد أعداء الله، نسأل الله أن يثبته ويسدد خطاه وأن يأخذ بناصيته إلى ما فيه الخير والولد شبيب وصل إلينا بعد الحرب (نحو عشر كلمات غير مفهومة بتأكل الورقة) انتهى .
إن سقوط ضرمي هو في 17 ربيع الآخرة سنة 1233هـ ونقدر أن الرسالة كتبت في شهر جمادى الأولى الذي بدا حصار الدرعية في 29 منه.
-----------
تــابع











التوقيع

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
الشيخ:/ محمد بن حسين بن بيطلي بن حسين أبوعطله العامري
شيخ شمل قبيلة بني يعلا بوادي يبه

 
آخر مواضيعي

0 من الذي باع أراضي فلسطين لليهود ؟ سمسار اسرائيلي يؤرخ ويروي الأسماء !
0 محامي الجيزاوي: موكلي مغرر به وسأطعن بالإجراءات وانسحب إذا رفض طلبي
0 مقتدى الصدر الرافضي يلتقي معارضين بحرينيين في إيران
0 زيارة الملك سعود بن عبد العزيز للأردن على ظهر جواد عام 1933
0 الداخلية تكشف تورُّط الزنادي في إطلاق النار بالعوامية وتقبض عليه مصاباً

عرض البوم صور آل قطبي الحسني   رد مع اقتباس
قديم 01-11-2010, 07:30 AM   رقم المشاركة: 10
مشرف سابق

الصورة الرمزية آل قطبي الحسني



رقـم العضـوية 14
تاريخ التسجيل Mar 2010
عدد المشاركات 5,596
القبيلة نحن بنو يعلى من كنانة=رأس المضريين وفرسانها
مكان الإقامة إمارة بني يعلى
المهنة طالب
 
 
آل قطبي الحسني غير متواجد حالياً

افتراضي

نسخت خلائقه الحميدة ما أتى



في الكتب عن كسرى الملوك وقيصرا


ملك إذا خفت حلوم أولي النهى



في الروع زاد رصانة وتوقرا


ثبت الجنان يخاف من وثباته



وثباته يوم الوغى أسد الشرى


يقظ يكاد يقول عما في غدٍ



ببديهة أغنته أن يتفكرا


حلم تخف له الحلوم وراءه



رأي وعزم يحقر الاسكندرا


يعفو عن الذنب العظيم تكرماً



ويصد عن قول الخنا متكبرا


لا تسمعن حديث ملك غيره



يروى، فكل الصيد في جوف الفرا


لقد ناحت عليه من جميع البقاع بعد موته العلا والمكارم، ولبست عليه الليالي ثياب الحداد فكأنها ظلمة ومآتم، وعقمت الليالي أن تلد له نظير، وقالت المفاخر عدلها طوائف الملوك ومالي.
وقد وقع له من المآثر الدينية والدنيوية ما لم يتفق مثلها لملك من ملوك هذه الجهة المسيطرين على هذه الجهات، فإني قد استقصيت تواريخ من سلف ممن تملك المخلاف السليماني فلم يتفق له ما اتفق لهذا الشريف، ولم يبلغ احدهم مبلغه في ذلك ولا أدناه، فإنه بنى العمارات الباذخة والقلاع الشامخة، في أبي عريش وجعل سوراً على ديرة الأشراف المشهورة غربي مدينة أبي عريش، وجعل له بابين شامي ويمني وصارت أبو عريش ببركات عمارته من أمنع مدن اليمن، وهو تخت مملكته، ومستقر من جاءه من العساكر والجنود، أو من وصل إليه من الأقطار البعيدة من الوفود، فلك زهى على أهل التهائم والنجود، وبنى قلعة بندر جازان، وبنى بإذنه السيد العلامة الحسن بن خالد رحمه الله تعالى قلاعاً عظيمة بقرية ضمد وله في مدينة الزهراء مباني كثيرة، وقلعة مختارة من أعظم العمارات التي بناها، وسور على مدينة زبيد بمشارفة قاضيها السيد العلامة حسين بن عقيل الحازمي، وقد بلد من بلاد مملكته إلا وتجد له فيها آثار تنشد بلسان الاعتبار:
تلك آثارنا تدل علينا



فانظروا بعدنا إلى الآثار


وكان هذا الشريف هو أول من استقل بالإمارة من أهل هذا البيت، وكان من سلف من آبائه وذويه ولايتهم مستعارة من أئمة صنعاء، كما سبقت الإشارة إليه، وأما هو فباين أولئك الأئمة، وامتدت يده من أطراف مدينة حيس إلى جهة السراة.
وأما المآثر الدينية فهي بناء الجامع الذي في باطن سور الديرة وبعد ذلك نقضه وترجح أن يبنيه بقبب محكمة العمارة، وتم له بناء المقدم من ذلك وحال الأجل دون إتمامه, على أنه لم يكمل بناء المقدم، وأتم بناءه بعد مدة الشريف الحسين بن علي بن حيدر بن محمد، وبنى مسجد في بيت الفقيه، وحفرت بأمره آبار متفرقة في المدن والطرقات والقرى، وأوقف من الأرض خمسمائة معاد في وادي مور وفي وادي ليه، على ثمانية أصناف، العلماء والمتعلمين والفقراء والمساكين، وفي الرقاب، وابن السبيل وعلى المساجد، ووقف على الجامع المذكور أوقافاً من الأرض كثيرة، ووقف على سور الديرة وقفاً، وخصص العلماء والمتعلمين بأوقاف من الأرض المذكورة تقوم بكفايتهم؛ لأنه كان في زمانه ظهور رئاسة العلم ونفاق تجارته، والسبب أن السيد الحسن بن خالد معاضده ووزيره وهو من العلماء فأرشده إلى تعظيم العلماء والمتعلمين، وكان بذلك نفاق تجارة العلم في ذلك الزمان، وصارت لهم المزية التي هم أهل لها على كل قاص ودان، وقصده العلماء من كل جهة، ومن وصل إليه أكرمه وقابله بالإجلال والتكريم وأحله في أعلى منازل الرفعة والتعظيم، وأسكن بعضهم في قلاعه المختصة به، وكان في جامعة المذكور جماعة يدرسون العلم، وصارت القراءة عليهم في الطلبة في كل فن من فنون العلم، فطار بذلك صيت الشريف كل مطار، وصار بذكره حيث يسير الليل والنهار، وغنى الناس بالثناء عليه في أبعد الأقطار، ووفد إليه الأدباء بعضهم من العراق، ومن كل جهة ومدحوه بالقصائد البليغة، ولو جمع ما مدح به من الشعر لجاء في مجلد، وكان يجيز الشعراء الجوائز الوسيعة، ومن مدحه ولو على البعد وأرسل بها، أرسل إليه بالجائزة إلى وطنه، وكانت سيرته في الرعايا غالباً جارية على وفق منهج السداد، ولاسيما في الأزمنة الأخيرة التي غلب على أهلها الاعوجاج في الإصدار والإيراد، وانتظمت أمور الناس في زمانه، وجرت المملكة على قوانينها بالوزراء والعلماء والأعيان الذين بهم الكفاية عند حدوث الدهماء، والعمال –الأمراء الإداريون- من تحت نظره وهم نخبة أهل العصر لما اتصفوا به من الأمانة وحسن السياسة، والكتاب الفصحاء والأدباء، ولاحظته مع ذلك السعادة التي يرتفع بها الإنسان إلى عنان السماء، وكان له من العبيد المماليك نحو ألف إنسان، وهم بين حاملي البنادق وراكبي ظهور الخيل فصاروا بذلك جنداً مستقلاً، واجتمع لديه من نجائب الخيل ما لا يجتمع عند احد ممن ملك هذه الجهات قديماً وحديثاً، وفي زمانه أمنت الطرقات وذل أهل الفساد ولم يبق لمعتد عرق لما له من سطوة على أهل العناد، وقد بلغ من أمان الطرقات أن الشيء المحمول يعجز صاحبه عن حمله وهو في قفر من الأرض فيتركه حتى يرجع إليه، وكان له وقت يجلس فيه لسماع الشكايات وإزالة الظلامات وأوقاته مرتبة على حسب المقتضيات لا يكاد يذهب عليه وقت لغير مصلحة على اختلاف المرادات، وقد كان ألقى إلى السيد العلامة الحسن بن خالد في البلاد العريشية وجميع ممالكه الزمام، قائماً مقامه في النقض والإبرام، فلم يزل منفذاً فيها الأحكام، ومقرراً أحوال المملكة في الإقدام والإحجام، ولما كان أكثر الناس عواماً وفيهم غفلة عن تعلم ما يجب من التكاليف الشرعية نصب لهذا الشأن الشريف العلامة الحسن بن بشير بن مبارك، وألف له رسالة مشتملة على معرفة التوحيد الذي هو حقيقة ما بعث الله به الرسل صلوات الله عليهم من إفراد الله تعالى بالربوبية وترك الاعتقاد بالضر والنفع في سوى خالقهم، ومعرفة معنى لا إله إلا الله هي كلمة الإسلام وعليها يدور قطب رحى الإيمان، ومعرفة ما يتعين على كل مكلف من الصلاة والصيام والزكاة والحج، وبيان ما يجوز وما لا يجوز من العبادات، فقام الشريف المذكور بهذا الأمر المهم، وكان في صحبته جماعة من أهل العلم يعلمون الجاهل، ويرشدون السائل، ويوقظون الغافل، ومشى المذكور على جميع ممالك الشريف حمود، ونشر فيها لواء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعمرت في القرى والمساجد، وحافظ الناس على الجمعة والجماعة في كل مكان من جميع هذه الجهات، وأنس الناس بمعرفة معالم الدين، وظهرت من معالم الدين الخافي من العلامات، وأقيمت الحدود الشرعية، وأزيلت الأعراف المخالفة للشريعة المحمدية، وكان التذكير لعامة الناس في كل أسبوع، وناهيك أن تلك الأيام في وجه الدهر غرر وحجول، صار بها ربع الإسلام مأهولا، وقد استفاد الشريف وأعوانه بذلك الأجر والأحدوثة الحسنة على ممر الدهر ولله القائل:
وإنما المرء حديث بعده



فكن حديثاً حسناً لمن وعى


رحم الله أولئك الملأ الكرام وأسكنهم دار السلام، وهذا آخر ما كان به تما تاريخ شيخنا الإمام العلامة القاضي الإمام عبد الرحمن بن أحمد البهكلي رحمه الله تعالى المسمى بنفح العود بقلم الفقير إلى الله تعالى حسن بن أحمد بن عبد الله غفر الله لهم بتاريخ شهر جمادى الأول سنة 1385هـ([1]).

([1]) قوبلت على نسختين سقيمتين كما قوبلت على النسخة المنقولة عن نسخة الأستاذ الشيخ حمد الجاسر.

===========================
( انتهى )

منقووول











التوقيع

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
الشيخ:/ محمد بن حسين بن بيطلي بن حسين أبوعطله العامري
شيخ شمل قبيلة بني يعلا بوادي يبه

 
آخر مواضيعي

0 من الذي باع أراضي فلسطين لليهود ؟ سمسار اسرائيلي يؤرخ ويروي الأسماء !
0 محامي الجيزاوي: موكلي مغرر به وسأطعن بالإجراءات وانسحب إذا رفض طلبي
0 مقتدى الصدر الرافضي يلتقي معارضين بحرينيين في إيران
0 زيارة الملك سعود بن عبد العزيز للأردن على ظهر جواد عام 1933
0 الداخلية تكشف تورُّط الزنادي في إطلاق النار بالعوامية وتقبض عليه مصاباً

عرض البوم صور آل قطبي الحسني   رد مع اقتباس
إنشاء موضوع جديد  إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
نفح العود, حمود, دولة الشريف, كتاب, في سيرة


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهة
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
وفاة الشيخ سعيد بن حمود الجحدلي الكناني شموخ انثى أخبار ومناسبات بني كنانة 1 15-04-2013 10:39 PM
سيرة شريف وأمير مكة.ملك الحجاز الشريف حسين بن علي الهاشمي القرشي الكناني آل قطبي الحسني أعلام وشخصيات بني كنانة 7 21-08-2011 04:40 AM
الشيخ سعيد بن حمود الراشدي الجحدلي الكناني شيخ آل راشد الجحادلة من بني شعبة من كنانة عبدالرحمن الكناني أعلام وشخصيات بني كنانة 2 21-08-2011 04:02 AM
الساعة في كل دولة بطل الدروب رحلات القنص و السفر و السياحة 6 26-06-2010 08:40 PM
كل دولة ولها علامات لدخول التواليت علي اليحياوي التصوير الفوتوغرافي والمرئيات 2 22-05-2010 07:56 AM

RSS RSS 2.0 XML MAP HTML

الساعة الآن 03:32 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
Ads Organizer 3.0.3 by Analytics - Distance Education
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات قبيلة بني كنانة و جميع المواضيع والمشاركات المنشورة لا تمثل وجهة نظر إدارة الموقع إنما تمثل وجهة نظر كتابها

Security team

  منتديات قبيلة كنانة