a
منتديات قبيلة كنانة منتديات قبيلة كنانة منتديات قبيلة كنانة منتديات قبيلة كنانة
 

 

 

آخر 10 مشاركات
ماهى اشراط الساعه الصغرى (الكاتـب : معاذ - )           »          لماذا لاتكون مشجره لقبيلة كنانه الحاليه (الكاتـب : الـمـرحـبـي - آخر مشاركة : الكناني الخندفي - )           »          السادة الأشراف آل بامالك الحسنية الهاشمية القرشية الكنانية المضرية العدنانية (الكاتـب : المستظفر بالله - )           »          كنانه في الاردن (الكاتـب : ابو كنان - آخر مشاركة : عبد المنعم أحمد - )           »          حياكم الله وبياكم (الكاتـب : محمد الماجدي - )           »          فلاش اكثر من رائع فيه شرح لغزوات الرسول صلى الله عليه وسلم (الكاتـب : ابوعلى - )           »          رسول الله وفاته (الكاتـب : هشام الجحدلي - )           »          منصور بن عبدالعزيز آل سعود (الكاتـب : هشام الجحدلي - )           »          الامير الراحل سعود بن بندر بن محمد بن عبدالرحمن بن فيصل آل سعود (الكاتـب : هشام الجحدلي - )           »          مساجلة شعرية قديمة(لصمام الامان بالمملكة ) للامير نايف وزير الداخليه الاسبق رحمه اللة (الكاتـب : هشام الجحدلي - )


العودة   منتديات قبيلة كنانة > المنتديات العامة > نادي كنانة الأدبي > مكتبة كنانة
التسجيل مـكـتـبـة بـنـي كـنـانـة التعليمـــات البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

مكتبة كنانة مكتبة عامة بها المفيد من الكتب المتنوعة

عجائب الآثار في التراجم والأخبار ( المجلد الأول والثاني والثالث )

مكتبة كنانة

إنشاء موضوع جديد  إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 20-12-2010, 01:16 AM   رقم المشاركة: 11
مشرف سابق

الصورة الرمزية آل قطبي الحسني



رقـم العضـوية 14
تاريخ التسجيل Mar 2010
عدد المشاركات 5,596
القبيلة نحن بنو يعلى من كنانة=رأس المضريين وفرسانها
مكان الإقامة إمارة بني يعلى
المهنة طالب
 
 
آل قطبي الحسني غير متواجد حالياً

افتراضي

وقـد ذكـره الأديب الشيخ عبد الله الأدكاري في بضاعة الأريب وأثنىعلى محاسنه وكانت بينهما ألفة تامة ومصافاة ومصادقة ومحاورات أدبية‏.‏
فإن المترجم كان أوحد عصره ووحيـد مصـره لـم يدانيـه فـي مجموعـةالفضائـل أحـد ولـم يـزل حميد المسعى جميل السيرة بهيًا وقورًا مهيبًا عند الأمراءوالوزراء حتى وافاه الحمام في يوم الجمعة حادي عشر المحرم من السنة‏.‏
ومات الأستاذ العارف سيدي علي بن العربي بن علي بن العربي الفاسيالمصري الشهير بالسقـاط ولـه بفـارس وقـرأ علـى والـده وعلى العلامة محمد ابن أحمدبن العربي بن الحاج الفاسي سمـع منـه الأحيـاء جميعـًا بقـراءة ولـد عمـه النبيـهالكاتـب أبـي عبـد اللـه محمـد بـن الطيـب بـن محمد بن علي السقاط وعلى ولده أبيالعباس أحمد بن محمد العربي ابن الحاج ولما ورد مصر حاجًا لازمه فقرأ عليه بلفظه منالصحيح إلى الزكاة والشمايل بطرفيه بالجامـع الأزهـر وكثيـرًا مـن المسلسلات والكتبالتـي تضمنتهـا فهرسـت ابـن غـازي قـراءة بحـث وتفيهـم وأجـازه حينئـذ بأواسط جمادىالثانية سنة 1143 وجاور بمكة فسمع على البصري الصحيح كاملًا ومسلمًا بفوت وجميعالموطأ رواية يحيى بن يحيى وذلك خلف المقام المالكي عند باب إبراهيم وأجازه وعلىالنخلي الفيومي أوائل البخاري وعلى أحمد بن أحمد الغرقاوي وأجازه وعلى عمر بن عبدالسلام التطاوني جميع الصحيح وقطعة من البيضاوي بجامع الغوري سنة 1136 وجميع المنحالبادية في الأسانيد العالية وأضافه على الأسوديـن وشابكـه وصافحـه وناولـه السبحـةوأجازه بسائر السلسلات وعلى محمد القسطنيطيني رسالة ابن أبي زيد برواق المغاربةوعلى محمد بن زكري شرحه على الحكم بجامع الغوري وعلى سيدي محمد الزرقاني كتابالموطأ من باب العتق إلى آخره وأجازه به يوم ختمه وذلك ثامن شعبان سنة 1113‏.‏
وروى حديث الرحمة عن سيدي السيد مصطفى البكري في سنـة 1160 وأجـازهابـن الميـت فـي العمـوم واجتمـع بـه شيخنـا السيـد مرتضـى فـي منـزل السيـد علـيالمقدسـي وكان قد أتى إليه لمقابلة المنح البادية على نسخته وشاركهما في المقابلةوأحبه وباسطه وشافهه بالإجازة العامة وكان إنسانًا مستأنسـًا بالوحدة منجمعًا عنالناس محبًا للانفراد غامضًا ولا زال كذلك حتى توفي في أواخر جمادى الأولى سنة 1183ودفن بالزاوية بالقرب من الفحامين‏.‏ ومات
الجناب الأجل والكهف الأظل الجليل المعظم والملاذ المفخم الأصيلي الملكي
ملجأ الفقراء والأمراء ومحط رحال الفضلاء والكبراء شيخ العرب الأميرشرف الدولة همام بن يوسف بن أحمد بن محمد بن همام بن صبيه بن سيبيه الهواري عظيمبلاد الصعيد ومن كان خيره وبره يعم القريب والبعيد وقد جمع فيه من الكمال ما ليسفيه لغيره مثال تنزل بحرم سعادته قوافل الأسفار وتلقى عنده عصى التسيار وأخبارهغنية عن البيان مسطرة في صحف الإمكان منها أنه إذا نزل بساحته الوفـود والضيفـانتلاقهـم الخـدم وأنزلوهـم فـي أماكـن معـدة لأمثالهـم وأحضروا لهم الاحتياجاتواللوازم من السكر وشمع العسل والأواني وغيـر ذلـك ثـم مرتـب الأطعمـة فـي الغـداءوالعشـاء والفطـور فـي الصبـاح والمربيـات والحلـوى مـدى إقامتهم لمن يعرف ومنن لايعرف‏.‏
فإن أقاموا على ذلك شهورًا لا يختل نظامهم ولا ينقص راتبهم وإلاقضوا أشغالهم على أتم مرادهم وزادهم إكرامًا وانصرفوا شاكرين وإن كان الوافد ممنيرتجي البر والإحسان أكرمه وأعطاه وبلغه أضعاف ما يترجاه‏.‏
ومن الناس من كان يذهب إليه في كل سنة ويرجع بكفايـة عامـة وهذاشأنه في كل من كان من الناس‏.‏
وأما إذا كان الوافد عليه من أهل الفضائل أو ذوي البيوت قابله بمزيدالاحترام وحياه بجزيل الأنعام وكان ينعم بالجواري والعبيد والسكر والغلـال والثمـروالسمـن والعسـل وإذا ورد عليـه إنسـان ورآه مـرة وغـاب عنـه سنيـن ثـم نظـرهوخاطبه عرفه وتذكره ولا ينساه‏.‏
وحالـه فيمـا ذكـر مـن الضيفـان والوافديـن والمسترفديـن أمـرمستمـر علـى الـدوام لا ينقطـع أبـدًا‏.‏
وكـان الفراشـون والخـدم يهيئـون أمر الفطور من طلوع الفجر فلايفرغون من ذلك إلى ضحوة النهار ثم يشرعون في أمر الغداء من الضحوة الكبرى إلى قريبالعصر ثم يبتدئون في أمر العشاء وهكذا‏.‏
وعنده من الجواري والسراري والمماليك والعبيد شيء كير ويطلب في كلسنة دفتر الارقاء ويسأل عن مقدار من مات منهم فإن وجده خمسمائة أو أربعمائة استبـشوانشـرح وإن وجـده ثلاثمائـة أو اقـل أو نحـو ذلـك اغتـم وانقبـض خاطره ورأى أنربما كانت في أعظم من ذلك وكان له برسم زراعة قصب السكر وشركة فقـط اثنـا عشـر ألـفثـور وهـذا بخلـاف المعـد للحـرث ودراس الغلـال والسواقـي والطواحيـن والجواميسوالأبقار الحلابة وغير ذلـك‏.‏
وأمـا شـون الغلـال وحواصـل السكـر والتمـر بأنواعـه والعجوة فشي لايعد ولا يحد وكان الإنسان الغريب إذا رأى شون الغلال من البعد ظنها مزارع مرتفعـةلطول مكث الغلال وكثرتها فينزل عليها ماء المطر ويختلط بالتراب فتنبت وتصير خضرًاكأنهـا مزرعـة وكـان عنده من الأجناد والقواسة وأكثرهم من بقايا القاسمية انضمواإليه وانتسبوا له وهم عدة وافرة وتزوجوا وتوالدوا وتخلقوا بأخلاق تلك البلادولغاتهم وله دواوين وعدة كتبة من الأقباط والمستوفين والمحاسبين لا يبطل شغلهـم ولاحسابهـم ولا كتابتهـم ليـلًا ونهارًا ويجلس معهم حصة من الليل إلى الثلث الأخيربمجلسه الداخل يحاسب ويملي ويأمر بكتابة مراسيم ومكاتبات‏.‏
لا يعزب عن فكره شيء قل ولا جل ثم يدخل إلى الحريم فينام حصة لطيفةثم يقوم إلى الصلاة‏.‏
وإذا جلس مجلسًا عامًا وضع بجانبه فنجانًا فيه قطنة وماء ورد فـإذاقـرب منـه بعـض الأجلاف وتحادثوا معه وانصرفوا مسح بتلك القطنة عينيه وشمها بأنفهحـذرًا مـن رائحتهـم وصنانهـم‏.‏
وكـان لـه صلـات وإغداقـات وغلـال يرسلهـا للعلماء وأرباب المظاهربمصر في كل سنة‏.‏
وكان ظلًا ظليلًا بأرض مصر ولما ارتحل لزيارته شيخنا السيد محمـدمرتضى وعرف فضله أكرمه إكرامًا كثيرًا وأنعم عليه بغلال وسكر وجوار وعبيد وكذلككـان فعلـه مـع أمثالـه مـن أهـل العلـم والمزايـا‏.‏
ولـم يـزل هـذا شأنـه حتـى ظهر أمر علي بك وحصل ما تقدم شرحه منوقائعه مع خشداشينه وذهابه إلى الصعيد وأعلموه بما أوقعه بهم علي بك فاغتـم علـىفقـد صالـح بـك غمـا شديـدًا‏.‏
وحملـه ذلـك علـى أن أشـار عليهـم بذهابهم إلى أسيوط وتملكهم إياهافإنها باب الصعيد فذهبوا إليها مع جملة المنفيين من مصر والمطرودين كما تقدموأمدهـم شيـخ العـرب المترجـم حتـى ملكوهـا وأخرجـوا مـن كـان بهـا واستوحش منه ليبك بسبب ذلك وتابع إرسال التجاريد وقدر الله بخذلان القبالي ورجوعهم إلى قبلي علىتلك الصورة فعنـد ذلـك علم همام أنه لم يبق مطلوبًا لهم سواه وخصوصًا مع ما وقع منفشل كبار الهوارة وأقاربه ونفاقهم عليه فلم يسعه إلى الارتحال من فرشوط وتركها بمافيها من الخيرات وذهب إلـى جهـة اسنـا فمات في ثامن شعبان من السنة ودفن في بلدةتسمى قموللة فقضى عليه بها رحمه الله‏.‏
وخلف من الأولاد الذكور ثلاثة وهم درويش وشاهين وعبد الكريم‏.‏
ولما مات انكسرت نفوس الأمراء ثم أن أكابر الهوارة قدموا ابنهدرويشًا لكونه أكبر أخوته وأشاروا عليه بمقابلـة محمـد بـك ففعـل‏.‏
وأمـا الأمـراء فمنهـم مـن أخذ أمانًا من محمد بك وقابله وانضم إليهومنهم من ذهب إلى ناحية درنه ونزل البحر وسافر إلى الشام والروم ومنهم من انزوى إلىالهوارة بالصعيد‏.‏
وحضر درويش صحبة محمد بك إلى مصر وقابل علي بك وأعطاه بلاد فرشوطورجـع مكرمـًا إلـى بلـاده‏.‏
فلـم يحسـن السيـر ولـم يفلح وأول ما بدأ ي أحكامه أنه صار يقبض علىخدم أبيه وأتباعه ويعاقبهم ويسلب أموالهم وقبض علـى رجـل يسمـى زعيتـر وكيـل البصـلالمرتب لمطابخ أبيه فأخذ منه أموالًا عظيمة في عدة أيام على مرار أخذ منه في دفعةمن الدفعات مـن جنـس الذهـب البندقـي أربعيـن ألفـًا وكذلـك مـن يصنـع البـردللجـواري السـود والعبيد وذلك خلاف وكلاء الغلال والأقصاب والسكر والسمن والعسلوالتمر والشمع والزيت والبـن والشركـاء فـي المـزارع‏.‏
ووصلـت أخبـاره بذلـك إلـى علـي بـك فعيـن عليـه أحمـد كتخـدا وسافرإليه بعدة من الأجناد والمماليك وطالبه بالأموال حتى قبض منه مقادير عظيمة ورجع بهاإلى مخدومه واقتدى به بعد ذلك محمد بك في أيام إمارته وأخذ منه جملة وكذلك أتباعهمن بعـده حتى أخرجوا ما في دورهم من المتاع والأواني والنحاس قناطير مقنطرة ثمتتبعوا الحفر لأجـل استخـراج الخبايـا حتـى هدمـوا الـدور والمجالـس ونبشوهـاوأخربوهـا وحضر درويش المذكـور بآخـرة إلـى مصـر جاليـًا عـن وطنـه ولم يزل بها حتىمات كآحاد الناس‏.‏
واستمر شاهين وعبد الكريم يزرعان بأرض الوقف أسوة المزارعينويتعيشون حتى ماتا‏.‏
فأما شاهين فقتله مراد بك في سنة 1214 أيام الفرنسيس لأمور نقمهاعليه وخلف ولدًا يدعى محمدًا‏.‏
وأما عبد الكريم فإنه مات على فراشه قريبًا من ذلك التاريخ وتركولدًا يدعى همامًا دون البلوغ يوصف بالنجابة حسبما نقل إلينا من الأسفار‏.‏
وكاتبني وكاتبته في بعض المقتضيات ورأيت ابـن عمـه محمـد المذكـورحيـن أتـى إلى مصر بعد ذهاب الفرنسيس وتردد عندي مرارًا وسبحان من يرث الأرض ومنعليها وهو خير الوارثين‏.‏
ومات الجناب الكبير والمقدام الشهير من سر بذكره الركبان وطار صيتهبكل مكان الفارس الضرغام النجيب شيخ العرب سويلم بن حبيب منن أكابر عظماء مشايخالعـرب بالقليوبيـة ومسكنهـم دجـوة علـى شاطـي البحـر وهـو كبيـر نصـف سعـد مثـلأبيـه حبيب بن أحمد وليس لهم أصل مذكور في قبائل العرب وإنما اشتهروا بالفروسيةوالشجاعة‏.‏
وحبيب هذا أصله من شطـب قريبـة قريبـة مـن أسيـوط ولمـا مـات حبيـبخلف ولديه سالمًا وسويلمًا وكان سالم أكبر من أخيه وهو الذي تولى الرياسة بعد أبيهواشتهر بالفروسية وعظم أمره وطار صيته وكثرت جنـوده وفرسانـه ورجالـه وخيولـهوأطاعتـه جميـع المقـادم وكبار القبائل ونفذت كلمته فيهم وعظمـت صولته عليهموامتثلوا أمره ونهيه ولا يفعلون شيئًا بدون إشارته ومشورته‏.‏
وصار له خفـارة البريـن الشرقـي والغربـي مـن ابتـداء بولـاق إلـىرشيـد ودميـاط‏.‏
وكـان هـو وفرسه مقومًا على انفـراده بألـف خيـال‏.‏
وكـان ظهـور حبيـب هذا في أوائل القرن‏.‏
واتفق له ولابنه سالم هذا وقائع وأمـور مـع اسمعيـل بـك ابـن ايـواظوغيره لا بأس يذكر بعضها في ترجمته منها أن في سنة 1125 أرسـل حبيـب ولـده سالمـًاإلـى خيـول الأميـر اسمعيـل بـك ابـن ايـواظ وهجـم عليـاه بالمربـع وجم معافهاوأذنابها وتركها وذهب ولم يأخذ منها شيئًا‏.‏
وذلك بإغراء بعـض النـاس مثـل قيطـاس بـك وخلافه‏.‏
وكانت الخيول بالغيط جهة القليوبية‏.‏
وحضر أميراخور وأخبر مخدومه فاغتاظ لذلك وعزم على الركوب عليهفلاطفه يوسف بك الجزار حتى سكن غيظه ثم أحضر حسنًا أبا دفية زعيم مصر سابقًا منالقاسمية مشهور بالجشاعة وجعلوه قائمقام الأمانة فسافر بجبخانة ومدفعين وصحبتهطوائل ورجال وأمره بأن يطلب شر حبيب وإن قدر على قتله فليفعل‏.‏

وكتـب مكاتبـات للنواحي بأن يكونوا مطيعين للمذكور فلم يزل حتى نزلفي غيط برسيم عند ساقية خراب وعمل هناك متراسًا ووضع المدفعين وغطاهما بلباد وأقامرصد خيالة بالطريق وإذا بسالـم بـن حبيـب ركـب فـي عبيـده ورجاله متوجهين إلىالجزيرة فنزل بطريقه بغيط الأوسية فحضر الخيالة الرصد إلى الأمير حسن أبي دفيةوأخبروه فركب برجاله وأبقى عند المدافع عشرة من السجمانية وأوصاهم بأنهم إذاانهزموا من القوم فإنهم يرمون بالمدفعين سواء ففعلوا ذلـك بعدمـا لاقاهـم ورمـىمنهـم رجالًا ووقع منها أيضًا عند رمي المدافع والرصاص ثلاثة عشر خيـالًا وأخـذوامنهـم نحـو ستـة قلائـع‏.‏
ورجـع سالـم بـن حبيـب بمـن بقـي من طائفته إلى أبيه وعرفه بما وقعله مع الأمير حسن أبي دفية فأرسل إلى عرب الجزيرة فأحضر منهم فرسانًا كثيرة وكذلكمن إقليم المنوفية وركب الجميع قاصدين مناوشته‏.‏
ووصلته أخبار ذلك فركب بمن معه وفعل كالأول وركب مبحرًا وانعطفعليهم وحاربهم فرمى منهم فرسانًا فانهزموا أمامه‏.‏
فوقف مكانه فرجعت عليه العرب والعبيد فانهزم أمامهم فرمحوا خلفهطمعًا منهم حتى وصل المدافـع فرموا بهم وأتبعوهم بطلق الرصاص فولوا هاربين وسقط منعرب الجزيرة وغيرها عدة فرسان‏.‏
وأخذوا منهم خيولًا وسلاحًا وحضرت نساؤهم ورفعوا القتلى ورجع سالمإلى أبيه وعرفـه بمـا جـرى عليهـم من حرقهم وقتل فرسانهم فأرسل حبيب إلى قيطاس بكيقول له‏:‏ إنك أغريتنا بابن إيواظ وتولد من ذلك أنه وجه علينا قائمقامه حرقنابالنار وقتل منا أجاويد‏.‏
فأرسل إليه مكاتبة خطابـًا للقصاصيـن بمعاونتـه ومساعدتـه فحضـرإليـه منهـم عـدة فرسـان ضاربي نار وجمع إليه عربان الجزيرة وخيالة كثيرة منالمنوفية وركب حبيب وأولاده وجموعه إلى جسر الناحية ونزل هناك وأرسل أولاده بخيوليطلبون شر أبي دفية‏.‏
وإذا ركب عليهم انهزمـوا أمامـه حتـى يصلـوا إلـى محـل رباطهـمبالجسـر ففعلـوا ذلك إلى أن وصلوا إلى الجسر فضربت القصاصة بنادقهم طلقًا واحدًافرموا نحو ثلاثين جنديًا من الكبار والذي ما أصيب في بدنه أصيـب حصانـه وردت عليهـمالخيول وانهزم الأمير حسن أبو دفية بمن بقي معه إلى دار الأوسية فأخذت العرب الخيولالشاردة وعروا الغز ورموهم في مقطع من الجسر وأرسل العبيد أتوابًا لجراريـف وجرفواعليهم التراب من غير غسل ولا تكفين‏.‏
ورجع إلى بلده وخلص ثأره وزيادة وحضـرت الأجنـاد إلـى مصـر وأخبرواالصنجق بما وقع لهم مع حبيب وأولاده فعزل الأمير حسن أبا دفيه من قائمقاميته وولىخلافه وأخذ فرمانًا بضرب حبيب وأولاده وركب عليهم من البر والبحر ووصلت النذيرة إلىحبيب فرمى مدافع أبي دفية البحر ووضع النحاس في أشناف وألقاها أيضًا في البحر‏.‏
وقيل أن حبيب قبل هذه الواقعة بأيام أحضر ستة قناديل وعمرها بعدماعاير فتائلها وزنها بالميزان عيارًا واحدًا وكتب على كل قنديل ورقة باسمه واسم أخيهوأولاده واسم ابن أيواظ وأسرجها دفعة واحد فانطفأ الذي باسمه أولًا ثم انطفأ قنديلابـن إيـواظ ثـم قناديـل أخيـه وأولـاده شيئـًا بعـد شـيء‏.‏
فقـال‏:‏ أنـا أموت في دولة ابن أيواظ‏.‏
ولما وصل إليـه الخبـر بحركـة ابـن أيـواظ وركوبـه عليه فركب بأخيهوأولاده وخرجوا هاربين ووصل ابن أيواظ إلى دجوة ورمحوا على دواويرهم ورموا الرصاصوكانت المراكب وصلت إلى البر الغربي تجاه دجـوة ورسـوا هناك وموعدهم سماعالبنادق‏.‏
فعند ذلك عدوا إلى البر الشرقي وطلعوا إليه‏.‏
فأمـر ابـن أيـواظ بهـدم دواويـر الحابيبـة فهدموهـا بالقـزموالفؤوس وأنشأ كفرًا بعيدًا عن البحر بساقيه وحـوض دواب وجامـع وميضـأة وطاحونيـنوجمع أهل البلد فعمروا مساكنهم في الكفر وسموه كفر الغلبة‏.‏
ورجع الأمير اسمعيل إلى مصر وأخذ الغز والأجناد أبقارًا وعجولًاوأغنامًا وجواميش وأمتعة وفرشًا وأخشابًا شيئًا كثيـرًا ووسقـوه فـي المراكـبوحضـروا بـه مـن البـر أيضـًا إلـى مصر‏.‏
وكتب مكاتبات إلى سائر القبائل من العربان بتحذيرهم من قبولهمحبيبًا وأولاده وأن لا ينجمـع عليـه أحـد ولا يأويـه فلـم يسعهـم إلا أنهـم ذهبـواعنـد عـرب غزة فأكرموهم ولم يزل بها حتى مـات وحضـر سالـم ابنـه بعـد ذلـك إلـىقليـوب ببيـت الشواربـي شيـخ الناحيـة سـرًا وأخذ له مكاتبة مـن إبراهيـم بـك أبـيشنـب خطابـًا إلـى ابـن وافـي المغربـي بـأن يوطـن أولـاد حبيـب عنـده حتـى يأخذلهم إجازة من أستاذهم فأرسل أحضر عمه وأخاه سويلمًا وعدوا إلى الجبل الغربي وسارواعند ابن وافي شيخ المغاربة فرحب بهم وضرب لهم بيوت شعر وأقاموا بها إلى سنة 1130فمات غبراهيم بك أبو شنب وكان يؤاسي أولاد حبيب ويرسل لهم وصولات بغلال يأخذونهامـن بلاده القبلية‏.‏
فلما مات في الفصل ضاقت معيشتهم فحضر سالم بن حبيب من عند ابن وافيخفية وذلك قبل طلوع ابن ايواظ بالحج سنة إحدى وثلاثين ودخل بيت السيد محمد دمرداشوسلم عليه وعرفه بنفسه فرحب به وشكا له حال غربته وبات عنده تلك الليلة وأخذه فيالصباح إلى ابن ايواظ فدخل عليه وقبل يده ووقف فقال السيد محمد للصنجق‏:‏ عرفـتهـذا الـذي قبـل يدك‏.‏
قال‏:‏ لا‏.‏
قال‏:‏ هذا الذي جم أذناب خيولك‏.‏
قال‏:‏ سالم‏.‏
قال‏:‏ لبيك‏.‏
قال‏:‏ أتيت بيتي ولم تخف قال له‏:‏ نعم أتيت بكفني إما أن تنتقموإما أن تعفو فإننا ضقنـا مـن الغربـة وهـا أنـا بين يديك‏.‏
فقال له‏:‏ مرحبًا لك أحضر أهلك وعيالك وعمر في الكفر واتـق اللـهتعالـى وعليكـم الأمـان‏.‏
وأمـر لـه بكسـوة وشال وكتب له أمانًا وأرسل به عبده‏.‏
وركب سالم وذهـب عنـد إبراهيـم الشواربـي بقليـوب فأقـام عنـده حتـىوصـل العبـد بالأمـان إلـى عمـه وأخيـه في بنـي سويـف فحملـوا وركبـوا وسـاروا إلـىقليـوب ونزلـوا بـدار أوسيـة الكفـر حتـى بنـوا لهـم دواويـر وأماكن ومساكن وأتتهمالعرنبية ومشايخ البلاد ومقادمها للسلام والهدايـا والتقـادم‏.‏
فأقـام علـى ذلـك حتـى تولـىمحمـد بـك ابن اسمعيل بك أمير الحاجفأخذ منه إجازة بعمار البلد الذي على البحـر وشـرع فـي تعميـر الـدور العظيمـةوالبساتين والسواقي والمعاصر والجوامع وذلك سنة 1134 واستقـام حـال سالـم وشاتهرذكره وعظم صيته واستولى على خفارة البرين ونفذت كلمته بالبلاد البحريـة مـن بولـاقإلـى البغازين وصارت المراكب والرؤساء تحت حكمه وضرب عليها الضرائب والعوائـدالشهريـة والسنويـة وأنشـأ الدواويـر الواسعـة والبستـان الكبيـر بشاطـئ النيـلوكان عظيمًا جدًا وعليه عدة سواق وغرس به أصناف النخيل والأشجار المتنوعة فكانتثماره وفاكهته وعنبه تجتنى بطول السنة وأحضر لها الخولة من الشام ورشيد وغير ذلك‏.‏
ولما وقعت الوقائع بين ذي الفقار بك ومحمد بك وجركس المتقدم ذكرهاوحضر جركس بمن معه من اللموم إلى قرب المنشية وخرجت إليه عساكر مصر وأرسلوا إلىسالم بن حبيب فجمع العربان وحضر بفرسانه وعبيده إلى ناحية الشيمي وحارب مع الأجنادالمصرية حتـى قتـل سليمان بك في المعركة وولى جركس ورجعت التجريدة وتبعه سالم بنحبيب والأسباهية وذهبـوا خلفـه فعـدى الشـرق فعـدوا خلفـه وطلعـت تجريـدة أخـرى مـنمصر فتلاقوا معهم وتحاربـوا مـع محمد بك جركس فكانت بينهم وقعة عظيمة فكانت الهزيمةعلى جركس وحصل ما حصل من وقوع جركس في الروبة وموته ودفنوه بناحية شرونه كما تقدمورجع سالم بن حبيـب بما غنمه في تلك الوقائع إلى بلده واشتهر أمره واشترى السراريالبيض ولم يزل حتى توفي سنة 1151 وخلف ولدًا يسمى عليًا اشتهر أيضًا بالفروسيةوالنجابة والشجاعة ولمـا مات سالم ترأس عوضه أخوه سويلم في مشيخة نصف سعد فساربشهامة واشتهر ذكره وعظـم صيتـه فـي الإقليـم المصـري زيـادة عـن أخيـه سالـم ووسعالدواوير والمجالس ولما سافر الأمير عثمـان بـك الفقـاري بالحـج ورجـع سنـة إحـدىوخمسيـن المذكـورة فأرسـل هدية إلى سويلم المذكور وأرسل له الآخر التقادم ثم أنالأمير عثمان بك تغير خاطره على سويلم لسبب من الأسباب فركب عليه على حين غفلةليلًا وتعالى به الدليـل ونـزل علـى دجـوة طلـوع الشمـس وكـان الجاسوس سبق إليهموعرفهم بركوب الصنجق عليهم فخرجوا من الدور ووقفوا على ظهور خيولهم بالغيط بعيدًاعن البلد فلما حضر الصنجـق ورمـح علـى دورهـم ورمـى الطوائـف بالرصـاص فلـم يجـدواأحـدًا‏.‏
فلم يتعرض لنهب شيء ومنع الغز والطوائف عن أخذ شيء وبلغ خبـر ركـوبالصنجـق عمر بك رضوان وإبراهيم بك فركبا خلفه حتى وصلا إليه وسلما عليه فعرفهما أنهلم يجدهم بالبلد فركب عمر بك وأخذ صحبته مملوكين فقط وسار نحو الغيط فرآهـم واقفيـنعلـى ظهـور الخيـل فلما عاينوه وعرفوه نزلوا عن الخيل وسلموا عليه فقال لهم‏:‏ لأيشـيء تهربـون مـن أستاذكـم وعرفهم أنه أتى بقصد النزهة وأحضر صحبته علي بن سالمفقابل به الأمير وقبل يده ورجع إلى دواره وأحضر أشياء كثيرة من أنواع المآكل حتىاكتفى الجميع‏.‏
وعزمـوا عليهـم تلك الليلة فبات الصنجق وباقي الأمراء وذبح لهمأغنامًا كثيرة وعجلين جاموس وتعشى الجميع وأخرجوا لهم في الصباح شيئًا كثيرًا منأنواع الفطورات ثم قدم لهم خيولًا صافنات وركبوا ورجعوا إلى منازلهم ولما هربإبراهيم بك قطامش في أيام محمد راغب باشـا وكـان سويلـم مركونـًا عليـه فجمـعسويلـم عرب بلي وضرب ناحية شبرا المعدية فوصل الخبر إلـى إبراهيـم جاويـش القازدغليفأخذ فرمانًا بضرب ناحية دجوة والخروج من حق أولاد حبيب فعيـن عليهم ثلاثة صناجقفوزعوا دبشهم وحريمهم في البلاد وركبوا خيولهم ونزلوا في الغيط ونزلت لهم التجريدةومعهم الجبخانة والمحاربون وهجموا على البلد فوجدوها خالية‏.‏
ولما رأى الحبايبة كثرة التجريدة فوسعوا وذهبوا إلى ناحية الجبلالشرقي وأرسل إبراهيم جاويش إلى عثمـان بـك أبـي سيـف أميـر التجريـدة بأنـه ينـاديفي البلد عليهم ولم يدع أحدًا منهم ينزل الريف فركب عثمان بك وطاف بالبلاد يتجسسعليهم وظفر لهم بقومانية وذخيرة ذاهبة إليهم من الريف على الجمال فحجزها وأخذهاوذلك مرتين ورجع عثمان بـك ومـن معـه إلـى مصـر وصحبتهم ما وجدوه للحبايبة فيالبلاد من مواش وسكر وعسل وأخشاب وهدموا جانبًا من بيوتهـم وكـان علـي بـن سالـملـم يذهـب مـع سويلـم إلـى الجبـل بـل أخـذ عيالـه وذهب عند أولاد فودة فلمـا سمـعبالتقريـظ علـى أصحـاب الـدرك فأتـى إلـى مصـر ودخـل إلى بيت إبراهيم جاويش وعرفهبنفسـه وطلـب منـه الأمـان فعفـا عنـه بشرط أن لا يقرب دجوة ويسكن في أي بلد شاءيزرع مثل الناس ثم أن سويلمًا ومن معه أرسلوا إلى حسين بك الخشاب بأن يأخذ لهمأمانًا من إبراهيم جاويش ففعل وقبل شافعة حسين بك بشرط إبطال حماية المراكب وأذيةبلاد الناس ويكفيهم الخفارة التي أخذوها بالقوة واستخلص لهم المواشي التي كان جمعهاعثمان بك أبو سيف واستقر سويلم كمما كان بدجوة وبنى له دورًا عظيمة ومقاعد مرتفعةشاهقة في العلو يحمل سقوفها عدة أعمدة وعليها بوائك مقصورة ترى من مسافة بعيدة فيالبر والبحر وبها عدة مجالس ومخادع ولواوين وفسحات علوية وسفلية وجميعه مفروشبالبلاط الكدان وبنى بداخل ذلك الدوار مسجدًا ومصلى وبداخل حوش الدوار مساطب ومنايفلأجناس الناس الآفاقية وغيرهـم وبنى تحت ذلك الدوار بشاطئ النيل رصيفًا متينًاومساطب يجلس عليها في بعض الأوقات وأنشأ عدة مراكب تسمى الخرجات ولها شرفات وقلوععظيمة وعليها رجال غلاظ شداد فإذا مرت بهم سفينة صاعدة أو حادرة صرخ عليها أولئكالرجال قائلين البرفان امتثلوا واحضروا وأخذوا مننهم ما أحبوه من حمل السفينةوبضائع التجار وإن تلكئوا في حضـور قاطعوا عليهم بالخرجات في أسرع وقت وأحضرهمصاغرين وأخذوا منهم أضعاف ما كان يؤخذ منهم لو حضروا طائعين من أول الأمر وكان لهقواعد وأغراض وركائز وأناس من الأمراء وأعوانهم بمصر يراسلهم ويهاديهم فيذبون عنهولا يسمعون فيه شكوى ولـه عـدة مـن العبيـد السود التجارية الفرسان ملازمين له معكل واحد حرمدان مقلديه ملآن بالدنانير الذهب وكان لا يبيت في داره ويأتي في الغالببعد الثلث الأخير فيدخل إلى حريمه جصة ثم يخرج بعد الفجـر فيعمـل ديوانًا ويحضر بينيديه عدة من الكتبة ويتقدم إليه أرباب الحاجات ما بين مشايخ بلاد وأجناد وملتزمينوعرب وفلاحين وغير ذلك والجميع وقوف بين يديه والكتاب يكتبون الأوراق والمراسلاتإلى النواحي وغالب بلاد القليوبية والشرقية تحـت حمايتـه وحمايـة أقاربـه وأولادهولهم فيها الشركاء والزروع والدواوير الواسعة المعروفة بهم والمميزة عن غيرهابالعظم والضخامة ولا يقدر ملتزم ولا قائمقام على تنفيذ أمر مع فلاحيه إلا بإشارتـهأو بإشـارة مـن البلد في حمايته من أقاربه وكذلك مشايخ البلاد مع أستاذيهم وكان لهمطرائق وأوضاع في الملابـس والمطاعـم فيقـول النـاس سـرج حبايبـي وشـال حبايبي إلىغير ذلك وكان مع شدة مراسه وقوة بأسه يكرم الضيفان ويحب العلماء وأرباب الفضائلويأنس بهم ويتكلم معهم في المسائل ويؤاسيهم ويهاديهم وخصوصًا أرباب المظاهر وكانإنسانًا حسنًا وجيهًا محتشمًا مقتصرًا على حالـه وشأنـه ملازمـًا علـى قـراءةالـأوراد والمذاكـرة ويحـب أهـل الفضـل والصلـاح ويتبـرك بهـم وبدعائهم وترددناعليه وتردد إلينا بمصر كثيرًا وبلونا منه خيرًا وحسن عشرة وكان معه أخوه شيـخالعـرب محمـد علـي مثـل حالـه ويزيـد عنـه الانجمـاع عـن النـاس لغيـر ما يعنيهويعانيه في خاصة نفسـه وكـان أبوهما على نزل بقليوب بدار فيحاء وكان حسن الخلق ولهحشم وأتباع كثيرة وله هيبة عندهم وكان طيب السيرة فصيحًا مفوهًا في حفظه أشعارونوادر ولديه معرفة وكان يفهم المعنى ويحقق الألفاظ ويطالع الكتب ومقامات الحريريونحو ذلك‏.‏
ومات الأمير المبجل علي كتخدا مستحفظان الخربطلي وهو من مماليك أحمدكتخدا الخبرطلي الذي جدد جامع الفاكهاني الذب بخط العقادين وصرف عليه من ماله مائةكيس وذلك في سنة 1148 وأصله من بناء الفائز بالله الفاطمي وكان إتمامه في حادي عشرشوال من السنة المذكـورة وكان المباشر على عمارته عثمان جلبي شيخ طائفة العقادينالرومي وفي تلك السنة البس مملوكه المترجم على أوده باشه الضلمة وجعله ناظرًاووصيًا ومات سيده في واقعة محمد بـك الدفتـردار فـي جملـة الأحـد عشـر أميـرًاالمتقـدم بيانهـم وعمـل جاويـش فـي البـاب ثـم عمـل كتخدا واشتهر ذكره بعد انقضاءدولة عثمان بك الغفاري واستقلال إبراهيم كتخدا ورضوان كتخدا الجلفـي بإمـارة مصـروزوج ابنتـه لعلـي بـك الغـزاوي وعمل لها فرحًا عظيمة ببركة الرطلي عدة أيام كانتمن مقترحات مصر وبعد انقضاء أيام الفرح زفت العروس في زفة عظيمة اجتمع العالم منالرجال والنساء والصبيان للفرجة عليها ودخل بها علي بك المذكور وولد له منها حسنجلبي المشهور وأنشأ علي كتخدا المترجم داره العظيمة برأس عطفة خشقدم جهة الباطنيـةوداره المطلة على بركة الرطلي والقصر على الخليج الناصري والقباب المعروفة به وغيرذلك ونفـاه علـي بـك إلـى جهـة قبلـي كمـا تقـدم فلمـا ذهـب علـي بـك إلـى قبليصالحه وانضوى إليه وكان هـو السفيـر بينـه وبيـن صالـح بـك الأسيوطي حتى أتموه علىالوجه المتقدم وحضر صحبته علي بـك إلـى مصر وسكن بداره وأقبلت عليه الناس وقصدوه فيالدعاوى والشكاوي وأمن جانب علـي بك واعتقد صداقته وظن أنه قلده منته فلم يلبث إلاأيامًا وأخرجه منفيًا إلى رشيد ثم أرسـل مـن خنقـه هنـاك وكـان أميـرًا جليـلًاوجيهـًا جميل الصورة واسع العينين أبيض اللحية ضخمًا مهاب الشكل بهي الطلعة ودفنهناك‏.‏
ومات الأمير محمد بك أبو شنب وهو من مماليك علي بك وقتل في معركةأسيوط كما تقدم ودفن هناك وكان من الشجعان المعروفين‏.‏
فيهـا ورد علـىعلـي بـك الشريـف عبـد اللـه مـن أشـراف مكـة وكانمن أمره أنه وقع بينه وبين ابن عمه الشريف أحمد أخي الشريف مساعد منازعة في إمارةمكة بعد وفاة الشريف مساعد فتغلب عليه الشريف أحمد واستقل بالإمارة وخرج الشريف عبدالله هاربًا وذهب إلى ملك الـروم واستنجـد به فكتب له مكاتبات لعلي بك بالمعونةوالوصية والقيام معه وحضر إلى مصر بتلك المكتبات في السنة الماضية وكان علي بكمشتغلًا بتمهيد القطر المصري ووافق ذلك غرضـه الباطنـي وهـو طمعـه فـي الاستيـلاءعلـى الممالك فأنزله في مكان وأكرمه ورتب له كفايته وأقـام بمصـر حتى تمم أغراضهبالقطر وخلص له قبلي وبحري وقتل من قتله وأخرج من أخرجه فالتفت عند ذلك إلى مقاصدهالبعيدة وأمر بتجهيز الذخائر والإقامات وعمل البقسماط الكثير حتـى ملـأوا منـهالمخـازن ببولاق ومصر القديمة والقصور البرانية وبيوت الأمراء النمافي االخالية ثمعبوا ذلك وأرسل مع باقي الاحتياجات واللوازم من الدقيق والسمن والزيت والعسل والسكروالأجبان في البر والبحر واستكتب أصناف العساكر أتراكًا ومغاربة وشوامًا ومتاولةودروزًا وحضارمـة ويمانيـة وسودانـًا وحبوشـًا ودلاة وغير ذلك وأرسل منهم طوائف فيالمقدمات والمشاة أنزلوه من القلزم في المراكب وصحبتهم الجبخانات والمدافع وآلاتالحرب وخرجت التجريدة في شهر صفر بعد دخول الحجاج في تجمل زائد ومهيأ عظيم وساريعسكرها محمد بك أبو وفي ذ
ثاني عشرين ربيع الأول
وردت الأخبار من القطار الحجازية بوقوع حرابة عظيمة بيـن المصريينوعرب الينبع وخلافهم من قبائل العربان والأشراف ووقعت الهزيمة على المذكورين وقتلوزير الينبع المتولي من طرف شريف مكة وقتل معه خلائق كثيرة‏.‏
وفـي تاسـع شهـر ربيـع الآخـر وصـل نجـاب إلـى مصـر من الديارالحجازية وأخبر بدخول محمد بك ومن معه إلى مكة وانهزام الشريف أحمد وخروجه هاربًاونهب المصرين دار الشريف ومن يلوذ به وأخذوا منها أشياء كثيرة من أمتعة وجواهروأموال لها قدر وجلس الشريف عبد الله في إمـارة مكـة ونـزل حسـن بـك إلـى بندرجـدةوتولـى إمارتهـا عوضـًا عـن الباشـا الذي تولاها من طرف ملـك الـروم ولذلك عرفبالجداوي وأقام محمد بك أيامًا بمكة ثم عزم على المسير والرجوع إلى مصر ووصلتالأخبار والبشائر بذلك وأرسلت إليه الملاقاة بالعقبة وخلافها فلما ورد الخبربوصولـه إلـى العقبـة خرجـت الأمـراء إلـى بركـة الحـاج والـدار الحمـراء لانتظـارقدومـه فوصل في أوائل شهر رجب ودخل إلى مصر في ثامنه في موكب عظيم وأتت إليهالعلماء والأعيان للسلام وقصدته الشعراء بالقصائد والتهاني‏.‏
وفي منتصف رجب المذكور عزل علي بك عبد الرحمن أغا مستحفظان وقلدعوضه سليم أغـا الوالـي وقلـد عـوض الوالـي موسـى أغـا مـن أتباعـه وأمـر عبدالرحمن أغا بالسفر إلى ناحية غزة وهـي أول حركاتـه إلـى جهـة الشـام وأمـره بقتلسليط شيخ عربان غزة فلم يزل يتحيل عليه حتى قتله هو وأخوته وأولاده وكان سليط هذامن العصاة العتاة له سير وأخبار‏.‏
وفيه زاد اهتمام علي بك بالتحرك على جهة الشام واستكثر من جمع طوائفالعساكر وعمل بالقسماط والبـارود والذخائـر والمـؤن وآلـات الحـرب وأمـر بسفـرتجريـدة وأميرهـا اسمعيـل بـك وصحبتـه علـي بـك الطنطـاوي وعللـي بـك الحبشـيفبـرزوا إلـى جهـة العادلية وخرجوا بما معهم من طوائف العسكر والمماليك والأحمالوالخيام والجباخانات والعربات والضوبة وقرب الماء الكثيرة على الجمال والكراراتوالمطابخ والطبول والزمور والنقاقير وغير ذلك فلما تكامل خروجهـم أقاموا بالعادليةأيامًا حتى قضوا لوازمهم وارتحلوا وسافروا إلى جهة الشام‏.‏
وفي حادي عشرينه برزت تجريدة أخرى وعليها سليمان بك وعمر كاشف وحملةكثيرة من العساكر فنزلوا من طريق البحر على دمياط‏.‏
وفي عاشر شهر القعدة وردت أخبار من جهة الشام وأشيع وقوع حراباتبينهم وبين حكام الشام وأولاد العظم‏.‏
وفي منتصف خرجت تجريدة أخرى وسافر على طريق البر على النسق‏.‏
وفي سابع عشره طلب علي بك حسن أغا تابع الوكيل والروزنامجي وباشقلفة واسمعيل أغا وفـي أواخـره عمـل علـي بك دراهم على القرى وقرر على كل بلد مائةريال وثلاثمائة ريال حق طريق فضجت الناس من ذلك وطلب من النصارى القبط مائة ألفريال ومن اليهود أربعين ألفًا وقبضت جميعها في أسرع وقت‏.‏
من مات في هذه السنة مات الشيخ العمدة الفاضل الكامل الأديب الماهرالناظم الناثر الشيخ عبد الله بن عبد الله بن سلامة الأدكاوي المصري الشافعي الشهيربالمؤذن ولد بادكو وهي قريـة قـرب رشيـد سنـة 104 كما أخبر من لفظه وبها حفـظالقـرآن وورد إلـى مصـر فحضـر دروس علمـاء عصـره وأدرك الطبقـة الأولـى واشتهـربفـن الـأدب وانضـوى إلـى فخـر الأدباء في عصره السيد علي أفندي برهان زاده نقيبالسادة الأشراف فأنزله عنده في إكرام واحتفل به وكفاه المؤنة من كل وجه وصار يعاطيهكؤوس الآداب ويصافيه بمطارحة أشهى من ارتشاف الرضاب وحج بصحبته بيت الله الحـراموزار قبـر نبيـه عليه الصلاة والسلام وذلك سنة 1147 وعاد إلى مصر وأقبل على تحصيلالفنون الأدبية فنظم ونثر ومهر وبهر ورحل إلى رشيد وفوة والإسكندرية مرارًا واجتمععلى أعيـان كـل منهـا وطارحهـم ومدحهـم وفـي سنـة تسـع وثمانيـن رأيـت مـن نظمـهبيتيـن بخطه في جدار جامع بن نصر الله بقوة تاريخ كتابتهما سنة خمس وأربعين وبعدوفاة السيد النقيب تزوج وصـار صاحـب عيـال وتنقلـت بـه الأحوال وصار يتأسف على ماسلف من عيشه الماضي في ظـل ذلـك السيـد قـدس سره فلجأ إلى أستاذ عصره الشيخالشبراوي ولازمه واعتنى به وصار لا ينفـك عنـه ومدحـه بغرر قصائده وكان يعترف بفضلهويحترمه ولما توفي انتقل إلى شيخ وقته الشمس الحنفي فلازمـه سفـرًا وحضـرًا ومدحـهبغـرر قصائـده فحصلـت لـه العنايـة والإعانـة وواساه بما به حصلت الكفاية والصيانةوله تصانيـف كلهـا غـرر ونظـم نظامـه عقـود الـدرر فمنهـا الـدرة الفريـدة والمنـحالربانيـة فـي تفسير آيات الحكم العرفانية والقصيدة للزدية في مدح خير البرية ألفهالعلي باشا الحكيم ومختصر شرح بانت سعاد للسيوطي والفوائح الجنائية في المدائحالرضوانية جمع فيها أشعار المادحين للمذكور ثم أورد في خاتمتها ماله من الأمداح فيهنظمًا ونثـرًا وهدايـة المتهوميـن في كذب المنجمين والنزهة الزهية بتضمين الرجبيةنقلها من الفرائض إلى الغزل وعقود الدرر في أوزان الأبحر الستة عشر التزم في كل بيتمنها الاقتباسات الشريفة والدر الثمين في محاسن التضمين وبضاعة الأريب في شعرالغريب وذيلها بذيل يحكي دمية القصر وله المقامة التصحيفية والمقاومة القمذية فيالمجون وله تخميس بانـت سعـاد صدرهـا بخطبـة بديعة وجعلها تأليفًا مستقلًا وديوانهالمشهور على حروف التهجي وغير ذلك وقد كتب بخطه الفائق كثيرًا من الكتب الكبارودواوين الأشعار وكل عدة أشياء من غرائب الأسفار رأيت من ذلك كثيرًا وقاعدة خطه بينأهل مصر مشهورة لا تخفى ورأيت مما كتب كثيرًا فمن الدواوين ديوان حسان رضي الله عنهرأيته بخطه وقد أبدع في تنميقه وكتب على حواشيه شرح الألفاظ الغريبة ونزهـةالألبـاب الجامـع لفنـون الـآداب ولـه مطارحـات لطيفـة مـع شعـراء عصره والواردينعلى مصرولم يزل على حاله حتى صار أوحد زمانه وفريد عصره وأوانه ولمـا توفـيالأستـاذ الحنفـي اضمحـل حالـه ولعـب بلبالـه واعترتـه الأمراض ونصب روض عزه وغاضوتعلل مدة أيام حتى وافاه الحمام في نهار الخميس خامس جمادى الأولى من السنة وأخرجبصباحه وصلى عليه بالأزهر ودفن بالمجاورين فسرب تربة الشيخ الحنفي وفي سنـة ثلـاثوسبعين ومائة وألف لما اختلفت خدام المشهد النفيسي وكبيرهم إذ ذاك الشيخ عبد اللطيففي أمر العنز وذلك أنهم أظهروا عنزًا صغيرة مدرة زعموا أن جماعة من الأسرى ببلادالإفرنج توسلوا بالسيدة نفيسة وأحضروا تلك العنز وعزموا على ذبحها في ليلة يجتمعونفيها يذكرون ويدعـون ويتوسلـون فـي خلاصهـم ونجاتهـم من الأسر فاطلع عليم الكافرفزجرهم وسبهم ومنعهم من ذبح العنز وبات تلك الليلة فرأى رؤيا حالته فلما أصبحأعتقهم وأطلقهم وأعطاهم دراهم وصرفهـم مكرميـن ونزلـوا فـي مركـب وحضروا إلى مصروصحبتهم تلك العنز وذهبوا إلى المشهد النفيسـي بتلـك العنـز وذكـروا فـي تلـكالعنـز غير ذلك من اختلافهم وخورهم كقولهم أنهم يوم كذا أصبحوا فوجدوها عند المقامأو فوق المنارة وسمعوها تتكلم أو أن السيدة تكلمت وأوصت عليها وسمع الشيخ المذكوركلامها من داخل القبر وأبرزها للناس وأجلسها بجانبه ويقول للناس ما يقوله من الكذبوالخرافات التي يستجلب بها الدنيا وتسامع الناس بذلك فأقبل الرجـال والنساء من كلفج لزيارة تلك العنزة وأتوا إليها بالنذور والهدايا وعرفهم أنها لا تأكل إلا قلباللوز والفستق وتشرب ماء الورد والسكر المكرر ونحو ذلك فأتوه بأصنـاف ذلـكبالقناطيـر وعمل النساء للعنز القلائد الذهب والأطواق والحلي ونحو ذلك وافتتنوا بهاوشاع خبرها في بيوت الأمراء وأكابر النساء وأرسلن على قدر مقامهـن مـن النـذوروالهدايـا وذهبـن لزيارتهـا ومشاهدتها وازدحمن عليها فأرسل عبد الرحمن كتخـدا إلـىالشيـخ عبـد اللطيـف المذكـور والتمـس منـه حضـوره إليـه بتلـك العنـز ليتبـرك بهاهو وحريمه فركب المذكور بغلته وتلك العنز في حجره ومعه طبول وزمور وبيارق ومشايخوحوله الجم لغفير من الناس ودخل بها بيت الأمير المذكور على تلك الصورة وصعد بهاإلى مجلسه وعنده الكثير من الأمراء والأعيان فزارها وتملس بها ثم أمر بإدخالها إلىالحريم ليتبركن بها وقد كان أوصى الكلارجي قبل حضوره بذبحهـا وطبخهـا فلمـا أخذوهـاليذهبـوا بهـا إلـى جهـة الحريـم أدخلوها إلى المطبخ وذبحوها وطبخها قيمـة وحضـرالغـداء وتلـك العنـز فـي ضمنـه فوضعوهـا بيـن أيديهـم وأكلـوا منهـا والشيخ عبداللطيف كذلك صار يأكل منها والكتخدا يقول‏:‏ كل يا شيخ عبد اللطيف من هذا الرميسالسمين فيأكـل منهـا ويقـول‏:‏ واللـه إنـه أطيـب ومستـو ونفيـس وهـو لا يعلـم أنـهعنـزه وهم يتغامزون ويضحكون فلما فرغوا من الأكل وشربوا القهوة وطلب الشيخ العنزفعرفه الأمير أنها هي التي كانت بين يديه في الصحن وأكلها فبهت فبكته الأمير وربخهوأمره بالانصراف وأن يوضع جلد العنـز علـى عمامتـه ويذهـب به كما جاء بجمعيته وبينيديه الطبول والأشاير ووكل به من أوصله محله على تلك الصورة ولم يزل المترجم حتىتعلعل بالأمراض والأسقام واضمحل منه الجسم والقـوى بالآلـام حتـى وافـاه الحمـامفـي يـوم الخميـس خامـس جمـادى الأولى من السنة رحمه الله وابنه العلامـة السيـدأحمـد المعـروف بكتيكـت مفتـي الشافعيـة بثغـر سكندريـة والسيـد هلـال الكتبـيتوفيا بعده بسنين والشيخ صالح الصحاف موجود مع الأحياء أعانه الله على وقته‏.‏
ومات الإمام الفصيح البارع الفقيه الشيخ جعفر بن حسن بن عبد الكريمابن محمد بن رسول الحسيني البرزنجي المدني مفتي الشافعية بها ولد بالمدينة وأخذ عنوالده والشيخ محمد حيوة السنـدي وأجـازه السيـد مصطفـى البكـري وكـان يقـرأ دروسالفقـه داخـل بـاب السلام وكان عجيبًا في حسن الإلقاء والتقرير ومعرفة فروع المذهبتولى الإفتاء والخطابة مدة تزيد على عشريـن سنـة كـان قـوالًا بالحق أمارًابالمعروف واجتمع به الشيخ سليمان بن يحيى شيخ المشايخ وذكره في رحلته وأثنى عليهوله مؤلفات منها البر العاجل بإجابة الشيخ محمد غافل والقبض اللطيـف بإجابة نائبالشرع الشريف وفتح الرحمن على أجوبة السيد رمضان توفي في شهور هذه السنة قيلمسمومًا والله أعلم‏.‏
ومات الولي العارف أحد المجاذيب الصادقين الأستاذ الشيخ أحمد ابنحسن النشرتي الشهير بالعريان كان من أرباب الأحوال والكرامات ولد في أول القرن وكانأول أمره الصحو ثم غلب عليـه السكـر فأدركـه المحـو وكانت له في بدايته أمور غريبةوكان كل من دخل عليه زائرًا يضربه بالجريد‏.‏
وكان ملازمًا للحج في كل سنة ويذهب إلى موالد سيدي أحمد البدويالمعتادة‏.‏
وكان أميًا لا يقرأ ولا يكتب وإذا قرأ قارئ بين يديـه وغلـط يقـوللـه ق فإنـك غلطـت وكـان رجـلًا جلاليـًا يلبـس الثيـاب الخشنة وهي جبة صوف وعمامةصوف حمراء يعتم بها على لبدة من صوف ويركب بغلة سريعة العدو وملبسه دائمًا على هذهالصفة شتاء وصيفًا وكان شهير الذكـر يعتقد الخاصة والعامة وتأتي الأمراء والأعيانلزيارته والبرك به ويأخذ منهم دراهم كثيرة ينفقها على الفقراء المجتمعين عليه وأنشأمسجده تجاه الزاهد جوار داره وبنى بجواره صهريجًا وعمل لنفسه مدفنًا وكذلك لأهلهوأقاربه وأتباعه واتحد به شيخنا السيد أحمد العروسي واختص به اختصاصًا زائدًا فكانلا يفارقه سفرًا ولا حضرًا وزوجه إحدى بناته وهـي أم أولـاده وبشـره بمشيخة الجامعالأزهر والرئاسة فعادت عليه بركته وتحققت بشارته وكان مشهورًا بالاستشـراف علـىالخواطـر توفـي رحمـه اللـه في منتصف ربيع الأول وصلى عليه بالأزهر ودفن بقبره الذيأعده لنفسه في مسجده نفعنا الله به وبعباده الصالحين‏.‏
ومات الفقيه الصالح الشيخ علي بن أحمد بن عبد اللطيف البشبيشيالشافعي روى عن أبيه عن البابلي توفي في غاية ربيع الثاني من السنة‏.‏
ومات الشيخ المبجل الصالح المفضل الدرويش الشيخ أحمد المولوي شيخالمولوية بتكية المظفر وكان إنسانًا حسنًا لا بأس به مقبلًا على شأنه منجمعًا عنخلطة كثير من الناس إلا بحسب الدواعي توفي في سابع عشرين ربيع الآخر من السنة ولميخلف بعده مثله‏.‏
ومات المقدام الخير الكريم صاحب الهمة العالية والمروءة التامة شمسالدين حمودة شيخ ناحية برمـه بالمنوفيـة أخـذ عـن الشيـخ الحفنـي وكـان كثيرالاعتقاد فيه والإكرام له ولأتباعه وله حب في أهـل الخير واعتقاد في أهل الصلاحويكرم الوافدين والضيفان‏.‏
وكان جميل الصورة طويلًا مهيبًا حسن الملبس والمركب‏.‏
توفي يوم الخميس حادي عشر رجب من السنة وخلف أولادًا منهم محمدالحفني الذي سماه على اسم الشيخ لمحبته فيه وأحمد وشمس الدين‏.‏
ومات بقية السلف ونتيجة الخلف الشيخ أحمد سبط الأستاذ الشيخ عبدالوهاب الشعراني وشيخ السجادة كان إنسانًا حسنًا وقورًا مالكًا منهج الاحتشـاموالكمـال منجمـًا عـن خلطـة الناس إلا بقدر الحاجة‏.‏
توفي يوم السبت ثامن صفر من السنة وخلف ولده سيـدي عبـد الرحمنمراهقًا تولى بعده على السجادة مع مشاركة قريبه الشيخ أحمد الذي تزوج بوالدته‏.‏
ومات الإمامة العلامة الفقيه الصالح الناسك صائم الدهر الشيخ محمدالشوبري الحنفي تفقه على الشيخ الاسقاطي والشيخ سعودي وبعد وفاة المذكورين لازمالشيخ الوالد وتلقى عنه كثيـرًا وكان إنسانًا حسنًا وجيهًا لا يتداخل فيما لا يعنيهمقبلًا على شأنه صائم الدهر وملازمًا لداره بعد حضور درسه وكان بيته بقنطرة الأميرحسين مطلًا على الخليج‏.‏
سنة خمس وثمانين ومائة وألف أخرج علي بك تجريدة عظيمة وسر عسكرهاوأميرها محمـد بـك أبـو الذهـب وأيـوب بـك ورضـوان بك وغيرهم كشاف وأرباب مناصبومماليكهم وطوائفهم وأتباعهم وعساكر كثيرة من المغاربة والترك والهنود واليمانيةوالمتاولة وخرجوا في تجمل زائد واستعداد عظيم ومهيأ كبير ومعهـم الطبـول والزمـوروالذخائـر والأحمـال والخيـام والمطابـخ والكـرارات والمدافـع والجبخانات ومدافعالزنبلـك علـى الجمـال وأجنـاس العالـم ألوفـًا مؤلفـة وكذلـك أنزلـوا الاحتياجـاتوالأثقـال وشحنوا بها السفن وسافرت من طريق دمياط في البحر‏.‏
فلما وصلوا إلى الديار الشامية فحاصروا يافا وضيقوا عليها حتىملكوها بعد أيام كثيرة ثم توجهوا إلى باقي المدن والقرى وحاربهم النواب والولاةوهمزموهم وقتلوهم وفروا من وجوههم واستولوا على المماليك الشامية إلى حد حلب ووردتالبشائر بذلك فنودي بالزينة فزينت مصر وبولاق ومصر العتيقة زينة عظيمة ثلاثة أيامبلياليها وتفاخروا في ذلك إلى الغاية وعملت وقدات وأحمال قناديل وشموع بالأسـواقوسائـر الجهـات وعملـوا ولائم ومغناي وآلات وطبولًا وسنكًا وحراقات وغير ذلك وذلكفي شهـر ربيـع أول مـن السنـة‏.‏
وتعاظـم علـي بـك فـي نفسـه ولـم يكتـف بذلـك فأرسـل إلـى محمـد بـكيأمـره بتقليـد الأمـراء المناصـب والولايات على البلاد التي افتتحوها وملكوها وإنيستمر في سيره ويتعـدى الحـدود ويستولـي علـى المماليـك إلـى حيـث شـاء وهو يتابعإليه إرسال الإمدادات واللوازم والاحتياجـات‏.‏
ولا يثنـون عنانهـم عمـا يأمرهـم بـه‏.‏
فعند ذلك جمع محمد بك أمراءه وخشداشينه الكبـار فـي خلـوة وعـرضعليهـم الأوامـر فضاقت نفوسهم وسئموا الحرب والقتال والغربة وذلك ما فـي نفـس محمـدبـك أيضـًا‏.‏
ثم قال لهم‏:‏ ما تقولون قالوا‏:‏ وما الذي نقوله والرأي لك فأنتكبيرنا ونحن تحت أمرك وإشارتك ولا نخالفكفيمـا تأمـر بـه‏.‏
فقـال‏:‏ ربمـا يكـون رأيـي مخالفـًا لأمـر أستاذنا‏.‏
قالوا‏:‏ ولو مخالفًا لأمره فنحن جميعًا لا نخرج عن أمرك وإشارتكفقال‏:‏ لا أقول لكم شيئـًا حتـى نتحالـف جميعـًا ونتعاهـد علـى الـرأي الذي يكونبيننا‏.‏
ففعلوا ذلك وتعاهدوا وحلفوا علـى السيـف والكتـاب‏.‏
ثـم أنـه قـال لهـم‏:‏ إن أستاذكـم يريـد أن تقطعـوا أعماركم فيالغربة والحرب والأسفـار والبعـد عـن الأوطـان وكلمـا فرغنـا من شيء فتح علينا غيرهفرأيي أن نكون على قلب رجل واحد ونرجع إلى مصر ولا نذهب إلى جهة من الجهات وقدفرغنا من خدمتنا وإن كان يريـد غيـر ذلـك مـن المماليـك يولـي أمـراء غيرنـاويرسلهم إلى ما يريد ونحن يكفينا هذا القدر ونرتاح فـي بيوتنـا وعنـد عيالنـا‏.‏
فقالـوا جميعًا‏:‏ ونحن على رأيك‏.‏
وأصبحوا راحلين وطالبين إلى مصر فحضـروا فـي أواخر شهر رجب على خلافمراد مخدومهم وبقي الأمر على السكوت‏.‏
ثم أن علي بك قلد أيوب بك إمارة جرجا وقضى أشغاله وسافر إلى الصعيدبطائفته وأتباعه‏.‏
وانقضـى شهـر شعبـان ورمضـان وعلـي بـك مصمـم على رجوع محمد بك إلىجهة الشام‏.‏
وذلك مصمـم علـى خلـاف ذلـك‏.‏
وبـدت بينهما الوحشة الباطنية‏.‏
فلما كان ليلة رابع شهر شوال بيت علي بك مع علي بك الطنطاوي وخلافهواتفق معهم على غدر محمد بك فركبوا عليه ليلًا وأحاطوا بداره ووقفه له العساكربالأسلحة في الطرق فركب في خاصته وخرج من بينهم وذهب إلى ناحية البساتين وارتحل إلىالصعيد‏.‏
فحضر إليه بعض الأمراء أصحاب المناصب وعلـي كاشـف تابـع سليمـانأفنـدي كاشـف شـرق أولـاد يحيـى وقدموا له ما معهم من الخيام والمال والاحتياجات‏.‏
ولم يـزل فـي سيـره حتـى وصـل إلـى جرجـا واجتمـع عليـه أيـوب بـكخشداشـه وأظهـر له المصافاة والمؤاخاة وقدم له هدايا وخيولًا وخيامًا فلم يلبث إلاوقد أحضر عيون محمد بك يأمره ويستحثه على عمل الحيلة وقتل محمد بك بأي وجه أمكنهويعده إمارته وبلاده وغير ذلـك‏.‏
فلما قرأ المراسلة وفهم مضمونها أكرم الرجل وقال له‏:‏ تذهب إليهبالكتاب وأثني بجوابه ولك مزيد الإكرام فذهب ذلك الساعي وأوصل الكتاب إلى أيوب بكوطلب منه رد الجواب وأعطـاه الجـواب وذكـر فيـه أنه مجتهد في تتميم الغرض ومترقبحصول الفرصة‏.‏
فحضر به إلى محمد بك‏.‏
فعند ذلك استعد محمد بـك وتحقـق خيانتـه ونفاقـه فاتفـق مـع خاصتـهوأمرائـه بالاستعداد والوثوب وأنه إذا حضر إليه أيوب بك أخذ أربـاب المناصـبنظراءهـم وتحفظـوا عليهـم‏.‏
فلمـا حضـر فـي صبحهـا أيـوب بـك جلـس معـه فـي خلـوة وأخـذ كـل مـنالخازنـدار والكتخدا والجوخـدار والسلحدار نظراءهم من جماعة محمد بك ثم قال محمد بكيخاطب أيوب بك‏:‏ يا هل ترى نحن مستمرون على الأخوة والمصافاة والصداقة والعهدواليمين الذي تعاقدنا عليـه بالشام قال‏:‏ نعم وزيادة‏.‏
قال‏:‏ ومن نكث ذلك وخان اليمين ونقض العهد قال‏:‏ يقطع لسانه الـذيحلـف بـه ويـده التـي وضعهـا على المصحف‏.‏
فعند ذلك قال له‏:‏ بلغني أنه أتاك كتاب من أستاذنـا علـي بـك‏.‏
فجمـد ذلـك فقال‏:‏ لعل ذلك صحيح وكتبت له الجواب أيضًا‏.‏
قال‏:‏ لم يكن أبـدًا ولـو أتانـي منـه جـواب لأطلعتـك عليه ولا يصحأني أكتمه عنك أو أرد له جوابًا‏.‏
فعند ذلك أخـرج لـه الجـواب مـن جيبـه وأحضـر إليـه الرسـول فسقـطفـي يـده وأخـذ يتنصـل ببارد العذر‏.‏
فعند ذلك قال له‏:‏ حينئذ لا تصح مرافقتك معي وقم فاذهب إلى سيدكوأمر بالقبض عليه وأنزلوه إلـى المركـب وأحـاط بوطاقـه وأسبابـه وتفرقـت عنـهجموعـه‏.‏
فلمـا صار وحيدًا في قبضته أحضر عبـد الرحمـن أغـا وكـان إذ ذاكبناحيـة قبلي وانضم إلى محمد بك فقال له‏:‏ اذهب إلى أيوب بك واقطع يده ولسانه كماحكم على نفسه بذلك‏.‏
فأخذ معه المشاعلي وحضر إليه في السفينة وقطعـوا يمينـه ثـم شبكـوافـي لسانـه سنـارة وجذبـوه ليقطعـوه فتخلـص منهم وألقى بنفسه في البحر فغرق ومات‏.‏
وكان قصد محمد بك أن يفعل به ذلك ويرسله على هذه الصورة إلى سيدهبمصر‏.‏
ثم إنهم أخرجوه وغسلوه وكفنوه ودفنوه‏.‏












عرض البوم صور آل قطبي الحسني   رد مع اقتباس
قديم 20-12-2010, 01:17 AM   رقم المشاركة: 12
مشرف سابق

الصورة الرمزية آل قطبي الحسني



رقـم العضـوية 14
تاريخ التسجيل Mar 2010
عدد المشاركات 5,596
القبيلة نحن بنو يعلى من كنانة=رأس المضريين وفرسانها
مكان الإقامة إمارة بني يعلى
المهنة طالب
 
 
آل قطبي الحسني غير متواجد حالياً

افتراضي


فعندما وقع ذلك أقبلـت الأمـراء والأجنـاد المتفرقـون بالأقاليـمعلـى محمـد بـك وتحققـوا عنـد ذلـك الخلـاف بينـه وبيـن سيده وقد كانوا متجمعين عـنالحضور إليه ويظنون خلاف ذلك‏.‏
وحضر إليه جميع المنافي وأتباع القاسمية والهوارة الذين شردهم عليبك وسلب نعمتهم فأنعم عليهم وأكرمهم وتلقاهم بالبشاشة والمحبة واعتذر لهم وواساهموقلدهم الخدم والمناصب وهم أيضًا تقيدوا بخدمته وبذلوا جهدهم في طاعته‏.‏
ووصلـت الأخبـار بذلـك إلـى مصـر وحضـر إليـه كثير من مماليك أيوببك وأتباعه سوى من انضم منهم والتجأ إلى محمد بك وأتباعه فعند ذلك نزل بعلي بك منالقهر والغيظ المكظوم ما لا يوصف وشرع في تشهيل تجريدة عظيمة وأميرها وسر عسكرهااسمعيل بـك واحتفـل بهـا احتفـالًا كثيـرًا وأمـر بجمـع أصنـاف العساكـر واجتهـدفـي تنجيـز أمرهـا في أسرع وقت وسافروا برًا وبحـرًا فـي أواخـر ذي العقـدة‏.‏
فلمـا التقـى الجمعـان خامـر اسمعيـل بـك وانضـم بمـن معـه مـنالجموع إلى محمـد بـك وصـاروا حزبـًا واحدًا ورجع الذين لم يميلوا وهم القليل إلىمصر‏.‏
فعند ذلك اشتد الأمـر بعلـي بـك ولاحـت علـى دولته لوائح الزوالوكاد يموت من الغيظ والقهر وقلد سبع صناجق والكل مزلقون وسماهم أهل مصر السبع بناتوهم مصطفى بك وحسن بك ومراد بك وحمزة بك ويحيى بك وخليل بك كوسه ومصطفى بك أود باشهوعمـل لهـم برقـًا وداقمـًا ولـوزام وطبلخانات في يومين وضم إليهم عساكر وطوائفومماليك وأتباعـًا وبـرز بنفسـه إلـى جهـة البساتيـن وشـرع فـي تشهيـل تجريـدةأخـرى وأميرها علي بك الطنطاوي وأخرج الجبخانات والمدافع الكثيرة وأمر بعمل متاريسمن البحر إلى جهة الجبل وانقضت السنة‏.‏
من مات في هذه السنة ممن له ذكر مات الإمام الفقيه الصالح الخيرالشيخ علي بن صالح بن موسى بن أحمد بن عمارة الشاوري المالكي مفتي فرشوط قرأبالأزهر العلوم ولازم العلامة الشيخ علي العدوي وتفقه عليه وسمع الحديـث مـن الشيـخأحمـد ابـن مصطفـى السكنـدري وغيـره ورجع إلى فرشوط فولي إفتاء المالكية بها فسارفيها سيرًا مقتصدًا ولما ورد عليه الشيخ ابن الطيب راجعًا من الروم تلقى عنه شيئًامن الكتب وأجازه وكان لشيخ العرب همام بن يوسف في حقه عناية شديدة وصحبة أكيـدةوكانـت شفاعـات العلمـاء مقبولـة عنـده بعنايتـه ولذلـك راج أمره واشتهر ذكره وطارصيته‏.‏
وكان حسن المذاكرة والمحاورة محتشمًا في نفسـه مجمـلًا فـي ملابسـهوجيهـًا معتبـرًا فـي الأعيـن‏.‏
وألـف شيخنـا السيـد محمـد مرتضـى باسمـه نشـق الغوالـي مـنالموريـات العوالـي وذلك أيام رحلته إلى فرشوط ونزوله عنده ورفع شأنه عند شيخ العربوأكرمه إكرامًا كثيرًا ولما تغيـرت أحـوال الصعيد قدم إلى مصر مع ابن مخدومه ومازال بها حتى توجه إلى طندتا وكان يعتريه حصر البـول فيجلـس أيامـا وهـو ملـازمللفـراش فـزار وعـاد‏.‏
توفي يوم دخوله إلى بولاق نهار الثلاثاء ثالث عشر شعبان من السنةوكان يومًا مطير ذا رعد وبرق فوصل خبره إلى الجامع الأزهر فخرج إليه الشيخ عليالصعيدي وكثير من العلماء وتخلف من تخلف لذلك العـذر فجهـزوه هنـاك وكفنـوه وأتـوابه إلى الأزهر وأراد الشيخ الصعيدي دفنه في مدفن عبد الرحمن كتخدا لصعوبة وماتالفقيه الفاضل العلامة الشيخ علي بن عبد الرحمن بن سليمان ابن عيسى بن سليمانالخطيب الجديمي العدوي المالكي الأزهري الشهير بالخرائطي ولد في أول القرن وقدمالجامع الأزهـر فحضـر دروس جماعـة من فضلاء العصر ولازم بلدية الشيخ علي الصعيديملازمة كلية ودرس بالأزهر ونفع الطلبة وكان إنسانًا حسنًا منور الشيبة ذا خلـق حسـنوتـودد وبشاشـة ومروءة كاملة وكان له ميل تام في علم الحديث ويتأسف على فواتاشتغاله به ويحب كلام السلف ويتأمـل فـي معانيـه مـع سلامـة الاعتقـاد وكثـرةالإخلـاص‏.‏
توفـي عشيـة يـوم الأربعـاء ثانـي المحـرم افتتاح سنة 1185‏.‏
ومـات الإمـام العلامـة الفاضل المحقق الدراك المتفنن الشيخ محمدبان اسمعيل بن محمد بن اسمعيل بن خضر النقراوي المالكي كان والده من أهل العلموالصلاح والزهد عن جانب عظيم وعمر كثيـرًا حتـى جاوز المائة وانحنى ظهره وتوفي سنة 1178‏.‏
تربى المترجم في حجر أبيه وحفظ القـرآن والمتـون وحضـر دروس الشيـخسالـم النقـراوي والشيـخ خليـل المالكـي وغيرهمـا وتفقه وحضر المعقول على كثيـر مـنالفضـلاء ومهـر وأنجـب درس وكـان جيـد الحافظـة قـوي الفهـم والغـوص علـى عويصـاتالمسائـل ودقائـق العلـوم مستحضـرًا للمسائـل الفقهيـة والعقليـة ولمـا بلغ المنتهىفي العلوم المشهورة تاقت نفسه للعلوم الحكمية والرياضية فأحضره والده للشيخ الوالدسنة 1171 والتمس منه مطالعته عليه فأجابه إلى ذلك ورحب به وكان عمره إذا ذاك نيفًاوعشريـن سنـة‏.‏
ولمـا رأى مـا فيـه مـن الذكـاء والنجابـة والقوة الاستعدادية والجدفي الطلب اغتبط به كثيرًا وصرف إليه همته وأقبل عليه بكليته وأعطاه مفتاح خزانةبالمنزل يضع فيها كتبه ومتاعه واشترى له حمارًا ورتب له مصروفًا وكسوة ولازمه ليلًاونهارًا ذهابـًا وإيابـًا حتـى اشتهـر بنسبتـه إليـه فكـان يرسلـه فـي مهماتـهوأسـراره إلـى أكابـر مصـر وأعيانها مثل علي بك وعبد الرحمن كتخدا وغيرهما فيحسنالخطاب والجواب مع الحشمة وحسن المخاطبة مع معرفتهم بفضله وعلمه وكانوا يكرمونه‏.‏
ومدحهم بقصائد لم أعثر على شيء منها للإهمال وطول العهد فكان لايذهـب إلـى داره إلا فـي النـادر بعـد حصـة مـن الليـل ويرجـع فـي الفجـر وينـزلإلـى الجامـع بعـد طلوع النهـار فيقـرأ درسيـن ثـم يعـود فـي الضحـوة الكبـرىفيقيـم إلـى العصـر فيذهـب إلـى الجامـع فيقـرأ درسًا في المعقول ثم يعود‏.‏
وهكذا كان دأبه إلى أن مات‏.‏
تلقى عنه فـن الميقـات والهيئـة والهندسـة وهدايـة الحكمـة وشرحهـاالقاضـي زادة والجغمينـي والمبادي والغايات والمقاصد في أقل زمن مع التحقيقوالتدقيق وحضر عليه المطول والمواقف والزيلعـي فـي الفقـه برواق الجبرت بالأزهروغير ذلك كل ذلك بقراءته وعانى علم الأوفاق وتلقاه عن الشيـخ المرحـوم حتـى أدركأسـراره وأقبلـت عليـه روحانيتـه‏.‏
وأجـازه الملـوي والجوهـري والحفنـي والعفيفـي وغيرهـم ولمـا نفـيعلـي بك إلى النوسات إلى الشيخ فطلب منه أشياء يرسلها إليه مع المترجم فأرسله إليهوأقام عنده أيامًا ورجع من غير أن يعلم أحد بذهابه ورجوعه وكـان يكتـب الخـط الجيـدوجـوده علـى الشيـخ أحمـد حجـاج المعـروف بأبـي العـز‏.‏
وكتـب بخطه كثيرًا وألف حاشية على شرح العصام على السمرقندية وأجوبةعن الأسئلة الخمسة التي أوردها الشيـخ أحمـد الدمنهـوري علـى علمـاء العصـروأعطاهـا إلى علي بك وقال له‏:‏ أعطها للعلماء الذين يترددون عليك يجيبوني عنها إنكانوا يزعمون أنهم علماء فأعطاهـا علـي بـك للشيـخ الوالـد وأخبره بمقابلة الشيخالدمنهوري فقال له‏:‏ هذه وإن كانت من عويصات المسائـل يجيـب عنهـا ولدنـا الشيـخمحمد النقراوي‏.‏
والخمسة الأسئلة المذكورة‏:‏ الأول في إبطال الجزء الذي لا يتجزأ‏.‏
الثاني في قول ابن سينا ذات الله نفس الوجود المطلق ما معناه‏.‏
الثالث في قول أبي منصور الماتريدي معرفة الله واجبة بالعقل مع أنالمجهول من كل وجه يستحيل طلبه‏.‏
الرابع في قول البرجلي إن من مات من المسلمين لسنا نتحقق موته علىالإسلام‏.‏
الخامس في الاستثناء في الكلمة المشرقة هل هو متصل أو منفصل‏.‏
فأجاب عنها بأجوبة منطوية على مطار الأنظار دلت على رسوخه وسعةاطلاعه وغوصه ومعرفته بدقائق كلام أذكياء الحكماء والمتكلمين وفضلاء الأشعريةوالماتريدية‏.‏
وعانى الرسم فرسم عدة بسائط ومنحرفات وحسب كثيرًا من الأصولوالدساتير وتصدى لتعليم الطلبة الذين كانوا يردون مـن الآفـاق لطلـب العلـومالغريبـة وكتـب شرحـًا علـى متـن نـور الإيضـاح فـي الفقـه الحنفـي باسـم الأميـرعبـد الرحمـن كتخـدا وله رسالة سماهـا الطـراز المذهـب في بيان معنىالمذهب وهيعبارة عن جواب على سؤال ورد من ثغر سكندريـة نظمـًا وكان له سليقة جيدة في النثروالنظم ولما ورد إلى مصر محمد أفندي سعيد قاضيًا في سنـة 1181 امتدحـه بقصيـدةبليغـة لـم أعثـر عليهـا وكـان بـه حـدة طبيعـة وهـي التـي كانـت سببـًا لموتـهوهـو أنـه حصـل بينـه وبيـن الشيـخ البجرمي منافسة فشكاه إلى الشيخ الدمنهوري وهوإذ ذاك الشيخ الجامع فأرسل إليه فلما حضر عنده في مجلسه بالأزهر فتحامل عليه فقاممن عنـده وقـد أثـر فيـه القهـر ومـرض أيامـًا وتوفـي فـي شهـر جمـادى الثانيـة مـنالسنـة‏.‏
واغتـم عليـه الشيـخ المرحومي غمًا شديدًا وتأثر لفراقه وحزن لموتهوتوعك أيامًا بسبب ذلك‏.‏
ومات الإمام الفقيه العلامة المفتي الشيخ إبراهيم بن الشيخ عبد اللهالشرقاوي الشافعي تفقه علـى علمـاء عصـره وحضـر دروس الأشيـاخ المتقدمين كالملويوالحفني والبراوي والشيخ أحمد رزة والشيخ عطية الأجهوري وأنجب في الأصول والفروعالفقهية وتصدر ودرس وانقطع والإفتاء والقضاء بين المتخاصمين من أهل القرى للإفادةوأكثرهم من أهل بلاده وكان لا يفـارق محـل درسـه بالأزهـر مـن الشـروق إلـىالغـروب‏.‏
وانفـرد بالإفتـاء مـدة طويلـة علـى مذهبه وقلما يرى فتوى ومـات
أحـد أذكيـاء العصـر ونجبـاء الدهـر
مـن جمـع متفرقـات الفضائـل وحاز أنواع الفواضل الصالح الرحلة الشيخعلي بن محمد الجزائرلي المعروف بابن الترجمان ولد بالجزائر سنة 1100 وكـان ينتميإلى الشرف وزاحم العلماء بمناكبه في تحصيل أنواع العلومن وأجازه الشيخ سيدي محمدالمنور التلمساني رحمه الله ودخل الروم مرارًا وحظي بأرباب الدولة وأتى إلى مصروابتنى بها دارًا حسنة قرب الأزهر وكان يخبرعن نفسه أنه لا يستغني عن الجماع في كليوم فلذلـك مـا كـان يخلـو عن امرأة أو اثنتين حتى في أسفاره‏.‏
ولما ورد الأمير أحمد آغا أمينًا على دار الضرب بمصر المحروسة الذيصار فيما بعد باشا كان مختصًا بصحبته لا يفارقه ليلًا ولا نهارًا وله عليه إغداقاتجميلة وهو حسن العشرة يعرف في لسانهم قليلًا وتوجـه إلـى دار السلطنة وكانت إذا ذاكحركة السفر إلى الجهاد كتب هذا عرضحالًا إلى السلطان مصطفى صورته‏:‏ إن من قرأاستغاثة أبي مدين الغوت في صف الجهاد حصلت النصرة‏.‏
وقدمه إلى السلطـان فاستحسـن أن يكـون صاحـب هذا العرض هو الذييتوجه بنفسه ويقرأ هذه الاستغاثة تبركـًا ففاجئـه الأمر من حيث لا يحتسب وأخذ فيالحال وكتب مع المجاهدين وتوجه رغمًا عن أنفـه ووصـل إلـى معسكر المسلمين وصار يقرأفقدر الله الهزيمة على المسلمين لسوء تدبير أمراء العسكـر فأسـر مـع مـن أسر وذهببه إلى بلاد موسقو وبقي أسيرًا مدة ولم يغثه أحد بخلاصه ومات الشيخ الصالح العلامةعلي الفيومي المالكي شيخ رواق أهل بلاده حضر دروس الشيخ إبراهيم الفيومي وشيخناالشي علي الصعيدي ودرس برواقهم وكان سريع الإدراك متين الفهم لـه فـي علـم الكلـامبـاع طويـل‏.‏
وتـزوج ابنـة الشيـخ أحمـد الحماقـي الحنفي وتوفى ثاني شهر رمضان منالسنة ودفن بالمجاورين‏.‏
ومات الشيخ الفاضل الصالح علي الشبيني الشافعي نزيل جرجا قرأ علىجماعة من مشايخ عصـره وتكمـل فـي العربيـة والفقـه وتوجـه إلـى الصعيـد فخالـطأولـاد تمـام مـن الهوارة في بيج القرمون أحبـوه وسكـن عندهم مدة ثم سكن جرجا‏.‏
وكان يتردد أحيانًا إلى مصر وكان كثير الاجتماع بصهرنا علي أفنديدرويش المكتب وكان يحكي لي عنه أشياء كثيرة من مآثره من الصلاح والعلـم وحسـنالمعشـرة ومعرفـة التجويـد ووجوه القراءات‏.‏
فلما تغيرت أحوال الصعيد أتى المترجم إلـى مصـر وكان حسن المذاكرةوالمرافقة مع مداومة الذكر وتلاوة القرآن غالبًا‏.‏
توفي تاسع عشر رمضان في بيت بعض أحبابه بعلة البطن وصلى عليه الشيخأحمد بن محمد الراشدي ودفن بالمجاورين‏.‏
ومـات العمـدة الفاضل اللغوي الماهر المنشئ الأديب الشيخ عبد اللهبن منصور التلباني الشافعي المعـروف بكاتـب المقاطعـة وهـو بـن أخـت الشيـخ المعمرأحمد بن شعبان الزعبلي ولد سنة 1098 تقريبًا وأدرك الطبقة الأولى من الشيوخ العزيزيوالعشماوي والنفراوي‏.‏
وكانت له معرفة تامة بعلم اللغة والقراءة واقتنى كتبًا نفيسة فيسائر الفنون وكان سموحًا بإعارتهـا لأهلهـا وكـان يعرف مظنات المسائل في الكتب‏.‏
وكان الأشياخ يجلونه ويعرفونه مقامه ولما دخل الشيخ ابن الطيـبأحبـه واغتبـط بـه وبصحبتـه وحصل حاشيته على القاموس في مجلدين حافلين استكتابًاوقـرظ علـى شـرح البديعـة لعلي بن تاج الدين القلعي ذكر فيه من نوع وسع الاطلاعله‏.‏
ولم يزل حتى فاجأته المنون في ثالث عشرين شعبان من السنة وصلي عليهبالجامع الأزهر ودفـن شرقي مقام سيدي عبد الله المتوفى بالمجاورين رحمه الله‏.‏
ومـات الأميـر الجليـل إبراهيـم أفنـدي الهياتـم جمليان مطعونًا فينهار الأربع ثالث عشرين المحرم من السنة‏.‏
سنة ست وثمانين ومائة وألف فيهـا فـي المحـرم خـرج علـي بـك إلـىجهـة البساتيـن كمـا تقـدم فـي أواخـر العـام الماضـي وعمل متاريس ونصـب عليهـاالمدافـع مـن البحـر إلـى الجبـل واجتهـد فـي تشهيل تجريدة وأميرها علي بك الطنطاويوصحبتـه باقـي الأمـراء الذيـن قلدهـم والعسكر فعدوا في منتصفه لمحاربة محمد بك أبيالذهب واسمعيـل بك ومن معهما‏.‏
وكانوا سائرين يريدون مصر فتلاقوا معهم عند بياضة ووقعت بينهم معركةقوية ظهر فيها فضل القاسمية وخصوصًا أتباع صالح بك وعلي أغا المعمار ووقعت الهزيمـةعلـى عسكـر علي بك وساق خلفهم القبالي مسافة فمانعوا عن أنفسهم وعدوا على دير الطينوكان علي بك مقيمًا به فملما حصل ما حصل اشتد القهر بالمذكور وتحير في أمره وأظهـرالتجلـد وأمـر بالاستعـداد وترتيب المدافع وأقام إلى آخر النهار وتفرق عنه غالبعساكره مـن المغاربـة وغيرهـم‏.‏
وحضـر محمـد بـك إلى البر المقابل لعلي بك ونصب صيوانه وخيامه تجاههفتفكـر علـي بـك فـي أمـره وركـب عنـد الغـروب وسـار إلـى جهـة مصـر ودخـل من بابالقرافة وطلع إلـى بـاب العـزب فأقـام بـه حصـة مـن الليـل‏.‏
وأشيـع بالمدينـة أن مراده المحاصرة بالقلعة‏.‏
ثم أنه ركب إلى داره وحمل حموله وأمواله وخرج من مصـر وذهـب إلـىجهـة الشـام وذلـك ليلـة الخامـس والعشريـن مـن شهـر المحـرم وصحبتـه علـي بـكالطنطـاوي وباقـي صناجقـه ومماليكـه وأتباعـه وطوائفـه‏.‏
فلمـا أصبح يوم الخميس سادس عشرينه عدى محمد بك إلى بر مصر وأوقدواالنار فـي ذلـك اليـوم فـي الديـر بعد ما نهبوه ودخل محمد بك إلى مصر وصار أميرهاونادى أصحاب الشرطة على أتباعه بأن لا أحد ياؤيهم ولا يتاويهم فكانت مدة غيبتهسبعين يومًا‏.‏
وأرسل عبـد الرحمـن أغـا مستحفظـان إلى عبد الله كتخدا الباشا فذهبإليه بداره وقبض عليه وقطع رأسه ونادى بإبطال المعاملة التي ضربها المذكور بيد رزقالنصراني وهي قروش مفرد ومجوز وقطـع صغـار تصـرف بعشر أنصاف وخمسة أنصاف ونصفقرش‏.‏
وكان أكثرها نحاسًا وعليها علامة علي بك‏.‏
وأما من مات في هذه السنة من العظماء‏.‏
فمات السيد الإمام العلامة الفقيه المحدث الفهامة الحسيب النسيبالسيد علي بن موسى بن مصطفـى بـن محمـد بـن شمس الدين بن محب الدين بن كريم الدينبن بهاء الدين داود بن سليمان بـن شمـس الديـن ابـن بهـاء الديـن داود الكبيـر بـنعبـد الحفيظ بن أبي الوفاء محمد البدرى ابن أبي الحسـن علـي بـن شهـاب الديـن أحمـدبـن بهـاء الديـن داود بن عبد الحافظ ابن محمد بن بدر ساكن وادي النسـور بـن يوسـفبـن بـدران بـن يعقوب بن مطر بنزكي الدين سالم بن محمد بن محمد بن زيد بن حسن بنالسيد عريض المرتضى الأكبر بن الإمام زيد الشهيد ابن الإمام علي زين العابدين ابنالسيد الشهيد الإمام الحسين ابن الإمام علي بن أبي طالب الحسيني المقدسي الأزهريالمصري ويعرف بابن النقيب لأن جدوده تولوا النقابة ببيت المقدس ولد تقريبًا سنة 125ببيـت المقـدس وبهـا نشأ وقرأ القرآن على الشيخ مصطفى الأعرج المصري والشيخ موسىكبيبة علي عود ومحمد بن نسيبة الفضلي المكي وأخذ العلم عن عم أمه صاحب الكراماتحسين العلمـي نزيـل لـد وأبـي بكـر بـن أحمـد العلمـي مفتـي القـدس والشيخ عبدالمعطي الخليلي ووصل إلى الشـام فحضـر دروس الشيـخ أحمـد المتيتـي والشيـخ اسمعيـلالعجلوني والشيخ عبد الغني النابلسي واجتمع على الشيخ صالح البشيري الآخذ عن الخضرعليه السلام وعامر ابن نعير وأحمـد القطناني ومصطفى بن عمر والدمشقي‏.‏
وكان من الأبدال وأحمد النحلاوي وكان من أرباب الكشف ومحمـد بـنعميـرة الدمشقـي وعمـران الدمشقـي وزيـد اليعبـداوي وخليفـة بـن علـي اليعبداويورضوان الزاوي وأحمد الصفدي المجذوب والشيخ مصطفى بن سوار ودخل حماة فأخـذ عن القطبالسيد يس القادري وحلب فأخذ بها عن أحمد البني وعبد الرحمن السمان كلاهما من تلاميذالشيخ أحمد الكتبي وعن الشيخ محمد بن هلال الرامهداني والشيخ عبد الكريم الشرباتيوعاد إلى بيت المقدس فاجتمع بالشيخ عبد الغني النابلسي أيضًا وبالسيد مصطفـىالبكـري بحلـب حيـن كـان راجعـًا مـن بغداد فأخذ عنه الطريقة ورغبه في مصر فوردهاوحضر على الشمس السجيني ومصطفى العزيزي والسيـد علـي الضريـر الحنفـي وأحمـد بـنمصطفى الصباغ والشهابين الملوى والجوهري والشمس الحنفي وأحمد العماوي وشيخ المذهبسليمان المنصوري وأجازه سيدي يوسف بن ناصر الدرعي وأحمد العربي وأحمد بن عبد اللطيفزروق وسيدي محمد العياشي الأطروش والشيخ ابن الطيب في آخريـن ورأس فـي المذهب وتمهرفي الفنون ودرس بالمشهد الحسيني في التفسير والفقه والحديث واشتهر أمره وطـارصيتـه‏.‏
وكـان فقيهـًا فـي المذهـب بارعًا في معرفة فنونه عارفًا بأصولهوفروعه ويستنبط الأحكام بجودة ذهنه وحسن حافظته ويكتب على الفتاوى برائق لفظه‏.‏
وكانت له في النثر طريقـة غريبـة لا يتكلـف فـي الأسجـاع وإذا سئـلعـن مسألة كتب عليها الجواب أحسن من الروض جـاد بـن الغمـام وأغـزر مـن الوبـلساعـده نـوء النعـام‏.‏
ويكتـب فـي الترسل على سجية بادرة وفكرة علـى السرعـة صـاددة وكـانذا جـود وسخـاء وكـرم ومروءة ووفاء لا يدخل في يده شيء من متاع الدنيا إلا وبذلهلسائليه وأغدق به على معتفيه وكان منزله الذي قرب المشهد الحسيني موردًا للآملينومحطًا لرجال الوافدين مع رغبته في الخيل المنسوبة وحسن معرفته لأنسابهـا وعـزوهلأربابها‏.‏
وكان اصطبله دائمًا لا يخلو من اثنين أو ثلاثة يركب عليها ويضمرهاويعتني بأحوالها ويرغب في شرائها لمعرفته بالفروسية في رمي السهام واستعمال السلاحواللعب بالرماح وغير ذلـك‏.‏
ولمـا ضـاق عليـه منزلـه لكثـرة الوفـاد عليـه ولكثـرة ميلـه إلـىربـط الخيول انتقل إلى منزل واسع بالحسينيـة فـي طـرف البلـد بنـاء علـى أنالأطـراف مساكـن الأشـراف فسكنـه وعمـر فيـه وفـي الزاويـة التي قرب بيتـه وصـرفعليهـا مـالًا كثيـرًا‏.‏
وفـي سنـة 1177 استخـار اللـه تعالـى فـي التوجـه إلـى دار السلطنةلأمور أوجبت رحلته إليها منها أنه ركبت عليه الديون وكثر مطالبوها وضاق صدره من عدممساعدة الوقت له وكان إذ ذاك محل تدريسه بالمشهد الحسيني وعزم عبد الرحمن كتخـداعلـى هدمه وإنشائه على هذه الصورة ورأي أن هذه البطالة تستمر أشهرًا فوجد فرصةوتوجـه إليهـا وقـرأ دروسـًا فـي الحديـث فـي عـدة جوامـع واشتهـر هناك بالمحدثوأقبلت عليه الناس أفواجًا للتلقي وأحبته الأمراء وأرباب الدولة وصارت له هناكوجاهة‏.‏
إلا أنه كان في درسه ينتقل تارة إلى الرد العنيف على أرباب الأموالوالأكابر وملـوك الزمـان وينسبهـم إلـى الجـور والعـدوان وانحرافهـم عـن الحـق فوشىبه الحاسدون فبرز الأمر بخروجه من البلد وكان قد تزوج هنـاك فعـاد إلـى مصـر‏.‏
فلمـا وصل إلى بولاق ذهب إليه جماعة من الفضلاء واستقبلوه‏.‏
واستقر في منزله وعاد إلى دروسه في المشهد وذلك سنة 1183 ولم يتركعادته المألوفة من إكرام الضيوف وبذل المعروف وكان لا يصبر على الجماع وعنده ثلاثنسوة شامية ومصرية ورومية وإذا خـرج إلـى الخـلاء أو بعض المنتزهات أخذ صحبته منيريدها منهن ونصب لها خيمة وألف الاغتسـال مـدة إقامتـه يومـًا أو يوميـن أوأكثـر‏.‏
واتفـق لـه فـي آخـر أمـره أنه ذهب عند محمد بك أبي الذهب وكان فيضائقة فحادثه الأمير على سبيـل المباسطـة وقـال لـه‏:‏ كيـف رأيـت أهـل اسلامبولفقال‏:‏ لم يبق بإسلامبول ولا بمصر خير ولا يكرمون الأشرار الخلق وأما أهل العلموالأشراف فإنهم يموتـون جوعـًا‏.‏
ففهـم الأميـر تعريضـه وأمـر لـه بمائـة ألـف نصـف فضـة مـنالضربخانة فقضى منها بعض ديونه وأنفق باقيها على الفقراء وعاش بعدها أربعين يومًاوتعلل بخراج أيامًا وأحضروا له رجلًا يهوديًا فقصده بمشتر قيل أنه مسموم فكان سببًالموته‏.‏
وتوفي عصـر يـوم الأحـد سـادس شهـر شعبـان مـن السنـة وجهـز فـيصبـح يـوم الاثنين وصلى عليه بالأزهر فـي مشهـد حافـل ودفـن بمقبـرة بـاب النصـرعلـى أكمـة هنـاك‏.‏
ولمـا مـات أحضـر له الناس من الأعيان عـدة أكفـان وكـل منهـم يريدأن لا يوضع إلا في كفنه فأخذوا من كل كفن قطعة وكفنوه في مجموع ذلـك جبـرًالخواطرهـم‏.‏
وأعطـى الأميـر محمـد بـك لأخيـه مولانـا السيـد بـدر الديـن عندمـاأخبـره بموته خمسمائة ريال لتجهيزه ولوازمه‏.‏
وجلس مكانه في الدار أخوه السيد بدر المذكور وتصدره مكانه لإملاءدرس الحديث النبوي بمسجـد المشهـد الحسينـي وأقبلـت عليـه النـاس والأعيـان ومشىعلى قدم أخيه وسار سيرًا حسنًا وجرى على نسقه وطبيعته في مكارم الأخلاق وإطعـامالطعـام وإكـرام الضيفان والتردد إلى الأعيان والأمراء والسعي في حوائج الناسوالتصدي لأهل حارته وخطته في دعاويهم وفصل خصوماتهم وصلحهم والذب عنهم ومدافعةالمتعدى عليهم ولو من الأمراء والحكام في شكاويهم وتشاجرهم وقضاياهم حتى صار مرجعًاوملجأ لهـم فـي أمورهـم ومقاصدهـم وصـار لـه وجاهـة ومنزلـة فـي قلوبهـم ويخشـونجانبه وصولته عليهم‏.‏
ثم إنه هدم الزاوية وما بجانبها وأنشأها مسجدًا نفيسًا لطيفًا وعملبه منبرًا وخطبة ورتب به إمامًا وخطيبًا وخادمًا وجعل بجانبه ميضاه ومصلى لطيفةيسلك إليهما من باب مستقل وبها كراسي راحة وأنشأ بجانب المسجد دارًا نفيسة وانتقلإليهـا بعيالـه وتـرك الـدار التـي كانـت سكنه مع أخيه لأنها كانت بالأجرة وبنىلأخيه ضريحًا بداخل ذلك المسجد ونقله إليه وذلك سنة 1205‏.‏
فلما كانت الحوادث سنة 1213 واستيلاء الفرنسيس على الديار المصريةوقيام سكـان الجهـة الشرقيـة مـن أهل البلد وهي القومة الأولى التي قتل فيها دبويقائمقام تحركت في السيـد بدر الدين المذكور الحمية وجمع جموعه من أهل الحسينيةوالجهات البرانية وانتبذ لمحاربة الإفرنـج ومقاتلتهـم وبـذل جهـده فـي ذلـك‏.‏
فلمـا ظهر الإفرنج على المسلمين لم يسع المذكور الإقامة وخرج فارًاإلى جهة البلاد الشامية وبيت المقدس وفحص عنه الإفرنج وبثوا خلفه الجواسيس فلميدركـوه فعنـد ذلـك نهبـوا داره وهدمـوا منهـا طرفـًا وكـل تخريبهـا أوبـاشالناحيـة وخربـوا المسجـد وصـارت فـي ضمـن الأماكـن التـي خربهـا الفرنسيـس بهـدممـا حـول السـور مـن الأبنية ثم في الواقعة الكبيرة الثانية عندما حضر الوزيروالعساكر الرومية ورجعوا بعد نقض الصلح بدون طائـل كمـا يأتي تفصيل ذلك‏.‏
فلما حضروا ثانيًا بمعونة الانكليز وتم الأمر وسافر الفرنسيس إلىبلادهم ورجع المذكور إلى مصر وشاهد ما حصل لداره ومسجده من التخريب أخذ في أسبـابتعميرهمـا وتجديدهمـا حتـى أعادهمـا أحسن مما كانا عليه قبل ذلك وسكن بها وهو الآنبتاريـخ كتابـة هذا المجموع سنة 1220 قاطن بها ومحله مجمع شمل المحبين ومحط رحالالقاصدين بارك الله فيه‏.‏
ومات الفقيه المفنن العلامة الشيخ علي بن شمي الدين بن محمد بنزهران بن علي الشافعي الرشيـدي الشهير بالخضري ولد بالثغر سنة أربع وعشرين وأمهآمنة بنت الحاج عامر بن أحمد العراقي وأمها صالحة بنت الشريف الحـاج علـي زعيتـرأحـد أعيـان التجـار برشيـد حفـظ المترجـم الزبـد والخلاصـة وسبيـل السعـادةوالمنهـج إلى الديات والجزرية والجوهرة وسمع علي الشيخ يوسـف القشاشـي الجزريـةوابـن عقيـل والقطـر وعلـى الشيـخ عبـداللـه بـن مرعـي الشافعي في شوال سنة إحدىوأربعين جمع الجوامع والمنهج وألقى منه دروسًا بحضرته ومختضر السعد واللقاني علىجوهرته وشرح ابنه عبـد السلـام والمنـاوي علـى الشمائـل والبخـاري وابـن حجـر علـىالأربعين والمواهب وعلى الشمس محمد بن عمر الزهيري معظم البخاري دراية والمواهبوابن عقيل والأشموني على الخلاصة وجمع الجوامع والمصنف على أم البراهين ونصفالغفراوي على الرسالة والبيضاوي إلى قوله تعالى وإذا وقع القول فكلمه بعد موته‏.‏
وفي سنـة ثمـان وثلاثيـن وفـد علـى الثغـر الشيـخ عطيـة الأجهـوريفقـرأ عليـه العصـام فـي الاستعـارات مع الحفيد وعلى الشيخ محمـد الأدكـاوي شـرحالسيطـوي علـى الخلاصـة والشنشـوري علـى الرحبيـة والتحريـر لشيخ الإسلام ثم قدمالجامع الأزهر سنة ثلاث وأربعين فجاور ثلاث سنوات فسمع علي الشيخ مصطفى العزيزي شرحالمنهج مرتين والخطيب والشمائل وأجـازه بالإفتـاء والتدريس في رجب سنة ست وأربعينوكان به بارًا رحيمًا شفوقًا بمنزلة الوالد حتى بعد الوفاة‏:‏ وجرت له معه وقائعكثيرة تدل على حسن توجهه له دون غيره من الطلبة‏:‏ وسمـع علـى السيـد علـي الحنفـيالضريـر الأشمونـي وجمـع الجوامع والمغني وبعض المنفرجة والقسطلاني على البخارىوتصرف العزى وعلى الشمس محمد الدلجي المغني كله قراءة بحث والخطيـب وجمـع الجوامـعوعلى الشيخ علي قايتباي الخطيب فقط وعلى الشيخ الحفني الخطيب والمنهج وجمع الجوامعوالأشموني ومختصر السعد وألفية المصطلح ومعراج الغيطي وعلى أخيه الشيـخ يوسـفالأشمونـي والمختصـر ورسالـة الوضـع وعلـى الشيـخ عطية الأجهوري المنهج والمختصروالسلم وعلى أحمد الشبراملسي الشافعي المختصر والتجرير وبعض العصام ومنظومة فيأقسام الحديث الضعيف وعلى الشيخ محمد السجيني الشمائل وموضع من المنهج وأجازهالشيـخ الشبـراوي بالكتـب الستـة بعد أن سمع عليه بعضًا منها ورجع عن فتواه مرتينفي وقفين وعلى الشيخ أحمد بن سابق الزعبلي النمهج كله مرتين وعلى الشيخ أحمدالمكودى كبـرى السنوسي وبعض مختصره دراية وعلى الشيخ محمد المنور التلمساني شيخالمكودى المذكور أم البراهين دراية وعلى الشيخ أحمد العماوى المالكي بعض سنن أبيداود وجمع الجوامع والمغني والأزهريـة‏.‏
ولمـا رجـع إلـى الثغـر لازم الشيخ شمس الدين الغوى خطيب جامعالمحلي فسرد عليه معظـم متـن الزبـد والنمهـج وشرحـه والشنشورى ومتن العباب وهوالذي عرفه به وبطريق تركيب الفتاوى أسئلة وأجوبة‏.‏
وكان يقول‏:‏ لا بد للمبتلي بالإفتاء من العباب لوضوحه واستيعابه‏.‏
وأجازه الشيخ شلبي البرلسي والشيخ عبد الدائم بن أحمد المالكي وأحمدبن أحمد بن قاسم الوني‏.‏
ولـه مؤلفـات جليلـة منهـا شـرح لقطـة العجلـان وحاشيـة علـى شـرحالأربعيـن النوويـة للشبشيـرى أجـاد فيهـا كـل الإجـادة وقد رأيت كلًا منهما بالثغرعند ولده السيد أحمد توفي في خامس عشرين شعبان من السنة‏.‏
ومات الشاب الصالح والنجيب الأريب الفالح العلامة المستعد النبيهالذكي الشيخ محمد بن عبد الواحد بن عبد الخالق البناني أبوه وجده وعمه من أعيانالتجار والثروة بمصر نشأ في عفـة وصلاح وحفظ القرآن والمتون وحبب إليه طلب العلمفتقشف لذلك وتجرد ولازم الحضور والطلب ودأب واجتهد في التحصيل وسهـر الليـل وكـانلـه حافظـة جيـدة وفهـم حـاد وقـوة استعدادية وقابلية فأدرك في الزمن اليسير ما لميدركه غيره في الزمن الكثير ولازم شيخنا الشيخ محمد الجناجي المعروف بالشافعيملازمة كلية وتلقى عنه غالب تحصيله فـي الفقـه والمعقول والمنطق والاستعاراتوالمعاني والبيان والفرائض والحساب وشبـاك ابـن الهاثـم وغيـر ذلـك وحضـر دروسالشيـخ الصعيـدي والدرديـر وغيرهـم حتـى مهـر وأنجب ودرس واشتهر بالفضـل وعمـلالختـوم وحضـره أشيـاخ العصـر وشهـدوا بفضلـه وغـزارة علمه وانتظم في عداد أكابرالمحصلين والمفيدين والمستفيدين ولم يزل هذا حاله حتى وافاه الحمام وانمحق بدره عندالتمام ومـات مطعونـًا فـي هـذه السنـة وهـو مقتبـل الشبيبـة لـم يجـاوز الثلاثيـنعوضـه اللـه الجنـة وهو ابن عم الإمام العلامة الشيخ مصطفى بن محمد بن عبد الخالقمن أعيان العلماء المشاهير بمصر الآن بارك الله فيه‏.‏
ومات الفقيـه الفاضـل المحقـق الشيـخ أحمـد بـن أحمـد الحمامـيالشافعـي الأزهـري ولـد بمصـر واشتغـل بالعلـم مـن صغـره ومـال بكليتـه إليه وحببإليه مجالسة أهله فلازم الشيخ عيسى البراوى حتـى مهـر وتفقـه عليه وحضر دروس الشمسالحفني والشيخ علي الصعيدى وغيرهما وأجـازوه وحـج فـي سنة خمس وثمانين مرافقًالشيخنا الشيخ مصطفى الطائي ورجعا إلى مصر وتصدر للتدريس والإفتاء في حياة شيوخهودرس وأفاد‏.‏
وكان أكثر ملازمته لزاوية الشيخ الخضرى ويقرأ درسًا بالصرغتمشيةوانتفع به جماعة وله حاشيـة علـى الشيـخ عبـد السلـام مفيدة وأخرى على الجامعالصغير للسيوطي لم تتـم وكـان ذا صلـاح وروع وخشيـة مـن اللـه وسكون ووقار‏.‏
توفي يوم الأربعاء تاسع ربيع الأول من السنة ودفن ثاني يوم بمشهدعظيم بالقرب من السادة المالكية‏.‏
ومات الإمام الصوفي العارف المعمر الشيخ علي بن محمد بن محمد بنأحمد بن عبد القدوس ابـن القطـب شمس الدين محمد الشناوى الروحي الأحمدى المعروفببندق ولد قبل القرن وأخذ عن عميه محمد العالم وعلي المصري وهما عن عمهما الشمسمحمد بن عبد القدوس الشهير بالدناطي عن ابن عمه الشهاب الخامي ومسكنهم بمحلة روحوهو شيخ مشايخ الأحمدية في عصره‏.‏
وانتهت إليه الرياسة في زمنه وعاش كثيرًا حتى جاوز المائة ممتعًابالحواس وكان له خلـوة فـي سطـح منزلـه ولهـا كـوة مستقبلـة طندتـا بيـن يديهـافضاء واسع يرى منها آثار طندتا وهو مستقبـل القبلـة فـي حـال جلوسـه ونومـه ونظـرهإلـى تلـك الكـوة‏.‏
وأخبرنـي أولـاده أنـه هكذا هو مستمر علـى هـذه الطريقـة مـن مـدةطويلـة‏.‏
توفـي فـي أوائـل جمـادى الأولـى مـن السنة واجتمع بمشهده غالب أهلالبلاد من المشايخ والأعيان والصلحاء من الآفاق والسيد محمد مجاهد الأحمدي والشيخمحمد الموجه والسيد أحمد تقي الدين وغيرهم ودفن عند أسلافه بمحلة روح‏.‏
ومـات الأميـر خليـل بـك ابـن إبراهيـم بـك بلفيـا تقلـد الإمـارةوالصنجقية بعد موت والده وفتح بيتهم وأحيا ما آثرهم وكان أهلًا للإمارة ومحلًاللرئاسة وتقلد إمارة الحج في سنة إحدى وثمانين ورجع في أمن وسخاء وطلع أيضًا فيالسنة الثانية ومات بالحجاز ورجع بالحج أخوه عبد الرحمن أغا بلفيا‏.‏
ومـات الأجـل المكـرم الرئيـس محمـد تابـع المرحـوم محمـد أودهباشـه طبـال مستحفظان ميسو الجداوي وهو زوج الجدة أم المرحوم الولد تزوج بها بعدموت الجد في سنة 1114 وقطن بها ببندر جدة وأولدها حسينًا ومحمدًا وتوفي سنة أربعوخمسين عن ولديه المذكورين وأخيهما محمـود مـن أبيهمـا وعتقائـه ومنهـم المترجـمقرباه ابن سيدة وهو العم حسين فأنجب وعانى التجارة ورئاسة المراكب الكبار ببحرالقلزم حتى صار من أعيان النواخيـد الكبـار واشتهـر صيتـه وذكره وكثر ماله وبنىدارًا بمصر بجوار المدارس الصالحية واشترى المماليك والعبيد والجواري وصـار لـه داربمصـر وبجـدة ولـم يـزل حتـى توفـي بالشـام وهـو راجـع إلـى مصـر ووصـل نعيـه فـيسابع عشرين ربيع الثاني رحمه الله‏.‏
ومـات الخواجـا الصالـح المعمر الحاج محمد بن عبد العزيز البنداريوكان إنسانًا حسنًا وهو الذي عمر العمارة والمساكن بطندتا واشتهرت به‏.‏
توفي في غرة ربيع أول بعد تعلل رحمه الله تعالى‏.‏
سنة سبع وثمانين ومائة وألف فيها تواترت الأخبار والإرجافـات بمجـيءعلـي بـك مـن البلـاد الشاميـة بجنـود الشـام وأولـاد الظاهر عمر فتهيأ محمد بكللقائه وبرز خيامه إلى جهة العادلية ونصب الصيوان الكبير هناك وهـو صيـوان صالـحبـك وهـو في غاية العظم والاتساع والعلو والارتفاع وجميعه بدوائره من جوخ صايةوبطانته بالأطلس الأحمر وطلائعه وعساكره من نحاس أصفر مموه بالذهب‏.‏
فأقام يومين حتى تكامل خروج العسكر ووصل الخبر بوصول علي بك بجنودهإلى الصالحية فارتحل محمد بك في خامس شهر صفر فالتقيا بالصالحية وتحاربا فكانتالهزيمة على علي بك وأصابته جراحـة فـي وجهـه فسقـط عـن جواده فاحتاطوا به وحملوهإلى مخيم محمد بك وخرج إليه وتلقاء وقبل يده وحمله من تحت إبطه حتى أجلسهبصيوانه‏.‏
وقتل علي بك الطنطاوي وسليمان كتخـدا وعمـر جاويـش وغيرهـم وذلـكيـوم الجمعـة ثامـن شهـر صفـر ووصل خبر ذلك إلى مصر في صبـح يـوم السبـت وحضـرواإلـى مصر وأنزل محمد بك أستاذه في منزله الكائن بالأزبكية بدرب عبد الحق وأجرى عليهالأطباء لمداواة جراحاته‏.‏
وفي خامس عشر صفر وصل الحجاج ودخلوا إلى مصر وأمير الحاج إبراهيم بكمحمد‏.‏
وفـي تلـك الليلة توفي الأمير علي بك وذلك بعد وصوله بسبعة أيام قيلأنه سم في جراحاته فغسل وكفن ودفنوه عند أسلافه بالقرافة‏.‏
وفي سابع عشر ربيع الأول وصل الوزير خليل باشا والي مصر واطلع إلىالقلعة في موكب عظيم وذلك يوم الخميس تاسع عشرة وضربوا له مدافع وشنكا منالأبراج‏.‏
وكان وصوله من طريق دمياط فعمل الديوان وخلع الخلع‏.‏
ومات في هذه السنة الشيخ الإمام الصالح العلامة المفيد الشيخ أحمدابن الشيخ شهاب الدين أحمد بن الحسن الجوهري الخالدي الشافعي ولد بمصر سنة 1132وبها نشأ وسمع الكثير منوالده ومن شيخ الكل الشهاب الملوى وآخرين‏.‏
وتصدر في حياة أبيه للتدريس وحج معـه وجـاور سنـة وكـان إنسانـًاحسنًا ذا مودة وبر وشهامة ومروءة تامة وأخلاق لطيفة‏.‏
توفي بعد أن تعلـل أيامـًا فـي حـادي عشـرى ربيـع الـأول وصلـيعليـه بالجامـع الأزهر بمشهد حافل ودفن مع والده بالزاوية القادرية بدرب شمسالدولة‏.‏
ومات المبجل المفضل الإمام العارف صاحب المعرف علي بن محمد بن القطبالكامل السيد محمـد مـراد الحسيني البخاري الأصل الدمشقي الحنفي ويعرف بالمرادينسبة لجده المذكور ولد بدمشق وأخذ عن أبيه وغيره من العلماء كعلي بن صادقالداغستاني وغيره وكـان إنسانـًا عظيم الشأن ساطع البرهان طيب الأعراق كريم الأخلاقمنزله مأوى القاصدين ومحط رجال الوارديـن وهـو والـد خليـل أفنـدي المفتي بدمشق نزلعنده السيد العيدروس فأكرمه وبره ولم يزل ومات الماهر الأديب الشاعر الكاتب المنشئالشيخ إبراهيم بن محمد سعيد بن جعفر الحسني الإدريسـي المنوفـي المكـي الشافعـيولـد فـي آخـر القـرن الحادي عشر بمكة وأخذ عن كبار العلماء كالبصـري والنخلـيوتـاج الدين القلعي والعجمي ثم من الطقة التي تليه مثل علي السخاوي وابن عقيلـة فـيآخريـن مـن الوارديـن علـى الحرميـن من آفاق البلاد وأعلى ما عنده إجازة الشيخإبراهيم الكوراني له وله شعر نفيس وقد جمع في ديوان وبينه وبين السيد جعفـر البيثـيوالسيـد العيدروس مخاطبات ومحاورات ودخلـل الهنـد بسفـارة صاحـب مكـة فأكـرم وعـادإلـى مكـة وولي كتابة السر لملكها وكان يكاتب رجال الدولة على لسانه على اختلافطبقاتهم وكان قلمه كلسانه سيالًا وربما شرع في كتابة سورة من القرآن وهو يتلو سورةأخرى بقدرها فلا يغلط في كتابته ولا في قراءته حتى تتما معًا وهذا من أعجب ماسمعت‏.‏
وكان له مهارة ومعرفـة فـي علـم الطـب وأمـا إنشاءاتـه فإليهـاالمنتهـي فـي العذوبـة وتناسـب القوافي‏.‏
وأما في نظمه فهو فريد عصر لا يجاريه فيه مجار ولا يطاوله مطاول‏.‏
ومات البارع المقرئ المجود المحدث الشيخ عبد القادر بن خليل بن عبدالله الرومي الأصـل المدني المعروف بكدك زاده ولـد بالمدينـة سنـة 1140 وبهـا نشـأوحفـظ القـرآن وجـوده علـى شيخ القراء شمس الدين محمد السجاعي نزيل المدينة تلميذالبقري الكبير وحفظ الشاطبية واشتغل بالعلم على علماء بلده والواردين عليه سمع أكثركتب الحديث على الشيخين ابن الطيـب ومحمـد حيـاة بقراءته عليهما في الأكثر ولازمالشيخ ابن الطيب ملازمة كلية حتى صار معيدًا لدروسه وكان حسن النغمة طيب الأداء وليالخطابة والإمامة بالروضة المطهرة وكان ذا تقدم إلى المحراب في الصلوات الجهريةتزدحم عليه الخلق لسماع القرآن منه ثم ورد إلى مصر فأدرك الشيخ المعمر داود بنسليمان الخربتاوي فتلقى منه أشياء وأجـازه وذلـك فـي سنـة 168 وحضـر الشيـخ الملـويوالجوهـري والحنفـي والبليـدي وحمل عنهم الكثير وتزوج ثم توجه إلى الروم ثم عاد إلىالمدينة فلم يقر له بها قرار ثم أتى إلى مصر ودار على الشيوخ البقية ثانيًا وأخذعنهـم وأحبه السيد اسمعيل بن مصطفى الكماخي وصار يجلس عنده أيامًا في منزله الملاصقلجامع قوصون فشرع في أخذ خطابته له فاشترى له الوظيفة فخطب به على طريقة المدينةوازدحمت عليه الناس وراج أمره وتزوج ثم توجه إلى الروم وباع الوظيفة وانخلع عما كانعليه وجلس هناك مدة وسمع السلطان قراءته في بعض المواضع في حالة التبديل فأحب أنيكون إمامـًا لديـه وكـاد أن يتـم ذلك فأحس إمام السلطان بذلك فدعاه إلى منزلهوسقاه شيئًا مما يفسد الصـوت حسدًا عليه فلما أحس بذلك خرج فارًا فعاد إلى مصرواشتغل بالحديث وشرع في عمل المعجم لشيوخه الذين أدركهم في بلده وفي رحلاته إلىالبلاد‏.‏
ودخل حلب فاجتمع بالشيخ أبي المواهب القادري وقرأ عليه شيئًا منالصحيح وأجازه وأخذ عن السيد المعمر إبراهيم بن محمد الطرابلسي النثيب ومن درويشمصطفى الملقي ودخل طرابلس الشام وأخذ الإجازة منن الشيخ عبد القادر الشكعاوي ودخلخادم ‏"‏ إحدى قرى الروم ‏"‏ فاجتمع بالشيخ المعـروف بمفتي خادم ورام أن يسمع منهالآولية فلم يجد عنده إسنادًا وإنما هو من أهل المعقول فقط ورجع إلى مصر فاجتمعبشيخنا السيد مرتضى وتلقى عنه الحديث واهتم في جمع رجاله وتمهر في الإسناد وجمع منذلك شيئًا كثيرًا في مسودات بخطه ثم عاد إلى الحرمين ومنهما إلى أرض اليمن فاجتمعبمن بقي من الشيوخ وأخذ عنهم ودخل صنعاء ومدح كلًا من الوزير والإمام بقصيدة فأكرمبها واجتمع على علمائها وتلقى عنهم وصار بينه وبين الشيخ أحمد قاطن أحد علمائهامحاورات ثم دخل كوكيان فاجتمع على فريد عصره السيد عبـد القادر بن أحمد الحسني منبيت الأئمة ودخل شبام فاجتمع على السيد إبراهيم بن عيسى الحسني واللحية فاجتمع بهاعلى الشيخ عيسى زريق وذلك في سنة 1185 وعاد إلى مصر بالفوائد الغزار وبما حمل فيطول غيبته من النوادر والأسرار وفي هذه الخطرات التي ذكرت دخل الصعيد من طريقالقصير واجتمع على مشايخ عربان الهوارة ومدحهم بقصائد طنانة وأكرموه وله ديوان جمعفيه شعره ومدح به الأكابر والأولياء وكان عنده مسودة بخطه وهذا قبل أن يسافر إلىالشام والروم واليمن والصعيد فقد تحصل له في هذه السفرات كلام كثير مفـرق لـميلحقـه بالديـوان وكـان كلمـا نـزل فـي موضـع ينشـئ فيه قصيدة غريبة في بابها وكانيغوص على المعاني بفكرة الثاقب فيستخرجها ويكسوها حلة الألفاظ ويبرزها أعجوبة تلعببالعقول وتعمل عمل الشمول فلله دره من بليغ لم يبلغ معاصروه شأوه ولو أقام في موضعكغيره لاطلع ضياه ولكنه ألف الغربة وهانت عنده الكربة فلم ينال بخشن ولا لين ولميكترث بصعب ولا هيـن وأجـازه الشيـخ محمـد السفارينـي إجـازة طويلـة في خمسة كراريسفيها فوائد جمة‏.‏
وللم يزل تتنقل به الأحوال حتى سافر إلى القدس الشريف فمكث هناكقليلًا وزار المشاهد الكرام ومراقد الأنبياء عليهم السلام ثم ارتحل إلى نابلس فنزلفي دار السيد موسى التميمي وهو إذ ذاك قاضـي البلـد فأكرمـه وآواه واحترمـه‏.‏
ومـرض أيامـًا وانتقـل إلـى رحمـة اللـه تعالـى في سلخ جمادىالثانيـة منهـا ووصـل نعيـه إلـى مصر وكانت معه كتبه وما جمعه في سفره من شعرهوالعجم الذي جمعه في الشيوخ والأجراء والأماني التي حصلها وضاع ذلك جميعه ولله فيخلقه ما أراد‏.‏
ومات العمدة الشاب الصالح الشيخ محمد بن حسن الجزايرلي ثم المدنيالحنفي الأزهري ولد بمكة إذ كان والده يتجر بالحرمين في حدود الستين وقد به إلى مصرفلازم الشيخ حسن المقدسـي مفتـي الحنفيـة ملازمـة كليـة وانضوى إليه فقرأ عليهالمتون الفقهية ودرجه في أدنى زمن إلـى معرفـة طـرق الفتـوى حتـى كان معيدًا لدروسهوكاتبًا لسؤالاته وربما كتب على الفتوى بأذن شيخـه‏.‏
وفـي أثنـاء ذلك حضر في المعقول على الشيخ الصعيدي والشيخ البيليوالشيخ محمد الأمير وغيرهما من مشايخ الوقت وحصـل طرفـًا مـن العلـوم وصـارت لـهالشهـرة فـي الجملـة وأعطاه شيخه تدريس الحديث بالصرغتمشية فكان في كل جمعة يقرأفيه البخاري وزوجه امـرأة موسـرة لهـا بيـت بالأزبكيـة‏.‏
وبعـد وفـاة شيخـه تصـدر للأقـراء فـي محلـه وصار ممن يشار إليه ولميزل حتى مات في عنفوان شبابه في هذه السنة ويقال أن زوجته سمته‏.‏ ومـات
الأمير الكبير علي بك الشهير صاحب الوقائع المذكورة
والحوادث المشهورة وهو مملوك إبراهيم كتخدا تابع سليمان جاويش تابعمصطفى كتخدا القازدغلي تقلد الإمارة والصنجقية بعد موت أستاذه في سنة 1168 وكان قويالمراس شديد الشكيمة عظيم الهمة لا يرضى لنفسه بدون السلطنة العظمى والرياسة الكبرىلا يميل لسوى الجد ولا يحب اللهو ولا المزاح ولا الهزل ويحب معالي الأمور منصغره‏.‏
واتفق أن بعض ولاة الأمور تشاوروا في تقليده الإمارة فنقل إليهممجلسهم وذكر له مساعدة فلان وممانعة فلان فقال‏:‏ أنا لا أتقلد الإمارة إلا بسيفيلا بمعونـة أحـد‏.‏
ولـم يـزل يرقى في مدارج الصعود حتى عظم شأنه وانتشر صيته ونما ذكرهوكان يلقـب بجـن علـي ولقب أيضًا ببلوط قبان وانضم إلى عبد الرحمن كتخدا وأظهر لهخلوص المحبة وأغثـر هو أيضًا به وظن صحة خلوصه فركن إليه وعضده وساعده ونوه بشأنهليقوى به على نظرائـه مـن الاختياريـة والمتكلميـن‏.‏
واتفـق أنـه وقـع بيـن أحمـد جاويـش المجنـون تابعه وبين أهل وجاقهحادثة نقموا عليه فيها وأوجبوا عليه النفي بحسب قوانينهم واصطلاحهم وأعرضوا الأمرعلى عبـد الرحمـن كتخدا أستاذه فعارض في ذلك ولم يسلم لهم في نفي أحمد جاويش ورأىذلك نقصًا في حقه فتلطف به بعضهم وترجوا في إخراجه ولو إلى ناحية ترسا بالجيزةأيامًا قليلة مراعـاة وحرمـة للوجاق فلم يرض وحنق واحتد‏.‏
فلما كان في اليوم الثاني واجتمع عليه الأمراء والأعيان على عادتهمقال لهم‏:‏ أيها الأمراء من أنا أجابه الجميع بقولهم‏:‏ أستاذنا وابن أستاذنا وصاحبولائنا‏.‏
قال‏:‏ إذا أمرت فيكم بأمر تنفذوه وتطيعوه قالوا‏:‏ نعم‏.‏
قال‏:‏ علي بك هذا يكون أميرنا وشيخ بلدنا ومن بعد هذا اليوم يكونالديوان والجمعية بداره وأنا أول من أطاعه وآخـر مـن عصـى عليه‏.‏
فلم يسعهم إلا قبول ذلك بالسمع والطاعة وأصبح راكبًا إلى بيت عليبـك وتول الديوان والجمعية إليه من ذلك اليوم واستفحل أمره ولم يمض على ذلك إلا مدةيسيرة حتى أخرج أحمد جاويش المذكور وحسن كتخدا الشعراوي وسليمان بك الشابوري كماتقدم ثم غدر به أيضًا وأخرجه إلى الحجاز من طريق السويس وأرسل معه صالح بك ليوصلهإلى ساحـل القلـزم فلمـا شيعه هناك أرسل بنفي صالح بك إلى غزة ثم رد إلى رشيد ومنهاذهب إلـى منيـة ابـن خصيـب وتحصـن بهـا وجـرد عليه المترجم التجاريد ولم يزلممتنعًا بها حتى تعصب علـى المترجـم خشداشينـه وأخرجـوه منفيـًا إلـى النوسـات ثـموجهـوه إلـى السويـس بعـد قتـل حسـن بـك الأزبكـاوي ثـم منهـا إلـى الجهـة القبليـةبعـد قتـل عثمـان بـك الجرجـاوي وانضـم إلـى صالح بك وتعاقد معه وحضر معه إلى مصروقتل الرؤساء من أقرانه ثم غدر بصالح بك أيضًا كما تقدم مجمل ذلـك ثـم نفى باقيالأعيان وفرق جمعهم في القرى والبلدان وتتبعهم خنقًا وقتلًا وأبادهم فرعًا وأصـلًاوأفنـى باقيهـم بالتشريـد وجلـوا عـن أوطانهـم إلـى كـل مكـان بعيـد واستأصـل كبارخشداشينه وقبيلته وأقصى صغارهم عن ساحته وسدته‏.‏
وأخرب البيوت القديمة وأخـرم القوانين الجسيمة والعوائد المرتبةوالرواتب التي من سالف الدهر كانت منظمة وقتل الرجال واستصفى الأموال وحارب كبارالعربان والبوادي وعرب الجزيرة والهنادي وأعاظم الشجعان ومقادم البلدان وشتت شملهموفرق جمعهم واستكثر من شراء المماليك وجمع العسكـر مـن سائـر الأجنـاس واستخلـصبلـاد الصعيد وقهر رجالها الصناديد ولم يزل يمهد لنفسه حتى خلص له ولأتباعه الإقليمالمصري من الإسكندرية إلى أسوان ثم جرد عساكره إلى البلاد الحجازية ونفذ أغراضه بهاثم التفت إلى البلاد الشامية وتابع إرسال البعوث والسرايا والتجاريد إليها وقتلعظماءها وكبراءها وولاتها واستولت أتباعه على البلاد الشامية حتى أنهم أقاموا فيحصار يافا أربعة أشهر حتى ملكوها وعمر قلـاع الإسكندريـة ودميـاط وحصنهـا بعساكـرهومنع ورود الولاة العثمانيين وكان يطلع كتب الأخبار والتواريخ وسير الملوك المصريةويقول لبعض خاصته‏:‏ إن ملوك مصر مثلنا مماليك الأكراد مثل السلطان بيبرس والسلطانقلـاون وأولادهـم وكذلـك ملـوك الجراكسـة وهـم مماليـك بني قلاون إلى آخرهم كانواكذلك وهؤلاء العثمانية أخذوها بالتغلب ونفاق أهلها‏.‏
وينوه ويشير بمثل هذا القول بما في ضميره وسريرته ولو لم يخنهمملوكه محمد بك لرد الأمور إلى أصولها وكان لا يجالس إلا أهل الوقار والحشمةوالمسنين مثل محمد أفندي باشا الراقم ومرتضى أغا وأحمد أفندي يجالسونه بالنوبة فيأوقات مخصوصة مع غاية التحـرز فـي الخطـاب والمسامـرة بوجيـز القـول وكاتـب إنشائهالعربي الشيخ محمد الهلباوي الدمنهوري وكاتبه الرومي مصطفى أفندي الأشقر ونعمانأفندي وهو منجمه أيضًا ويجل من العلماء المرحوم الوالد والشيخ أحمد الدمنهوريوالشيخ علي العدوي والشيخ أحمد الحماقي وكاتبه القبطي المعلم رزق بلغ في أيامه منالعظمة ما لم يبلغه قبطي فيما رأينا ومن مسقاته كرع المعلم إبراهيم الجوهري وأدركما أدركه بعده في أيام محمد بك وأتباعه من بعده وتتبع المفسدين والذين يتداخلون فيالقضايا والدعاوى ويتحيلون على إبطال الحقوق بأخذ الرشوات والجعالـات وعاقبهـمبالضـرب الشديـد والإهانـة والقتـل والنفـي إلى البلاد البعيدة‏.‏
ولم يراع في ذلك أحدًا سواء كان متعممًا أو فقيهًا أو قاضيًا أوكاتبًا أو غير ذلك بمصر أو غيرها من البناذر والقرى وكذلك المفسدون وقطاع الطريق منالعرب وأهل الحوف ألزم أرباب الأدراك والمقادم بحفظ نواحيهـم ومـا فـي حوزهـموحدودهـم وعاقـب الكبـار بجنايـة الصغـار فأمنـت السبـل وانكفت أولاد الحراموانكمشوا عن قبائحهم وإيذائهم بحيث أن الشخص كان يسافر بمفرده ليلًا راكبـًا أوماشيـًا ومعـه حمـلالدراهـم والدنانير إلى أي جهة ويبيت في الغيط أو البرية آمنًامطمئنًا لا يـرى مكروهـًا أبـدًا‏.‏
وكـان عظيـم الهيبـة اتفـق لأناس ماتوا فرقًا من هيبته وكثيرًا منكان تأخذه الرعـدة بمجـرد المثـول بيـن يديـه فيقـول لـه‏:‏ هـون عليـك ويلاطفـهحتى ترجع له نسه ثم يخاطبه فيما طلبـه بصـدده وكـان صحيـح الفراسـة شديـد الحذقيفهم ملخص الدعوى الطويلة بني المتخاصمين ولا يحتاج في التفيهم إلى ترجمان أو منيقرأ له الصكوك والوثائق بل يقرأها ويفهم مضمونها ثم يمضيهـا أو يمزقهـا‏.‏
وألبـس سراجينـه قواويـق فتلـى بالفـاء من جوخ أصفر تمييزًا لهم عنغيرهم من سراجين أمرائه ولم يزل منفردًا في سلطنة مصر لا يشاركه مشارك في رأيه ولافي أحكامه وأمراؤها وحكامها مماليكه وأتباعه فلم يقنع بما أعطاه مولاه وخوله من ملكمصر بحريها وقبليها الذي افتخرت به الملوك والفراعنة على غيرها من الملوك وشرهتنفسه وغرته أمانيه وتطلبت نفسه الزيادة وسعة المملكة وكلف أمراءه الأسفار وفتحالبلـاد حتـى ضاقـت أنفسهـم وشمـوا الحروب والغربة والبعد عن الوطن فخالف عليه كبيرأمرائه محمد بك ورجع بعد فتح البلاد الشامية بدون استئذان منه واستوحش كل من الآخرفوثب عليه وفر منه إلى الصعيد وكان ما كان من رجوعه بمن انضم إليه وخامر معه وكانتالغلبة له على مخدومه وفر منه إلى الشـام وجنـد الجنود وقصد العود لمملكته ومحلسيادته فوصل إلى الصالحية‏.‏
وخرج إليه محمد بـك وتلاقيـا وأصيـب المترجـم بجراحـة فـي وجهـهوأخـذ أسيـرًا وقتـل مـن قتـل من أمرائه ورجع محمد بك وصحبته مخدومه المذكورمحمولًا تخت فأنزلوه في داره بدرب عبد الحق فأقام سبعة أيام ومات والله أعلم بكيفيةموته‏.‏
وكان ذلك في منتصف شهر صفر من السنة‏.‏
فغسل وكفن وخرجـوا بجنازتـه وصلـى عليـه بمصلـى المؤمنيـن فـي مشهـدحافـل ودفـن بتربـة أستـاذه إبراهيـم كتخدا بالقرافة الصغرى بجوار الإمام الشافعيومدفنهم مشهور هناك وبواجهته سبيل يعلوه قصر مفتح الجوانـب‏.‏
ومـن مآثـره العمـارة العظيمـة بطندتـا وهـي المسجد الجامع والقبةعلى مقام سيدي أحمد البدوي رضي الله عنه والمكاتب والميضأة الكبيرة والحنفياتوكراسي الراحة المتسعة والمنارتان العظيمتان والسبيل المواجه للقبة والقيساريةالعظيمة النافذة من الجهتين وما بها من الحوانيت للتجار وسميت هناك بالغورية لنزولتجار أهل الغورية بمصر في حوانيتها أيام مواسع الموالد المعتادة لبيع الأقمشةوالطرابيش والعصائب وكان المشد على تلك العمارة المعلم حسن عبد المعطي وكان منالرجال أصحاب الهمم وولاه سدانة الضريح عوضًا عن أولـاد سعـد الخـادم لسوء سيرتهموظلمهم فنكبهم المترجم وأخذ ما أمكنه أخذه من مالهم وهو شيء كثير وأنفقه في هذهالعمارة ووقـف عليهـا أوقافـًا ورتـب بالمسجـد عـدة مـن الفقهـاء والمدرسيـنوالطلبة والمجاورين وجعل لهم خبزًا وجرايات وشوربة فـي كـل يـوم وجـدد أيضـًا قبـةالإمـام الشافعـي رضـي اللـه عنـه وكشف ما عليها من الرصاص القديم من أيام الملكالكامل الأيوبي في القرن الخامس وقد تشعث وصدئ لطول الزمان فجدد ما تحته من خشبالقبة البالي بغيره من الخشبالنقي الحديث ثم جعلوا عليـه صفائـح الرصـاص المسبـوكالجديـد المثبـت بالمساميـر العظيمة وهو عمل كثير‏.‏












عرض البوم صور آل قطبي الحسني   رد مع اقتباس
قديم 20-12-2010, 01:19 AM   رقم المشاركة: 13
مشرف سابق

الصورة الرمزية آل قطبي الحسني



رقـم العضـوية 14
تاريخ التسجيل Mar 2010
عدد المشاركات 5,596
القبيلة نحن بنو يعلى من كنانة=رأس المضريين وفرسانها
مكان الإقامة إمارة بني يعلى
المهنة طالب
 
 
آل قطبي الحسني غير متواجد حالياً

افتراضي

وجدد نقوش القبة من داخل بالذهب واللازورد والأصباغ وكتب بإفريزهاتاريخًا منظومًا صالح أفندي‏.‏
وهدم أيضًا الميضأة التي كانت من عمارة عبد الرحمن كتخدا وكانتصغيرة مثمنة الأركان ووسعها وعمل عوضها هذه الميضأة الكبيرة وهي مربعة مستطيلةمتسعة وبجانبها حنفية وبزابيز يصب منها الماء وحول الميضأة كراسي راحة بحيضانمتسعـة تجـري مياهها إلى بعضها وماؤها شديد الملوحة‏.‏
ومن إنشائه أيضًا العمارة العظيمة التي أنشأها بشاطئ النيل ببولاقحيث دكك الحطب تحت ربع الخرنوب وهي عبارة عن قيسارية عظيمة ببابين يسلك منها منيجري إلى قبلي وبالعكس وخانًا عظيمًا يعلوه مساكن من الجهتين وبخارجه حوانيت وشونةغلال حيث مجرى النيل ومسجد متوسط فحفروا أساس جميع هذه العمارة حتـى بلغـوا المـاءثـم بنـوا لهـا خنازيـر مثـل المنـارات مـن الأحجـار والدبـش والمؤمـن وغاصوا بهافي ذلك الخندق حتى استقرت على الأرض الصحيحة ثم ردموا ذلك الخندق المحتوي على تلكالخنازير بالمؤن والأحجار واستعلوا عليه بعد ذلك بالبناء المحكم بالحجـر النحيبوعقدوا العقود والقواصر والأعمدة والأخشاب المتينة‏.‏
وكان العمل في سنة خمس وثمانيـن‏.‏
ومـات المترجـم قبـل إتمامها وبناء أعاليها‏.‏
وكانت هذه العمارة من أشام العمائر لأن النيل انحسر بسببها عن ساحلبولاق وبطل تياره واندفع إلى ناحية انبابة ولم تزل الـأرض تعلـو والأتربـة تزيـدفيمـا بيـن زاويـة تلـك العمـارة إلـى شـون الغلـال ويزيـد نومها في كل سنة حتى صارلا يركبها الماء إلا في سنين الغرق‏.‏
ثم فحش الأمر وبنى الناس دورًا وقهاوي في بحرى العمارة وسبحوا إلىجهة قرب الماء مغربين وألقوا أتربة العمائر وما يحفرونه حول ذلك واقتدى بهم الترابةوغيرهم ولم يجدوا مانعًا ولا رادعًا وكلما فعلوا ذلك هرب الماء وضعف جريانه وربتالأرض وعلت وزادت حتى صارت كيمانًا تنقبض النفوس مـن رؤيتهـا‏.‏
وتمتلـئ المنافـس مـن عجاجها وخصوصًا في وقت الهجير بعد أن كانتنزهة للناظرين‏.‏
ولقد أدركنا فيما قبل ذلك تيارًا لنيل يندفع من ناحية بولاق التكرورإلى تلك الجهة ويمر بقوته تحت جدران الدور والوكائل القبلية وساحل الشون ووكالةالأبزار وخضرة البصل وجامع السنانية وربع الخرنوب إلى الجيعانيـة وينعطـف إلى قصرالحلي والشيخ فرج صيفًا وشتاء ولا يعوقه عائق ولا يقدر أحد أن يرمي بساحل النيلشيئًا من التراب فإن اطلع الحاكم على ذلك نكل به أو بخفير تلك الناحية وهـذا شـيءقـد تودع منه ومن أمثاله وآخر من أدركنا فيه هذا الالتفات والتفقد للأمور الجزئيةالتي يترتب بزيادتها الضرر العام عبد الرحمن أغا مستحفظان فإنه كان يحذو طريقالحكام السالفين إلى أن ضعفت شوكته بتآمر الأصاغر وقيد حكمه بعد الإطلاق وترك هـذاالأمـر ونسي بموته وتقليد الأغاشم وتضاعف الحال حتى أن بعض الطرق الموصلة إلى بولاقسدت بتراكم الأتربـة التـي يلقيهـا أهـل الأطـارف خـارج الـدروب ولا يجـدون مـنيمنعهـم أو يردعهـم وقدرت علو الأرض بسبب هذه العمارة زيـادة عـن أربـع قامـاتفإننـا كنـا نعـد درج وكالـة الأبزارييـن مـن ناحيـة البحر عندما كنا ساكنين بهاقبل هذه العمارة نيفًا وعشرين درجة وكذلك سلـم قيطـون بيـت الشيخ عبد الله القمريوقد غابت جميعها تحت الأرض وغطتها الأتربة ولله عاقبة الأمور‏.‏
ومن إنشاء المترجم داره المطلة على بركة الأزبكية بدرب عبد الحقالتي مات بها والحوض والساقية والطاحون بجوارها وهي الآن مسكن الست نفيسة‏.‏
وبالجملة فأخبار المترجـم ووقائعـه وسيرتـه لو جمعت من مبدأ أمرهإلى آخره لكانت مجلدات وقد ذكرنا فيما تقدم لمعًا من ذلك بحسب الاقتضاء مما استحضرهالذهن القاصر والفكر المشوش الفاتر بتراكم الهموم وكثرة الغموم وتزايد المحنواخطلاط الفتن واختلال الدول وارتفاع السفل ولعل العود يخضر بعد الذبول ويطلع النجمبعد الأفول أو يبسم الدهر بعد كشارة أنيابه أو يلحظنا منن نظره المتغابي فيأيابه‏:‏ زمن كأحلام تقضى بعده زمـن نعلـل فيه بالأحلام ولله في خلقه مـن قديـمالزمـان عـادة وانتظـار الفـرج عبـادة نسألـه انقشـاع المصائـب وحسـن العواقب‏.‏
ومات سلطان الزمان السلطان مصطفى بن أحمد خان تولى السلطنة في سنة 171 فكانت مدة سلطنته ست عشرة سنة وكانت لـه عنايـة ومعرفـة بالعلـوم الرياضيـةوالنجوميـة ويكـرم أرباب المعارف‏.‏
وكان يراسل المرحوم الوالد والشيخ أحمد الدمنهوري ويهاديهما ويرسلإليهما الصلات والكتب وأرسل مرة إلى الشيخ الوالـد ثلاثـة كتـب مكلفـة مـن خزانتـهوهـي كتـاب القهستانـي الكبيـر وفتـاوى انقـروي ونور العين في إصلاح جامع الفصولينكلاهما في الفقه الحنفي وله مؤلف في الفن دقيق ينسب إليه‏.‏
وتولى بعده السلطان عبد الحميد خان جعل الله أيامه سعيدة‏.‏
ومات الأمير علي بك الشهير بالطنطاوي وهو من مماليك علي بك المذكوروكان من الشجعان المعروفيـن والفرسـان المشهوريـن ولـم ينافـق علـى سيـده مـعالمنافقيـن ولـم يمـرق مـع المارقين ولم يزل مع مخدومه فيما وجهه إليه حتى قتلبالصالحية بين يديه‏.‏
ومات الرئيس المبجل الأمير اسمعيل أفندي الروزنامجي رئيس الكتبةبمصر وكان إنسانًا حسنًا منـور الوجـه والشيبة ضابطًا محررًا خيرًا أصيب بوجع فيعينيه فوعده الحاج سليمان الحكاك بشـيء مـن الكحـل وأودعـه فـي ورقـة وضعهـا فـيطـي عمامتـه وكـان بهـا ورقـة أخـرى فـي شـيء مـن السليمانـي لم يتذكرها وهو أبيضوالكحل أيضًا أبيض فلما حضر عندما خرج الورقة التي بها السليماني من عمامته وأعطاهله وأمره يكتحل منها وقت النوم يظنها أنـه ورقـة الكحـل ثـم انصـرف إلـى داره‏.‏
فلمـا نـزع عمامته وقت النوم رأى ورقة الكحل وتذكر عند ذلك الأخرىفلم يمكنه الذهاب والتدارك ليلًا لبعد المكان وفوات الوقت والمسكين صلى العشاءواكتحل من الورقة فزال بصره في الحال واستمر مكفوفًا إلى أن مات سحر ليلة الأحدسادس عشر ذي الحجـة مـن آخـر السنـة وصلـي عليـه مـن الغـد بسبيل المؤمنين ودفنبقبره الذي أعده لنفسه بالقرب من بن أبي جمرة عوضه الله الجنة‏.‏
ومات الرجل الصالح الأمير مراد أغا تابع قيطاس بك القطامشي وكـانمنجمعـًا عـن النـاس راضيًا بحاله قانعًا بمعيشته ملازمًا على حضور الجماعةوالصلوات في المسجد‏.‏
توفي يوم الأربعاء سابع عشرين شوال وصلي عليه بمصلى أيوب بك ودفنبالقرافة عند الطحاوي‏.‏
ومـات الأميـر حسـن كتخـدا مستحفظـان القازدغلي الملقب بقرا وكان منالأمراء الكبار أصحـاب الحـل والعقـد بمصـر فـي الزمـن السابـق وانقطـع فـي بيته عنالمقارشة والتداخل في الأمور وكان مريضًا بمرض الأكلة في فمه ولذلك تركه علي بكوأهمله حتى مات يوم الثلاثاء ثالث عشر ذي القعدة من السنة عن ذلك المرض وورم فيرجليه أيضًا ودفن في يومه ذلك بالقرافة‏.‏
ومات أيضًا مصطفى أفندي الأشقر كاتب ديوان علي بك خنقه خليل باشابالقلعة في سابع عشرين جمادى الأولى بموجب مرسوم من الدولة حضر بطلب رأسه ورأس عبدالله كتخدا ونعمـان أفنـدي ومرتضـى أغـا فوجـد محمـد بـك أمضـى الأمـر فـي عبـدالله كتخدا وقطع رأسه في منزلـه بيـد عبـد الرحمـن أغـا ونعمـان أفنـدي ذهـب إلىالحجاز إثر موت علي بك وكذلك مرتضى أغا اختفى وتغيب وذهب من مصر ولم يعلم له مكانواستمر المترجم فطلبه الباشا فلما حضر إليه أمر بخنقه فخنقوه وسلخوا رأسه ودفنوهبالقرافة وأخذ موجوداته الباشا إلى الميرى‏.‏
ومات الأجل المبجل الضابط الماهر اسمعيل بن عبد الرحمن الرومي الأصلثم المصرب المكتب الملقـب بالوهبـي شيـخ الخطاطيـن بمصـر كتـب الخـط وجوده على شيخعصره السيد محمد النوري وبرع واجتهد واشتغل قليلًا بالعلم وكتبي بيده المصاحفمرارًا‏.‏
وأما نسخ الدلائل والأحزاب والـأوراد السبعـة فممـا لا يحصـى كثـرةوكـان إنسانـًا حسنـًا بشوشـًا محبـًا للنـاس فيـه مكارم الأخلاق وطيب النفس كتبعليه غلاب من بمصر من أهل الكتابة وكان صاحب نفس وهمة عاليـة‏.‏
وكـان يلـي منصـب سيـده فـي الخدمـة العسكرية وكتب عدة ألواح كباروتوجه بها بإشارة بعـض أمراء مصر إلى المدينة المنورة‏.‏
فعلقها في المواجهة الشريفة بيده ونال بهذه الزيارة الشريفة والخدمةالمنيفة سرورًا وشرفًا‏.‏
ولما كانت سنة 1181 أتى الأمر من صاحب الدولة بتوجيه بعض عساكرمصرية تقوية للمجاهدين‏.‏
فكان هو من جملة المعينين فيهم رئيسًا في طائفتهم فتوجـه إلـىالإسكندريـة وركـب منهـا إلـى الـروم وأبلـى فـي تلـك السفر بلاء حسنًا‏.‏
وبعد مدة أذن لهم بالانصراف فعاد إلى مصر وقد وهنت قواه واعترتهالأمراض وزاد شكواه وهو مع ذلك يكتب ويفيد ويجيز ويعيد ويحضر مجالس أهل الخط علىعادته‏.‏
وجلس ملازمًا لفراشه مدة حتى وافاه الحمام ليلة الأحد سادس عشر ذيالحجة فجهز وصلي عليه بمشهد حافل في مصلـى المؤمنيـن ودفـن عنـد ابـن أبي جمرة قربالعياشي في قبر كان أعده لنفسه منذ مدة ولم يخلف بعده مثله رحمه الله‏.‏
استهلت ووالي مصر خليل باشا محجور عليه ليس له في الولاية إلا الاسموالعلامـة علـى الأوراق والتصرف الكلي للأمير الكبير محمد بك أبي الذهب والأمراءوأعيان الدولة مماليكه وأشرافاتـه والوقـت فـي هدوء وسكون وأمن والأحكام في الجملةمرضية والأسعار رخية وفي الناس بقية وستائر الحياء عليهم مرخية شعر‏:‏ وما الدهر فيحال السكون بساكن ولكنه مستجمع لوثوب ومات في هذه السنة الإمام العلامة والتحريرالفهامة حامل لواء العلوم على كاهل فضله ومحرر دقائق المنطوق والمفهوم بتحريرهونقله من تكحلت بحبره عيون الفتوى وتشنفت المسامع بما عنه يروى وارتفع من حضيـضالتقليـد إلـى ذرا الفضائـل وسابـق فـي حلبـة العلـوم فحـاز قصـب الفواضـل الـروضالنضير الذي ليس له في سائر العلوم نظير وهو في فقه النعمان الجامع الكبير عمدةالأنام وفيلسوف الإسلام سيدي ووالدي بدر الملة والدين ابي التدائي حسن بن برهانالديـن إبراهيـم ابـن الشيخ العلامة حسن ابن الشيخ نور الدين علي بن الولي الصالحشمس الدين محمد بن الشيخ زين الدين عبد الرحمن الزيلعي الجبرتي العقيلي الحنفيوبلاد الجبرت هي بلاد الزيلع بأراضي الحبشة تحت حكم الخطي ملك الحبشة وهم عدة بلادمعروفة تسكنها هذه الطائفة وهم المسلمون بذلك الإقليم ويتمذهبون بمذهب الحنفيوالشافعي لا غير وينسبون إلى سيدنا أسلم بـن عقيـل بـن أبـي طالـب وكـان أميرهـمفـي عهـد النبـي صلـى اللـه عليـه وسلـم النجاشـي المشهور الذي آمن به ولم يره وصلىعليه النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الغيبة كما هو مشهور في كتب الأحاديث وهم قوميغلب عليهم التقشف والصلاح ويأتون من بلادهم بقصد الحج والمجاورة في طلب العلمويحجون مشاة ولهم رواق بالمدينة المنورة ورواق بمكة المشرفة ورواق بالجامع الأزهربمصر وللحافـظ المقريـزي مؤلـف فـي أخبـار بلادهـم وتفصيـل أحوالهـم ونسبهم‏.‏
ومنهم القطب الكبير والمعتقد الشهير الشيخ اسمعيل بن سودكين الجبرتيتلميذ الشيـخ ابـن العربـي ويسمـى قطـب اليمـن والشيخ عبد الله الذي ترجمه الحافظالسيوطي في حسن المحاضرة وهـو الذي كان يعتقده الملك الظاهر برقوق وأوصى عند موتهبأن يدفن تحت قدمه بالصحراء ومنهم الولي العارف الشيخ علي الجبرتي الذي كان يعتقدهالسلطان الأشرف قايتباي وارتحل إلى بحيرة ادكو فيما بين رشيد والإسكندرية وبنى هناكمسجدًا عظيمًا ووقف عليه عدة أماكن وقيعان وأنوال حياكة وبساتين ونخيل كثيرة وهوموجود إلى الآن عامر بذكر الله والصلاة وهـو تحـت نظـر الفقير إلا أن غالب أماكنهزحفت عليها الرمال وطمستها وغابت تحتها وفيه إلى الآن بقية صالحة‏.‏
وبنى أيضًا مسجدًا شرقي عمارة السلطان قايتباي ودفن به وقد خربوانطمست معالمه ولم يبق إلا مدفنه وحوله حائط منهدم من غير باب ولا سقف وقبره ظاهرمكشوف يزار وللناس فيه اعتقاد عظيم‏.‏
ومن كراماته التي أكرمه الله بها أنه يرى على قبره في بعض اللياليالمظلمة نور مثل القنديل المستنير يري ذلك سكان العمارة وغيرهم وهو أمر مشهور ومنهاأن السفار وقوافل الأعراب ينزلون بأحمالهم حول قبره في الحوطة ويتركونها من غيرحارس ليالي وأيامًا آمنين فلا يتعدى عليها سارق البتة ويعتقدون العطب للجاني فيبدنه أو ماله وهو أمر مشهور أيضًا مقرر في أذهانهم إلى الآن‏.‏
ومنهـم الإمام الحجة المجتهد الفقيه الأصولي الجدلي صاحب التصحيحوالترجيح فخر الدين أبي عمر وعثمان الحنفي الزيلعي شارح الكنز المسمى بتبيينالحقائق شرح كنز الدقائق المدفون بحوطة سيدي عقبة بن عامر الجهني والشيخ الزيلعيالشافعي المدفون بالقرافة الكبرى وغير هؤلاء كثيـر ببلادهـم وبـأرض الحجـاز ومصـروالقصـد بذلـك التعريـف بالنسبـة قـال تعالـى‏:‏ ‏"‏وجعلناكـم شعوبـًا وقبائـللتعارفـوا إن أكرمكـم عنـد الله أتقاكم‏"‏‏.‏
والنجاشي أول من آمن بالنبي صلـى اللـه عليـه وسلم من الملوك ولميره وأسلم على يد ابن عمه جعفر بن أبي طالب وزوجه أم حبيبة رضي الله عنها وجهزها منعنده وأرسلها للنبي صلى الله عليه وسلم من الحبشة إلى المدينة ومن أراد الإطلاع علىأخبار النجاشي رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلـم وهدايـاه إلـى النبـيصلـى اللـه عليـه وسلـم وهدايا النبي إليه وبعض أخبار الحبشة وما ورد فيهـم منالآيات والأحاديث والآثار فلينظر في كتاب الطراز المنقوش في محاسن الحبوش للإمامالعلامة علاء الدين محمد بن عبد الله البخاري خطيب المدينة المنورة ورفع شأنالحبشان للعلامة جلال الدين السيوطي وتنوير الغبش في فضائلي السودان والحبش لابنالجوزي وفي تفسير البغوى أخرج أبو داود عن عائشة رضي الله عنها قالت لما ماتالنجاشي كما نحدث أنـه لا يـزال يـرى علـى قبـره نـور وفـي أزهـار العـروش فـي منعرف اسمه من الصحابة الحبوش ومن عبيدة صلى الله عليه وسلم‏.‏
ومنهم أحد كبار المجاهدين والمهاجرين بلال بن رباح مؤذن رسول اللهصلى الله عليه وسلم ومولى أبي بكر الصديق وهو أول من أذن الإسلام وأول من ثوب فيالفجر كما في الأوائـل للسيوطـي وكـان خـازن رسـول اللـه صلـى اللـه عليـه وسلـمعلى بيت المال كما في تهذيب الأسماء واللغـات وكـان يبـدل الشين بالسينن فقال رسولالله صلى الله عليه وسلم في شأنه‏:‏ شين بلال سيـن عنـدي وعنـد اللـه‏.‏
وكـان عمـر بـن الخطـاب رضـي اللـه عنـه يقـول‏:‏ كـان أبـو بكـرسيدنا وأعتق سيدنـا يعنـي بلـالًا‏.‏
وروى عنـه كثيـر مـن كبار الصحابة ومنهم أبو بكر وعمر وعلي وابنمسعود وابن عمر وأسامة بن زيد وجابر وأبو سعيد الخدري وكعب بن عرفجة والبراء ابنعازب وغيرهم وجماعة من التابعين رضي الله عنهم أجمعين‏.‏
ومنهم شقران بضم الشيـن المعجمـة مولـى رسـول اللـه صلـى اللـهعليـه وسلـم وأمـا خدامـه منالحبشة الأحرار فكثيرون وكذلك الصحابيات من إمائه وأهلبيته‏.‏
ومنهم أم أيمن ذات الهجرتين وهي مرضعته وحاضنته وحليمة السعديةوثويبة وبركة جارية أم حبيبـة وبريـرة مولـاة عائشـة رضـي اللـه عنهـا وتبعة جاريةأم هانئ بنت أبي طالب وغفرة وسعيرة كذلك عبيد الصحابة‏.‏
ومنهـم مهجع بكسر الميم وفتح الجيم مولى عمر بن الخطاب وهو أول مناستشهد ببدر وكان مـن المهاجريـن الأوليـن وعـده النبـي صلـى اللـه عليـه وسلـم مـنسادات أهل الجنة وقال في شأنه يوم قتل سيد الشهداء‏:‏ مهجع وهو أول من يدعى إلى بابالجنة من هذه الأمة‏.‏
ومنهـم أسلـم مولـى عمـر بـن الخطاب وأيمن الحبشي المكي والدعبدالواحد ابن أيمن وبسار مولى المغيـرة بـن شعبـة أخـرج الحسـن بـن محمـد الخلـال فـيكرامـات الأوليـاء عن أبي هريرة رضي الله عنه قـال‏:‏ دخلـت علـى النبـي صلـى اللـهعليـه وسلـم فقـال لـي‏:‏ يـا أبـا هريـرة يدخـل علي الساعة من هذا البـاب رجـل مـنأجـل السبعـة الذيـن يدفع الله عز وجل عن أهل الأرض بهم الأذى‏.‏
فإذا حبشي قـد طلـع مـن ذلـك البـاب أقـرع أجـدع علـى رأسه جره فيهاماء‏.‏
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ يا أبا هريرة هو هذا‏.‏
ثم قال مرحبًا بيسار ثلاث مرات وكان يرش المسجد ويكنسه ومات في عهدهصلى الله عليه وسلم‏.‏
وأما الصحابة الأحرار من الحبوش الأخيار الذين كانوا يخدمون الرسولوأصحابه وأهل بيته فكثيـرون جـدًا لا يمكـن استيعابهـم فـي هذا الاستطراد ضبطًاوعددًا وكذلك أبناء الحبشات من قريش من الصحابة والتابعين وأهل البيت الطاهرينوالخلفاء العباسيين ومن ولد بأرض الحبشة من الصحابة من الحبشان مثل صفوان ابن أميةبن خلف الجمحي وعمرو ابن العاص وغيرهما مثـل عبـد اللـه بـن جعفر بن أبي طالب وهوأول مولود في الإسلام بأرض الحبشة بالاتفاق وكان يسمـى بحـر الجـود وأخباره فيالسخاء والكرم مشهورة والحرث بن حاطب الصحابي ومحمد بن حاطب وعمرو بن أبي سلمة وفيالحبوش أخلاق لطيفة وشمائل ظريفة وفيهم الحذق والفطانة ولطافة الطباع وصفاء القلوبلكونهم من جنس لقمان الحكيم وهم أجناس منهم السحرتـي والأمحـري وهـم أحسـن أجنـاسالحبـوش الموصوفيـن بالصباحـة والملاحـة والفصاحـة والسماحـة والنعومـة فـي الخـدوالرشاقـة فـي القـد وللـه در الشيـخ العلامـة القاضـي عبـد البـر ابـن الشحنةالحنفي حيث يقول‏:‏ فطفقت أسأل عن نعومة ما خفى قالت فما تبغيه جنسي أمحريوالأمحرية تفوق على السحرتية باللطف والظف والسحرتية تفوق على الأمحرية بالشدةوالعنف فبينهما عموم وخصوص مطلق وقيل أن النجاشي منهم رضي الله عنه ويقال أن بنيأرفدة الذين لعبوا بحرابهم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفازوا بخطابهأعني قوله لهم دونكم يا بني أرفدة منهم ويقرب من هذين النوعين نوعان آخران نوعالدموات وبلين ونوعان آخران وهما قمو وقتر ونوع آخر يسمى إزاره‏.‏
عود وانعطاف إن الشيـخ عبـد الرحمـن وهـو الجد السابع لجامعه واليهينتهي علمنا بالأجداد هو الذي ارتحل من بلـاده ووصـل إلينـا خبـره سلفـًا عـن خلـففقدم من طريق البحر إلى جدة وانتقل إلى مكة فجاور بهـا‏.‏
وحـج مـرارًا وذهب أيضًا إلى المدينة المنورة فجاور بها سنتين ولقيمن لقي بالحرمين من الأشياخ وتلقى عنهم ثم رجع إلى جدة وحضر إلى مصر من طريق القلزمفدخل إلى الجامع الأزهر في أوائل العاشر وجاور بالرواق ولازم حضور الأشياخ واجتهدفي التحصيل وتولى شيخًا على الرواق والتكلم على طائفته وتزوج وولد له‏.‏
فلما مات خلف ولده الشيخ شمس الدين محمد ونشـأ علـى قـدم الصلـاحوالاشتغـال بطلـب العلـم وتولـى مشيخـة الـرواق كوالـده وأنجب وقرأ دروسًا في الفقهوالمعقول بالرواق وكان على غاية من الصلاح وملازمة الجماعة والسنن ولا يبيت عندعياله ليلـة أو ليلتيـن فـي الجامعـة وغالـب لياليـه يبيتهـا بالـرواق لأجـلالاشتغال بالمطالعة أول الليل على السهارة والتهجد آخره‏.‏
ومما اتفق له وعـد مـن كراماتـه أن السراج انطفأ في بعض اللياليالشتوية فأيقظ النقيب ليسرج له سراجًا فقام من نومه متكرهًا وأخـذ قنديـلًا وذهـبليسرجـه فلما عاد به وقرب من الرواق رأى نورًا فستر ذلك القنديل ونظر إليـه مـنبعـد لينظـر مـن أيـن أتـاه الأسـراج فوجـده يطالـع فـي الكـراس وهـو فـي يـدهاليسار وسبابة يده اليمن رافعها وهي تضيء مثل الشمعة المستنير ويطالع في نورها‏.‏
ثم دخل النقيب بالقنديل فاختفى ذلك الضوء وعلم الشيخ ذلك من النقيبفعاتبه على التجسس وأشار إليه بكتمان سـره ولـم يغـش الشيـخ بعـد ذلـك إلاقليـلًا‏.‏
وتوفـي إلـى رحمـه اللـه تعالـى‏.‏
وخلف ابنه الشيخ علي فنشأ أيضًا على قد أسلافه في ملازمة العلموالعمل وصار شهرة وثروة وتزوج بزينب بنت الإمـام العلامـة القاضـي عبـد الرحمـنالجوينـي ولـم يـزل مواظبـًا علـى شأنـه وطريقـة أسلافـه حتى توفي وخلف ولديهالإمام العلامة الشيخ حسن الذي تقدم ذكر ترجمته المتوفى سنة 1097 وأخاه الشيخ عبدالرحمن ومات في حياة أخيه سنة 1086 وكان لزينب الجوينية أماكن جارية في ملكهـاوقفتهـا علـى ولـدي زوجهـا المذكوريـن‏.‏
ولمـا توفـي الشيخ حسن أعقب الجد إبراهيم وضيعًا فكفلته والدتهالحاجة مريم بنت الشيخ العمدة الضابط محمد بن عمر المنزلي الأنصاري فنشأ أيضـًانشـوءًا صالحـًا حتـى بلـغ الحلم فزوجوه بستيتة بنت عبد الوهاب أفندي الدلجي فس سنة 108 وبنـى بهـا فـي تلـك السنـة وحملـت بالمترجـم وولدتـه فـي سنـة عشـر ومائـةوألف ومات والده وعمره شهر واحد وسن والده إذ ذاك ست عشرة سنة فربته والدته بكفالةجدته أم أبيه المذكورة وصاية الإمام العلامة الشيخ محمد النشرتي وقرروه في مشيخةالرواق كأسلافه والمتكلم عند الوصي المذكور فتربى في حجورهم حتى ترعرع وحفظ القرآنوعمره عشر سنين واشتغل بحفـظ المتـون فحـظ الألفيـة والجوهـرة ومتـن كنـز الدقائـقفـي الفقـه ومتـن السلم والرحبية ومنظومة ابن الشحنـة فـي الفرائـض وغيـر ذلك‏.‏
واتفق له في أثناء ذلك وهو ابن ثلاث عشرة سنة أنه مر مع خادمـهبطريـق الأزهـر فنظـر إلـى شيخ مقبل منور الوجه والشيبة وعليه جلالة ووقار طاعن فيالسـن والناس يزدحمون على تقبيل يده ويتبركون به فسأل عنه وعرف أنه ابن الشيخالشرنبلالي فتقدم إليه ليقبل يده كغيره فنظر إليه الشيخ وتوسمه وقبض على يدهوقال‏:‏ من يكون هذا الغلام ومن أبوه فعرفوه عنه فتبسم وقال‏:‏ عرفته بالشبه‏.‏
ثم وقف وقال‏:‏ اسمع يا ولدي أنا قـرأت علـى جـدك وهـو قـرأ علىوالدي وأحب أن تقرأ علي شيئًا وأجيزك وتتصل ببننا سلسلة الإسناد وتلحق الأحفادبالأجداد‏.‏
فامتثل إشارته ولازم الحضور عنده في كل يوم وقرأ عليه متـن نـوحالإيضـاح تأليـف والـده في العبادات وكتب له الإجازة ونصها‏:‏ الحمد لله الذي أنعمعلى عبده بتوفيقه وأرشده إلى سواء طريقه وأذاقه حلاوة التفقه في دينه وتمام تحقيقهوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له المنعم بطائف الأنعام وعظيمه ودقيقهوأشهد أن سيدنا وسيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله الهادي إلى الخيرالكامل والجبر الشامل فأصح كل أحـد مغمـورًا فـي بحـر فضلـه وجوده محفوظًا من كيدالشيطان وجنوده وتعويقه وعلى آله الأطهار وصحابته الأخيار‏.‏
وبعد فقد حضر لدي الولد النجيب الموفق اللبيب الفطن الماهر الذكيالباهر سليل العلماء الأعلام نتيجة الفضلاء العظام نور الدين حسن بن برهان الدينإبراهيم بن العلامـة مفتـي المسلمين وإمام المحققين الشيخ حسن الجبرتي الحنفي رحمالله أسلافه وبارك فيه وقـرأ علـى متـن نـور الإيضـاح مـن أولـه إلـى آخـره تأليـفوالـدي المندرج إلى رحمة الله تعالى سيدي وسنـدي الإمام العلامة الشيخ حسن بن عمارالشرنبلالي وأجزته أن يروى ذلك عني وجميع ما يجوز لي روايته إجازة عامة كما أجازنيبه وبفقه أبي حنيفة النعمان رضي الله عنه كما تلقـى ذلـك هـو عـن الشيـخ عليالمقدسي شارح نظم الكنز عن العلامة الشلبي شارح الكز عن القاضي عبد البر بن الحشنةعن المحقق الكمال بن الهمام عن سراج الدين قارش الهداية عن علاء الدين السيرامي عنالسيد جلال الدين شارح الهداية عن علاء الدين بن عبد العزيز البخـاري عـن حافـظالديـن صاحـب الكنـز عـن شمـس الأئمـة الكردري عن برهان الدين صاحب الهداية عن فخرالإسلام البـزدوي عـن شمـس الأئمـة السرخسـي عـن شمـس الأئمـة الحلواني عن القاضيابن علي النسفي عن الإمام محمد بن الفضل البخـاري عـن عبـد اللـه السندموني عنالأمير عبد الله بن أبي حفص البخاري عن أبيه المذكور عن الإمام محمد بن الحسنالشيباني عن الإمام أبي يوسف عن الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان بن ثابت رضي اللهعنه عن الإمام حماد بن سليمان عن إبراهيم النخعي عن الإمام علقمة عن عبد الله بنمسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم عن أمين الوحي جبريل عليه السلام عـن اللـه عـزوجل‏.‏
وأوصى الولد الأعز بالتقوى ومراقبة الله في السر والنجوى واللهتعالى يوفقه وينفع به وبعلومـه ويهدينـا وإيـاه لمـا كـان عليـه السلـف الصالـح فـيأسـاس الديـن ورسومه‏.‏
قال ذلك الفقير إلى الله تعالى حسن بن حسن السرنبلالي الحنفـي فـيثالـث ربيـع الـأول مـن سنـة 1123 وتوفـي الشيـخ فـي آخـر تلـك السنـة وقد جاوزالتسعين‏.‏
واشتغل المترجم واجتهد في طلب العلوم وحضر أشياخ العصـر وتفقـه علـىالإمـام العلامة السيد علي السيواسي الضرير وحضر عليه شرح الكنز للعيني والدرالمختار وكتاب الأشياه والنظائر لابن نجيم وشرح المنار لابن نجيم وشرح المنار لابنفرشتة وشرح التحرير للكمال بن الهمام وشرح الجوامع ومختصر السعد وعلى العلامة الشيخأحمد التونسي المعروف بالدقدوسي الحنفي شرح الكنـز للعلامـة الزيلعـي والـدررلملاخسـرو والسيد علي السراجية في الفرائض وشرح منظومة بن الشحنة في الفرائضوالشنشوري على الرحبيـة والتلخيـص ومتـن الحكـم وشـرح التحفـة وعلـى الشيـخ علـيالعقـدي النفي ملا مسكين على الكنز ومتن الهداية والسراجية والمنار والنزهة في علمالغبار والقلصادي ومنظومةابن الهائم وعلى الفقيه محمد بن عبد العزيز الزياديالحنفي ملتقى الأبحر وفتح القدير والحكم لابن عطاء الله والقدوري وعقود الجمان فـيالمعانـي والبيـان وايساغوجـي وعلـى الشيـخ الفقيـد المحـدث الشهـاب أحمـد بـنمصطفـى الإسكنـدري الشهيـر بالصياغ شرح الكبرى وأم البراهين وشرح العقائد والمواقفوشرح المقاصد للسعد والكشاف والبيضاوي والشمائـل والصحيحيـن روايـة ودرايـةوالأربعين النووية والمشارق والقطـب علـى الشمسيـة والمواهـب اللدنيـة وشـرحالنخبـة وعلـى الشيخ منصور المنوفي شرح ابن عقيل على الألفية والشيخ خالد علىالآجرومية والأزهرية والتوضيح وشرح تصريف العزى وشرح التلمسانية والخبيصي علىالتهذيـب وشيـخ الإسلـام على الخزرجية وعلى الشيخ عيد النمرمي شرح الورقاتوالسمقرندية وآداب البحث والعضدية والعصام على السمرقندية وعلم الجبر والمقابلةوالعروض وأعمال المناسخات والكسورات والأعداد الصم والغربال والمساحة والحساب وعلىالشيج شلبي البراسي تلخيص المفتاح والمطول والتجويد وعلى الشيخ محمد السجيني الضريرالمكودى على الألفية والفاكهي وشرح الشذور وملاجاماي وشرح مختصر ابن الحاجب والمطولوعلى الشيخ أحمد العمادي شرح الجوهرة لعبد السلام والسكتاني على الصغرى وشرح مختصرالسنوسي والكافي ونوادر الأصول والجامع الصغير وشرح المقاصد وعلى الشيخ حسنالمدابغي الأشموني على الألفيـة وشرح المراح وقواعد الأعراب والمعغنى وعلى الشيخالملوى شرحه على السلم وشرح معراج الغيطي وأوضح المسالـك وأوائـل الكتـب الستـةوالمسلسلـات والمسنـدات وحضـر أيضـًا دروس الشيـخ عبـد الـرؤوف البشبيشـي وأبو العزالعجمي وغيرهما وجد في التحصيل حتى فاق أهل عصره وباحث وناضل ودرس بالرواق في الفقهوالمعقول وبالسنانية ببولاق‏.‏
وكان لجدته أم أبيه مكان مشرف على النيل بربع الخرنوب عندما كانالنيل ملاصقًا لسدته فساكنها مدة فكان يغدو إلى الجامـع ثـم يعـود إلـى بولـاق ولـهحاصـل بربـع الخرنـوب يجلـس فيـه حصـة ثـم يعـود إلـى السنانيـة فيملـي هنـاكدرسـًا ثـم احتـرق ذلـك المنـزل بمـا فيـه وتلـف يـه أشيـاء كثيـرة من المتاعوالصيني القديم فانتقلـت إلـى مصر وكانوا يذهبون إلى مكان لها بمصر العتيقة في أيامالنيل بقصد النزهة وهي التي أعانته على تحصيل العلوم اشتغاله بالعلم كان يعانيالتجارة والبيع والشـراء والمشاركـة والمضاربة والمقايضة وكانت جدته ذات غنية وثروةولها أملاك وعقارات ووقـف عليـه أماكـن ومنها الوكالة بالصنادقية والحوانيت بجوارهاوبالغورية ومرجوش ومنزل بجوار المدرسة الأقبغاوية ورتبت في وقفها عدة خيرات ومكتبلإقراء أيتام المسلمين بالحانوت المواجه للوكالة المذكـورة وربعـة تقـرأ فـي كـليـوم وختمـات فـي ليالي المواسم وقصعتي تريد في كل ليلة من ليالي رمضان وثلاثجواميس تفرق على الفقهاء والأيتام والفقراء في عيد الأضحية‏.‏
وتزج بجدته المذكـورة بعـد مـوت جده الأمير علي أغا باش اختيارمتفرقة المعروف بالطورى وتزووج المترجم بابنته وله حكم قلاع الطور والسويس والمويلحوكانت إذ ذاك عامـرة وبهـا المرابطـون ويصـرف عليهم العلوفات والاحتياجات‏.‏
ولما مات لي أغا المذكور سنة سبع وثلاثين تقلد ذلك بعده المترجـممـدة مـع كونـه فـي عـداد العلمـاء وربـي معتوقيـه عثمـان وعليـا ولم يزالا في كنفهحتى مات بعد مدة طويلة وأرسل خادمًا له يسعى سليمان الحصافي جربجيًا على قلعةالمويلح فقتلوه هناك فتكدر لذلك وترك هذا الأمر وأعرض عنه وأقبل علـى شأنـه مـنالاشتغـال وماتـت زوجته بنت الأمير علي أغا المذكور في حياة أبيها فتزوج ببنت رمضانجلبي بن يوسف المعروف بالخشاب تابع كور محمد وهم بيت مجد وثروة ببولاق ولهم أملاكوعقارات وأوقاف ومـن ذلـك وكالـة الكتـان وربـع وحوانيت تجاه جامع الزردكاش وبيتكبير بساحل النيل وآخر تجاه جامع مزره جربجي وهو سكن رمضان جلبي المذكور وكانإنسانًا حسنًا رقيق الحاشية وفيه فضيلة وسليفة جيدة‏.‏ ومات
رمضان جلبي المذكور سنة 1139
واستمرت ابنته في عصمة المترجم حتى ماتت في المحرم سنة 1182 وعمرهاستـون سنـة‏.‏
وكانـت مـن الصالحـات الخيـرات المصونـات وحجـت صحبتـه فـي سنـةإحـدى وخمسين وكانت به بارة وله مطيعة‏.‏
ومن جملة برها له وطاعتها أنها كانت تشتري له من السرارى الحسان منمالها وتنظمهن بالحلي والملابس وتقدمهن له وتعتقد حصـول الأجر والثواب لها بذلكوكان يتزوج عليها كثيرًا من الحرائر ويشتري الجواري فلا تتأثر من ذلك ولا يحصلعندها ما يحصل في النساء من الغيرة‏.‏
ومن الوقائع الغريبة أنه لما حج المترجم في سنـة سـت وخمسيـن‏:‏واجتمـع بـه الشيـخ عمـر الحلبـي بمكـة الوصـي بـأن يشتـري لـه جاريـة بيضاء تكونبكرًا دون البلوغ وصفتها كذا وكـذا فلمـا عـاد مـن الحـج طلـب مـن اليسرجيـةالجواري لينقي منهن المطلوب فلم يزل حتى وقع على الغرض فاشتراها وأدخلها عند زوجتهالمذكورة حتى يرسلاه مع من أوصاه بإرسالها صحبته‏.‏
فلما حضر وقت السفر أخبرها بذلك لتعمل لهم ما يجب من الزوادة ونحوذلك فقالت له‏:‏ إني أحبيت هذه الوصيفة حبًا شديدًا ولا أقدر على فراقها وليس ليأولاد وقد جعلتها مثل ابنتي والجارية بكت أيضًا وقالت لا أفارق سيدتي ولا أذهب منعندها أبدًا‏.‏
فقال‏:‏ وكيف يكون العمل قالت ادفع ثمنها من عندي واشتري أنت غيرهاففعل‏.‏
ثم إنها أعتقتها وعقدت عليها وجهزتها وفرشت لها مكانًا علـى حدتهـاوبنـى بهـا فـي سنـة خمـس وستيـن وكانـت لا تقـدر علـى فراقهـا ساعـة مـع كونهـاصارت ضرتها وولدت له أولادًا‏.‏
فلما كان في سنة اثنتين وثمانين المذكورة مرضت الجارية فمرضت فقامـتالجاريـة فـي ضحـوة النهـار فنظـرت إلى مولاتها وكانت في حالة غطوسها فبكت وزاد بهاالحال وماتت تلك الليلـة فأضجعوهـا بجانبهـا فاستيقظـت مولاتهـا آخـر الليـلوجستهـا بيدهـا وصارت تقول‏:‏ إن قلبي يحدثني أنها ماتت ورأيت في منامي ما يدل علىذلك فلما تحققت ذلك قامت وجلس وهي تقول لا حياة لي بعدها وصارت تبكي وتنتحب حتى طلعالنهار وشرعوا في تشهيلها وتجهيزها وغسلوها بيـن يديهـا وشالـوا جنازتهـا ورجعـتإلـى فراشهـا ودخلـت فيسكـرات المـوت وماتت آخر النهار وخرجوا بجنازتها أيضًا فياليوم الثاني‏.‏
وهذا من أعجب ما شاهدته ورأيته ووعيته وكان سني إذ ذاك أربع عشرةسنة‏.‏
واشتغل المترجم في أيام اشتغاله بتجويد الخط فكتب على عبد اللهأفندي الأنيس وحسن أفندي الضيائي طريقة الثلث والنسخ حتى أحكم ذلك وأجازه الكتبةوأذنوه أن يكتب الإذن على اصطلاحهم ثم جـود فـي التعليـق علـى أحمـد أفنـدي الهنـديالنقـاش لفصـوص الخواتـم حتـى أحكـم ذلـك وغلـب على خطه طريقته ومشى عليها وكتبالديواني والقرمة وحفظ الشاهدى واللسان الفارسي والتركي حتـى أن كثيرًا من الأعاجموالأتراك يعتقدون أن أصله من بلادهم لفصاحته في التكلم بلسانهم ولغتهم‏.‏
وفي سنة أربع وأربعين اشتغل بالرياضيات فقرأ على الشيخ محمد النجاحيرقائق الحقائق للسبط المراديني والمجيب والمقنطر ونتيجة اللادقي والرضوانيةوالدرلابن المجدى ومنحرفات السبط وإلى هنـا انتهـت معرفـة الشيـخ النجاحـي‏.‏
وعنـد ذلـك انفتـح لـه البـاب وانكشـف عنـه الحجـاب وعـرف السمتوالارتفاع والتقاسم والأرباع والميل الثاني والأول والأصل الحقيقي والمعدل وخالطأرباب المعارف وكل من كان من بحر الفن غارف وحل الرموز وفتح الكنوز واستخرج نتائجالدر اليتيم والتعديل والتقويم وحقق أشكال الوسايط في المنحرفات والبسائط والزيجوالمحلولـات وحركـات التداويـر والنطاقـات والتسهيـل والتقريـب والحـل والتركيـبوالسهام والظلال ودقائق الأعمال وانتهت إليه الرياسة في الصناعـة وأذعنـت لـه أهـلالمعرفـة بالطاعة وسلم له عطارد وجمشيد الراصد وناظره المشتري وشهد له الطوسيوالأبهري وتبوأ من ذلك العلم مكانًا عليًا وزاحم بمنكبه العيوق والثريا وقدم القدوةالعلامة والحكيم الفهامة الشيخ حسام الدين الهندي وكان متضلعـًا مـن العلـومالرياضيـة والمعـارف الحكميـة والفلسفيـة فنزل بمسجد في مصر القديمة واجتمع عليهبعض الطلبة مثل الشيخ الوسمي والشيخ أحمد الدمنهـوري وتلقـوا عنه أشياء في الهيئةفبلغ خبره المترجم فذهب إليه للأخذ عنه فاغتبط به الشيـخ وأحبـه وأقبل بكليته عليهفلم يزل به حتى نقله إلى داره وأفرد له مكانًا وأكرم نزله وقام بأوده وطالع عليهالجغميني وقاضي زاده عليه والتبصرة والتذكرة وهداية الحكمة لأثير الدين الأبهـريومـا عليهـا مـن المـواد والشـروح مثـل السيـد والميبـدى قـراءة بحـث وتحقيق وأشكالالتأسيس في الهندسة وتحرير إقليدس والمتوسطات والمبادئ والغايات والأكر وعلمالارتماطيقي وجغرافيا وعلم المساحة وغير ذلك‏.‏
ثم أراد أن يلقنه على الصنعة الإلهية وكان من الواصلين فهيـا فغالطهعن ذلك وأبت نفسه الاشتغال بسوى العلوم المهذبة للنفس وكان يحكي عنه أمورًاوعبـارات وإشـارات تشعر بأنه كان من الكمل الواصلي في كل شيء ولم يزل عنده حتى عزمعلى الرحلة وسافر إلى بلاده‏.‏
وقدم إلى مصر الإمام العلامة الشيخ محمد الغلاني الكشناوي وسكن بدربالأتراك فاجتمع عليه المترجم وتلقى عنه علم الأوفاق وقرأ عليه شرح منظومة الجزنائيةللقوصوني والدر والترياق والمرجانية في خصوص المخمـس الخالـي الوسـط والأصـولوالضوابط والوفق المئيني وعلم التكسير للحروف وغير ذلك وسافر الشيخ إلى الحج وجاورهناك فلما رجع أنزله عنده وصحبته زوجته وجواره وعبيده وكمل عنده غالب مؤلفاته ولميـزل حتـى مـات كمـا تقـدم ذكـر ذلـك فـي ترجمتـه ولقـي المترجـم فـي حجاتـه الشيخالنخلي وعبد الله بن سالم البصري وعمر بن أحمد ابن عقيل المكي والشيخ محمد حياةالسندي الكوراني وأبو الحسن السندي والسيد محمد السقاف وغيرهم وتلقى عنهم وأجازوهوتلقوا هم أيضًا عنـه ولقنه الشيخ أبو الحسن السندي طريق السادة النقشبنديةوالأسماء الإدريسية‏.‏
وهذه صورة إجازة الشيخ عمر بن أحمد بن عقيل ومن خطه نقلت‏:‏ بسمالله الرحمن الرحيم الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى خصوصًا أفضلأنبيائـه وعترتـه الطاهريـن وصحابتـه أجمعيـن‏:‏ وبعـد فـإن مما تطابقت عليه النصوصوتوافقت عليه ألسنة العموم والخصوص أن الباحث عن السنة الغراء لاتباع هدى سيدالأنبياء الموجب لمحبة ذي الآلاء والنعماء هو الفائـز بالقـدح المعلـى والمرفـوعإلـى المقـام الأعلـى ومـن المعلـوم أنه لم يبق في زماننا ما يتداول منها إلاالتعلـل برسـوم الإسنـاد بعـد انتقـال أهل الزمان والناد فذو الهمة هو الذي يثابرعلى تحصيل أعلاه وينافس في فهم متنه ويفحص عن معناه ويناقش في رجاله الذين عليهممغناه ألا وهو الشيخ الأجل الراقي بعزمه المتين من العلم والعمل إلى أعلى محل سيدناوأستاذنا الشيخ حسن بن المرحوم إبراهيم بن الشيخ حسن الجبرتي أمده الله بالمددالإلهي فطلـب مـن هـذا الفقيـر أن أجيـزه فلما لم أجد بدًا من الامتثال قلت سائلًاالتوفيق في الأول والفعال‏:‏ أجزت مولانا الشيخ حسـن المذكـور المنـوه بذكره أعلىالسطور أجزل الله تعالى له الأجور ما يجوز لي وعني روايته منـن مقـروء ومسمـوعوأصول وفروع بشرطه المعتبر من تقوى الله والصيانة وضبط الألفاظ وسير الرجالوالديانة حسبما أجازني بذلك شيوخ أكابر عدة هم في الشدائد عدة ومنهم بل من أجلهـمسيـدي وجـدي لأمـي بعـد أن قـرأت عليـه جانبًا كبيرًا من كتب الحديث وغيره قراءةتحقيق وتدقيق وغيره من الشيوخ أهل التوفيق وقد سمع مولانا الشيخ حسن منـي أوائـلالبخـاري ومسلـم وأبي داود والنسائي والترمذي وابن ماجه والموطأ فليروعني المجازالمذكور متى شاء مما اتصلت بي روايته متى أراد رفع سند أو كتاب لمن هو منن أهلالدراية وهو دام أنسه وزكا قدسه في غنية عن ذلك ولكن جرت العادة بأخذ الأكابر عنالأصاغر تكثيرًا لسوادنا فهي سنة الأوائل والأواخر‏.‏
وكذلك أجرت له بالصلاة المشهورة النفع بهذه الصيغة‏:‏ اللهم صل علىسيدنا محمد وآله كما لا نهاية لكمالك وعد كمالله حسبما أجازني بها مولانا الشيخطاهر ابن المـلا إبراهيـم الكوراني عن شيخه حسن المنوفي مفتي الحنفية بالمدينةسابقًا عن شيخه مولانا الشيخ علي الشبراملسي عن بعض أجلاء شيوخه وأمره أن يصلي بهابين المغرب والعشاء بلا عدد معين وبالمواظبة عليها يظهر نتائج فتحها خصوصًا لمبتغيهذا العلم المجد في طلبه من ذويه نفعه الله تعالى بالعلم وجعله من أهليه وقد أجزتالشيخ المذكور ضاعف الله تعالى له الأجور بالأسماء الأربعينية الإدريسية السهرورديةبقراءتها وإقرائها لخل صادق إن وجـد كمـا أجازني بذلك جملة من الشيوخ وقد اتصل سنديبها أيضًا عن مولانا وسيدنا الأمجد مولانا الشيخ أحمد بن محمد النخلي أنزل عليهشآبيب الرحمة والغفران الواحد العلي وهو يرويها عن الشيخ حجازي الدير بي عن الشيخشهاب الدين أحمد بن علي الخامي الشنـاوي وأجـازه شيخه أيضًا بشرحها للشيخ عثمانالنحراوي‏:‏ قال الشيخ عثمان‏:‏ أجازني بالأسماء الإدريسية العظام الشيخ كمال الدينالسوداني وهو يرويها عن شيخه أبي المواهب أحمد الشناوي عن السييد صبغة الله أحمد عنالسيد وجيه الدين العلوي عن الحاج حميد الشهير بالشيخ محمد الغوث عن الحاج حصور عنأبي الفتح هدية الله سيرمست عن الشيخ قاضن الستاري عن الشيخ ركن الدين حينوورى عنالشيخ يابوتاج الدين عن السيد جلـال الديـن البخـاري عـن الشيخ ركن الدين أبي الفتحعن الشيخ صدر الدين أبي الفضل عن الشيخ أبي البركات بهاء الدين زكريا عن شيخ الشيوخشهاب الديـن السهـروردي عـن سيـدي وجيـه الديـن المعـروف بعمويه عن الشيخ أحمد أسودالدينوري عن الشيخ ممشاد الدينوري عن الشيخ أبي القاسم الجنيـد البغـدادي عـن خالـهسـري السقطـي عـن الشيـخ معـروف الكرخـي عن الشيخ داود الطائـي عـن الشيـخ حبيـبالعجمـي عـن سيـد التابعيـن حسـن البصـري عـن إمام المشارق والمغـارب سيدنـا علـيبـن أبـي طالـب عـن سيدنا ومولانا سيد الخلق حبيب الحق عبده ورسوله وحبيبه وصفيهوخليله النبي الرسول الحاوي لجميع الكمالـات الأصليـة والفرعيـة الجامـع لكـلالصفات السنية والمراتب العلية المبعوث لكل الخلق المتخصص بالقرب من العالـم الحـقسيـد الكونيـن والثقليـن والفريقيـن مـن عـرب ومـن عجم محمد صلى الله عليه وسلم قالذلك بفمه وكتبه بقلمـه أسيـر ذنبـه عمـر بـن أحمـد بـن عقيل السقاف بأعلوى حفيدمولانا الشيخ عبد الله بن سالم البصـري غفـا الله تعالى عنهم أجمعين سائلًا منالشيخ المذكور أن لا ينساني وأصولي ومشايخي فـي الديـن وجميـع أقاربـي من صالحالدعوات في خلواته وجلواته وحركاته وسكناته وأوصيه بما أوصي به نفسي وسائر المسلمينمن ملازمة التقوى وكمال الاستعداد واتبـاع سبيـل الهـدى والرشاد وأسأل الله تعالىالكريم المنان أن يوفقني وإياه والمسلمين لصالح القول والعمل ويجنبنا الخطأ والزللويجعلنا من العلماء العاملين والهداة الراشدين وأن يميتنا على سنة سيد المرسلينصلـى اللـه عليـه وسلم وعلى آله وصحابته أجمعين في كل وقت وحين‏.‏
وللمترجم أشياخ غير هـؤلاء كثيـرون اجتمـع بهـم وتلقـى عنهم وشاركهموشاركوه مثل علي أفندي الداغستاني والشيخ عبد ربه سليمان بن أحمد الفشتالي الفاسيوالشيخ عبد اللطيف الشامي والجمال يوسف الكلارجـي والشيـخ رمضـان الخوانكـي والشيـخمحمـد النشيلـي والشيخ عمر الحلبي والشيخ حسين عبـد الشكـور المكـي والشيـخإبراهيـم الزمـزي وحـس أفندي قطعة مسكين وأحمد أفندي الكرتلي والأستـاذ عبـدالخالـق بـن وفـي وكـان خصيصًا به وأجازه بالأحزاب وهو الذي كناه بأبي التدانيوألبسه التاج الوفائي والسيد مصطفى العيدروس وولده السيد عبد الرحمن والسيد عبدالله العيدروسـي والشيـخ علـي بنـدق الشناوي الأحمدي وكثير من المشايخ الأزهرية مثلالسيد محمد البنوفـري والشيـخ عمـر الإسقاطي والشيخ أحمد الجوهري والشيخ أحمدالدلجي بن خال المترجم والشيخ أحمد الراشدي والشيخ إبراهيم الحلبي صاحب حاشية الدروالسيد سعودي محشي مـلا مسكيـن وغيرهـم مـن الأكابـر والأخيـار وأهـل الأسـراروالأنوار حتى كمل في المعارف والفنون ورمقتـه بالإجلـال العيـون وعـلا شأنـه علـىعلمـاء الزمـان وتميز بين الأقران وأذعنت له أهل الأذواق وشاع ذكره في الآفاق ووفدتعليه الطلاب البلدانية والواردون من النواحي الآفاقية وأتوا إليه مـن كـل فـجيسعـون لميقاتـه ولزمـوا الطواف بكعبة فضله والوقوف بعرفاته فمنهم من ينفر بعدإتمام نسكه وبلوغ أمنيته ومنهم من يواظب على الاعتكاف بساحته وكان رحمه الله عذبالمورد للطالبين طلق المحيا للواردين يكرم كل من أم حماه ويبلغ الراجي مناهوالمقتفي جدواه والراغب أقصى مرماه مع البشاشة والطلاقة وسعـة الصـدر والرياقـةوعـدم رؤيـة المنـة علـى المحتـدى ومسامحة الجاهل والمعتدى مع حسن الأخلاق والصفاتالتي سجدت لها الخناصر كأنها آيات سجدات وكانت ذاته جامعة للفضائل والفواضل منزهةعـن النقائـص والرذائـل وقـورًا محتشمـًا مهيبـًا فـي الأعيـن معظمـًا فـي النفـوسمحبوبـًا للقلـوب لا يعـادي أحـدًا ولا يخاصـم علـى الدنيا فلذلك لا تجد من يكرههولا من ينقم عليه في شيء من الأشياء وأما مكارم الأخلاق والحلم والصفح والتواضعوالقناعة وشرف النفس وكظم الغيظ والانبساط إلى الجليل والحقير كل ذلك سجيته وطبعـهمـن غيـر تكلـف لذلـك ولا يرى لنفسه مقامًا أصلًا ولا يعرف التصنع في الأمور ولادعوى علم ولا معرفة ولا مشيخة على التلاميذ والطلبة ولا يرضى التعاظم ولا تقبيلاليد وله منزلة عظيمـة فـي قلـوب الأكابـر والأمـراء والـوزراء والأعيـان ويسعـونإليه ويذهب إليهم لبعض المقتضيات والشفاعات ويرسل إليهم فلا يردون شفاعته ولايتوانون في حاجة يتكلم فيها وله عندهـم محبـة ومنزلـة فـي قلوبهـم زيـادة عـننظرائـه مـن الأشيـاخ لمعرفته بلسانهم ولغتهم واصطلاحهم ورغبتهـم فيمـا يعلمونه فيهمن المزايا والأسرار والمعارف المختص بها دون غيره وخصوصًا أكابر العثمانييـنوالـوزراء وأهـل العلـوم والفضـلاء منهـم مثل علي باشا ابن الحكيم وراغب باشا وأحمدباشا الكور وغيرهم ويأتون إليه أحيانًا في التبديل‏.‏
وأكرموه وهادوه كل ذلك مع العفة والعزة وعدم التطلع لشيء من أسبابالدنيا بوظيفة أو مرتب أو فائظ أو نحو ذلك‏.‏
وكان بينه وبين الأميـر عثمـان بـك ذي الفقـار صحبـة ومحبة وحج فيأيام إمارته على الحج مرافقًا له ثلاث مرات من ماله وصلب حاله ولم يصله منه سوى ماكان يرسله إليه على سبيل الهدية وكان منزل سكنـه الـذي بالصنادقيـة ضيقـًا مـن أسفلوكثير الدرج فعالجه إبراهيم كتخدا على أن يشتري له أو يبنـي لـه دارًا واسعـة فلـميقبل وكذلك عبد الرحمن كتخدا وكان له ثلاثة مساكن أحدها هذا المنزل بالقرب منالأزهر وآخر بالإبزارية بشاطئ النيل ومنزل زوجته القديمة تجاه جامع مرزه‏.‏
وفـي كـل منـزل زوجـة وسـرار وخـدم فكان ينتقل فيها مع أصحابهوتلامذته وكان يقتني المماليك والعبيد والجواري البيض والحبوش والسود ومات له منالأولاد نيف وأربعون ولدًا ذكورًا وإناثًا كلهـم دون البلـوغ ولـم يعـش لـه مـنالأولاد سوى الحقير وكان يرى الاشتغال بغير العلم من العبثيات وإذا أتـاه طالـبفـرح بـه وأقبـل عليـه ورغبـه وأكرمـه وخصوصـًا إذا كـان غريبـًا وربمـا دعاهللمحاورة عنده وصار من جملة عياله ومهم من أقام عشرين عامًا قيامًا ونيامًا لايتكلف إلى شيء من أمر معاشه حتى غسل ثيابه من غير ملل ولا ضجر‏.‏
وأنجب عليه كثير من علماء وقتـه المحققيـن طبقـة بعـد طبقـة مثـلالشيـخ أحمـد الراشـدي والشيـخ إبراهيـم الحلبـي والشيـخ مصطفـى أبي الإتقان الخياطوالسيد قاسم التونسي والشيخ العلامة أحمد العروسي والشيخ إبراهيم الصيحاني المغربيوالطبقة الأخيرة التي أدركناها مثل الشيخ أبي الحسن القلعي والشيخ عبد الرحمـنالبنانـي‏.‏
وأما الملازمون له فهم الشيخ محمد ابن اسعميل النفراوي والشيخ محمدالصبان والشيخ محمد عرفة الدسوقي والشيخ محمد الأمير والشيخ محمد الشافعي الجناجيالمالكي والشيخ مصطفى الريس البولاقي والشيخ محمد الشوبري والشيخ عبد الرحمنالعريشي والشيخ محمد الفرماوي وهؤلاء كانوا المختصين به الملازمين عنده ليلًاونهارًا وخصوصًا الشيخ محمد النفراوي والصبان ومحمد أفندي النيشي والفرماوي والشيخمحمد الأمير والشيخ محمد عرفة‏.‏
فإنهم كانوا بمنزلة أولاده وخصوصًا الأولين فإنهما كانا لا يفارقانهإلا وقت إقراء دروسهما وكان يباسـط أخصـاءه منهـم ويمازحهـم ويروحهـم بالمناسبـاتوالأدبيـات والنـوادر والأبيـات الشعريـة والمواليات والمجونيات والحكايات اللطيفةوالنكـات الظريفـة وينتقلـون صحبتـه فـي منـازل بولـاق ومواطن النزهة فيقطعونالأوقات ويشغلونها حصة في مدارسة العلم وأخرى في مطارحات المسائل وأخرى للمفاكهةوالمباسطة والنوادر الأدبية‏.‏
ومن الملازمين على الترداد عليه والأخذ عنه الشيخ محمد الجوهريوالشيخ سالم القيرواني ومحمد أفندي مفتي الجزائر والسيد محمد الدمـرداش وولـداهالسيـد عثمـان والسيـد محمـد‏.‏
وممـن تلقـى عنـه شيخ الشيوخ الشيخ علي العدوي تلقى شرح الزيلعي علىالكنز في الفقه الحنفي وكثيرًا من المسائل الحكمية‏.‏
ولما قرأ كتاب المواقـف فكـان يناقشـه فـي بعـض المسائـل محققـوالطلبة فيتوقف في تصويرها لهم فيقوم من حلقته ويقـول لهـم‏:‏ اصبـروا مكانكـم حتـىأذهـب إلـى مـن هـو أعـرف منـي بذلـك وأعـود إليكم‏.‏
ويأتي إلى المترجم فيصورها له بأسهل عبارة ويقوم في الحال فيرجع إلىدرسه ويحققها لهم وهذا من أعظـم الديانـة والإنصـاف‏.‏
وقـد تكـرر منـه ذلـك غيـر مـرة وكـان يقـول عنـه لم نر ولم نسمع منتوغل فـي علـم الحكمـة والفلسفـة وزاد إيمانـه إلا هو رحم الله الجميع‏.‏
وممن تلقى عنه من أشياخ العصر العلامة الشيخ محمد المصيلحي والعلامةالشيخ حسن الجداوي والشيخ محمد المسودي والشيخ أحمـد بـن يونـس والشيـخ محمـدالهلبـاوي والشيـخ أحمـد السجاعـي لازمـه كثيـرًا وأخـذ عنه في الهيئة والفلكياتوالهداية وألف في ذلك متونًا وشروحًا وحواشي‏.‏












عرض البوم صور آل قطبي الحسني   رد مع اقتباس
قديم 20-12-2010, 01:22 AM   رقم المشاركة: 14
مشرف سابق

الصورة الرمزية آل قطبي الحسني



رقـم العضـوية 14
تاريخ التسجيل Mar 2010
عدد المشاركات 5,596
القبيلة نحن بنو يعلى من كنانة=رأس المضريين وفرسانها
مكان الإقامة إمارة بني يعلى
المهنة طالب
 
 
آل قطبي الحسني غير متواجد حالياً

افتراضي

وأما من تلقى عنه من الآفاقيين وأهالي بلاد الروم والشام وداغستانوالمغاربة والحجازيين فلا يحصون وأجل الحجازيين الشيخ إبراهيم الزمزي‏.‏
وأما ما اجتمع عنده وما اقتناع من الكتب في سائر العلوم فكير جدًاقلما اجتمع ما يقاربها في الكثرة عند غيره من العلماء أو غيرهم‏.‏
وكان سموحًا بإعارتها وتغييرها للطلبـة وذلـك كـان السبـب فـيإتلـاف أكثرهـا وتخريمهـا وضياعهـا حتى أنه كان أعد محلًا في المنزل ووضع فيه نسخًامن الكتب المستعملة التي يتداول علماء الأزهر قراءتها للطلبة مثل الأشموني وابنعقيل والشيخ خالد وشروحه والأزهرية وشروحها والشذور وكذلك من كتب التوحيد مثل شروحالجوهرة والهدهدى وشرح السنوسية والكبرى والصغـرى وكتـب المنطـق والاستعاراتوالمعاني وكذلك كتب الحديث والتفسير والفقه في المذاهب وغير ذلك فكانوا يأتـون إلـىذلك المكان ويأخذون ويغيرون وينقلون من غير استئذان فمنهم من يأخذ الكتاب ولا يردهومنهم من يهمل التغيير فتضيع الكراريس ومنهم من يسافر ويتركها عند غيره ومنهم منيهمـل آخـر الكتـاب ويتفـق أن الاثنيـن والثلاثـة يشتركـون فـي الكتاب الواحدوالنسخة الواحدة ولا بد من حصول التلف من أحدهم ولا بد من حصول الضياع والتلف في كلسنة وخصوصًا في أواخر الكتب عندما تفتر هممهم‏.‏
وأكثر الناس منحرفو الطباع معوجو الأوضاع واقتنى أيضًا كتبًا نفيسةخلاف المتداولة وأرسل إليه السلطان مصطفى نسخـًا مـن خزائنـه وكذلـك أكابـر الدولةبالروم ومصر وباشـة تونـس والجزائـر واجتمـع لديـه مـن كتـب الأعاجـم مثـلالكلستـان ويدوان حافظ وشاه نامه وتواريخ العجم وكليلة ودمنة ويوسف زليخا وغير ذلكوبها من التشاويه والتصاوير البديعة الصنعة الغريبة الشكل وكذلك الآلات الفلكية منالكرات النحـاس التي كان اعتني بوضعها حسن أفندي الروزنامجي بيد رضوان أفندي الفلكيكما تقدم في ترجمتها‏.‏
ولما مات حسن أفندي المذكور اشترى جميعها من تركت وكذلك غيرها منالآلات الارتفاعية والميالات وحلق الأرصاد والاسطرلابات والأربـاع والعـددالهندسيـة وأدوات غالـب الصنائع مثل التجاريـن والخراطيـن والحداديـن والسمكريـةوالملجديـن والنقاشيـن والصـواغ وآلـات الرسم والتقاسيم ويجتمع به كل متقن وعارف فيصناعته مثل حسن أفندي الساعاتي وكان ساكنـًا عنـده وعابديـن أفنـدي الساعاتي وعليأفندي رضوان وكان من أرباب المعارف في كل شيء ومحمد أفندي الإسكندراني والشيخ محمدالأقفالي وإبراهيم السكاكيني والشيخ محمد الزبداني وكان فريدًا في صناعة التراكيبوالتقاطير واستخراج المياه والأدهان وغير هؤلاء ممن رأيت ومن لم أر وحضر إليه طلابمن الإفرنج وقرأوا عليه علم الهندسة وذلك سنة تسع وخمسيـن وأهـدوا لـه مـن صنائعهـموآلاتهـم أشيـاء نفيسـة وذهبـوا إلى بلادهم ونشروا بها ذلك العلم مـن ذلـك الوقـتوأخرجـوه من القوة إلى الفعل واستخرجوا به الصنائع البديعة مثل طواحين الهواء وجرالأثقال واستنباط المياه وغير ذلك‏.‏
وفي أيام اشتغاله بالرسم رسم ما لا يحصى من المنحرفات والمزاول علىالرخامات والبلاط الكذان ونصبها في أماكن كثيرة ومساجد شهيرة مثل الأزهر والأشرفيةوقوصون ومشهد الإمام الشافعي والسادات‏.‏
وفي الآثـار منـاه ثلاثـة واحدة بأعلى القصر وأخرى على البوابةوأخرى عظيمة بسطح الجامع بقي منها قطعة وكسر باقيها فراشو الأمراء الذين كانواينزلـون هنـاك للنزاهـة ليمسحـوا بهـا صوانـي الأطعمـة السفـر وكذلك بورد أنبالتماس مصطفى أغا الورداني وكذلك بحوش مدفن الرزازين بالتماس رضوان جربجي الرزازرحمه الله ولما تمهر الآخذون عنه والملازمون عنده ترك الاشتغال بذلك وأحال الطلابعليهم فإذا كان الطالـب مـن أبنـاء العـرب تتقيـد بتلميـذه الشيـخ محمـد ابـناسمعيـل النفراوي وإن كان من الأعاجم والأتراك تقيد بمحمود أفندي النيشي‏.‏
واشتغل هو بمدارسة الفقه وإقرائه ومراجعة الفتاوى والتحري في الفروعالفقهية والمسائل الخلاقية وانكب عليه الناس يستفتونه في وقائعهم ودعاويهم‏.‏
وتقرر في أذهانهم تحريه الحق والنصوص حتى أن القضاة لا يثقون إلابفتواه دون غيره وتقيد للمراجعة عنده الشيخ عبد الرحمن العريشي فانفتحت قريحته وراجأمـره وترشح بعده للإفتاء‏.‏
وكان المترجم لا يعتني بالتأليف إلا في بعض التحقيقات المهمة منهـانزعـة العينيـن فـي زكـاة المعدنيـن ورفـع الأشكال بظهور العشر في العشر في غالبالأشكال والأقوال المعربة عن أحوال الأشربة وكشف اللثام عن وجوه مخدرات النصف الأولمن ذوي الأرحام والوشي المجمل في النسب المحمل والقول الصائب في الحكم على الغائبوبلوغ الآمال في كيفية الاستقبال والجداول البهية برياض الخزرجية في علم العروضوإصلاح الأسفار عن وجـوه بعـض مخـدرات الدر المختار ومآخذ الضبط في اعتراض الشرطعلى الشرط والنسمات الفيحية على الرسالة الفتحية والعجالة على أعدل آلة وحقائـقالدقائـق علـى دقائـق الحقائـق وأخصر المختصرات على ربع المقنطرات والثمرات المجنيةمن أبواب الفتحية والمفصحة فيمـا يتعلـق بالأسطحـة والـدر الثميـن فـي علـمالموازيـن وحاشيـة على شرح قاضي يزادة على الجغميني لم تكمل وحاشية على الدرالمختار لم تكمل ومناسك الحج وغير ذلك جواش وتقييدات على العصام والحفيد والمطولوالمواقف والهداية في الحكمة والبرزنجي على قاضي زاده وأمثله وبراهين هندسية شتى‏.‏
وما له من الرسومات المخترعة والآلات النافعة المبتدعة ومنها الآلةالمربعـة لمعرفـة الجهـات والسمـت والانحرافـات بأسهـل مأخـذ وأقـرب طريق والدائرةالتاريخية وبركـار الدرجـة‏.‏
واتفـق أنه في سنة اثنتين وسبعين وقع الخلل في الموازين والقبابينوجهل أمر وضعهـا ورسمهـا وبعـد تحديدها وريحها ومشيلها واستخراج رمامينها وظهر فيهاالخطأ واختلفت مقادير الموزونات وترتب على ذلك ضياع الحقوق وتلاف الأموال وفسد علىالصناع تقليدهم الذي درجوا عليه فعند ذلك تحركت همة المترجم لتصحيح ذلك وأحضرالصناع لذلك من الحدادين والسباكين وحرر المثاقيل والصنج الكبار والصغاروالقرسطونات ورسمهـا بطريـق الاستخـراج علـى أصـل العلـم العملـي والوضع الهندسيوصرف على ذلك أموالًا من عنده ابتغاء لوجه الله ثم أحضر كبار القبانية والوزانينمثـل الشيـخ علـي خليـل والسيـد منصـور والشيـخ علـي حسـن والشيـخ حسـن ربيـعوغيرهـم وبيـن لهـم ما هم عليه من الخطأ وعرفهم طريق الصواب في ذلك وأطلعهم على سرالوضع والصنعة ومكنونها وأحضروا العدد وأصلحوا منها مـا يمكـن إصلاحـه وأبطلـوا مـاتقـادم وضعـه وفسـدت لقمه ومراكزه وقديوا بصناعة ذلك الأسطى مراد الحداد ومحمد ابنعثمان حتى تحررت الموازين وانضبط أمرها وانصلح شأنها‏.‏
وسرت في الناس العدالة الشرعية المأمورين بإقامتها واستمر العمل فيذلك أشهرًا وهذا هو السبب الحامل له على تصنيف الكتاب المذكور وهذا هو ثمرة العلمونتيجة المعرفة والحكمة المشار إليها بقوله تعالى‏:‏ يؤتي الحكمة من يشاء‏.‏
ولما وصل إلى مصر الشيخ إبراهيم بن أبي البركات العباسي البغداديالشهير بابن السويدي في سنة 1175 وكان إمامًا فاضلًا فصيحًا مفوهًا ينظم الشعربالإملاء ارتجالًا في أي قافية من أي بحر من غير تكلف فأنزلـه المترجـم وأكرمـهواغتبـط بـه وصار يتنقل صحبته مع الجماعة بمنازل بولاق والمنتزهات‏.‏
واتفق أنه تمرض أيامًا فأقام بمنزل بولاق المشرف على النيل فقيد بهمن يعوله ويخدمه ويعلل مزاجه فكان كلما اختلى بنفسه وهبت عليه النسمات الشماليةوالنفحات البحرية أخذ القلم ببنانه ونقش على أخشابه وحيطانه فكتب نحو العشرين قصيدةعلى مواقف عديدة كلها مدائح فـي المذكـور والرياض والزهور والكوثر والسلسبيل وجريانالنيل وتركت بحالها وذهبت كغيرها‏.‏
وفي سنة تسـع وسبعيـن توفـي ولـده أخـي لأبـي أبـو الفلـاح علـيوقـد بلـغ مـن العمر اثنتي عشرة سنة‏.‏
فحزن عليه وانقبض خاطره وانحرف مزاجه وتوالت عليه النوازل وأوجاعالمفاصل وترك الذهاب إلى بولاق وغيرها ونقل العيال من هناك ولازم البيت الذيبالصنادقية واقتصـر عليـه وفتـر عـن الحركـة إلا فـي النـادر‏.‏
وصـار يملـي الـدروس بالمنـزل ويكتب على الفتاوى ويراجع المسائلالشرعية والقضايا الحكمية مع الديانة والتحري والمراجعة والاستنباط والقياس الصحيحومراعاة الأصول والقواعد ومطارحات لتحقيقات والفوائد‏.‏
وتلقي الوافدين وإكرام الواردين وإطعام الطعام وتبليغ االقاصدالمرام ومراعاة الأقارب والأجانب مع البشاشة وليـن الجانـب وسعـة الصـدر وحسـنالأخلاق مع الخلان والأصحاب والرفاق ويخدم بنفسه جلاسه ولا يمل معهم إيناسه ولايبخل بالموجود ولا يتكلف المفقود ولا يتصنع في أحواله ولا يتمشدق في أقواله ويلاحظالسنة في أفعاله‏.‏
ومن أخلاقه أنه كان يجلس بآخر المجلس على أي هيئة كان بعمامةوبدونها ويلبس أي شيء كان ويتحزم ولو بكنار الجوخ أو قطعة خرقة أو شال كشميري أومحزم ولا ينام علـى فراش ممهد بل ينام كيفما اتفق وكان أكثر نومه وهو جالس وله معالله جانب كبير كثير الذكر دائم المراقبة والفكر ينام أول الليل ويقوم آخره فيصليما تيسر من النوافل والوتر ثم يشتغـل بالذكر حتى يطلع الفجر فيصلي الصبح ويجلس كذلكإلى طلوع الشمس فيضطجع قليلًا أو ينام وهو جالس مستندًا وهذا دأبه على الدوام‏.‏
ويحاذر الرياء ما أمكن وكان يصوم رجب وشعبـان ورمضـان ولا يقـول إنيصائم وربما ذهب بعض الأعيان أو دعي إلى وليمة فيأتون إليه بالقهوة والشربات فلا يردذلك بل يأخذها ويوهم الشرب وكذلك الأكل ويضايع ذلك بالمؤانسة والمباسطـة مـع صاحـبالمكـان والجالسيـن‏.‏
وكـان مع مسايرته للناس وبشاشته ومخاطبته لهم على قدر عقولهم عظيمةالهيبة في نفوسهم وقورًا محتشمًا ذا جلال وجمال‏.‏
وسمعت مرة شيخنا سيدي محمودًا الكردي يقول‏:‏ أنا عندما كنت أراهداخلًا في دهليز الجامع يداخلني منه هيبة عظيمة وأدخل إلى رواقنا وأنظر إليه منداخل وأسأل المجاورين عنه فيقولون لي هذا الشيخ الجبرتي فأتعجب لما يداخلني منهيبته دون غيره من الأشياخ فلما تكرر علي ذلك أخبرت الأستاذ الحنفي فتبسم وقال لينعم إنه صاحب أسرار‏.‏
وكان مربوع القامة ضخم الكراديس أبيـض اللـون عظيـم اللحيـة منـورالشيبة واسع العينين غزير شعر الحاجبين وجيه الطلعة يهابه كل مـن يـراه ويـود أنـهلا يصـرف نظـره عـن جميـل محيـاه‏.‏
ولـم يـزل علـى طريقته المفيدة وأفعاله الحميدة إلى أن آذنـت شمسـهبالـزوال وغربـت بعدما طلعت من مشرق الإقبال وتعلل اثني عشر يومًا بالهيضةالصفراوية فكان كلما تناول شيئًا قذفته معدته عندما يريد الاضطجاع إلى أن اقتصر علىالمشروبـات فقـط وهـو مع ذلك لا يصلي إلا من قيام‏.‏
ولم يغب عن حواسه وكان ذكره في هذه المـدة يقـرأ الصمديـة مـرة ثـميصلـي على النبي صلى الله عليه وسلم بالصيغة السنوسية كذلك ثم الاسم العشرين منالأسماء الإدريسية وهو‏:‏ يا رحيـم كـل صريـخ ومكـروب وغياثـه ومعـاذه هكـذا كاندأبه ليلًا نهارًا حتى توفي يوم الثلاثاء قبيل الزوال غرة شهر صفر من السنة وجهز فيصبحة يوم الأربعاء وصلي عليه بالأزهر بمشهد حافل جدًا ودفن عند أسلافه بتربةالصحراء بجوار الشمس البابلي والخطيب الشربيني ومات وله من العمر سبع وسبعون سنة‏.‏ومات
الإمام العلامة الفقيه المعمر الشيخ أحمد بن محمد الحماقي الحنفي
كان أبوه مـن كبـار علماء الشافعية فتحنف هذا بأذن الإمام الشافعيوالشيخ أحمد البنوفري والشيخ سليمـان المنصوري وغيرهم وتصدر رضي الله عنه لرؤيارآها وكان يخبر بها من لفظه وتلقى عن أئمة عصره كالشيخ أحمد الدقدوسي والشيخ عليالعقدي ومحمد عبد العزيز الزيادي والشيخ أحمد البنوفري والشيخ سليمان المنصوريوغيرهم وتصدر للإقراء والتدريس بالجامع الأزهر مـدة سنيـن ثـم تولـى مشيخـة إفتـاءالحنفيـة بعد موت الشيخ حسن المقدسي‏.‏
وكان إنسانًا حسنًا دمـث الأخلـاق حسـن العشـرة صافـي الطوية عارفًابفروع المذهب لين الجانب لا يتحاشى الجلوس فـي الأسـواق والقهـاوي وكـان إخوانـهمـن أهـل العلـم ينقمـون عليـه في ذلك فلا يبالي باعتراضهم ولم يزل حتى توفي في سحرليلة الجمعة خامس عشرى صفر من السنة رحمه الله‏.‏
ومـات الإمـام الفقيه العلامة المحدث الفرضي الأصولي الورع الزاهدالصالح الشيخ أحمد بن محمد بن محمد بن شاهين الراشدي الشافعي الأزهري ولد بالراشديةقرية بالغربية سنة 1118 وبها نشأ وحفظ القرآن وجوده وقدم الأزهر فتفقه على الشيخمصطفى العزيزي والشيخ مصطفى العشماوي وأخذ الحساب والفرائض عن الشيخ محمد الغمريوسمع الكتب الستة على الشيخ عيـد النمرسـي بطرفيهـا وبعضهـا علـى الشيخ عبد الوهابالطندتاوي وسيدي محمد الصغير وله شيوخ كثيرون‏.‏
ورافق الشيخ الوالد وعاشره مدة طويلة وتلقى عنه وهو أحد أصحابه منالطبقة الأولى ولم يزل محافظًا على وده وتردده ومؤانسته ويتذكر الأزمان السالفةوالأيام الماضية ولـه شيـوخ كثيـرون‏.‏
وكـان مـن جملـة محفوظاتـه البهجـة الوردية وقد انفرد في عصره بذلكواعتني بالكتب الستة كتابة ومقابلة وتصحيحًا وكان حسن التلاوة للقرآن حلو الأداء معمعرفته بأصول الموسيقـى ولذلـك ناطـت بـه رغبـة الأمـراء فصلـى إمامـًا بالأميرمحمد بك ابن اسمعيل بك مع كمال العفة والوقار والانجماع عن الناس حتى أن كثيرًامنهم يود أن يسمع منه خربًا من القرآن فلا يمكنه ذلك ثم أقلع عن ذلك وأقبل علىإفادة الناس فقرأ المنهج مرارًا وابن حجر على المنهاج مرارًا وكان يتقنه ويحلمشكلاته بكمال التؤدة والسكينة فاستمر مدة يقرأ دروسه بمدرسة السنانيـة قـربالأزهـر ثـم انتقـل إلـى زاويـة قـرب المشهـد الحسيني وكان تقرير مثل سلاسل الذهبفـي حسـن السبـك وقـد انتفـع به كثير من الأعلام ولما بنى المرحوم محمد بك أو الذهبالمدرسة تجـاه الجامـع الأزهر في هذه السنة راوده أن يكون خطيبًا بها فامتنع فألحعليه وأرسل له صرة فيها دنانير لها صورة فأبى أن يقبل ذلك ورده فألح عليه فلما أكثرعليه خطب بها أول جمعة وألبسه فروة سمور وأعطاه صرة فيها دنانير فقبلها كرهًا ورجعإلى منزله محمومًا يقال فيما بلغنـي أنـه طلـب مـن اللـه أن لا يخطـب بعـد ذلـكفانقطـع في منزله مريضًا إلى أن توفي ليلة الثلاثاء ثاني شوال من السنة وجهز ثانييوم وصلى عليه بالأزهر في مشهد حافل ودفن بالقرافة الصغرى تجاه قبة أبي جعفرالطمحاوي ولم يخلف بعده في جمع الفضائل مثله‏.‏
وكان صفته نحيف البدن منور الوجه والشيبة ناتئ الجبهة ولا يلبس زيالفقهاء ولا العمامة الكبيرة بل يلبس قاووقـًا لطيفـًا فتلـي ويركـب بغلـة وعليهـاسلـخ شـاة أزرق‏.‏
وأخـذ كتبـه الأميـر محمد بك ووقفها في كتبخانته التي جعلها بمدرستهوكان لها جرم وكلها صحيحة مخدومة وسرق غالبها‏.‏
ومات الشيخ الصالح سعد بن محمد بن عبد الله الشنواني حصل في مباديهشيئًا كثيرًا من العلوم ومال إلى فن الأدب فمهر فيه وتنزل قاضيًا في محكمة بابالشعرية بمصر وكان إنسانًا حسنًا بينه وبين الفضلاء مخاطبات ومحاورات وشعره حسنمقبول وله قصائد ومدائح فـي الأوليـاء وغيرهـم أحسن فيها ولم أعثر على شيء منهاوجدد له شيخنا السيد مرتضى نسبة إلـى الشيـخ شهـاب الديـن العراقـي دفيـن شنـوان‏.‏
توفـي يـوم السبـت خامس جمادى الثانية من السنة وقد جاوز السبعينرحمه الله‏.‏
ومـات العلامـة الفقيه الصالح الدين الشيخ علي بن حسن المالكيالأزهري قرأ على الشيخ علي العـدوي وبـه تخـرج وحضر غيره من الأشياخ ومهر في الفقهوالمعقول وألقى دروسًا بالأزهر ونفع الطلبـة وكان ملازمًا على قراءة الكتب النافعةللمبتدئين مثل أبي الحسن وابن تركي والعشماوية في الفقه وفي النحو الشيخ خالدوالأزهرية والشذور وحلقة درسه عظيمة جدًا وكان لسانه أبدًا متحركًا بذكرى الله‏.‏
توفي ليلة الخميس منتصف ربيع الأول من السنة ودفن بالمجاورين‏.‏
ومـات الشيـخ الإمـام المحـدث البـارع الزاهـد الصوفـي محمـد بـنأحمـد ابـن سالـم أبـو عبد الله السفريتي النابلسـي الحنبلبـي ولـد كما وجد بخطهسنة 1114 تقريبًا بسفارين وقرأ القرآن في سنة إحدى وثلاثيـن فـي نابلـس واشتغـلبالعلم قليلًا وارتحل إلى دمشق سنة ثلاث وثلاثين ومكث بها قدر خمـس سنوات فقرأ بهاعلى الشيخ عبد القادر التغلبي دليل الطالب للشيخ مرعي الحنبلي من أولـه إلـى آخـرقراءة تحقيق والإقناع للشيخ موسى الحجازة وحضره في الجامع الصغير للسيوطي بيـنالعشائيـن وغيـره مما كان يقرأ عليه في سائر أنواع العلوم وذاكره في عدة مباحث منشرحه على الدليل فمنها ما رجع عنها ومنها ما لم يرجع لوجود الأصول التي نقل منهاوكان يكرمه ويقدمـه علـى غيـره وأجـازه بمـا فـي ضمـن ثبتـه الـذي خرجه له الشيخمحمد بن عبد الرحمن الغزى في سنة خمس وثلاثين وعلى الشيخ عبد الغني النابلسيالأربعين النووية وثلاثيات البخاري والإمـام أحمـد وحضـر دروسـه فـي تفسيـر القاضـيوتفسيـره الذي صنفه في علم التصوف وأجازه عمومًا بسائر ما يجوز له وبمصنفاته كلهاوكتب له إجازة مطولة وذكر فيها مصنفاته وعلـى الشيخ عبد الرحمن المجلد ثلاثياتالبخاري وحضر دروسه العامة وأجازه وعلى الشيخ عبد السلـام ابن محمد الكاملي بعض كتبالحديث وشيئًا من رسائل أخوان الصفا وعلى ملا الياس الكوراتي كتب المعقول وعلىالشيخ اسمعيل بن محمد العجلوني الصحيح بطرفيه مع مراجعة شروحه الموجودة في كل رجبوشعبان ورمضان من كل سنة مدة إقامته بدمشق وثلاثيات البخاري وبعض ثلاثيات أحمدوشيئًا من الجامع الصغير مع مراجعة شرحه للمناوي والعلقمي وشيئًا من الجامع الكبيروبعضًا من كتاب الإحياء مع مراجعة تخريج أحاديثه للزيـن العراقـي والأندلسية فيالعروض مع مطالعة بعض شروحها وبعضًا من شرح شذور الذهب وشرح رسالة الوضع مع حاشيتهالتي ألفها وحاشية ملا الياس وأجـازه بكـل ذلـك وبمـا يجـوز لـه روايتـه وعلـىالشيـخ أحمـد بـن علـي المنيني شرح جمع الجوامع للمحلى وشرح الكافية لملا جاميوشـرح القطـر للفاكهـي وحضـر دروسـه للصحيـح وشرحـه علـى منظومـة الخصائـص الصغرىللسيوطي وقد أجازه بكل ذلك إجازة مطولة كتبها بخطه وعلى الشيخ محمد بن عبد الرحمنالغزي بعضًا من شرح ألفية لعراقي لزكريا وأول سنن أبي داود وعلى قريبه الشيخ أحمدالغزي غالب الصحيح بالجامع الأموي بحضرة جملة من كبار شيوخ المذاهب الأربعة وعلىالشيـخ مصطفـى بـن سـوار أول صحيـح مسلـم وعلـى حامـد أفنـدي مفتـي الشـام المسلسـلبالأوليـة وثلاثيات البخاري وبعض ثلاثيات أحمد وحج سنة ثمان وأربعين فسمع بالمدينةعلى الشيخ محمد حياة المسلسل بالأولية وأوائل الكتب الستة وتفقه على شيخ المذهبمصطفى بن عبد الحـق اللبـدي وطـه بن أحمد اللبدي ومصطفى بن يوسف الكرمي وعبد الرحيمالكرمي والشيخ المعمـر السيـد هاشـم الحنبلي والشيخ محمد السلقيني وغيرهم ومن شيوخهالشيخ محمد الخليلي سمـع عليـه أشيـاء والشيـخ عبـد اللـه البصـروي سمـع عليـهثلاثيـات أحمـد مع المقابلة بالأصل المصحح والشيـخ محمد الدقاق أدركه بالمدينة وقرأعليه أشياء واجتمع بالسيد مصطفى البكري فلازمه وقرأ عليه مصنفاته وأجازه بما لهوكتب له بذلك وله شيوخ أخر غير من ذكرت وله مؤلفات منهـا شـرح عمـدة الأحكـامللحافـظ عبـد الغنـي فـي مجلدين وشرح ثلاثيات أحمد في مجلد ضخم وشـرح نونيـةالصرصـري الحنبلـي سمـاه معـارج الأنـوار فـي سيـرة النبي المختار وبحر الوفا فيسيرة النبي المصطفى وغذاء الألباب في شرح منظومة الآداب والبحور الزاخرة في علومالآخـرة وشـرح الـدرة المضيـة فـي اعتقـاد الفرقـة الأثريـة ولوائـح الأنـوارالسنيـة فـي شرح منظومة أبي بكر بن أبي داود الحائية وكان المترجم شيخًا ذا شيبةمنورة مهيبًا جميل الشكل ناصرًا للسنة قامعًا للبدعـة قـوالًا بالحـق مقبـلًا علـىشأنـه مداومـًا على قيام الليل في المسجد ملازمًا على نشر علوم الحديث محبًا فيأهلـه ولا زال يملـي ويفيـد ويجيـز مـن سنـة ثمـان وأربعيـن إلـى أن توفـي يـومالاثنيـن ثامـن شوال من هذه السنة بنابلس وجهز وصلي عليه بالجامع الكبير ودفنبالمقبرة الزاركنية وكثر ومات العمدة المبجل الفاضل الشيخ أحمد بن محمد بن عبدالسلام الشرفي المغـرب الأصـل المصري المولد وكان والده شيخًا على رواق المغاربةبالجامع الأزهر ومن شيوخ الشيخ أحمد الدمنهوري وولده هذا كان له معرفة بعلم الميقاتومشاركة حسنة وفيه صداقة ود وحسن عشرة مع الإخوان ومكارم أخلاق ويدعو الناسوالعلماء في المولد النبوي إلى بيته بالأزبكية ويقدم لهم الموائد والحلوى وشرابالسكر وكان لديه فوائد وآثر حسنة توفي سابع عشر ربيع الأول من السنة وقد جاوزالسبعين رحمه الله‏.‏
ومـات العمـدة الفاضـل الشيـخ زيـن الديـن قاسـم العبـادي الحنفـيتفقه على الشيخ سلمان المنصـوري والشيـخ أحمـد بـن عمـر الاسقاطـي إلـى أن صـاريقـرأ درسـًا فـي المذهـب ولم يزل ملازمًا شأنه حتى توفي ثالث عشر الحجة من السنةوقد ناهز الثمانين رحمه الله‏.‏
ومات العمدة المعمر الشيخ عبد الله الموقت بجامع قوصون وكان يعرفبالطويل وكان إنسانًا صالحًا ناسكًا ورعًا توفي فجأة في الحمام ثاني عشر الحجة عنسبع وثمانين سنة‏.‏
ومات العمدة الفاضل الأديب الماهر الشيخ علي بن أحمد بن عبد الرحمنابن محمد بن عامر العطشي الفيومي الشافعي وهو أخو الشيخ أحمد العطشي وكان له مذاكرةحسنـة وحضـر على الشيخ الحنفي وغيره وكان نعم الرجل توفي في جمادى الآخرة‏.‏
ومات السيد الشريف المعمر محمد بن حسن بن محمد الحسني الوفائي باشجاويش السادة الأشراف أخـذ عـن الشيـخ المعمـر يوسـف الطولونـي وكـان يحكـي عنـهحكايـات مستحسنـة وغرائـب وكـان متقيـدًا بالسيـد محمـد أبـي هـادي الوفائـي فـيأيـام نقابتـه على الأشراف ولديه فضيلة وفوائد توفي هذه السنة عن نحو ثمانين سنة‏.‏
ومات الشيخ الصالح سليمان بن داود بن سليمان بن أحمد الخربتاوي وكانمن أهل المروءة والدين توفي ثامن عشرى المحرم من السنة في عشر الثمانين‏.‏
ومات الجناب المكرم الأمير أحمد أغا البارودي وهو مـن مماليـكإبراهيـم كتخـدا القازدغلـي وتـزوج بابنتـه التـي مـن بنـت البـارودي وسكـن معها فيبيتهم المشهور خارج باب سعادة والخرق وولد له منها أولاد ذكور وإناث ومنهم صاحبناإبراهيم جلبي وعلي ومصطفى وهو أستاذ محمـد أغـا الآتـي ذكـره‏.‏
تقلـد المترجـم فـي أيـام علـي بـك مناصـب جليلـة مثـل أغاويةالمتفرقة وكتخدا الجاويشية وكان إنسانًا حسنًا صافي الباطن لا يميل ضبعه لسوى عملالخير ويحب أهل العلم وممارستهـم وكـان لـه ميـل عظيـم واعتقـاد حسـن فـي المرحـومالشيخ الوالد ويزوره في كل جمعةة مع غاية الأدب والامتثال ومما شاهدته من كمال أدبهوشدة اعتقاه وحبه أنه صادفه مرة بالطريق وهو إذ ذاك كتخدا الجاويشية وهو راكب فيأبهته وأتباعه والشيخ راكب على بغلته فعندما رآه ترجل ونزل عن جواده وقبل يده فأنكرعليه فعله واستعظمه واستحى منه والتمس منه أن يقيد به بعض الكلبة ليقرئه شيئًا منالفقه والدين فقيد به الشيخ عبد الرحمن العريشي فكان يذهب إليه ويطالع له القدوريوغيره وكان يكرمه ويواسيه ولم يزل على حسن حالته حتى توفي في سابـع جمـادى الأولـىمـن السنـة وكـان لـه فـي منزلـه خلـوة ينفـرد فيهـا بنفسـه ويخلـع ثيـاب الأبهـةويلبس كساء صوف أحمر على بدنه ويأخذ سبحة كبيرة يذكر ربه عليها‏.‏
ومات الأمير الصالح خليل أغا مملوك الأمير عثمان بك الكبير تابع ذيالفقار وهو أستاذ الأمير علـي خليل توفي ببلد له بالفيوم وجيء به ميتًا في عشيةنهار السبت حادي عشرين جمادى الثانية من السنة فغسل وكفن ودفن بالقرافة وكانإنسانًا دينًا خيرًا محبًا للعلماء والصلحاء‏.‏
ومات الأمير اسمعيل أفندي تابع المرحوم الشريف محمد أغا كاتبالبيورلدي وكان إنسانًا خيرًا صالحًا توفي يوم الأحد ثاني عشرين جمادى الثانية‏.‏
ومات السيد المعمر الشريف عبد اللطيف أفندي نقيب الأشراف بالقـدسوابـن نقبائهـا عـن تسعين سنة تقريبًا وولى بعده أكبر أولاده السيد عبد الله أفنديرحمه الله‏.‏
ومات الأمير المبجل محمد أفندي جاوجان ميسو وكان حافظ لكتاب اللهموفقًا وفيه فضيلة وفصاحة ويحب العلماء والأشراف ويحسن إليهم‏.‏
توفي ليلة الاثنين عشرين ربيع الأول وصلى ومات الأمير مصطفى بكالصيداوي تابع الأمير علي بك القازدغلي‏.‏
وكان سبب موته أنه خـرج إلـى الخـلاء جهـة قصـر العينـي وركـضجـواده فسقـط عنـه ومـات لوقتـه وحمـل إلـى منزله بدرب الحجر وجهز وكفن ودفنبالقرافة وذلك في منتصف ربيع الأول من السنة‏.‏
ومات الأمير علي أغا أبو قوره من جماعة الوكيل سادس عشر ربيع الأولسنة تاريخه‏.‏
ومات الأمير محمد أفندي الزاملي كاتب قلم الغربيـة وكـان صاحـببشاشـة وتـودد وحسـن أخلـاق‏.‏
توفـي رابـع عشريـن صفـر مـن السنـة وخلـف ولـده حسـن أفنـدي قلفـةالغربيـة الآتـي ذكره في سنة 1202‏.‏
ومات الخواجا المكرم الحاج محمد عرفات الغزاوي التاجر وهو والد عبدالله ومصطفى‏.‏
توفي يوم الثلاثاء ثامن صفر من السنة والله تعالى أعلى‏.‏
سنة تسع وثمانين ومائة وألف فيها عزم محمد بك أبو الذهب على السفروالتوجه إلى البلاد الشامية بقصد محاربة الظاهر عمر واستخلاص ما بيده من البلادفبرز حاميه إلى العادلية وفـرق الأمـوال والتراحيـل علـى الأمراء والعساكروالمماليك واستعد لذلك استعدادًا عظيمًا في البحر والبـر وأنـزل بالمراكـب الذخيـرةوالجبخانـة والمدافع والقنابل والمدفع الكبير المسمى بأبو مايلة الذي كان سبكه فيالعام الماضـي‏.‏
وسافـر بجموعـه وعساكـره في أوائل المحرم وأخذ صحبته مراد بكوإبراهيم بك طنان واسمعيـل بـك تابـع اسمعيـل بـك الكبيـر لا غيـر وتـرك بمصـرإبراهيـم بـك وجعلـه عوضـًا عنـه فـي إمارة مصـر واسمعيـل بـك وباقـي الأمراءوالباشا بالقلعة وهو مصطفى باشا النابلسي وأرباب العكاكيز والخـدم والوجاقليـة‏.‏
ولـم يـزل فـي سيـره حتـى وصـل إلـى جهـة غزة وارتجت البلاد لورودهولم يقف أحد في وجهه وتحصن أهل يافا بها وكذلك الظاهر عمر تحصن بعكا فلما وصل إلىيافا حاصرها وضيق على أهلها وامتنعوا عم أيضًا عليه وحاربوه من داخل وحاربهم منخارج ورمى عليهم بالمدافع والمكاحل والقنابر عدة أيام وليالي فكانوا يصعـدون إلـىأعلـى السـور ويسبون المصريين وأميرهم سبًا قبيحًا‏.‏
فلم يزالوا بالحرب عليها حتى نقبوا أسوارها وهجموا عليها من كلناحية وملكوها عنوةونهبوها وقبضوا على أهلها وربطوهم في الحبال والجنازير وسبـواالنسـاء والصبيـان وقتلـوا منهـم مقتلة عظيمة‏.‏
ثم جمعوا الأسرى خارج البلد ودوروا فيهم السيـف وقتلوهـم عـن آخرهـمولـم يميـزوا بيـن الشريـف والنصرانـي واليهـودي والعالم والجاهل والعامي والسوقيولا بين الظالم والمظلوم وربما عوقب من لا جنى وبنوا من رؤوس القتلى عدة صوامعووجوههـا بـارزة تنسـف عليهـا الأتربـة والرياح والزوابع ثم ارتحل عنها طالبًا عكافلما بلغ الظاهر عمر ما وقع بيافا اشتد خوفه وخرج من عكا هاربًا وتركها وحصونهافوصل إليها محمد بك ودخلها من غير مانع وأذعنت له باقي البلاد ودخلوا تحت طاعتهوخافـوا سطوتـه وداخـل محمـد بـك مـن الغـرور والفرح ما لا مزيد عليه وما آل به إلىالموت والهلاك‏.‏
وأرسل بالبشائر إلى مصر والأمراء بالزينة فنودي بذلك وزينت مصروبولاق القاهرة وخارجها زينة عظيمة وعمل بها وقدات وشنكات وحراقات وأفراح ثلاثةأيام بلياليها وذلك في أوائل ربيع الثاني‏.‏
فعند انقضاء ذلك ورد الخبر بموت محمد بك واستمر في كل يوم يفشوالخبر وينمو ويزيد ويتناقل ويتأكـد حتـى وردت السعـاة بتصحيـح ذلـك وشـاع فـيالنـاس وصـاروا يتعجبون ويتلون قوله تعالى‏:‏ حتـى إذا فرحـوا بمـا أوتـوا أخذناهـمبغتـة فـإذا هم مبلسون‏.‏
وذلك أنه لما تم له الأمر وملك البلاد المصريـة والشاميـة وأذعـنالجميـع لطاعتـه وقـد كان أرسل اسمعيل أغا أخا علي بيك الغزاوي إلى إسلامبول يطلبأمرية مصر والشام وأرسل صحبته أموالًا وهدايا فأجيب إلى ذلك وأعطوه التقاليد والخلعوالبرق والداقم وأرسل له المراسلات والبشائر بتمام الأمر فوافاه ذلك يوم دخوله عكافامتلأ فرحًا وحم بدنه في الحال فأقام محمومًا ثلاثة أيام ومات ليلة الرابع ثامنربيع الثاني‏.‏
ووافى خبر موته اسمعيل أغا عندما تهيأ نزل في المراكب يريد المسيرإلى مخدومه فانتقض الأمر وردت التقاليد وباقي الأشياء‏.‏
ولما تم له أمر يافا وعكا وباقي البلاد والثغور فـرح الأمـراءوالأجنـاد الذيـن بصحبته برجوعهم إلى مصر وصاروا متشوقين للرحيل والرجوع إلىالأوطـان‏.‏
فاجتمعـوا إليـه فـي اليوم الذي نزل به ما نزل في ليته فتبين لهم منكلامه عدم العود وأنـه يريد تقليدهم المناصب والأحكام بالديار الشامية وبلادالسواحل وأمرهم بإرسال المكاتبـات إلـى بيوتهم وعيالهم بالبشارات بما فتح اللهعليهم وما سيفتح لهم ويطمنوهم ويطلبوا احتياجاتهم ولوازمهم المحتاجين إليها منمصر‏.‏
فعند ذلك اغتموا وعلموا أنهم لا براح لهم وإن أملـه غيـر هـذا وذهـبكل إلى مخيمة يفكر في أمره قال الناقل‏:‏ وأقمنا على ذلك الثلاة أيام التي تمرضفيها وأكثرنا لا يعلم بمرضه ولا يدخل إليه إلا بعض خواصه ولا يذكرون ذلك إلا بقولهمفي اليـوم الثالـث أنـه منحـرف المـزاج‏.‏
فلمـا كـان فـي صبـح الليلـة التـي مـات بهـا نظرنـا إلـى صيوانـهوقـد انهدم ركنه وأولاد الخزنة في حركة ثم زاد الحال وجردوا على بعضهم السلاح بسببالمـال وظهر أمر موته وارتبك العرضي وحضر مراد بيك فصدهم وكفهم عن بعضهم وجمعكبراءهم وتشاوروا في أمرهم وأرضى خواطرهم خوفًا من وقوع الفشل فيهم وتشتتهم في بلادالغربة وطمـع الشامييـن وشماتتهم فيهم‏.‏
واتفق رأيهم على الرحيل وأخذوا رمة سيدهم صحبتهم ولما تحقـق عندهـمأنهم إن دفنوه هناك في بعض المواضع أخرجه أهل البلاد ونبشوه وأحرقوه فغسلوه وكفنوهولفوه في المشمعات ووضعوه في عربة وارتحلوا به طالبين الديار المصرية‏.‏
فوصلوا في ستة عشر يومًا ليلة الرابع والعشرين من شهر ربيع الثانيأواخر النهار فأرادوا دفنه بالقرافة‏.‏
وحضر الشيخ الصعيدي فأشار بدفنه في مدرسته تجاه الأزهر فحفروا لهقبرًا في الليوان الصغير الشرقي وبنوه ليلًا ولما أصبح النهار عملوا له مشهدًاوخرجوا بجنازته من بيته الذي بقوصون ومشـى أمامـه المشايـخ والعلمـاء والأمـراءوجميـع الأحـزاب والـأوراد وأطفـال المكاتـب وأمام نعشه مجامر العنبر والعود سترًاعلى رائحته ونتنه حتى وصلوا به إلى مدفنه وعملوا عنده ختمات وقراءات وصدقـات عـدةليـال وأيـام نحـو أربعيـن يومـًا‏.‏
واستقـرأ تباعـه أمـراء ورئيسهم إبراهيم بيك ومراد بيك وباقيهمالذين أمرهم في حياته ومات عنهم يوسف بيك وأحمد بيك الكلارجي ومصطفى بيك الكبيروأيوب بيك الكبير وذو الفقار بيك ومحمد بيك طبـال ورضـوان بيـك والذين تأمروا بعدهأيوب بك الدفتردار وسليمان بيك الأغا وإبراهيم بيك الوالـي وأيـوب بيـك الصغيـروقاسـم بيـك الموسقـو وعثمـان بيـك الشرقـاوي ومـراد بيـك الصغيـر وسليم بيك أبودياب ولاجين بيك وسيأتي ذكر أخبارهم‏.‏
من مات في هذه السنة من الأعيان مات الإمام الهمام شيخ مشايخالإسلام عالم العلماء الأعلام إمام المحققين وعمدة المدققين الشيخ علـي بـن أحمـدبـن مكـرم اللـه الصعيـدي العـدوي المالكـي ولـد ببني عدى كما أخبر عن نفسه سنة 112ويقال له أيضًا المنفيسي لأن أصوله منها وقدم إلى مصر وحضر دروس المشايخ كالشيخ عبدالوهاب الملوى والشيخ شلبي البرلسي والشيخ سالم النفراوي والشيخ عبد الله المغربيوالسيد محمد السلموني ثلاثتهم عن الخرشي وأقرانه وكسيدي محمد الصغير والشيخ إبراهيمالفيومي ومحمـد بن زكريا والشيخ محمد السجبيني والشيخ إبراهيم شعيب المالكي والشيخأحمد الملوى والشيـخ أحمـد الديربـي والشيخ عيد النمرسي والشيخ مصطفى العزيزيوالشيخ محمد العشماوي والشيخ محمد ابن يوسف والشيخ أحمد الأسقاطي والبقرى والعماويوالسيد علي السيواسي والمدابغي والدفري والبليدي والحفني وآخرين وبآخرة تلقنالطريقة الأحمدية عن الشيخ علي بن محمد الشناوي ودرس بالأزهر وغيره‏.‏












عرض البوم صور آل قطبي الحسني   رد مع اقتباس
قديم 20-12-2010, 01:23 AM   رقم المشاركة: 15
مشرف سابق

الصورة الرمزية آل قطبي الحسني



رقـم العضـوية 14
تاريخ التسجيل Mar 2010
عدد المشاركات 5,596
القبيلة نحن بنو يعلى من كنانة=رأس المضريين وفرسانها
مكان الإقامة إمارة بني يعلى
المهنة طالب
 
 
آل قطبي الحسني غير متواجد حالياً

افتراضي

وقد بارك الله في أصحابه طبقة بعد طبقة كما هو مشاهد وكان يحكي عننفسه أنه طالما كان يبيت بالجوع في مبدأ اشتغاله بالعلم وكان لا يقدر على ثمن الورقومع ذلك إن وجد شيئًا تصدق به‏.‏
وقد تكررت له بشارات حسنة منامـًا ويقظـة ولـه مؤلفـات دالـة علـىفضلـه منهـا حاشيـة على ابن تركي وأخرى على الزرقاني على العزية وأخرى على شرح أبيالحسن على الرسالة في مجلدين ضخمين وأخرى على الخرشي وأخرى على شرح الزرقاني علىالمختصر وأخرى على الهدهدي على الصغرى وحاشيتان علـى عبـد السلـام على الجوهرة كبرىوصغرى وأخرى على الأخضري على السلم وأخرى على بن عبد الحق على بسملة شيخ الإسلاموأخرى على شرح شيخ الإسلام على الفية المصطلح للعراقي وغير ذلك‏.‏
وكان قبل ظهوره لم تكن المالكية تعرف الحواشي على شروح كتبهمالفقهية فهو أول من خدم تلك الكتب بها وله شرح على خطبة كتاب إمداد الفتاح على نورالإيضـاح فـي مذهـب الحنفيـة للشيـخ السرنبلالـي وكان رحمه الله شديد الشكيمة فيالدين يصدع بالحق ويأمر بالمعروف وإقامة الشريعة ويحب الاجتهاد في طلب العلم ويكرهسفاسف الأمور وينهـى عـن شـرب الدخـان ويمنـع مـن شربـه بحضرتـه وبحضـرة أهـلالعلـم تعظيمًا لهم‏.‏
وإذا دخل إلى منزل من منازل الأمراء ورأى من يشرب الدخان شنع عليهوكسر آلته ولو كانت في يد كبير الأمراء‏.‏
وشاع عنه ذلك وعرف في جمع الخاص والعام وتركوه بحضرته فكانوا عندمايرونه مقبـلًا مـن بعيـد نبه بعضهم بعضًا ورفعوا شبكاتهم وأقصابهم وأخفوها عنه وإنرأى شيئًا منها أنكـر عليهـم ووبخهـم وعنفهم وزجرهم حتى أن علي بك في أيام إمارتهكان إذا دخل عليه في حاجة أو شفاعة أخبروه قبل وصوله إلى مجلسه فيرفع الشبك من يدهويخفوه من وجهه وذلك مع عتوه وتجبره وتكبره‏.‏
واتفق أنه دخل عليه في بعض الأوقات فتلقاه على عادته وقبل يده وجلـسفسكت الأمير مفكرًا في أمر من الأمور فظن الشيخ إعراضه عنه فأخذته الحدة وقال يـاميـن يا مين يا من هو غضبك ورضاك على حد سواء بل غضبك خير من رضاك‏.‏
وكرر ذلك وقام قائمًا وهو يأخذ بخاطره ويقول‏:‏ أنا لم أغضب من شيءويستعطفه‏.‏
فلم يجبه ولم يجلـس ثانيـًا وخـرج ذاهبـًا‏.‏
ثـم سـأل علـي بـك عـن القضيـة التـي أتـى بسببهـا فأخبـروه فأمربقضائها‏.‏
واستمر الشيخ منقطعًا عن الدخول إليه مدة حتى ركب في ليلة من لياليرمضان مع الشيخ الوالـد فـي حاجة عند بعض الأمراء ومرا ببيت علي بك فقال له ادخلبنا نسلم عليه فقال يا شيخنـا أنـا لا أدخـل فقـال لا بـد مـن دخولك معي‏.‏
فلم تسعه مخالفته وانسر بذلك علي بك تلك الليلـة سـرورًا كثيـرًا‏.‏
ولمـا مـات علـي بـك واستقل محمد بك أبو الذهب بإمارة مصر كان يجلمن شأنـه ويحبـه ولا يـرد شفاعتـه فـي شـيء أبـدًا وكل من تعسر عليه قضاء حاجة ذهبإلى الشيخ وأنهى إليه قصته فيكتبها مع غيرهـا فـي قائمـة حتـى تمتلـئ الورقـة ثـميذهـب إلـى الأميـر بعـد يوميـن أو ثلاثة فعند ما يستقر في الجلوس يخرج القائمة منجيبه ويقص ما فيها من القصص والدعاوى واحدة بعد واحدة ويأمره بقضاء كل منها والأميرلا يخالفه ولا ينقبض خاطره في شيء من ذلـك‏.‏
ولمـا بنـى الأميـر المذكـور مدرستـه كـان المترجـم هـو المتعيـنفـي التدريـس بهـا داخـل القبـة على الكرسـي وابتـدأ بهـا البخـاري وحضـره كبارالمدرسين فيها وغيرهم ولم يترك درسه بالأزهر ولا بالبرديكيـة‏.‏
وكـان يقـرأ قبـل ذلـك بمسجـد الغريـب عنـد بـاب البرقيـة فـيوظيفـة جعلهـا لـه الأمير عبد الرحمن كتخدا وكذلك وظيفة بعد الجمعة بجامع مرزهببولاق‏.‏
وكان على قدم السلف في الاشتغال والقناعة وشرف النفس وعدم التصنعوالتقـوى ولا يركـب إلا الحمـار ويؤاسـي أهلـه وأقاربه ويرسل إلى فقرائهم ببلدهالصلات والأكسية والبز والطرح للناس والعصائب والمداسات وغير ذلك‏.‏
ولم يـزل مواظبـًا علـى الإقـراء والإفـادة حتـى تمـرض بخـراج فـيظهـره أيامـًا قليلـة وتوفـي فـي عاشر رجب من السنة وصلي عليه بالأزهر بمشهد عظيمودفن بالبستان بالقرافة الكبرى رحمه الله ولم يخلف بعده مثله ولم أعثر على شيء منمراثيه‏.‏
ومـات الإمـام العلامـة الفقيـه الصالـح الشيـخ أحمـد بـن عيسى بنأحمد ابن عيسى بن محمد الزبيري البراوي الشافعي ولد بمصر وبها نشأ وحفظ القرآنوالمتون وتفقه على والده وغيره وحضر المعقـول وتمهـر وأنجـب ودرس فـي حيـاة والدهوبعد وفاته تصدر للتدريس في محله وحضره طلبة أبيه واتسعت حلقة درسه مثل أبيه واشتهرذكره وانتظم في عداد العلماء‏.‏
وكان نعم الرجل شهامـة وصرامـة وفيـه صداقـة وحـب للإخـوان‏.‏
توفي بطندتا ليلة الأربعاء ثالث شهر ربيع الأول فجـأة إذ كـان ذهـبللزيـارة المعتـادة وجـيء بـه إلـى مصـر فغسـل في بيته وكفن وصلي عليه بالجامعالأزهر ودفن بتربة والده بالمجاورين‏.‏
ومات الإمام الفاضل المسن الشيخ أحمد بن رجب بن محمد البقريالشافعـي المقـري حضـر دروس كل من الشيخ المدابغي والحفني ولازم الأول كثيرًا فمسمعمنه البخاري بطرفيه والسيرة الشامية كلها وكتب بخطه الكثير من الكتب الكبار وكانسريع الفهم وافر العلم كثير التلاوة للقرآن مواظبًا على قيام الليل سفرًا وحضرًاويحفظ أورادًا كثيرة وأحزابًا ويجيز بها وكان يحفظ غالـب السيـرة ويسردهـا مـنحفظـه ونعـم الرجـل كـان متانـة ومهابـة‏.‏
توفـي وهو متوجه إلى الحج في منزلة النخل آخر يوم من شوال من السنةودفن هناك‏.‏
ومات عالم المدينة ورئيسها الشيخ محمد بن عبد الكريم السمان ولدبالمدينة ونشأ في حجر والده واشتغل يسيرًا بالعلم وأرسله والده إلى مصر في سنة 1174فتلقته تلامذة أبيه بالإكرام وعقـد حلقـة الذكـر بالمشهد الحسيني وأقبلت علي الناسثم توجه إلى المدينة‏.‏
ولما توفي والده أقيم شيخًا في محله ولم يزل على طريقته حتى مات فيرابع الحجة من السنة عن ثمانين سنة‏.‏ ومات
العلامة المعمر الصالح الشيخ أحمد الخليلي الشامي
أحد المدرسين بالأزهر تلقى عن أشياخ عصره ودرس وأفاد وكان به انتفاعللطلبة تام عام وألف أعراب الآجروميـة وغيـره‏.‏
توفي في عاشر صفر من السنة‏.‏
ومـات الأميـر الكبير محمد بك أبو الذهب تابع علي بك الشهير اشتراهأستاذه في سنة خمس وسبعين فأقام مع أولاد الخزنة أيامًا قليلة وكان إذ ذاك اسمعيلبك خازندار فلما أمر اسمعيل بـك قلـده الخازنداريـة مكانـه وطلـع مـع مخدومـه إلـىالحـج ورجـع أوائل سنة ثمان وسبعين وتأمر في تلـك السنـة وتقلـد الصنجقيـة وعـرفبأبـي الذهـب‏.‏
وسبـب تلقبـه بذلك أنه لما لبس الخلعة بالقلعة صار يفرق البقاشيشذهبًا وفي حال ركوبه ومروره جعل ينثر الذهب على الفقراء والجعيدية حتـى دخـل إلـىمنزلـه فعـرف بذلـك لأنـه لـم يتقدم نظيره لغيره ممن تقلد الأمريات واشتهر عنه هذااللقب وشاع وسمع عن نفسه شهرته بذلك فكان لا يضع في جيبه إلا الذهب ولا يعطي إلاالذهـب ويقـول‏:‏ أنـا أبو الذهب فلا أمسك إلا الذهب‏.‏
وعظم شأنه في زمن قليل ونوه مخدومه بذكـره وعينـه فـي المهمـاتالكبيـرة والوقائـع الشهيـرة وكـان سعيـد الحركـات مؤيـد العزمـات لـم يعهـد عليهالخذلـان فـي مصـاف قـط وقـد تقدمـت أخبـاره ووقائعه في أيام أستاذه علي بك وبعدهواستكثر مـن شـراء المماليـك والعبيد حتى اجتمع عنده في الزمن القليل ما لا يتفقلغيره في الزمن الكثير وتقلدوا المناصب والأمريات‏.‏
فلما تمهدت البلاد بسعده المقرون ببأس أستاذ خالف عليه وضم المشردينوغمرهم بالإحسان واستمال بواقي أركان الدولة واستلين الجميع جانبه وجنحوا إليهوأحبـوه وأعانوه وتعصبوا له وقاتلوا بين يديه حتى أراحوا علي بك وخرج هاربًا من مصرإلى الشام واستقر المترجـم بمصـر وسـاس الأمـور وقلـد المناصـب وجبـى الأمـوالوالغلـال وراسـل الدولة العثمانية وأظهر لهم الطاعة وقلد مملوكه إبراهيم بك إمارةالحج تلك السنـة وصـرف العلائف وعوائد العربان وأرسل الغلال للحرمين والصرر وتحركعلي بك للرجـوع إلـى مصـر وجيـش الجيـوش فلـم يهتم المترجم لذلك وكاد له كيدًا بأنجمع القرانصة والذين يظن فيهم النفاق وأسـر إليهـم أن يراسلـوا علـي بـك ويستعجلـوهفي الحضور ويثقوا مساوئ للمترجم ومنفرات ويعدوه بالمخامرة معه والقيام بنصرته متىحضر وأرسلوها إليه بالشريطة السرية‏.‏
فراج عليه ذلـك واعتقد صحته وأرسل إليهم بالجوابات وأعادوا لهالرسالة كذلك باطلاع مخدومهم وإشارته فعند ذلك قوي عزم علي بك على الحضور وأقبلبجنوده إلى جهة الديار المصرية فخرج إليه المترجم ولاقاه بالصالحية وأحضره أسيرًاكما تقدم‏.‏
ومات بعد أيام قليلة وانقضى أمره وارتاح المترجـم مـن قبلـه وجمـعباقـي الأمـراء المطروديـن والمشرديـن وأكرمهم واستخدمهم وواساهم واستوزرهم وقلدهمالمناصب ورد إليهم بلادهم وعوائدهم واستعبدهم بالإحسان والعطايا واستبدلهم العز بعدالذل والهوان وراحة الأوطان بعد الغربة والتشريد والهجاج في البلدان‏.‏
فثبتت دولته وارتاحت النواحي من الشرور والتجاريد وهابته العربانوقطاع الطريق وأولاد الحرام وأمنت السبل وسلكت الطرق بالقوافل والبضائع ووصلتالمجلوبات من الجهـات القبليـة والبحرية بالتجارات والمبيعات‏.‏
وحضر والي مصر خليل باشا وطلع إلى القلعة على العادة القديمة وحضرللمترجم من الدولة المرسومات والخطابات ووصل إليه سيف وخلعة فلبس ذلك فـي الديـوانونـزل فـي أبهـة عظيمـة وعظـم شأنـه وانفـرد بإمـارة مصـر‏.‏
واستقـام أمره وأهمل أمر اتباع أستـاذه علـي بـك وأقـام أكثرهـمبمصـر بطـالًا‏.‏
وحضر إلى مصر مصطفى باشا النابلسي من أولاد العضم والتجأ إليه فأكرمنزله ورتب له الرواتب وكاتب الدولة وصالح عليه وطلب له ولاية مصـر فأجيـب إلـى ذلـكووصلت إليه التقاليد والداقم في ربيع الثاني سنة ثمان وثمانين‏.‏
ووجه خليـل باشـا إلـى ولايـة جـدة وسافـر مـن القلـزم فـي جمـادىالثانيـة وتوفـي هنـاك وفـي أواخـر سنـة سبع وثمانيـن‏.‏
شـرع فـي بنـاء مدرستـه التـي تجاه الجامع الأزهر وكان محلها رباعمتخربة فاشتراها من أربابها وهدمها وأمر ببنائها على هذه الصفة وهي على أرنيك جامعالسنانية الكائن بشاطئ النيل ببولاق‏.‏
فرتب لنقل الأتربة وحمل الجير والرماد والطين عدة كبيرة من قطاراتالبغـال وكذلـك الجمـال لشيل الأحجار العظيمة كل حجر واحد على جمل وطحنوا لها الجبسالحلواني المصيـص ورمـوا أساسها في أوائل شهر الحجة ختام السنة المذكورة ولما تمعقد قبتها العظيمة وما حولها من القباب المعقودة على اللواوين وبيضوها ونقشوا داخـلالقبـة بالألـوان والأصبـاغ وعمل لها شبابيك عظيمة كلها من النحاس الأصفر المصنوعوعمل بظاهرها فسحة مفروشة بالرخام المرمر وبوسطها حنفية وحولها مساكن لمتصوفةالأتراك وبداخلها عدة كراسي راحة وكذلـك بدورهـا العلـوي وبأسفـل مـن ذلـك ميضـأةعظيمـة تمتلئ بالماء من نوفرة بوسطها تصب في صحن كبير من الرخام المصنوع نقلوهإليها من بعض الأماكن القديمة ويفيض منه فيملأ الميضأة وحول الميضأة عدة كراسي راحةوأنشأ ساقية لذلك فحفروها وخرج ماؤها حلوًا فعد ذلك أيضًا من سعده مع أن جميعالآبار والسواقي التي بتلك الخطة ماؤها في غاية الملوحة وأنشأ سفـل ذلـك صهريجـًاعظيمـًا يمـلأ فـي كـل سنة من ماء النيل وحوضًا عظيمًا لسقي الدواب وعمل بأعلـىالميضـأة ثلاثـة أماكـن برسـم جلوس المفتين الثلاثة يجلسون بها حصة من النهارلإفادة الناس بعد إملاء الدروس وقرر فيها الشيخ أحمد الدردير مفتي المالكية والشيخعبد الرمن العريشي مفتـي الحنفيـة والشيـخ حسـن الكفـراوي مفتـي الشافعيـة‏.‏
ولمـا تـم البنـاء فرشـت جميعها بالحصر ومن فوقها الأبسطة الرومي منداخل وخارج حتى فرجات الشبابيك ومساكن الطباق‏.‏
ولما استقر جلوس المفتين المذكورين بالثلاثة أماكن التي أعدت لهمأضر بهم الرائحة الصاعدة إليهم من المراحيـض التـي مـن أسفـل وأعلمـوا الأميـربذلـك فأمر بإبطالها وبنوا خلافها بعيدًا عنها وتقرر في خطابتها الشيخ أحمد الراشديوغالب المدرسين بالأزهر مثل الشيخ علي الصعيدي مدرس البخاري والشيخ أحمد الدرديروالشيخ محمد الأمير والشيخ عبد الرحمـن العريشـي والشيـخ حسن الكفراوي والشيخ أحمديونس والشيخ أحمد السمنودي والشيخ علي الشنويهي والشيخ عبـد اللـه اللبـان والشيـخمحمد الحفناوي والشيخ محمد الطحلاوي والشيخ حسن الجداوي والشيخ أب الحسـن القلعـيوالشيـخ البيلـي والشيـخ محمد الحريري والشيخ منصور المنصوري والشيخ أحمد جاد اللهوالشيخ محمد المصيلحي ودرسا ليحيى أفندي شيخ الأتراك‏.‏
وتقرر السيد عباس إمامـًا راتبـًا بها وفي وظيفة التوقيت الشيخ محمدالصبان وجعل بها خزانة كتب عظيمة وجعل خازنها محمد أفندي حافظ وينوب عنه الشيخ محمدالشافعي الجناجـي ورتـب للمدرسيـن الكبـار فـي كـل يـوم مائـة وخمسيـن نصفـًا فضـةولمن دونهم خمسون نصفًا وكذلك للطلبة منهم من له عشرة أنصاف في كل يوم ومنهم من لهأكثر وأقل ويقدر عدد الدراهم أرادب من البرفي كل سنـة‏.‏
ولمـا انتهـى أمرهـا وصلـى بهـا الجمعـة فـي شهـر شعبـان سنـة ثمـانوثمانيـن حضـر الأميـر المذكـور واجتمع المشايه والطلبة وأرباب الوظائف وصلوا بهاالجمعة وبعد انقضاء الصلاة جلس الشيخ الصعيدي علـى الكرسـي وأملـى حديـث مـن بنـىللـه مسجـدًا ولـو كفحـص قطـاة بنـى اللـه لـه بيـت فـي الجنة‏.‏
فلما انقضى ذلك أحضرت الخلع والفراوي فألبس الشيخ الصعيدي والشيخالراشدي الخطيـب والمفتيـن الثلاثـة فـراوي سمـور وباقـي المدرسيـن فـراوي نافـابيضـا وأنعـم فـي ذلـك اليـوم علـى الخدمة والمؤذنين وفرق عليهم الذهب والبقاشيشوتنافس الفقهاء والأشياخ والطلبة وتحاسدوا وتفاتنـوا ووقـف علـى ذلـك أمانـة قويسناوغيرها والحوانيت التي أسفل المدرسة ولم يصرف ذلك إلا سنـة واحـدة فـإن المترجـمسافـر فـي أوائـل سنـة تسع وثمانين إلى البلاد الشامية كما تقدم ومات عناك ورجعوابرمته وتآمر أتباعه وتقاسموا البلاد فيما بينهم ومن جملتها أمانة قويسنا الموقوفةفبـرد أمـر المدرسة وعوضوا عن ذلك الوكالة التي أنشأها علي بك ببولاق لمصرف أجرةوعليق الأثوار بعدما أضعفوا المعاليم ونقصوها ووزعوا عليهم ذلك الإيراد القليل ولميزل الحال يتناقص ويضعـف حتـى بطـل منهـا غالـب الوظائـف والخـدم إلـى أن بطـلالتوقيـت والـآذان بـل والصلـاة في أكثر الأوقات وأخلق فرشها وبسطها وعتقت وبليتوسرق بعضها وأغلق أحد أبوابها المواجه للقبوة الموصـل للمشهد الحسيني بل أغلقتجميعها شهورًا مع كون الأمراء أصحاب الحل والعقد أتباع الواقـف ومماليكـه لكـن لمـافقـدت منهم القابلية واستولى عليهم الطمع والتفاخر والتنافس والتغاضـي خـوف الفشـلوتفـرق الكلمـة مـن الانحـراف عـن الأوضاع ظهر الخلل في كل شيء حتى في الأمورالموجبة لنظام دولتهم وإقامة ناموسهم كما يتضح ذلك فيما بعد‏.‏
وبالجملـة فـإن المترجـم كان آخر من أدركنا من الأمراء المصريينشهامة وصرامة وسعدًا وحزمًا وعزمًا وحكمًا وسماحة وحلمًا وكان قريبًا للخير يحبالعلمـاء والصلحـاء ويميـل بطبعـه إليهـم ويعتقـد فيهـم ويعظمهم وينصت لكلامهمويعطيهم العطايا الجزيلة ويكره المخالفين للدين ولم يشتهر عنه شيء من الموبقاتوالمحرمات ولا ما يشينه في دينه أو يخل بمروءته بهي الطلعة جميل الصورة أبيض اللونمعتدل القامة والبدن مسترسل اللحية مهاب الشكل وقورًا محتشمًا قليل الكلاموالالتفات ليـس بمهـدأ ولا خـوار ولا عجـول مبجلًا في ركوبه وجلوسه يباشر الأحكامبنفسه ولولا ما فعله آخـرًا مـن الإسـراف فـي قتل أهل يافا بإشارة وزرائه لكانتحسناته أكثر من سيآته‏.‏
ولم يتفق لأميـر مثلـه فـي كثـرة المماليـك وظهـور شأنهـم فـيالمـدة اليسيـرة وعظـم أمرهـم بعـده وانحرفـت طباعهم عن قبول العدالة ومالوا إلىطرق الجهالة واشتروا المماليك فنشئوا على طرائقهم وزادوا عن سوابقهـم وألفـواالمظالـم وظنوها مغانم وتمادوا على الجور وتلاحقوا في البغي على الفور إلى أن حصلما حصل ونزل بهم وبالناس ما نزل‏.‏
وسيتلى عليك من ذلك أنباء وأخبار وما حل بالإقليم بسببهم من الخرابوالدمار والله تعالى أعلم‏.‏
سنة تسعين ومائة وألف كـان سلطـان العصـر فيها السلطان عبد الحميدبن أحمد خان العثماني ووالي مصر الوزير محمد باشـا عـزت الكبيـر وأمراؤهـا إبراهيـمبـك ومـراد بيـك مملوكـًا محمـد بيك أبي الذهب وخشداشينهما أيـوب بيـك الكبيـرويوسـف بيـك أميـر الحـاج ومصطفى بيك الكبير وأحمد بيك الكلارجي وأيوب بيـك الصغيـرومحمـد بيـك طبـل وحسـن بيـك سـوق السلـاح وذو الفقـار بيك ولاجين بيك ومصطفى بيكالصغير وعثمان بيك الشرقاوي وخليل بيك الإبراهيمي ومن البيوت القديمة حسن بيك قصبةرضوان ورضوان بيك بلفيا وإبراهيم بيك طبان وعبد الرحمن بيك عثمان الجرجاوي وسليمـانبيـك الشابـوري وبقايـا اختياريـة الوجاقات مثل أحمد باشجاويش أرنؤد وأحمد جاويـشالمجنـون واسمعيـل أفنـدي الخلوتـي وسليمـان البرديسـي وحسن أفندي درب الشمسي وعبدالرحمن أغا مجرم ومحمد أغا محرم وأحمد كتخدا المعروف بوزير وأحمد كتخدا الفلاحوباقي جماعة الفلاح وإبراهيم كتخدا مناو وغيرهم والأمراء والنهي للأمراء المحمديـةالمتقـدم ذكرهـم وكبيرهم وشيخ البد إبراهيم بيك ولا ينفذ أمر بدون اطلاع قسيمة مرادبيك واسمعيل بيك الكبير متنزه ومنعكف في بيته وقانع بإيراده وبلاده ومنزو عنالتداخل فيهم من موت سيدهم وعمر داره التي بالأزبكية وأقام بها‏.‏
وفيهـا فـي يـوم الخميـس سابـع شهـر صفر وصل الحج إلى مصر ودخلالركب وأمير الحاج يوسف بيك‏.‏
وفـي ليلـة الجمعـة تاسع صفر وقع حريق بالأزبكية وذلك في نصف الليلبخطة الساكت احترق فيها عدة بيوت عظام وكان شيئًا مهولًا ثم إنها عمرت في أقرب وقتوالذي لم يقدر على العمارة باع أرضه فاشتراها القـادر وعمرهـا فعمـر رضـوان بيـكبلفيـا دارًا عظيمـة وكذلـك الخواجـا السيـد عمـر غـراب والسيـد أحمـد عبد السلاموالحاج محمود محرم بحيث أنه لم يأت النيل وفيها سقط برع بسوق الغورية ومات فيه عدةكثيرة من الناس تحت الردم ثم إن عبد الرحمن أغا مستحفظان أخذ تلك الأماكن منأربابهـا شـراء وأنشـأ الحوانيـت والربـع علوهـا والوكالـة المعروفة الآن بوكالةالزيت والبوابة التي يسلك منها من السوق‏.‏
وفيهـا حضـر جماعة من الهنود ومعهم فيل صغير ذهبوا به إلى قصرالعيني وأدخلوه بالإسطبل الكبيـر وهـرع الناس للفرجة عليه ووقف الخدم على أبوابالقصر يأخذون من المتفرجين دراهم وكذلك سواسة الهنود جمعوا بسببه دراهم كثيرة وصارالناس يأتون إليه بالكعك وقصـب السكر ويتفرجون على مصه في القصب وتناوله بخرطومهوكان الهنود يخاطبونه بلسانهم ويفهم كلامهم وإذا أحضروه بين يدي كبير كلموه فيبركعلى يديه ويشير بالسلام بخرطومه‏.‏
وفيهـا فـي شهـر رمضـان تعصـب مـراد بيـك وتغيـر خاطـره على إبراهيمبيك طنان ونفاه إلى المحلة الكبيرة وفرق بلاده على من أحب ولم يبق له إلا القليل‏.‏
وفيها شرع الأمير اسمعيل بك في عمل مهم لزواج ابنه وهي من زوجتههانم بنت سيدهم إبراهيـم كتخـدا الـذي كـان تزوجهـا في سنة أربع وسبعين بالمهمالمذكور في حوادث تلك السنة وكـان ذلـك المهـم فـي أوائـل شهـر ذي الحجـة وكـانقبـل هـذا المهـم حصـل بينـه وبين مراد بك منازعة ومخاصمة وسببها أن مراد بك أرادأن يأخذ من اسمعيل بك السر ورأس الخليج فوقع بينهما مشاحنـة ومخاصمـة كـاد يتولـدمنهـا فتنـة فسعـى فـي الصلـح بينهمـا إبراهيـم بك فاصطلحا على غل وشـرع فـي أثـرذلـك اسمعيـل بـك فـي عمـل الفـرح فاجتمعـوا يـوم العقـد فـي وليمـة عظيمـة ووقـفمراد بك وفرق المحارم والمناديل على الحاضرين وهو يطوف بنفسه على أقدامه وعمل المهمأيامًا كثيـرة ونـزل محمـد باشـا عزت باستدعاء إلى بيت اسمعيل بك وعندما وصل إلىحارة قوصول نزل الأمراء بأسرهم مشاة على أقدامهم لملاقاته فمشوا جميعًا أمامه علىأقدامهـم وبأيديهـم المباخر والقماقم ولم يزالوا كذلك حتى طلع إلى المجلس ووقفوا فيخدمته مثل المماليك حتى انقضى الطعام والشربات وقدموا له الهدايا والتقادم والخيولالكثيرة المسمومة ولما انقضت أيام الولائم زفوا العروس إلى زوجها إبراهيم أغا الذيصنجقه اسمعيل بك وهو خازنداره ومملوكه ويسمونـه قشطة وكانت هذه الزفة من المواكبالجليلة ومشى فيها الفيل وعليه خلعة جوخ أحمر فكان ذلك من النوادر‏.‏
ومـات فـي هـذه السنـة الفقيه المتفنن العلامة الشيخ أحمد بن محمدابن محمد السجاعي الشافعي الأزهـري ولـد بالسجاعيـة قـرب المحلة وقدم الأزهر صغيرًافحضر دروس الشيخ العزيزي والشيخ محمد السجيني والشيخ عبده الديوي والسيد علي الضريرفقهـر ودرس وأفتـى وألـف وكـان ملازمـًا علـى زيـارة قبور الأولياء ويحيي اللياليبقراءة القرآن مع صلاح وديانة وولاية وجذب وله مع الله حال غريب وهو والد الشيخالأوحد أحمد الآتي ذكره في تاريخ موته‏.‏
توفي المترجم رحمه الله تعالى في عصر يوم الأربعاء ثامن عشرين ذيالقعدة‏.‏
ومات الشيخ الإمام الفقيه العلامة الشيخ عطية بن عطية الأجهوريالشافعي البرهاني الضرير ولد بأجهور الورد إحدى قرى مصر وقـدم مصـر فحضـر دروسالشيـخ العشمـاوي والشيـخ مصطفـى العزيـزي وتفقه عليهما وعلى غيرهما وأتقن فيالأصول وسمع الحديث ومهر في الآلات وأنجب ودرس المنهج والتحرير مرارًا وكذا جمعالجوامع بمسجد الشيخ مطهر وله في أسباب النزول مؤلف حسن في بابه جامع لما تشتت منأبوابه وحاشية على الجلالين مفيدة وكذلك حاشية على شرح الزرفاني على البيقونية فيمصطلح الحديث وغير ذلك وقد حضر عليه غالـب علمـاء مصر الموجودين واعترفوا بفضلهوأنجبوا ببركته وكان يتأنى في تقريره ويكرر الإلقاء مـرارًا مراعاة للمستملين الذينيكتبون ما يقوله ولما بنى المرحوم عبد الرحمن كتخدا هذا الجامع المعروف الآن بالشيخمطهر الذي كان أصله مدرسة للحنفية وكانت يعرف بالسيوفيين بنى للمترجم بيتًابدهليزها وسكن فيه بعياله وأولاده‏.‏
توفي في أواخر رمضان‏.‏
ومات الشيخ الفاضل النجيب احمد بن محمد بن العجمي الشافعي كان شابًافهيمًا داركًا ذا حفظ جيد حضر على علماء العصر وحصل المعقول والمنقول وأدرك جانبًامن العلوم والمعارف ودرس وأملى ولـو عـاش لانتظـم فـي سلـك أعاظـم العلمـاء ولكـناخترمتـه المنيـة فـي يـوم الاثنيـن حـادي عشرين جمادى الآخرة‏.‏
ومات الشيخ الصالح الورع الناسك أحمد بن نور الدين المقدسي الحنفيإمام جامع قجماس وخطيبه بالدرب الأحمر وهو أخو الشيخ حسن المقدسي مفتي السادةالحنفية شارك أخاه الشيخ حسنًا المذكور في شيوخه واشتغل بالعلم وكان شيخًا وقورًابهي الشكل مقبلًا على شأنه منجمعًا عن الناس‏.‏
توفي ليلة الاثنين سادس عشر ربيع الأول‏.‏
ومات الفقيه الفاضل الشيخ إبراهيم بن خليل الصيحاني الغزي الحنفيولد بغزة وبها نشأ وقرأ بعـض المتـون علـى فضـلاء بلده وورد الجامع الأ‏.‏
هر فحضر الدروس ولازم المرحوم الوالد حسنًا الجبرتـي وتلقـى عنـهالفقـه وبعـض العلـوم الغريبـة ثـم عـاد إلـى غـزة وتولـى الإفتـاء بالمذهب وكانيرسل إلى الوالـد فـي كـل سنـة جانبـًا مـن المـوز المـر فـي غلـق مقـدار عشريـنرطـلًا فنخـرج دهنـه ونرفعـه فـي الزجاج لنفع الناس في الدهن ومعالجات بعض الأمراضوالجروحات ولم يزل على ذلك حتى ارتحل إلى دمشق وتولى أمانة الفتوى بعد الشيخ عبدالشافي فـي فسـار أحسـن سيـر‏.‏
وتوفـي بهـا فـي هذه السنة في عشر التسعين رحمه الله‏.‏
ومات الفقيه الفاضل الصالح الشيخ علي بن محمد بن نصر بن هيكل ابنجامع الشنويهي تفقه على جماعة من فضلاء العصر وكان يحضر درس الحديث في كل جمعة علىالسيد البليدي ودرس بالأزهـر وانتفـع بـه الطلبـة وكـان مشهورًا بمعرفة الفروعالفقهية وكان درسه حافلًا جدًا وله حـظ فـي كثـرة الطلبـة وكـان الأشيـاخ يتضايقـونمـن حلقـة درسـه فيطردونه من المقصورة فيخرج إلى الصحن فتملأ حلقة درسه صحن الجامعوفـي بعـض الأحيـان ينتقـل إلـى مدرسـة السنانيـة بجماعته وكان يخطب بجامع الأشرفيةبالوراقين وخطبته لطيفة مختصرة وقرأ المنهج مرارًا وكان شديـد الشكيمـة علـى نهـجالسلـف الـأول لا يعـرف التصنع وكان يخبر عن نفسه أنه كان كثير الرؤيا للنبـي صلـىاللـه عليه وسلم إنه لما تنزل مدرسًا في المحمدية من جملة الجماعة انقطع عنه ذلكوكان يبكي ويتأسف لذلك‏.‏
توفـي فـي ثامـن عشـر شعبـان وأملـى نسبـه علـى الدكـة إلـى سيدنـاعلـي رضي الله عنه‏.‏
ومـات الأميـر الكبيـر الشهيـر عثمـان بـك الفقـاري بإسلامبـول فـيهـذه السنـة وكان مدة غربته ببرصا واسلامبول نيفًا وأربعًا وثلاثين سنة وقد تقدمذكره وذكر مبدأ أمره وظهوره وسبب خروجه مـن مصـر مـا يغنـي عـن إعـادة بعضـه وهـوأمـر مشهـور وإلـى الـآن بيـن النـاس مذكور حتى أنهم جعلوا سنة خروجه تاريخًايؤرخون به وفياتهم ومواليدهم فيقولون ولد فلان سنة خروج عثمان بك ومات فلان بعدخروج عثمان بك بسنة أو شهر مثلًا‏.‏
ومات الأمير عبد الرحمن كتخدا وهو بن حسن جاويش القزدغلي أستاذسليمـان جاويـش أستـاذ ابراهيـم كتخـدا مولـى جميـع الأمـراء المصرييـن الموجوديـنالـآن‏.‏
وخبـره ومبـدأ إقبال الدنيا عليه أنـه لمـا مـات عثمـان كتخـداالقازدغلـي واستولـى سليمـان جاويـش الجوخـدار على موجوده ولم يعط المترجم الذي هوابن سيد أستاذه شيئًا ولم يجد من ينصفه في إيصال حقه من طائفة باب الينكجريـةحسـدًا منهـم وميـلًا لأهوائهـم وأغراضهـم فحنـق منهم وخرج من بابهم وانتقل إلىوجاق العـزب وحلـف أنـه لا يرجـع إلى وجاق الينكجرية ما دام سليمان جاويش الجوخدارحيًا وبر في قسمه فإنه لما مات سليمان جاويش ببركة الحاج سنة 1152 كما تقدم بادرسليمان كتخدا الجاويشية زوج أم عبد الرحمن كتخدا واستأذن عثمان بك في تقليد عبدالرحمـن جاويـش السردارية عوضًا عن سليمان جاويش لأنه وارثه ومولاه وأحضروه ليلًاوقلدوه ذلك وأحضر الكاتب والدفاتر وتسلـم مفاتيـح الخشخانـات والتركـة بأجمعهـاوكـان شيئـًا يجـل عـن الوصـف وكذلك تقاسيط البلاد ولم تطمع نفس عثمان بك لشيء منذلك وأخذ المترجم غرضه من بـاب العـزب ورجع إلى باب الينكجرية ونما أمره من حينئذوحج صحبة عثمان بك في سنة خمس وخمسين وأقام هناك إلى سنة إحدى وستين فحضر مع الحجاجوتولى كتخدا الوقت سنتيـن وشـرع فـي بنـاء المساجـد وعمـل الخيـرات وإبطـالالمنكـرات فأبطـل خمامير حارة اليهود فأول عماراتـه بعد رجوعه السبيل والكتاب الذييعلوه بين القصرين وجاء في غاية الظرف وأحسن المباني وأنشأ جامع المغاربة وعمل عندبابه سبيـلًا بمنـارة وصهريـج وكتـاب ومدفـن السيـد السطوحية وأنشأ بالقرب من تربةالأزبكية سقاية وحوضًا لسقي الدواب ويعلوه كتاب وفي الحطابة كذلك وعند جامعالدشطوطي كذلك وأنشأ وزاد في مقصور الجامع الأزهر مقدار النصف طولًا وعرضًا يشتملعلى خمسين عامودًا من الرخام تحمل مثلها من البوائك المقوصرة المرتفعـة المتسعـةمـن الحجـر المنحـوت وسقـف أعلاهـا بالخشـب النفـي وبنـى به محرابًا جديدًا ومنبرًاوأنشـأ لـه بابـًا عظيمـًا جهة حارة كتامة وبنى بأعلاه مكتبًا بقناطر معقودة علىأعمدة من الرخام لتعليم الأيتام من أطفال المسلمين القرآن وبداخله رحبة متسعةوصهريج عظيم وسقاية لشرب العطاش المارين وعمل لنفسه مدفنًا بتلك الرحبة وعليه قبةمعقودة وتركيبة من رخام بديعة الصنعة وبها أيضًا رواق مخصوص بمجاوري الصعائدةالمنقطعين لطلب العلم يسلك إليه من تلك الرحبة بدرج يصعد منه إلى الرواق وبه مرافقومنافع ومطبخ ومخادع وخزائن كتـب وبنـى بجانب ذلك الباب منارة وأنشأ بابًا آخر جهةمطبخ الجامع وعليه منارة أيضًا‏.‏
وبنى المدرسة الطيبرسية وأنشأها نشوأ جديدًا وجعلها مع مدرسةالآقبغاوية المقابلة لهـا مـن داخـل البـاب الكبيـر الـذي أنشـأه خارجهمـا جهـةالقبـو الموصـل للمشهـد الحسينـي وخان الجراكسة وهو عبارة عن بابين عظيمين كل باببمصراعين وعلى يمينهما منارة وفوقه مكتب أيضًا وبداخله على يمين السالك بظاهرالطيبرسية ميضأة وأنشأ لها ساقية لخصوص إجراء المال إليهـا وبداخـل بـاب الميضأةدرج يصعد منه للمنارة ورواق البغداديين والهنود فجاء هذا الباب ومـا بداخلـه مـنالطيبرسيـة والآقبغاويـة والأورقـة مـن أحسـن المبانـي فـي العظم والوجاهة والفخامةوعمل عند باب القبـة الصهريـج والمقصـورة الكبيـرة التـي بهـا ضريح شيخ الإسلامزكريا الأنصاري فيما بين المسجد ودهليـز القبـة وفـرش طريـق القبـة بالرخـامالملـون يسلـك إليـه بدهليـز طويـل متسـع وعليـه بوابـة كبيرة من داخـل الدهليـزالبرانـي وعلـى الدهليـز البرانـي مـن كلتا الجهتين بوابتان‏.‏
وعمر أيضًا لمشهد النفيسي ومسجده وبنى الصهريج على هذه الهيئةالموجودة وجعل لزيارة النساء طريقًا بخلاف طريق الرجال‏.‏
وبنى أيضًا مشهد السيد زينب بقناطر السباع ومشهد السيدة سكينة بخطالخليفة والمشهـد المعـروف بالسيـدة عائشـة بالقـرب مـن بـاب القرافـة والسيـدةفاطمـة والسيـدة رقية والجامـع والرباط بحارة عابدين وكذلك مشهد أبي السعود الجارحيعلى الصفة التي هو عليها الآن ومسجد شرف الدين الكردي بالحسينية‏.‏
ومسجدًا بخط الموسكي وبنى للشيخ الحنفي دارًا بجـوار ذلك المسجدوينفذ إليه من داخل‏.‏
وعمر المدرسة السيوفية المعروفة بالشيخ مطهر بخطبات الزهومة وبنىلوالدته بها مدفنًا‏.‏
وأنشأ خارج باب القرافة حوضًا وسقاية وصهريجًا وجدد المارستانالمنصوري وهـدم أعلـى القبـة الكبيـرة المنصوريـة والقبـة التـي كانـت بأعلـىالفسحـة مـن خـارج ولـم يعـد عمارتهما بل سقف قبة المدفن فقط وترك الأخرى مكشوفةورتب له خيرات وأخبازًا زيادة على البقايا القديمة ولما عزم على ترميمه وعمارتـهأراد أن يحتـاط بجهات وقفه فلم يجد له كتاب وقفف ولا دفترًا وكانت كتب أوقافهودفاتره في داخل خزانة المكتب فاحترقت بما فيها من كتب العلم والمصاحف ونسخالوقفيات والدفاتر ووقفه يشتمل على وقف الملك المنصور قلاون الكبير الأصلي ووقفولده الملك الناصر محمد ووقف بن الناصر أبي الفدا اسمعيل بل وغير ذلك من مرتباتالملوك من أولادهم ثم إنه وجد دفترًا من دفاتر الشطب المستجدة عند بعض المباشرينوذلك بعد الفحص والتفتيش فاستدل به على بعض الجهات المحتكرة‏.‏
وللمترجم عمائر كثيرة وقناطر وجسور في بلاد الأرياف وبلاد الحجازحيـن كـان مجـاورًا هنـا‏.‏
وبنـى القناطـر بطندتـا فـي الطريـق الموصلـة إلـى محلـة مرحـوموالقنطـرة الجديدة الموصلـة إلـى حـارة عابديـن مـن انحيـة الخلوتـي علـى الخليجوقنطرة بناحية الموسكي ورتب للعميان الفقـراء الأكسيـة الصوف المسماة بالزعابيطفيفرق عليهم جملة كثيرة من ذلك عند دخول الشتاء فـي كـل سنة فيأتون إلى دارهأفواجًا في أيام معلومة ويعودون مسرورين بتلك الكساوي وكذلك المؤذنون يفرق عليهمجملة من الإجرامات الطولونية يرتدون بها وقت التسبيح في ليالي الشتاء وكذلك يفرقجملة من الحبر المحلاوي والبر الصعيدي والملايات والأخلاف والبوابيج القيصرلي علـىالنسـاء الفقيـرات والأرامـل ويخـرج عنـد بيتـه فـي ليالـي رمضـان وقت الإفطار عدةمن القصاع الكبـار المملـوءة بالثريـد المسقـي بمـرق اللحـم والسمـن للفقـراءالمجتمعيـن ويفرق عليهم النقيب هبر اللهم النضيج فيعطى لكل فقير جعله وحصته في يدهوعندما يفرغون من الأكل يعطى لكل واحد منهـم رغيفيـن ونصفـي فضـة برسـم سحـوره إلـىغيـر ذلـك‏.‏
ومن عمائره القصر الكبير المعروف به بشاطـئ النيـل فيمـا بيـنبولـاق ومصـر القديمـة وكـان قصـرًا عظيمًا من الأبنية الملوكية وقد هدم في سنة 1205 بيد الشيخ علي بن حسن مباشرًا لوقف وبيعت أنقاضه وأخشابه ومات المباشر المذكوربعد ذلك بنحو ثلاثة أشهر‏.‏
ومن عمائره أيضًا دار سكنه بحارة عابدين وكانت من الدور العظيمةالمحكمة الوضع والاتقان لا يماثلها دار بمصر في حسنها وزخرفة مجالسها وما بها منالنقوش والرخام والقيشاني والذهب المموه واللازورد وأنواع الأصباغ وبديع الصنعةوالتأنق والبهجة وغرس بها بستانًا بديعًا بداخله قاعة متسعة مربعة الأركان بوسطهافسقية مفروشة بالرخام البديع الصنعة وأركانها مركبة على أعمدة من الرخام الأبيضوغير ذلك من العمارات حتى اشتهر ذكره بذلك وسمي بصاحـب الخيـرات والعمائـر فـي مصـروالشـام والـروم وعـدة المساجـد التـي أنشأهـا وجدهـا وأقيمـت فيهـا الخطبـةوالجمعة والجماعة ثمانية عشر مسجدًا وذلك خلـاف الزوايـا والأسبلـة والسقايـاتوالمكاتـب والأحـواض والقناطـر والمربـوط للنسـاء الفقيرات والمنقطعـات‏.‏
وكـان لـه فـي هندسـة الأبنيـة وحسـن وضـع العمائـر ملكـة يقتـدربهـا علـى ما يروعه من الوضع من غير مباشرة ولا مشاهدة‏.‏
ولو لم يكن له من المآثر إلا ما أنشأ بالجامع الأزهر من الزيـادةوالعمـارة التـي تقصـر عنهـا همـم الملوك لكفاه ذلك وأيضًا المشهد الحسيني ومسجدهوالزيني والنفيسـي وضـم لوقفـه ثلاث قرى من بلاد الأرز بناحية رشيد وهي تفينة وديبيوحصة كتامة وجعـل إيرادهـا ومـا يتحصـل من غلة أرزها لمصارف الخيرات وطعام الفقراءوالمنقطعين وزاد في طعـام المجاوريـن بالأزهـر ومطبخهـم الهريسـة فـي يومـيالاثنيـن والخميـس وقد تعطل غالب ذلك في هذا التاريخ الذي نحن فيه لغاية سنة 1220بسبب استيـلاء الخـراب وتوالـي المحـن وتعطـل الأسبـاب‏.‏
ولـم يـزل هـذا شأنـه إلـى أن استفحـل أمـر علـي بـك وأخرجـهمنفيـًا إلـى الحجـاز وذلـك فـي أوائـل شهـر القعـدة 1178 فأقـام بالحجـاز اثنتـيعشـرة سنـة فلمـا سافـر يوسـف بـك أميرًا بالحاج في السنـة الماضيـة صمـم علـىإحضـاره صحبتـه إلـى مصـر فأحضـره فـي تختـروان وذلـك فـي سابع شهر صفـر سنـة 1190وقـد استولـى عليـه العـي والهـرم وكـرب الغربـة فدخـل إلى بيته مريضًا فأقام أحدعشر يومًا ومات فغسلوه وكفنوه وخرجوا بجنازته في مشهد حافـل حضـره العلمـاءوالأمـراء والتجـار ومؤذنـو المساجـد وأولـاد المكاتـب التـي أنشأهـا ورتب لهم فيهاالكساوي والمعاليم في كل سنة وصلوا عليه بالأزهر ودفن بمدفنه الذي أعده لنفسهبالأزهر عند الباب القبلي‏.‏
ولم يخلـف بعـده مثلـه رحمـه اللـه‏.‏
ومن مساويه قبول الرشا والتحيل على مصادرة بعض الأغنياء في أموالهـمواقتـدى بـه فـي ذلـك غيـره حتـى صـارت سنـة مقـررة وطريقـة مسلوكـة ليست منكرةوكذلك المصالحـة علـى تركـات الأغنياء التي لها وارث ومن سيآته العظيمة التي طارشررها وتضاعف ضررهـا وعم الإقليم خرابها وتعدى إلى جميع الدنيا هبابها معاضدته لعليبك ليقوى به على أرباب الرئاسة فلم يزل يلقي بينهم الفتن ويغري بعضهم على بعض ويسلطعليهم علي بك المذكور حتى أضعف شوكات الأقوياء وأكد العداوة بين الأصفياء واشتدساعد علي بك فعنـد ذلـك التفـت إليـه وكلـب بنابـه عليـه وأخرجه من مصر وأبعده عنوطنه فلم يجد عند ذلك مـن يدافـع عنـه وأقـام هـذه المـدة فـي مكـة غريبـًا وحيـدًاوأخـرج أيضـًا فـي اليـوم الـذي أخرجـه فيه نيفًا وعشرين أميرًا من الاختيارية كماتقدم‏.‏
فعند ذلك خلا لعلي بك وخشداشينه الجو فباضوا وأفرخـوا وامتد شرهمإلى الآن الذي نحن فيه كما سيتلى عليك بعضه فهو الذي كان السبب بتقديـر اللـهتعالـى فـي ظهـور أمرهـم فلـو لـم يكـن لـه مـن المسـاوئ إلا هـذه لكفـاه ولمـا رجعمن الحجاز متمرضـًا ذهـب إليـه إبراهيـم بـك ومـراد بـك وباقـي خشداشينهم ليعودوهولم يكن رآهم قبل ذلك فكـان مـن وصيتـه لهـم‏:‏ كونـوا مـع بعضكـم واضبطـوا أمركـمولا تداخلـوا الأعـادي بينكـم‏.‏
وهذا بدل عن قوله أوصيكم بتقوى الله تعالى وتجنبوا الظلم وافعلواالخير فإن الدنيا زائلة وانظروا حالي ومالـي أو نحـو ذلك هكذا أخبرني من كان حاضرًافي ذلك الوقت وكان سليط اللسان ويتصنع الحماقة فغفر الله لنا وله رأيته مرة وأنا إذذاك في سن التمييز قبل أن ينفى إلى الحجاز وهو مـاش فـي جنـازة مربـوع القامـةأبيـض اللـون مسترسـل اللحية ويغلب عليها البياض مترفهًا في ملبسه معجبًا بنفسهيشار إليه بالبنان‏.‏
سنة إحدى وتسعين ومائة وألف
فيها في أوائل شهر ربيع الأول ورد أغا من الديار الرومية بطلب عساكرلسفر العجم فاجتمع الأمـراء وتشـاوروا في ذلك فاتفق رأيهم على إحضار إبراهيم طنانفأحضروه من المحلة وقلدوه إمارة ذلك‏.‏
وفيها في أوائل شهر جمادى الأولى وقعت حادثة في طائفة المغاربةالمجاورين بالجامع الأزهر وذلـك أنـه آل إليهـم مكان موقوف وحجد واضع اليد ذلكوالتجأ إلى بعض الأمراء وكتبوا فتوى فـي شـأن ذلـك واختلفوا في ثبوت الوقف بالإشاعةثم أقاموا الدعاوى في المحكمة وثبت الحق للمغاربة ووقع بينهم منازعات وعزلوا شيخهموولوا آخر وكان المندفع في الخصومة واللسانة شيخـًا منهـم يسمـى الشيـخ عبـاسوالأميـر الملتجـئ إليـه الخصـم يوسـف بـك فلمـا ترافعوا وظهر الحق علـى خلـاف غـرضالأميـر حنـق لذلك ونسبهم إلى ارتكاب الباطل فأرسل من طرفه منن يقبض على الشيخ عباسالمذكور من بين المجاورين فطردوا المعينين وشتموهم وأخبروا الشيخ أحمد الدرديـرفكتـب مراسلـة إلـى يوسـف بـك تتضمـن عدم تعرضه لأهل العلم ومعاندة الحكم الشرعيوأرسلها صحبة الشيخ عبد الرحمن الفرنوي وآخرين فندما وصلوا إليه وأعطوه التذكرةنهرهم وأمر بالقبض عليهم وسجنهـم بالحبـس‏.‏
ووصـل الخبـر إلـى الشيـخ الدرديـر وأهـل الجامـع فاجتمعـوا فـيصبحها وأبطوا الدروس والآذان والصلوات وقفلوا أبواب الجامع وجلس المشايخ بالقبلةالقديمة وطلـع الصغـار على المنارات يكثرون الصياح والدعاء على الأمراء‏.‏
وأغلق أهل الأسواق القريبة الحوانيت وبلغ الأمراء ذلك فأرسلوا إلىيوسف بك فأطلق المسجونين وأرسل إبراهيم بك من طرفـه إبراهيـم أغـا بيـت المـال فلـميأخـذ جوابـًا وحضـر الأغا إلى الغورية ونزل هناك ونادى بالأمان وأمر بفتح الحوانيتفبلغ مجاوري المغاربة ذلك فذهب إليه طائفة منهم وتبعهم بعض العوام وبأيديهم العصيوالمسلوق وضربوا أتباع الآغا ورجموه بالأحجار فركب عليهم وأشهر فيهـم السلاح هوومماليكه فقتل من مجاوري المغاربة ثلاثة أنفار وانجرح منهم كذلـك ومـن العامـة‏.‏
وذهـب الآغـا ورجـع الفريـق الآخـر وبقـي الهرج إلى ثاني يوم فحضراسمعيل بك والشيخ السادات وعلي أغا كتخدا الجاويشية ووفـي أوائلـه أيضـًا أحضـرمراد بك شخصًا يقال له سليمان كاشف من أتباع يوسف بك وضربه علقة بالنبابيت لسبب منالأسباب فحقدها عليه يوسف بك واستوحش من طرفه‏.‏
وفي ثاني عشر جمادى الثانية قبض الآغا على إنسان شريف من أولادالبلد يسمى حسن المدابغـي وضربـه حتـى مـات وسبـب ذلـك أنـه كـان فـي جملـة مـن خرجعلى الآغا بالغورية يوم فتنة الجامع وكان إنسانًا لا بأس به‏.‏
وفي ليلة الجمعة رابع عشر جمادى الثانية خرج اسمعيل بك جهة العادليةمغضبًا وسبب ذلك أن مراد بك زاد فـي العسـف والتعـدي خصوصـًا فـي طـرف اسمعيـل بـكوإبراهيـم بـك يسعـى بينهمـا فـي الصلـح واجتمعـوا فـي آخـر مجلـس عنـد إبراهيـمبـك فتكلـم اسمعيـل بك كلامًا مفحمًا وقال‏:‏ أنا تارك لكم مصر وإمارتها وجاعلكـممثـل أولـادي ولا أريـد إلا المعيشـة وراحـة السـر وأنتـم لا تراعون لي حقًا وأمثالذلك من الكلام‏.‏
فحضر في هذه الأيام إلى اسمعيل بك مركب غلال فأرسل مراد بك وأخذ مافيها وعلم أن اسمعيل بك يغتاظ لذلك ثم اتفق مع بعض أغراضه أنهم يركبون من الغد إلىاسمعيل بك ويدخلون عليه في بيته ويقتلونه فعلم اسمعيل بك بذلك فركـب فـي الصباحوخرج إلى العادلية بعد أن عزل بيته وحريمه ليلًا وجلس بالأشبكية وركب مـراد بـكذاهبـًا إلـى اسمعيـل بـك فوجـده قـد خـرج إلـى الأشبكيـة وكـان إبراهيم بك طلع إلىقصر حسـن أغـا فنزلـوا الأشرفيـة وأرسلـوا إلـى أهـل الجامـع تذكـرة بانفضاض الجمعوتمام المطلوب‏.‏
وكان ذلك عند الغروب فلـم يرضـوا بمجـرد الوعـد وطلبـوا الجامكيةوالجراية فركبوا ورجعوا وأصبح يوم الأربعاء والحال على ما هو عليه واسمعيل بك مظهرالاهتمام لنصرة أهل الأزهر فحضر مع الشيخ السادات وجلسوا بالجامع المؤيدي وأرسلواللمشايخ تذكرة صحبة الشيخ إبراهيم السندوبي ملخصها أن اسمعيل بك تكفل بقضاء أشغالالمشايـخ وقضـاء حوايجهـم وقبـول فتواهـم وصـرف جماكيهـم وجراياتهـم وذلـك بضمـانالشيخ السـادات لـه فلمـا حضر الشيخ إبراهيم بالتذكرة وقرأها الشيخ عبد الرحمنالعريشي جهارًا وهو قائـم علـى أقدامـه‏.‏
فلمـا سمعوها أكثروا من الهرج واللغط وترددت الإرساليات والذهابوالمجيء بطـول النهـار ثـم اصطلحـوا وفتحـوا الجامـع فـي آخـر النهار وأرسلوا لهمفي يوم الخميس جانبًا من دراهـم الجامكيـة‏.‏
ومـن جملـة مـا اشترطـوه فـي الصلـح عـدم مـرور الآغـا والوالـيوالمحتسب من حارة الأزهـر وغيـر ذلـك شـروط لـم ينفـذ منهـا شـيء‏.‏
وعمـل إبراهيـم بـك ناظرًا على الجامع عوضًا عن الآغا وأرسل من طرفهجنديًا للمطبخ وسكن الاضطراب‏.‏
وبعد مضي أربعة أيام من هذه الحادثـة مـر الآغـا وبعـده الوالـيكذلـك فأرسـل المشايخ إلى إبراهيم بك يخبروه فقال‏:‏ إن الطريق يمر بها البروالفاجر ولا يستغني الحكام عن المرور‏.‏
وفـي أوائلـه أيضـًا أحضـر مراد بك شخصًا يقال له سليمان كاشف منأتباع يوسف بك وضربه بانفضاض الجمع وتمام المطلوب‏.‏
وكان ذلك عند الغروب فلـم يرضـوا بمجـرد الوعـد وطلبـوا الجامكيةوالجراية فركبوا ورجعوا وأصبح يوم الأربعاء والحال على ما هو عليه واسمعيل بك مظهرالاهتمام لنصرة أهل الأزهر فحضر مع الشيخ السادات وجلسوا بالجامع المؤيدي وأرسلواللمشايخ تذكرة صحبة الشيخ إبراهيم السندوبي ملخصها أن اسمعيل بك تكفل بقضاء أشغالالمشايـخ وقضـاء حوايجهـم وقبـول فتواهـم وصـرف جماكيهـم وجراياتهـم وذلـك بضمـانالشيخ السـادات لـه فلمـا حضر الشيخ إبراهيم بالتذكرة وقرأها الشيخ عبد الرحمنالعريشي جهارًا وهو قائـم علـى أقدامـه‏.‏
فلمـا سمعوها أكثروا من الهرج واللغط وترددت الإرساليات والذهابوالمجيء بطـول النهـار ثـم اصطلحـوا وفتحـوا الجامـع فـي آخـر النهار وأرسلوا لهمفي يوم الخميس جانبًا من دراهـم الجامكيـة‏.‏
ومـن جملـة مـا اشترطـوه فـي الصلـح عـدم مـرور الآغـا والوالـيوالمحتسب من حارة الأزهـر وغيـر ذلـك شـروط لـم ينفـذ منهـا شـيء‏.‏
وعمـل إبراهيـم بـك ناظرًا على الجامع عوضًا عن الآغا وأرسل من طرفهجنديًا للمطبخ وسكن الاضطراب‏.‏
وبعد مضي أربعة أيام من هذه الحادثـة مـر الآغـا وبعـده الوالـيكذلـك فأرسـل المشايخ إلى إبراهيم بك يخبروه فقال‏:‏ إن الطريق يمر بها البروالفاجر ولا يستغني الحكام عن المرور‏.‏
العينـي فذهـب إلـى مـراد بـك ولمـا أشيـع خروج اسمعيل بك ركب يوسفبك وخرج غليه وتبعه محمد بك طبـل وحسـن بـك وإبراهيـم بـك طنـان وذو الفقـار بـكوغيرهـم‏.‏
ووصـل الخبـر إلـى إبراهيـم بك ومراد بك ومن انضم إليهم فركبواوحضروا إلى القلعة وملكوا الأبـواب وامتلـأت الرميلـة والميـدان بعساكرهـم وصحبتهـمأحمـد بـك الكلارجـي ولاجيـن بـك وأيـوب بـك ورضوان بك وخليل بك ومصطفى بك واضطربتالمدينة وأغلق الناس الدكاكين واستمروا على ذلك يوم السبت ويوم الأحد ويوم الاثنينويوم الثلاثاء وتسحب من أهل القلعة جماعة خرجوا إلى اسمعيل بك ويوسـف بـك ومـنمعهمـا وهـم اسمعيـل أغـا أخـو علي بك الغزاوي وأخوه سليم أغا وعبد الرحمن أغا أغاتالينكجرية سابقًا فأرسل أهل القلعة إبراهيم أغا الوالي فجلس بباب النصر وأغلقالبـاب ونـزل الباشـا إلـى بـاب العـزب‏.‏
فحضـر قاسـم كتخـدا عزبـان أمين البحرين وعبد الرحمن أغا وصحبتهمجماعة إلى باب النصر فأرسلوا إليهم طائفة من عسكر المغاربـة فضربـوا عليهـم بالرصاصوحمل عليهم الآخرون فشتتوهم ورجعوا إلى خلف وقتل من المغاربة أنفار وانجرح منهـمكذلـك وانتشـر البرانيـون حوالـي جهـات مصر وذهب منهم طائفة إلى جهة بولاق وفيهممحمد بك طبل فوجدوا طائفة من الكشاف والأجناد حضروا إلى بولاق لأجل العليق والتبنفوقعت بينهـم وقعـة فانهزموا إلى قصر عبد الرحمن كتخدا وأخذ أولئك العليق والتبنوطلع منهم طائفة إلى الجبل واشتد الحال وعظمت الفتنة فأراد الباشا إجراء الصلحفأرسل أيوب أغا ورجع بجواب عدم رضاهم بالصلح ثم أرسل إليهم أحمد جاويش المجنون فذهبولم يرجع والتف عليهم فأرسل الباشا ولده وكتخداه سعيد بك مرارًا‏.‏
ثم دخل في يوم الأربعاء عبد الرحمن أغـا من باب النصر وشق من وسطالمدينة وأمامه المنادي ينادي على الناس برفع بضائعهم من الحوانيـت فرفـع النـاسبواقـي بضائعهـم مـن الدكاكيـن ولـم يـزل سائـرًا حتـى وصل إلى باب زويلة ونزلبجامـع المؤيد وجلس به مقدار ساعتين ورتب عسكرًا هناك على السقائف والأسبلة ثم ركبراجعـًا وعـاد وصحبتـه إبراهيـم بك الطناني ومعهم عدة أجناد وعساكر وخرجوا من بابزويلة إلـى الـدرب الأحمـر إلـى جامـع المردانـي فجلسـوا عنـده إلـى بعـد الظهـرثـم زحفـوا إلـى التبانـة إلـى قـرب المحجر وعملوا هناك متاريس ورتبوا بها جماعةوكذلك ناحية سويقة العزى فنزل إليهم جماعة من القلعة وتراموا بالرصاص وقطعوا الطرقعلى من بالقلعة إلى بعد العصر فنزل إليهم خيالة مدرعيـن فحمـل عليهـم عسكـرالمغاربـة فوقـع منهـم أربعـة خيالـة وانجـرح لاجيـن بـك فحملـوه إلـى بيته في شنفوقتل أنفار من عسكر المغاربة وولى القلعاوية إلى جهة القلعة وبعد الغروب انفصل عنهمعسكر المغاربة ونكسوا أعلامهم وحضروا عند أجناسهم والتفوا عليهم ولاحت لوائحالخذلـان علـى مـن بالقلعـة ودخل عليهم الليل وانكف الفريقان‏.‏
وأصبح يوم الخميس فدخل الكثير من البرانيين إلـى المدينـة شيئـًافشيئـًا وربطـوا فـي جميـع الجهـات حتـى انحصـروا بالقلعـة وأخـذوا ينقبـون عليهـمفلمـا شاهـدوا الغلـب فيهـم نزلـوا مـن بـاب الميـدان وذهبـوا جهـة البساتيـن إلىالصعيد فتخلف عنهم أحمد بك الكلارجي وأيوب بك وإبراهيم بك أوده باشه ولاجيـن بـكمجـروح وخـرج المتخلفـون إلـى اسمعيـل بـك ويوسـف بك وطلبوا منهما الأمان وانضمواإليهم‏.‏
وعندما أشيع نزول إبراهيم بك ومراد بك من القلعة هجم المراطبونبالمحجر وسوق السلاح على الرميلة ونهبوا خيامهم وعازقهم الذي بها وبالميدان حتىجمال الباشا وخيول الدلاة وذلك يوم الخميس قبل العصر بنصف ساعة فدخل اسمعيل بكويوسف بك بعد العصر من ذلك اليوم من باب النصر وتوجهوا إلى بيوتهم وأصبح يوم الجمعةفشق عبد الرحمن أغا ونـادى بالأمـان والبيـع والشراء وراق الحال‏.‏
ولمـا كـان يـوم الأحـد ثاني عشرين جمادى الثانية طلعوا إلى الديونفخلع الباشا على اسمعيل بك ويوسف بك خلعتي سمور واستقر اسمعيل بك شيخ البلد ومدبرالدولة وقلدوا حسن بك الجداوي صنجقًا كما كان وكانت الصنجقية مرفوعة عنه من موتسيده علي بك وكذلك رضـوان بـك قرابـة علـي بـك قلـدوه صنجقيـة وقلدوا اسمعيل أغاأخا علي بك الغزاوي صنجقية أيضـًا وسكـن ببيـت إبراهيـم بك الكبير وقلدوا سليمانكاشف من أتباع يوسف بك وهو الذي كـان ضربه علقة مراد بك بالنبوت كما تقدم صنجقيةولقبه الناس أبا نبوت وقلدوا أيضًا سليم كاشف من أتباع اسمعيل بك صنجقية وقلدوا عبدالرحمن أغا أغاوية مستحفظان كما كان ومحمـد كاشف والي الشرطة‏.‏
وفي عشية ذلك اليوم أنزلوا سليمان أغا مستحفظان إلى بولاق وأنزلوهفي مركب منفيًاإلى دمياط بعدما صودر في نحو أربعين ألف ريال‏.‏
وفي يوم الثلاثاء خامس عشرينه أنزلوا أيضًا سليمان كتخدا مستحفظانوعثمان كتخدا باش اختيـار مستحفظـان المعـروف بأبـي مسـاوق والأمير عبد الله أغاوأنزلوهم إلى المراكب ثم حصل عنهم العفو فردوهم إلى بيوتهم‏.‏
وفي ذلك اليوم طلعوا إلى الديوان فقلدوا ذا الفقار بك دفتردار عوضًاعن رضوان بك بلفيا وذلك بإشارة يوسف بك لكونه كان مع مراد بك وإبراهيم بك حتى أنهأراد أن يسلب نعمته فمنعه عنه اسمعيل بك‏.‏

وفي يوم الأربعاء ثاني شهر رجب حضر عند يوسف بك حسن بك الجداويوصحبتـه اسمعيـل بـك الصغيـر وهـو أخـو علـي بك الغزاوي وسليم بك الاسمعيلي وعبدالرحمن بك العلوي فجلسـوا معـه ساعة لطيفة بالمقعد المطل على البركة فجلس حسن بكأمامه وكان جالسًا على الدكـة المرتفعـة عـن المرتبـة وجلـس تحت شماله على المرتبةاسمعيل بك الصغير وسليم بك وعبد الرحمن بك استمر واقفًا وحادثوه في شيء وتناجوا معبعضهم وتأخـر عنهـم الواقفـون مـن المماليـك والأجناد فسحب عبد الرحمن بك النمشاةوضرب بها يوسف بك فأراد أن يهم قائمًا فـداس علـى ملوطـة اسمعيـل بـك فوقـع علـىظهـره فنزلـوه عليـه بالسيوف وضربوا في وجوه الواقفين طلـق بـارود فهربـوا إلـىخلـف ونـزل الضاربـون من القيطون وركبوا وذهبوا إلى اسمعيل بك فركب فـي تلـك الساعةوطلع إلى القلعة وأرسل اسمعيل كتخدا عزبان إلى الباشا وكان بقصر العيني بقصـدالتنـزه فركـب مـن هنـاك وطلع إلى القلعة وجلس بباب العزب صحبة اسمعيل بك فلما بلغالأمـراء الذيـن هـم خشداشيـن يوسـف بـك ركبـوا وخرجـوا مـن المدينة وذهبوا إلىقبلي وهم أحمد بك الكلارجي وذو الفقار بك ورضوان بك الجرجاوي فركـب خلفهـم طائفـةفلـم يدركوهـم وأرسلـوا إلـى محمد بك طبل فكرنك في بيته ونصب له مدافع وأبى منالخروج لأنه صار من المذبذبيـن‏.‏
فلمـا وقـع منـه ذلـك ذهـب إليـه حسـن بـك سـوق السلـاح وأخـذهبالأمان إلى اسمعيل بك بعدمـا نـزل إلـى بيتـه فأمـره أن يأخـذه عنـده فـي بيتهفلما أصبح استأذنه في زيارة الإمام الشافعي فأذن له فركب إلى جهة القرافة وذهب إلىجهة الصعيد‏.‏
وانقضت الفتنة ودفن يوسف بك‏.‏
وفـي يـوم الخميـس طلعـوا إلـى الديـوان فخلـع الباشـا علـى اسمعيـلبـك الكبير فروة سمور وأقره على مشيخـة ابلـد وقلدوا حسن بك قصبة رضوان إمارة الحجعوضًا عن يوسف بك وقلدوا عبد الرحمن بك العلوي صنجقًا كما كان وقلدوا إبراهيم أغاخازندار واسمعيل بك الذي زوجه ابنتـه صنجقيـة وتلقـب بإبراهيـم بـك قشطـة وسكـنببيت محمد بك وقلدوا حسين أغا خازندار اسمعيل بك سابقًا صنجقية أيضًا وسكن ببيتأحمد بك الكلارجي وقلدوا كاشفين أيضًا لاسمعيـل بـك يسمـى كـل واحـد منهمـا بعثمـانصنجقيـن وسكن أحدهما ببيت مصطفى بك الذي كـان سكـن محمد بك طبل وهو على بركة الفيلحيث جامع أزبك اليوسفي وهو الذي يسمى بعثمـان بـك طبـل وعثمـان الثانـي وهو الذيلقب بقفا الثور وسكن ببيت ذي الفقار المقابل لبيت بلفيـا وقلـدوا علـي أغـا جوخـداراسمعيـل بـك صنجقيـة أيضـًا وسكن ببيت مراد بك عند الكبش وهـو ببيـت صالـح بـكالكبيـر وكـان يسكنـه سليمـان بـك أبـو نبـوت اليوسفـي‏.‏
وأمـا بيـت يوسـف بك فسكـن بـه سليـم بـك وقلـدوا يوسـف أغـا مـنأتبـاع اسمعيـل بـك واليًا ونفوا أيوب بك وسليمان بك إلى المنصورة‏.‏
وفي صبحها يوم الجمعة رابع شهر رجب الفرد الموافق لرابع مسرى القبطينودي بوفاء النيل ونـزل الباشـا صبـح يوم السبت وكسر السد على العادة وجرى الماءإلى الخليج وعاد الباشا إلى القلعة‏.‏
وفـي سابعـه اتفقـوا على إرسال تجريدة إلى الصعيد وسر عسكرها اسمعيلبك الصغير وعينوا للتوجه صحبته حسن بك الجداوي وإبراهيم بـك الطنانـي وسليـم بـكالطنانـي وسلـم بـك الاسمعيلـي وإبراهيـم بـك أوده باشا وحسن بك الشرقاوي المعروفبسوق السلاح وقاسم كتخدا عزبـان وعلـي أغـا المعمـار وكـان غائبـًا بالمنيـة فلماقبل الجماعة تخلص وترك أحواله وغلاله وحضر إلى مصر وصحبته طائفة من الهوارةوالعربان فلما حضر أرادوا أن يقلدوه صنجقية فامتنع من ذلك وشرعوا في تشهيل التجريدةوطلبوا طلبًا عظيمًا وصرف الباشا ألف كيس من الخزينة لنفقـة العسكـر وخلعـوا علىالهوارة ومشايخ العربان ووعدوهم بالخير‏.‏
وفيه جاءت الأخبار بأن علـي بـك السروجـي ساق خلف محمد بك طبل فلحقهعند مكان تجاه البدرشين واحتاط به العربان وقتلوا مماليكه وشرد من نجا منهم وتفرقونهبوا ما معه وعروه وسلموه لكاشف هناك مـن أتبـاع اسمعيـل بـك فوقـع فـي عرضـهوعـرض مشايـخ البلـد فألبسـوه حوائـج وهربـوه وصحبته اثنان من الأجناد فلما حضر عليبك السروجي أخبره العرب بما حصـل فأخـذ ذلـك الكاشـف وحضر صحبته إلى اسمعيل بك فضربالكاشف علقة ونفاه‏.‏
وفيه ورد الخبر أيضًا عن ذي الفقار بك بأن العرب عروه أيضـًا فهـربفلحقـوه وأرادوا قتلـه فألقى نفسه في البحر بفرسه وغرق ومات‏.‏
وفي يوم الاثنين رابع عشر رجب برزت عساكر التجريدة إلى جهةالبساتين‏.‏
وفي يوم الجمعة ثامن عشر رجب سافرت التجريدة برًا وبحرًا‏.‏
وفـي يـوم السبـت سادس عشرين رجب وصلت الأخبار بأن التجريدة تلاقتمع الأمراء القبالي ووقع بينهم معركة قوية فكانت الهزيمة على التجريدة‏.‏
فلما وصلت هذه الأخبار اضطرب اسمعيـل بك وتخبل غزله وكذلك أمراؤهودخل في يومها الأجناد مشتتين مهزومين وكانت الوقعة يـوم الجمعـة فـي بياضـة مـنأعمـال الشـرق فكبسوهـم علـى حين غفلة وقت الفجر فركب علي أغا المعمار وقاسم كتخداعزبان وإبراهيم بك طنان فحاربوا جهدهم فأصيب علي أغا وقاسم كتخـدا ووقعـت خيولهمـاوذلـك بعـد أن سـاق علـي أغا وصحبته رضوان أغا طنان وقصد مراد بك وضربه رضوان فيوجهه بالسيف فلمحه خليل بك كوسه الإبراهيمي وضرب علي أغا بالقرابينـة فأصابتـه فـيعنقـه ووقـع فرسـه وسقـط ميتـًا‏.‏
فلمـا قتـل هذان الأميران ولي إبراهيم بك طنان فانهزم بقية الأمراءلأنه لم يكـن فيهـم أشجـع مـن هـؤلاء الثلاثـة وباقيهـم ليـس لـه دربـة فـي الحـربوسر عسكر مقصوب ومريض واحتاط الأمراء القبليون بخيامهم وحملاتهم ومراكبهم بمـافيهـا وكانـت نيفـًا وخمسمائـة مركـب وكان كبير العسكر في قنجة صغيرة فلما عاينالكسرة أسرع في الانحدار وكذلك بعض الأمراء انحدروا معه وباقيهم وصلوا في البر علىهيئة شنيعة وكان اسمعيـل بـك بمصـر القديمـة ينتظـر أمـراء التجريـدة‏.‏
فلمـا حصـل ذلـك نـزل البـاش فـي يوم الأحد وخرج إلى الآثار وجلس معالصنجق ونادوا بالنفير العام فخرج القاضي والمشايخ والتجار وأرباب الصنائـعوالمغاربـة وأهل الحارات والعصب وغلقت الأسواق‏.‏
وخرج الناس في يوم الاثنين حتى ملأوا الفضاء فلما عاين ذلك اسمعيلبك وعلم أنك يحتاجون إلى مصروف ومأكل وأكثرهم فقراء وذلك غاية لا تدرك أشار علىتجار المغاربة والأضاشات بالمكث ورجع بقية العامة وأرباب الحرف ومشايخ الأشايروالفقراء من أهل الزوايا والبيوت ووصل القبليون إلى حلوان وطمعوا في أخذ مصر بعدالكسرة قبل الاستعداد ثانيًا‏.‏
وفـي يـوم الاثنيـن أرسـل اسمعيل بك عدة من الأجناد وأصحبهم عسكرالمغاربة ومعهم الجبخانة والمدافع فنصبوا المتاريس ما بين التبين وحلوان تجاهالأخصام وركب في ليلتها اسمعيل بك وأمراؤه وأجناده وأحضر الباشا قليون رومي مندمياط ورئيسه يسمى حسن الغاوي مشهور بمعرفة الحرب في البحر يشتمل ذلك القليون علىخمسة وعشرين مدفعًا فأقلع به ليلًا تجاه العسكـر وارتفع حتى تجاوز مراكبهم وضرببالمدافع على وطاقهم في البر وعلى مراكبهم في البحـر وسـاق جميع المراكب بما فيهاووقع المصاف واشتد الجلاد بين الفريقين فكان بينهم وقعة قوية وقتل فيها من أولئكرضوان بك الجرجاوي وخليل بك كوسه الإبراهيمـي وخازنـداره وكشاف وأجناد ووقعت علىالقبالي الهزيمة ولم يظهر مـراد بـك فـي هـذه المعركـة بسبـب جراحته‏.‏
ثـم هجمـوا علـى وطاقهـم وخيامهـم ونهبوهـا ونـزل محمـد بـك طبـلبفرسـه إلـى البحـر وغـرق ومـات‏.‏
ورجـع إبراهيـم بـك ومـراد بـك وهـو مجـروح ومصطفـى بـك وأحمد بكالكلارجي وأتباعهم وذهبـوا إلـى قبلـي وساقـوا خلفهم فلم يدركوهم‏.‏
ودخل اسمعيل بك والأمراء والأجناد والعسكر إلى مصر منصورين مؤيدينوكانت هذه النصرة بخلاف المظنون وكان رجوعهم يـوم الأربعـاء غرة شهر شعبان‏.‏
وفي ليلة السبت رابع شعبان حضر كاشف وصحبته جملة من المماليك وكانهذا الكاشف مأسورًا عند القبالي فلما انهزموا أذنوا له بالرجوع إلى بيته وانضـمإليـه عـدة مماليـك ماتـت أسيادهم فلما حضروا عند اسمعيل بك فرقهم على الأمراء‏.‏
وفـي سابعـه أحضـروا رمـة علـي أغـا المعمـار إلـى بيتـه فغسلـوهوكفنـوه وصلـوا عليـه فـي مشهد حافل ودفنوه بالقرافة‏.‏
وفيه تقلد حسن بك الجداوي ولاية جرجا وجاءت الأخبار بأن القبلييناستقروا بشرق أولاد يحيى‏.‏
وفي أخر شعبان سافر حسن بك الجداوي إلى جرجا وصحبتـه كشـافالولايـات وحكـام الأقاليم فضج لنزولهم ساحل البحر بسبب أخذهم المراكب‏.‏
وفي منتصف شهر رمضان ولدت امرأة مولودًا يشبه خلقة الفيل مثل وجههوآذانه وله نابان خارجان من فمه وأبوه رجل جمال وامرأته لما رأت الفيل وكانت فيأشهر وحامها نقلت شبهه في ولدها وأخذه الناس يفترجون عليه في البيوت والأزقة‏.‏
وفي يوم الجمعة تاسع عشرين شهر رمضان ركب أمراء اسمعيل بك وصناجقهوعساكره في آخـر الليـل واحتاطـوا ببيـت اسمعيـل بـك الصغيـر أخـي علـي بـكالغـزاوي فركـب فـي مماليكـه وخاصتـه وخرج من البيت فوجدوا الطرق كلها مسدودةبالعسكر والأجناد فدخل من عطفة الفرن يريد الفرار وخرج على جهة قنطرة عمر شاه فوجدالعسكر والأجناد أماه وخلفه فصار يقاتلهم ويتخلـص منهـم مـن عطفـة إلـى عطفة حتىوصل إلى عطفة البيدق وأصيب بسيف على عاتقه وسقطت عمامته وصار مكشوف الرأس إلى أنوصل إلى تجاه درب عبد الحق بالأزبكيـة فلاقـاه عثمـان بـك أحـد صناجـق اسمعيـل بـكفـرده وسقـط واحتاطـوا بـه فنـزل علـى دكـان في أسوأ حال مكشوف الرأس والدم خارج منكركه فعصبوا رأسه بعمامة رجل جمال وأخذه عثمان بـك إلـى بيتـه وتركـه وذهـب إلـىسيـده فأخبـره فخلـع عليـه فروة وفرسًا مرختًا وأرسلوا إليه الوالي فخنقه ووضعوه فيتابوت وأرسلوه إلى بيته الصغير فبات به ميتًا وأخرجوه في صبحها في مشهـد ودفنـوه‏.‏
وكـان اسمعيـل بـك قـد استوحش منه وظهر عليه في أحكامه وأوامرهوكلما أبرم شيئًاعارضـه فيـه‏.‏
وازدحـم النـاس علـى بيتـه وأقبلـت إليه أرباب الخصومات والدعاوىوصار له عزوة كبيرة وانضم إليه كشاف واختيارية وحدثته نفسه بالانفراد وتخيل منهاسمعيل بك فتركه وما يفعله وأظهـر أنـه مرمـود فـي عينيـه وانقطـع بالحريـم مـن أولشهـر رمضـان ثـم سافـر فـي أواخـره فـي النيـل لزيـارة سيـدي أحمـد البدوي ثم رجعوبيت مع أتباعه ومن يثق به وقاموا عليه وقتلوا كما ذكر‏.‏
ولما انقضى أمره شرع اسمعيل بك في إبعاد ونفي من كان يلوذ به وينتميإليه فأنزلوا إبراهيم بك بلفيا ومحمد أغا الترجمان وعلي كتخدا الفلاح وبعض كشاف إلىبولاق وأراد قتل أخيه سليم آغا المعروف بتمرلنك فاقتدى نفسه بثلاثين ألف ريال ثمنفوه ثالث شوال ونفي إبراهيم بك بلفيا إلى المحلة‏.‏
وفي تلك الأيام قرر اسمعيل بك على كل بلد من القرى ثلثمائة ريال وهيأول سيآته‏.‏
وفي يوم الأحد ثاني عشرين شوال عملوا موكب المحم وأمير الحاج حسن بكرضوان‏.‏
وفي يوم الخميس رابع ذي القعدة تقلد عبد الرحمن بك عثمان صنجقيةوكانت مرفوعة عنه وكذلك علي بك‏.‏
وفي يوم الاثنين ثامنه سافرت تجريدة لجهة الصعية للأمراء القباليلأنهم تقووا واستولوا على البلـاد وقبضـوا الخـراج وملكـوا مـن جرجـا إلـى فـوقوحسـن بك أمير الصعيد مقيم وليس فيه قدرة على مقاومتهم ومنعوا ورود الغلال حتى غلاسعرهـا فعينـوا لهـم التجريـدة وسـر عسكرهـا رضوان بك وعلي الجوخدار وسليم بكوإبراهيم بك طنان وحسن بك سوق السلاح‏.‏
وفـي يـوم الأحـد حـادي عشريـن القعدة خرج اسمعيل بك إلى ناحية ديرالطين وعزم على التوجه إلى قبلي بنفسه وأرسل الباشا فرمانات لسائر الأمراءوالجاقلية وأمرهم جميعًا بالسفر فخرجوا جميعًا ونصبوا وطاقاتهم عند المعادي ونزلالباشا وجلس بقصر العيني وطلبوا طلبًا عظيمًا‏.‏
وفي يوم الجمعة عدى اسمعيل بك إلى البر الثاني وترك بمصر عبد الرحمنأغا مستحفظان كتخدا ورضوان بك بلفيا وعثمان بك طبل وإبراهيم بك قشطة صهره وحسين بكومقادم الأبـواب لحفـظ البلد فكان المقادم يدورون بالطوف في الجهات ليلًا ونهارًامع هدوء سر الناس وسكون الحال في مدة غياب الجميع‏.‏
وفي سادس شهر الحجة وصلت مكاتبات من اسمعيل بك ومن الأمراء الذينبصحبته بأنهم وصلـوا إلـى المنيـة فلـم يجـدوا بهـا أحـدًا من القبليين وأنهم فيأسيوط ومعهم اسمعيل أبو علي من كبار الهوارة‏.‏
وفي سابع عشره حضر الوجاقلية الذين كانوا بالتجريدة وحضر أيضًا أيوبأغا وكان عنـد القبالـي فحضـر عنـد اسمعيـل بـك بأمـان واستأذنـه فـي التوجـه إلـىبيتـه ليـرى عيالـه فأذن له وأرسله صحبة الوجاقلية وسبب رجوع الوجاقلية لما رأىاسمعيل بك بعد الأمـراء وأراد أن يذهـب خلفهم فأمرهم بالرجوع للتخفيف وانقضت هذهالسنة‏.‏
من مات في هذه السنة من الأعيان مـات الشريـف الصالـح المرشـدالواصـل السيـد محمـد هاشم الأسيوطي ولد بأسيوط وبيتهم يعرف ببيت فاضل نشأ ببلدهعلى قدم الخير والصلاح وحضر دروس الشيخ حسن الجديري ثم ورد إلى مصر فحضر دروس كل منالشيخ محمد البليدي والشيخ محمد الشماوي والشيخ عطية الأجهوري وأخذ الطريق علىالشيخ عبد الوهاب العفيفـي وكـان منقطعـاص للعبـادة متقشفـًا متواضعًا وكان غالبجلوسـه بالأشرفيـة ومسجـد الشيـخ مطهـر‏.‏
وكـان لا يزاحـم النـاس ولا يداخلهم في أحوال دنياهم ولهم فيهاعتقاد عظيم ويذهبون لزيارته ويقتبسون مـن إشارتـه واستخارتـه ويتبركـون بأجازتـهفـي الـأوراد والأسمـاء‏.‏
ويسافـر لزيـارة سيـدي أحمد البدوي ثم يعود إلى خلوته وربما مكث عندبعـض اصدقائـه أيامـًا بقصـد البعـد عـن النـاس عندمـا يعلمـون استقراره بالخلوةويزدحمون في بيته بالأزبكية وصلوا عليه بالأزهر ودفن بالمجاورين رحمه الله‏.‏
ومات الشيخ الإمام الأديب الفاضل الفقيه أحد العلماء الأعلام الشيخمحمد بن إبراهيم العوفي المالكي لازم الشمس الحفني وأخاه الشيخ يوسف وحضر دروسالشيخ علي العدوي والشيخ عيسى البراوي وأفتى ودرس‏.‏
وكان شافعي المذهب فسعى فيه جماعة عند الشيخ الحفني فأحضره وأثبتعليه بخطه ما نقل عنه فتوعده فلحق بالشيخ علي العدوي وانتقل لمذهب مالك وكان رحمهالله عالمًا محصلًا بحاثًا متفننًا غير عسر البديهة شاعرًا ماجنًا خليعًا ومع ذلككانت حلقة درسه تزيد على الثلثمائة في الأزهر‏.‏
مات رحمه الله مفلوجًا وحين أصابه المرض رجع إلى مذهب الشافعي وقرأابن قاسم بمسجد قريب من منزله ويحمله الطلبة إلى المسجد فيقرأ وهو يتلعثم لتعقدلسانه بالفالج مع ما كان فيه من الفصاحة أولًا ثم برئ يسيرًا ولم يلبث أن عاودهالمرض وتوفي إلى رحمة الله تعالى‏.‏ ومات
الأديب الماهر الشيخ رمضان بن محمد المنصوري الأحمدي
الشهير بالحمامي سبط آل الباز ولد بالمنصورة وقرأ المتون على مشايخبلده وانزوى إلى شيخ الأدب محمد المنصوري الشاعر فرقاه في الشعر وهذبه وبه تخرجوورد إلى مصر مرارًا وسمعنا من قصائده وكلامه الكثيـر ولـه قصائـد سنيـة فـيالمدائـح الأحمديـة تنشـد فـي الجمـوع‏.‏
وبينـه وبيـن الأديب قاسم وعبد القادر المدني محاورات ومداعباتوأخبر أنه ورد الحرمين مـن مـدة ومـدح كـلًا مـن الشريـف والوزيـر وأكابـر الأعيـانبقصائـد طنانـة كـان ينشـد منهـا جملة مستكثرة مما يدل على سعة باعه في الفصاحـة‏.‏
ولـم يـزل فقيـرًا مملقـًا يشكـو الزمـان وأهليـه ويـذم جنـي بنيـهوبآخـرة تـزوج امـرأة موسـرة بمصر وتوجه بها إلى مكة فأتاه الحمام وهو في ثغر جدةفي سنة تاريخه‏.‏
ومات الأمير يوسف بك الكبير وهو من أمراء محمد بك الذهب أقره في سنةست وثمانين وزوجه بأخته وشرع في بناء ولده على بركة الفيل داخل درب الحمام تجاهجامع الماس وكان يسلك إليها من هذا الدب ومن طرق الشيخ الظلام وكان هذا الدرب كثيرالعطف ضيـق المسالك فأخذ بيوته بعضهًا شراء وبعضها غصبًا وجعلها طريقًا واسعةوعليها بوابة عظيمة‏.‏
وأراد أن يجعل إمام باب داره رحبة متسعة فعارضه جامع خير بك حديدفعزم على هدمه ونقلـه إلـى آخـر الرحبـة واستمـر يعمـر فـي تلـك الـدار نحـو خمـسسنـوات‏.‏
وأخـذ بيت الداودية الذي بجـواره وهدمه جميعه وأدخله فيها وصرف فيتلك الدار أموالًا عظيمة فكان يبني الجهة مناه حتى يتمها بعد تبليطها وترخيمهابالرخام الدقي الخردة المحكم الصنعة السقوف والأخشاب والرواشـن لـه شيطانـهفيهدمهـا إلى آخرها ويبنيها ثانيًا على وضع آخر‏.‏
وهكذا كان دأبه واتفق أنـه ورد إليـه مـن بلـاده القبليـة ثمانـونألـف أردب غلـال فوزعهـا بأسرها على الموازنة في ثمن الجبس والجير والأحجاروالأخشاب والحديد وغير ذلك‏.‏
وكان فيه حدة زائدة وتخليط في الأمور والحركـات ولا يستقـر بالمجلـسبـل يقـوم يقعـد ويصـرخ ويـروق حالـه فـي بعـض الأوقـات فيظهـر فيه بعض إنسانيـةثـم يتغيـر ويتعكـر مـن أدنـى شـيء‏.‏
ولمـا مـات سيـده محمـد بـك وتولـى إمارة الحج ازداد عتوًا وعسفًاوانحرافًا خصوصًا مع طائفة الفقهاء والمتعممين لأمور نقمها عليهم منها أن شيخًايسمى الشيخ أحمد صادومة وكان رجلًا مسنًا ذا شبية وهيبة وأصله من سمنود وله شهرةعظيمة وبـاع طويل في الروحانيات وتحريك الجمادات والسميات ويكلم الجن ويخاطبهممشافهة ويظهرهم للعيان كما أخبرني عنه من شاهده وللناس اختلاف في شانه وكان للشيخالكفراوي به التئام وعشرة ومحبة أكيدة واعتقاد عظيم ويخبر عنه أنه من الأولياءوأرباب الأحوال والمكاشفات بل يقول أنه هو الفرد الجامع ونوه بشأنه عند الأمراءوخصوصًا محمد بك أبا الذهب فراج حال كـل منهمـا بالآخـر‏.‏
فاتفـق أن الأمير المذكور اختلى بمحظيته فرأى على سوأتها كتابةفسألها عن ذلك وتهددها بالقتل فأخبرته أن المرأة الفلانية ذهبت بها إلى هذا الشيخوهو الذي كتب لها ذلـك ليحببهـا إلـى سيدهـا فنـزل فـي الحـال وأرسـل فقبـض علىالشيخ صادومة المذكور وأمر بقتله وإلقائه في البحر ففعلوا به ذلك وأرسل إلى دارهفاحتاط بما فيها فأخرجوا منها أشياء كثيرة وتماثيـل ومنهـا تمثـال من قطيفة علىهيئة الذكر فأحضروا له تلك الأشياء فصار يريها للجالسين عنده والمترددين عليه منالأمراء وغيرهم ووضع ذلك التمثال بجانبه على الوسادة فيأخذه بيده ويشير لمن يجلسمعه ويتعجبون ويضحكون وعزل الشيخ حسن الكفراوي من إفتاء الشافعية ورفع عنه وظيفةالمحمدية وأحضر الشيخ أحمد بن يوسف الخليفي وخلع عليه وألبسه فروة وقـرره فـي ذلـكعوضـًا عـن الشيـخ الكفـراوي‏.‏
واتفـق أيضًا أن الشيخ عبد الباقي ابن الشيخ عبد الوهاب العفيفـيطلـق علـى زوج بنـت أخيـه فـي غيابـه علـى يـد الشيـخ حسـن الجـداوي المالكـي علـىقاعدة مذهبه وزوجها من آخر وحضر زوجها من الفيوم وذهب إلى ذلك الأمير وشكا لهالشيـخ عبـد الباقـي فطلبـه فوجده غائبًا في منية عفيف فأرسل إليه أعوانًا أهانوهوقبضوا عليه ووضعـوا الحديـد فـي رقبتـه ورجليـه وأحضـره فـي صـورة منكـرة وحبسـهفـي حاصـل أرباب الجرائم مـن الفلاحيـن‏.‏
فركـب الشيـخ علـي الصعيـدي العـدوى والشيـخ الحـداوي وجماعة كثيرةمن المتعممين وذهبـوا إليـه وخاطبـه الشيـخ الصعيـدي فقـال لـه‏:‏ هـذا قـول فـيمذهـب المالكيـة معمول به فقال‏:‏ من يقول أن المرأة تطلق زوجها إذا غاب عنهاوعندها ما تنفقه ومـا تصرفـه ووكيلـه يعطيهـا مـا تطلبـه ثـم يأتـي من غيبته فيجدهامع غيره‏.‏
فقالوا له‏:‏ نحن أعلم بالأحكام الشرعية‏.‏
فقال‏:‏ لو رأيت الشيخ الذي فسخ النكاح‏.‏
فقال الشيخ الجداوي‏:‏ أنا الذي فسخت النكاح على قاعدة مذهبـي‏.‏
فقـام علـى أقدامـه وصـرخ وقـال‏:‏ واللـه أكسـر رأسـك‏.‏
فصـرخ عليـه الشيـخ علـي الصعيدي وسبه وقال له‏:‏ لعنك الله ولعناليسرجي الذي جاء بك ومن باعك ومن اشتراك ومن جعلك أميرًا‏.‏
فتوسط بينهم الحاضرون من الأمراء يسكنون حدته وحدتهم وأحضروا الشيخعبد الباقي من الحبس فأخذوه وخرجوا وهم يسبونه وهو يسمعهم‏.‏
واتفق أيضًا أن الشيخ عبد الرحمـن العريشـي لمـا توفـي صهـره الشيـخأحمد المعروف بالسقط وجعله القاضي وصيًا على أولاده وتركته وكان عليه ديون كثيرةأثبتها أربابها بالمحكمة واستوفوها وأخذ عليهم صكوكًا بذلك ذهبـت زوجـة المتوفـىإلى يوسف بك بعد ذلك بنحو ست سنوات وذكرت له أن الشيخ عبد الرحمن انتهب ميراث زوجهاوتواطأ مع أرباب الديون وقاسمهم فيما أخذوه فأحضر الشيخ عبد الرحمن وكان إذ ذاكمفتي الحنفية وطالبه بإحضار المخلفات أو قيمتها فعرفه أنه وزعها على أرباب الديونوقسم الباقي بين الورثة وانقضى أمرها وأبرزله الصكوك والحجج ودفتر القسام فلم يقبلوفاتحه في عدة مجالس وهو مصر على قوله وطلبه للتركة‏.‏
ثم أحضره يومًا وحبسـه عنـد الخازنـدار فركب شيخ السادات إليه وكلمهفي أمره وطلبه من محبسه‏.‏
فلما علم الشيخ عبد الرحمن حضور شيخ السادات هناك رمى عمامتهوفراجته وتطور وصرخ وخرج يعدو مسرعًا ونزل إلى الحوش صارخًا بأعلى صوته وهو مكشوفالرأس فلما عاينه يوسف بك وهو يفعل ذلك احتد الآخر وكان جالسًا مع شيخ السادات فيالمقعد المطل على الحوش فقام على أقدامه وصار يصرخ على خدمه ويقول‏:‏ امسكوه اقتلوهونحو ذلك وشيخ السادات يقـول لـه‏:‏ أي شـيء هـذا الفعـل اجلـس يا مبارك وأرسل إليهتابعة الشيخ إبراهيم السندوبي فنزل إليـه وألبسـه عمامتـه وفراجتـه ونـزل الشيـخفركـب وأخـذ صحبتـه إلـى داره وتلافـوا القضيـة وسكتوهـا ثـم حصـل منـه مـا حصل فيالدعوى المتقدمة وما ترتب عليها من الفتنة وقفل الجامع وقتـل الأنفـس وثقـل أمـرهعلـى مـراد بـك وأضمـر لـه السـوء فلمـا سافـر أميرًا بالحج في السنة الماضية قصدمراد بك اغتياله أو نفيه عند رجوعه بالحج واتفق مع أمرائه وضايع القضية وسافر إلىجهـة الغربيـة والمنوفيـة وعسـف فـي البلاد ويريد أن يجعل عوده على نصف الشهر فيأوان رجوع الحج‏.‏
ووصل الخبـر إلـى يوسـف بـك فاستعجـل الحضـور فصـار يجعـل كـلمرحلتيـن فـي مرحلـة حتـى وصـل محترسـًا فـي سابـع صفـر قبل حضور مراد بك من سرحتهوعندما قرب وصول مراد بك إلى دخول مصر ركب يوسف بك في مماليكه وطوائفه وعدده وخرجإلى خارج البلد فسعى إبراهيـم بـك بينهمـا وصالحهمـا واستمـرت بينهمـا المنافرةالقلبية من حينئذ إلى أن حصل ما حصل وانضم إلى اسمعيل بك ثم قتله اسمعيل بك بيد حسنبك واسمعيل بك الصغير كما تقدم‏.‏
ومات الأمير علي أغا المعمار وهو من مماليك مصطفى بك المعروف بالقردوخشداش صالح بك الكبيـر وكـان مـن الأبطـال المعروفيـن والشجعـان المعدوديـن فلمـاقتـل كبيرهـم صالـح بـك استمـر فـي بلـاد قبلي على ما يتعلق به من الالتزام ويدفعما عليه من المال والغلال إلى أن استوحش محمد بك أبو الذهب من سيده علي بك وخرج إلىالصعيد وقتل خشداشة أيوب بك وتحقـق الأجانب بذلك صحة العداوة فأقبلوا على محمد بكمن كل جانب برجالهم وأموالهم ومنهم علي أغا المذكور وكان ضخمًا عظيم الخلقة جهوريالصوت شهمًا يصدع بالكلام فأنس به محمد بك وأكرمه واجتهـد هـو فـي نصرتـه ومناصحتـهوجمـع إليـه الأمـراء والأجنـاد المنفييـن والمطرودين الذين شتتهم علي بك وقتلأسيادهم وكبار الهوارة الذين قهرهم علي بك أيضًا واستولـى علـى بلادهـم مثـلأولادهـم وأولـاد نصيـر وأولـاد وافي واسمعيل أبي علي وأبي عبد الله وغيرهـم وحضـرمعـه الجميـع إلـى جهـة مصـر كمـا تقـدم‏.‏
ولمـا وصـولا إلـى تجـاه التبيـن وأبرج لهم علي بـك التجريـدةوأميرهـا علـي بـك الطنطـاوي خـرج علي أغا هذا إلى الحرب هو ومن معه وبأيديهم مساوقغلاظ قصيرة ولها جلب حديد وفي طفها أزيد من قبضة بها مسامير متينة محددة الـرؤوسإلـى خـارج يضربـون بهـا خـودة الفـارس ضربـة واحـد فتنخسـف في دماغه وكانت هذه منمبتكرات المترجم حتى أنه سمي بأبي الجلب‏.‏
ولما خلصت إمارة مصر إلى محمد بك جعل كتخداه اسمعيل أغا أخا علي بكالغزاوي المذكور فنقم عليه أمورًا فأهمله وأحضر علي أغا هـذا وخلـع عليـه وجعلـهكتخـداه فسـار فـي النـاس سيـرًا حسنـًا ويقضـي حوائـج النـاس من غير تطلع إلـىشـيء ويقـول الحـق ولو على مخدومه وكان مخدومه أيضًا يحبه ويرجع إلى رأيه في الأمورلما تحققه فيه من المناصحة وعدم الميل إلى هوى النفس وعرض الدنيا وكان يحب أهـلالعلـم والفضل والقرآن ويميل بكليته إليهم مع لين الجانب والتواضع وعدم الأنفة‏.‏
ولما أنشأ محمد بك مدرستـه المحمدية تجاه الأزهر وقرر فيها الدروسكان يحضر معنا المترجم على شيخنا الشيخ علي العدوي في صحيح البخاري مع الملازمةواتخذ لنفسه خلوة بالمدرسة المذكورة يستريح فيها وتأتيه أرباب الحوائج فيقضي لهمأشغالهم وكان يلم بحضرة الشيخ محمد حفيد الأستاذ الحنفـي ويحبـه وأخـذ عنه طريقالسادة الخلوتية وحضر دروسه مع المودة وحسن العشرة ويحضر ختوم دروس المشايخ ويقرأعشرًا من القرآن بأعلى صوته عند تمام المجلس ومملوكه حسن أغا الـذي زوجـه ابنتـهواشتهر بعده وحج المترجم في السنة الماضية في هيئة جليلة وآثار جميلة‏.‏
وتوفي في وقعة بياضة قتيلًا كما تقدم‏.‏
ومات الأمير اسمعيل بك الصغير وهو أخو علي بك الغزاوي وهم خمسةأخوة‏:‏ علي بك واسمعيل بك هذا وسليم أغا المعروف بتمرلنك وعثمان وأحمد ولما تأمرعلي بك كان أخوته الأربعيـة باسلامبـول مماليـك عند بشير أغا القزلار وأعتقهموتسامعوا بإمارة أخيهم بمصر فحضر إليـه اسمعيـل وأحمـد وسليم واستمر عثمانباسلامبول وأقام اسمعيل وسليم وأحمد بمصر وعمل اسمعيـل كتخـدا عنـد أخيـه علي بكوعمل سليم خازندار عند إبراهيم كتخدا أيامًا ثم قامت عليـه مماليكـه وعزلـوه لكونـهأجنبيـًا مننهـم وصـار لهـم أمـرة وبيوت والتزام‏.‏












عرض البوم صور آل قطبي الحسني   رد مع اقتباس
قديم 20-12-2010, 01:24 AM   رقم المشاركة: 16
مشرف سابق

الصورة الرمزية آل قطبي الحسني



رقـم العضـوية 14
تاريخ التسجيل Mar 2010
عدد المشاركات 5,596
القبيلة نحن بنو يعلى من كنانة=رأس المضريين وفرسانها
مكان الإقامة إمارة بني يعلى
المهنة طالب
 
 
آل قطبي الحسني غير متواجد حالياً

افتراضي

وتزوج اسمعيل بهانم ابنة رضـوان كتخدا الجلفي وهي المسماة بفاطمةهانم وذلك أن رضوان كتخدا كان عقد لها على مملوكـه علـي أغـا الذي قلده الصنجقيةولم يدخل بها ولما خرج رضوان كتخدا وخرج معه علي المذكور فيمن خرج كما تقدم وذهبإلى بغداد أرسل يطلبها إليه من مصر وأرسل لها مع وكيلـه عشـرة آلـاف دينـار وأشيـاءفلـم يسلمـوا فـي إرسالها وكتبوا فتوى بفسخ النكاح على قاعدة مذهب مالك وتزوجهااسمعيل أغا هذا وظهر ذكره بها وسكن بها فـي دار أبيهـا العظيمـة بالأزبكيـة وصـارمن أرباب الوجاهة‏.‏
فلما استقل محمد بك أو الذهب بملك مصر بعد سيده استوزره وجعلهكتخداه مدة وأراد أن يتزوج بالست سلن محظية رضوان كتخدا وكان تزوج بها أخوه علي بكومات عنها فصرفه مخدومه محمد بك أبو الذهب وعرفه أنها ربما امتنعت عليـه مراعـاةلهـا ثـم ابنـة سيدهـا فركب محمد بك وأتى عند علي أغا كتخدا الجاويشية المجاورلسكنها بدرب السادات وأرسل إليها علي أغا فلم يمكنها الامتناع فعقد عليها وماتتهانم بعد ذلك وباع بيت الأزبكية لمخدومه محمد بك وبنى داره المجاورة لبيت الصابونجيوصرف عليها أموالها كثيرة وأضاف إليها البيت الذي عند باب الهواء المعـروف ببيـتالمرحـوم مـن الشرايبيـة‏.‏
وسكنهـا مـدة وزوجـه محمـد بـك سرية من سراريه أيضًا ثم باع تلكالدار لأيوب بك الكبيـر وسكنهـا‏.‏
ولمـا سافـر محمـد بـك إلـى الشـام ومحاربـة الظاهـر عمـر أرسـلالمترجـم مـن هاك إلى اسلامبـول بهدايـا وأمـوال للدولـة ومكاتبات بطلب ولاية مصروالشام وأجيب إلى ذلك‏.‏
وكتب له التقليـد وأعطـوه رقـم الـوزارة وتـم الأمر وأراد المسيربذلك إلى محمد بك فورد الخبر بموته فبطل ذلـك ورجـع المترجـم إلـى مصـر وأقـام بهـافـي ثـروة إلـى أن حصلـت الوحشـة بيـن اسمعيـل بـك ويوسـف بك والجماعة المحمديةوكانت الغلبة عليهم فقلده اسمعيل بك الصنجقية وقدمه في الأمور ونوه بشأنه وأوهمهأنه يريد تفويض الأمور إليه لما يعلمه فيه من العقل والرئاسة فاغتر بذلك وباشر قتـليوسـف بـك هـو وحسـن بـك الجـداوي كمـا تقـدم وظن أن الوقت صفا له‏.‏
فاندفع في الرئاسة وازدحمت الرؤوس عليه وأخذ في النقض والإبرامفعاجله اسمعيل بك وأحاطوا به وقتلوا كما ذكر وكان ذا دهاء ومعرفة وفيه صلابة وقوةجنان وخرم مع التواضع وتهذيب الأخلاق وكان يحب أهل العلم ويكره النصارى كراهـةشديـدة وتصـدى لأذيتهـم أيـام كتخدائيتـه لمحمـد بـك وكتـب فـي حقهـم فتـاوىبنقضهـم العهـد وخروجهـم عـن طرائفهـم التـي أخـذ عليهـم بهـا مـن أيـام سيدنا عمررضي الله عنه ونادى عليهم ومنعهم من ركوب الحمير ولبسهم الملابس الفاخرة وشرائهمالجواري والعبيد واستخدامهم المسلمين وتقنع نسائهم بالبراقع البيض ونحو ذلك‏.‏
وكذلك فعل معهـم مثـل ذلـك عندمـا تلبـس بالصنجقيـة وكـان لـهاعتقـاد عظيـم فـي الشيـخ محمـد الجوهري ويسعى بكليته في قضاء أشغاله وحوايجه وكانلا بأس به‏.‏
ومـات الأميـر قاسـم كتخـدا عزبـان وكـان مـن مماليك محمد بك أبيالذهب وتقلد كتخدائية العزب وأمين البحرين وكان بطلًا شجاعًا موصوفًا ومال عنخشداشيته كراهة منه لأفعالهم حتى خرج إلى محاربتهم وقتل غفر الله له‏.‏
سنة اثنتين وتسعين ومائة وألف فـي يـوم الخميـس سابـع المحـرم حضراسمعيل كتخدا عزبان وبعض صناجق اسمعيل بك وفي يوم السبـت تاسعـه وصل اسمعيل بك وعدىمن معادي الخبيري ودخل إلى مصر وذهب إلى بيته وكثر الهرج في الناس بسبب حضوره ومنوصل قبله على هذه الصورة‏.‏
ثم تبين الأمر بأن حسـن بك الجداوي وخشداشينه وهم رضوان بك وعبدالرحمن بك وسليمان كتخدا وتبعهم حسن بك سوق السلاح وأحمد بك شنن وجماعة الفلاحبأسرهم وكشاف ومماليـك وأجنـاد ومغاربة خامر الجميع على اسمعيل بك والتفوا علىإبراهيم بك ومراد بك ومن معهم فعند ذلـك ركب اسمعيل بك بمن معه وطلب مصر حتى وصلهافي أسرع وقت وهو في أشد ما يكون من القهر والغيظ‏.‏
وأصبح يوم الأربعاء فأرسل اسمعيل بك ومنع المعادي من التعدية‏.‏
وفي يوم الاثنين طلعوا إلى القلعة وعملـوا ديوانـًا عنـد الباشـاوحضـر الموجوديـن مـن الأمـراء والوجاقلية والمشايخ وتشاوروا في هذا الشأن فلميستقر الرأي على شيء ونزلوا إلى بيوتهم وشرعوا في توزيع أمتعتهم وتعزيل بيوتهمواضطربت أحوالهم وطلب اسمعيل بك تجار إليها والمباشريـن وطلب منهم دراهم سلفة فدخلعليه الخبيري وأخبره بأن الجماعة القبليين وصلت أوائلها إلى البساتين وبعضهم وصلإلى بر الجيزة بالبر الآخر‏.‏
فلما تحقق ذلك أمر بالتحميل وخرجوا من مصر شيئًا فشيئًا من بعدالعصر إلى رابع ساعة من الليل ونزلوا بالعادلية وذلك ليلـة الثلاثـاء رابـع عشـرالمحـرم وهـم اسمعيـل بـك وصناجقـة إبراهيـم بـك قشطـة وحسيـن بـك وعثمـان بك طبلوعثمـان بـك قفـا الثـور وعلـي بـك الجوخـدار وسليـم بـك وإبراهيـم بـك طنـانوإبراهيـم أوده باشـه وعبـد الرحمـن أغـا مستحفظـان واسمعيل كتخدا عزبان ويوسف أغاالوالي وغيرهم وباتت النـاس فـي وجـل‏.‏
وأصبـح يـوم الثلاثـاء وأشيـع خروجهـم ووقع النهب في بيوتهم وركبوافي صبح ذلـك اليـوم وذهبـوا إلـى جهـة الشـام فكانـت مـدة إمـارة اسمعيـل بـكوأتباعـه علـى مصر في هذه المرة ستة أشهر وأيامًا بما فيها من أيام سفره إلى قبليوجوعه‏.‏
وعدى مراد بك ومصطفى بك وآخـرون فـي ذلـك اليـوم وكذلـك إبراهيـمأغـا الوالـي الـذي كـان فـي أيامهـم وشـق المدينـة ونـادى بالأمان وأرسل إبراهيمبك يطلب من الباشا فرمانًا بالإذن بالدخول فكتب لهم الباشا فرمانًا وأرسله صحبةولده وكتخدائه وهو سعيد بك‏.‏
فدخل بقية الأمراء يوم الأربعاء ما عدا إبراهيم بك فإنه بات بقصرالعيني ودخل يوم الخميس إلى داره وصحبته اسمعيل أبو علي كبي من كبار الهوارة‏.‏
وفي يوم الأحد ثامن عشرة طلعوا إلى الديوان وقابلوا الباشا وخلععليهم خلع القدوم ونزلوا إلى بيوتهم‏.‏
وفـي يـوم الخميـس حـادي عشرينـه طلعـوا أيضـًا إلى الديوان فخلعالباشا على إبراهيم بك واستقر في مشيخة البلد كما واستقر أحمد بك شنن صنجقًا كماكان وتقلد عثمان أغا خازندار إبراهيـم بـك صنجقيـة وهـو الـذي عرف بالأشقر وقلدوامصطفى كاشف المنوفية صنجقية أيضًا وعلي كاشف أغات مستحفظان وموسى أغا من جماعة عليبك واليًا كما كان أيام سيده‏.‏
وفي أواخره وردت أخبار بأن اسمعيل بك ومن معه وصلوا إلى غزة واستقرالمذكورين بمصر علوية ومحمدية والعلوية شامخة على المحمدية ويرون المنة لأنفسهمعليهم والفضيلة لهم بمخامرتهم معهم ولولا ذلك ما دخلوا إلى مصر ولا يمكن المحمديةالتصرف في شيء إلا بإذنهم ورأيهم بحيث صاروا كالمحجوز عليهم لا يأكلون إلا ما فضلعنهم‏.‏
وفـي يـوم الخميس ثامن شهر من جمادى الأولى حضر إلى مصر إبراهيم بكأوده باشه من غزة مفارقـًا لاسمعيـل بـك وقـد كان أرسل قبل وصوله يستأذن في الحضورفأذنوا له وحضر وجلس في بيته وتخيل منه رضوان بك وقصد نفيه فالتجأ إلى مراد بكوانضم إليه‏.‏
فلما كان يوم السبت سابع عشر جمادى الأولى ركب مراد بك وخرج إلىمرمى النشاب منتفخًا من القهر مفكرًا في أمره مع العلوية فحضر إليه عبد الرحمن بكوعلي بك الحبشي من العلوية فعندما أراد عبـد الرحمـن بـك القيـام عاجلـه مـراد بـكومـن معـه وقتلـوه وفـر علـي بـك الحبشي وغطى رأسه بفوقانيتـه وانـزوى فـي شجرالجميز فلم يروه‏.‏
فلما ذهبوا ركب وسار مسرعًا حتى دخل على حسـن بـك الجـداوي فـيبيتـه وركـب مـراد بـك وذهـب إلـى بيتـه‏.‏
واجتمـع علـى حسـن بك أغراضه وعشيرتـه وأحمـد بك شنن وسليمان كتخداوموسى أغا الوالي وحسن بك رضوان أمير الحاج وحسن بك سوق السلاح وإبراهيم بك بلفياوكرنكوا في بيت حسن بك الجداوي بالداودية وعملوا متاريس ي ناحية باب زويلة وناحيةباب الخرق والسروجية والقنطرة الجديدة‏.‏
واجتمع علـى مـراد بـك خشداشينـه وعشيرتـه وهـم مصطفـى بـك الكبيـرومصطفـى بك الصغير وأحمد بك الكلارجي وركب إبراهيم بك من قبة العزب وطلع إلى القلعةوملك الأبواب وضرب المدافع علـى بيـت حسـن بـك الجـداوي بالداوديـة وعملـوا متاريـسفـي ناحيـة بـاب زويلـة وناحية باب الخرق والسروجية والقنطرة الجديدة‏.‏
واجتمع على مراد بك خشداشينه وعشيرته وهم مصطفى بك الكبيـر ومصطفـىبـك الصغيـر وأحمـد بـك الكلارجـي وركـب إبراهيـم بـك مـن قبـة العزب وطلع إلىالقلعـة وملـك الأبـواب وضـرب المدافـع علـى بيـت حسـن بـك الجـداوي ووقع الحرببينهم بطول نهار يوم السبت وغلقت الأسواق والحوانيت وباتوا على ذلك ليلة الأحد ويومالأحد والضرب من الفريقيـن فـي الأزقـة والحـارات رصـاص ومدافـع وقرابيـن ويزحفـونعلـى بعضهـم تـارة ويتأخـرون أخرى وينقبون البيوت على بعضهم‏.‏
فحصل الضرر للبيوت الواقعة في حيزهم من النهب والحرق والقتـل‏.‏
ثـم أن المحمديـة تسلـق منهـم طائفـة مـن الخليـج وطلعـوا مـن عنـدجامـع الحيـن مـن بين المتاريس وفتحوا بيت عبد الرحمن أغا من ظاهره وملكوه وركبواعليـه المدافـع وضربـوا علـى بيـت للجـداوى فعنـد ذلـك عايـن العلويـة الغلـبفركبوا وخرجوا من باب زويلة إلى باب النصر والمحمدية خلفهم شاهرين السيوف يخجونبالخيل فلما خرجوا إلى الخلاء التقوا معهم فقتل حسن بك رضـوان أميـر الحـاج وأحمـدبـك شنـن وإبراهيم بك بلفيا المعروف بشلاق وغيرهم أجناد وكشاف ومماليك وفر حسن بكالجداوي ورضوان بك وكان ذلك وقت القائلة من يوم الأحد وكـان يومـًا شديـد الحر‏.‏
ولم يقتل أحد من المحمديين سوى مصطفى بك الكبير أصابته رصاصة فيكتفه انقطع بسببها أيامًا ثم شفي‏.‏
وأما حسن بك ورضوان بك فهربا في طائفة قليلة وخرج عليهما العربانفقاتلوهما قتالًا شديدًا وتفرقا من بعضهما وتخلص رضوان بـك وذهـب فـي خاصتـه إلـىشيبيـن الكـوم‏.‏
وأمـا حسـن بـك الجـداوي فلـم تزل العرب تحاوره حتى أضعفوه وتفرقمـن حوله وشيخ العرب سعد صحصاح يتبعه ثم حلق عليه رتعة شيخ عرب بلي فتقنطر بهالحصان في مبلة كتان فقبضوا عليه وأخذوا سلاحه وعروه وكتفوه وصفعه رتيمة على قفاهووجه ثم سحبوه بينهم ماشيًا على أقدامه وهو حاف وأرسلوا إلى الأمراء بمصر يخبرونهمبالقبض عليه وكان السيد إبراهيم شيخ بلقس لما بلغه ذلك ركب إليه وخلصه من تلكالحالة وفـك كتافـه وألبسـه ثيابـًا وأعطـاه دراهـم ودنانيـر‏.‏
فلمـا بلـغ الخبـر إبراهيم بك ومراد بك أرسلوا له كاشفـًا فلمـاحضـر إليـه وواجهـه لاطفـه ثـم دخـل إلـى مصـر وسـار إلـى بولـاق ودخل إلى بيتالشيخ أحمـد الدمنهوري فركب جماعة كثيرة من المحمدية وذهبوا إلى بولاق وطلبوهفامتنع منن إجابتهم فلـم يجسـروا علـى أخـذه قهـرًا مـن بيـت الشيـخ فداخلـه الوهـموطلـع إلـى السطـح ونـط إلـى سطـح آخـر ولـم يـزل حتـى نـزل بالقرب من وكالة الكتانفصادف بعض المماليك فضربه وأخذ حصانه وركبه وذهب رامحًا بمفرده وأشيع هروبه فركبتالأجناد وحلقوا عليه الطرق فصار يقاتل من يدركه ولـم يجـد طريقـًا مسلوكـًا إلـىالخـلاء فدخـل المدينـة وذهـب إلـى بيت إبراهيم بك فوجده جالسًا مع مـراد بـكفاستجـار بإبراهيـم بـك فأجـاره وأمنـه ومكـث فـي بيتـه خمسـة أيـام وهـو كالمختـلفـي عقله ممـا قاسـاه مـن معاينـة المـوت مـرارًا‏.‏
ثـم رسمـوا لـه أن يذهـب إلـى جـدة وأرسلـوه إلى السويس في يومالأربعاء ثامن عشرين جمادى الأولى في محفة‏.‏
فلما أنزل بالمركب أمر الريس أن يذهب به إلى القصير فامتنع فأرادقتله فذهب بالمركب إلى القصير فطلـع إلـى الصعيـد وأمـا حسـن بـك سوق السلاح فإنهالتجأ إلـى حريـم إبراهيـم بـك وعلـي بـك الحبشـي وسليمـان كتخـدا دخـلا إلـى مقـامسيدي عبد الوهاب الشعراني وحمزة بك ذهب إلى بيته لكونه كان بطالًا فلم يداخله الرعبكغيـره وهـرب موسـى أغـا الوالـي إلى شبرا‏.‏
ثم أنهم رسموا بنفي علي بك الحبشي وحسن بك وسليمـان كتخـدا إلـىرشيـد وأحضـروا موسـى أغـا الوالـي إلـى بيته بشفاعة علي أغا مستحفظان وأرسلوالرضوان بك الإذن بالإقامة في شيبين وبنى له بها قصرًا على البحر وجلس فيه وانقضتهذه الحادثة الشنيعة‏.‏
وفـي يـوم الخميـس غايـة جمـادى الأولـى عملـوا ديوانـًا بالقلعةوقلدوا أيوب بك الكبير صنجقية وكان اسمعيـل بـك رفعهـا عنـه ونفـاه إلـى دميـاط ثـمنقلـه إلـى طندتـا فلمـا رجـع خداشينه مع العلوية طلبوه إلى مصر وأرادوا رد صنجقيتهفلم يرض حسن بك الجداوي فأقام بمصر معزولًا حتى وقعت هذه الحادثة فرجع كما كان‏.‏
وقلدوا أيوب بك كاشف خازندار محمد بك أبي الذهب كما كـان صنجقيـةأيضـًا وعرف بأيوب بك الصغير وقلدوا سليمان بك أبا نبوت صنجقية أيضًا كما كانوقلدوا إبراهيم أغا الوالي سابقًا صنجقية وركبوا في مواكبهم إلى بيوتهم وضربت لهمالطبلخانات‏.‏
وفـي يـوم الخميـس سابـع جمادى الثانية طلعوا إلى الديوان وقلدواسليمان أغا مستحفظان سابقًا صنجقية وقلدوا يحيى أغا خازندار مراد بـك صنجقيـةأيضـًا وقلـدوا علـي أغـا خازنـدار إبراهيم بك صنجقية أيضًا وهو الذي عرف بعلي بكأباظة‏.‏
وفيـه حضـر إلـى مصـر سليمـان كتخـدا الشرايبـي كتخـدا اسمعيـل بـكوعلـى يده مكاتبة من اسمعيل بـك مضمونهـا يريـد الـإذن بالتوجـه إلـى أخميم أو إلىالسرور رأس الخليج يقيم هناك ويبقى إبراهيم بك قشطة بمصر رهينة ويكون وكيله فيتعلقاته وقبض فائظه والصلح أحسن وأولى فعملوا ديوانـًا وأحضـروا المشايـخ والقاضيوعرضوا عليهم تلك المكاتبة وتشاوروا في ذلك فانحط الرأي بـأن يرسلـوا له جوابًابالسفر إلى جدة من السويس ويطلقوا له في كل سنة اربعين كيسًا وستة آلاف أردب غلالوحبوب وأن يرسل إبراهيم بك صهره كما قال إلى مصر ويكون كيلًا عنه ومن بصحبته منالأمراء يحضرون إلى مصر بالأمان ويقيمون برشيد ودمياط والمنصورة ونحو ذلك وأرسلواالمكاتبة صحبة سليم كاشف تمرلنك أخي اسمعيل بك المقتول وآخرين‏.‏
وفيـه رسمـوا بنفـي إبراهيـم بـك أوده باشـه وسليمـان كتخـداالشرايبـي وكـان أشيـع تقليـد إبراهيـم بك الصنجقيـة فـي ذلـك اليـوم وتهيـأ لذلـكوحضـر في الصباح عند إبراهيم بك فلما دخل رأى عنده مـراد بـك فاختليـا معـه فأخـرجإبراهيـم بـك من جيبه مكتوبًا مسكوه عليه من اسمعيل بك خطابًا لـه مضمونـه أنـهبلغنـا مـا صنعت في إيقاع الفتنة بين الجماعة وهلاك الطائفة الخائنة وفيه أن يأخذمـن الرجـل المعهـود كـذا مـن النقـود يوزعهـا علـى جهـات كناهـا لـه وربنـا يجمعنافي خير‏.‏
فلما تناوله مـن إبراهيـم بـك وقـرأه قـال فـي الجـواب‏:‏ كـل منكـملا يجهـل مكايـد اسمعيـل بك وأنكر ذلك بالكلية‏.‏
فلـم يقبلـوا عـذره ولـم يصدقوه وقام وذهب إلى بيته‏.‏
فأرسلوا خلفه محمد كتخدا أباظة فأخذه وصحبتـه مملوكيـن فقـط ونـزلبـه إلـى بولاق ونفوه إلى رشيد وكذلك نفوا سليمان كتخدا الشرايبي واحتاطوا بموجودإبراهيم بك‏.‏
وفـي يوم الاثنين حادي عشر جمادى الثانية وصل إبراهيم باشا والي جدةوذهب إلى العادلية وجلس هناك بالقصر حتى شهلوه وسفروه إلى السويس بعدما ذهبوا إليهوودعوه وكان سفره يـوم الأحـد سابـع عشـر جمـادى الثانيـة‏.‏
وفـي ذلـك اليـوم حضـر جماعـة مـن الأجنـاد مـن ناحيـة غزة من الذينكانوا بصحبة اسمعيل بك‏.‏
وفي يوم الثلاثاء تاسع عشرة ركب الأمراء وطلعوا إلى باب الينكجريةوالعزب وأرسلوا إلى الباشا كتخدا الجاويشبة وآغـات المتفرقـة والترجمـان وكاتـبحوالـة وبعـض الاختياريـة يأمرونـه بالنزول إلى بيت حسن بك الجداوي وهو بيتالداودية‏.‏
فلما قالوا له ذلك طلعوا إلى حوش الديـوان واجتمعـوا بـه حتـىامتـلأ منهـم فارتعـب الباشـا منهـم فركـب من ساعته ونزل من القلعة إلى بيتالداودية وأحضروا الجمال وعزلوا متاعه في ذلك اليوم فكانت مدة ولايته سنتينوثلاثة‏.‏ وفي
يوم الجمعة حادي عشرين شهر رجب الموافق لعاشر مسـري القبطـي
كـان وفـاء النيـل المبارك‏.‏
وفي يوم الاثنين ثاني عشرين شهر شعبان حضر من أخبر أن جماعة منالأجناد حضروا من ناحية غزو وصحبتهم عبد الرحمن أغا مستحفظان على الهجن ومروا منخلف الجرة وذهبوا إلىقبلـي وتخلـف عنهـم عبـد الرحمـن أغـا فـي حلـوان لغـرض مـنالأغـراض ينتظـره فـي مصـر فركب من ساعتـه مـراد بـك فـي عـدة وذهبـوا إلـى حلـوانليلًا على حين غفلة واحتاطوا بها وبدار الأوسية وقبضوا على عبد الرحمن أغا وقطعوارأسه ورجع مراد بك وشق المدينة والرأس أمامه على رمـح ثـم أحضـروا جثتـه إلـى بيتـهالصغيـر بالكعكييـن وغسلـوه وكفنـوه وخرجوا بجنازته وصلوا عليه بالماردانـي‏.‏
ثـم ألحقـوا بـه الـرأس فـي الرميلـة ودفنـوه بالقرافـة‏.‏
ومضـى أمـره وزاد النيـل فـي هـذه السنة زيادة مفرطة حتى انقطعتالطرقات من كل ناحية واستمر إلى آخر توت‏.‏
وفـي أواخـر رمضـان هـرب رضوان بك على من شيبين الكوم وذهب إلى قبليفلما فعل ذلك عينـوا إبراهيـم بـك الوالـي فنـزل إلـى رشيـد وقبـض علـى علـي بـكالحبشـي وسليمـان كتخـدا وقتلهمـا وأما إبراهيم بك أوده باشه فهرب إلى القبطانواستجار به‏.‏
وفي تاسع عشر شوال خرج المحمل والحجاج صحبة أمير الحاج رضوان بكبلفيا وسافر من وفيه جاءت الأخبار بورود اسمعيل باشا والي مصر إلى الإسكندرية‏.‏
وفي يوم الخميس تاسع عشرين شوال ركب محمد باشا عزت منن الداوديةوذهب إلى قصر العيني ليسافر‏.‏
وفي يوم الاثنين ثالث ذي القعدة نزل الباشا في المراكب وسافر إلىبحري‏.‏
وفـي منتصـف شهر القعدة المذكور نزل أرباب العكاكيز وهم علي أغاكتخدا جاوجان وآغات المتفرقة والترجمان وكاتب حوالة وأرباب الخدم وسافروا لملاقاةالباشا الجديد‏.‏
من مات في هذه السنة من أعيان العلماء والمشاهير مـات الشيـخالإمـام العلامـة المتفنـن أوحد الزمان وفريد الأوان أحمد ابن عبد المنعم بن يوسفبن صيـام الدمنهـوري المذاهبي الأزهري ولد بدمنهور الغربية سنة 1101 وقدم الأزهروهو صغير يتيـم لـم يكفلـه أحـد فاشتغـل بالعلـم وجـال فـي تحصيلـه واجتهـد فـيتكميله وأجازه علماء المذاهب الأربعـة وكانـت لـه حافظـة ومعرفـة فـي فنـون غريبـةوتآليـف وأفتى على المذاهب الأربعة ولكن لم ينتفع بعمله ولا بتصانيفه لبخله في بذلهلأهله ولغير أهله وربما يبيح في بعض الأحيان لبعض الغربـاء فوائـد نافعـة وكـان لـهدروس في المشهد الحسيني في رمضان يخلطها بالحكايات وبما وقع له حتـى يذهـبالوقـت‏.‏
وولـي مشيخـة الجامـع الأزهـر بعـد وفـاة الشيـخ الحفنـي وهابتـهالأمـراء لكونـه كـان قـوالًا للحـق أمـارًا بالمعـروف سمحـًا بمـا عنده منالدنيا‏.‏
وقصدته الملوك من الأطراف وهادته بهدايا فاخرة وسائر ولاة مصر منطرف الدولـة كانـوا يحترمونـه وكـان شهيـر الصيـت عظيـم الهيبة منجمعًا عن المجالسوالجمعيات‏.‏
وحج سنة 1177 مع الركب المصري وأتى رئيس مكة وعلماؤها لزيارته وعادإلى مصر‏.‏
وتوفي يوم الأحد عاشر شهر رجب من السنة المذكورة وكـان مسكنـهببولاق وصلي عليه بالأزهر بمشهد حافل جدًا وقرئ نسبه إلى أبي محمد البطل الغازيودفن بالبستان وكان آخر من أدركنا من المتقدمين‏.‏
ومات الإمام العلامة المحقق والفهامة المدقق شيخنا الشيخ مصطفى ابنمحمد بن يونس الطائي الحنفـي ولـد بمصـر سنة 1138 وتفقه على والده وبه تخرج وبعدوفاة والده تصدر في مواضعه ودرس وأفتى وكان إمامًا ثبتًا متقنًا مستحضرًا مشاركًافي العلوم والرياضيات فرضيًا حيسوبًا ولـه مؤلفـات كثيـرة فـي فنـون شتى تدل علىرسوخه وكتب شرحًا على الشمائل وحاشية على الأشموني أجاد فيها وكان رأسًا في العلوموالمعارف توفي في هذه السنة رحمه الله تعالى‏.‏
ومات سيدي أبو مفلح أحمد بن أبي الفوز بن الشهاب أحمد بن أبي العزمحمد بن العجمي ويعرف بالشيشيني وكان كاتب الكني بمنزل السادات الوقائية وكانإنسانًا حسنًا بهيًا ذا تودد ومروءة وعنده كتب جيدة يعير منها لمن يثق له للمطالعةوالمراجعة‏.‏
توفي يوم السبت آخر المحرم‏.‏
ومات شيخنا الإمام القطب وجيه الدين أبو المراحم عبد الرحمن الحسينيالعلوي العيدروسي التريمي نزيل مصر ولد بعد الغروب ليلة الثلاثاء تاسع صفر سنة 1125ووالده مصطفى بن شيخ مصطفى بن علي زين العابدين ابن عبد الله بن شيخ بن عبد الله بنشيخ بن القطب الأكبـر عبـد اللـه العيـدروس بـن أبـي بكـر السكـران بـن القطـب عبـدالرحمن السقاف ابن محمد مولى الدويلـة بـن علـي بـن علـوي بـن محمـد مقـدم التربـةبتريـم ابـن علـي بـن محمـد بـن علـي بـن علـوي بـن محمـد بـن علـوي بـن عبـد اللـهبـن أحمـد العراقـي بـن عيسـى النقيـب بـن محمـد بـن علـي بـن جعفـر الصـادق بنمحمد ابن علي بن الحسيـن بـن علـي بـن أبـي طالـب وأمـه فاطنـة ابنـة عبـد اللـهالباهـر ابـن مصطفـى بـن زين العابدين العيدروس نشأ على عفة وصلاح في حجر والدهوجده وأجازه والده وجده وألبساه الخرقة وصافحاه وتفقه على السيـد وجيـه الديـن عبـدالرحمـن بـن عبـد اللـه بلفقيـه وأجازه بمروياته‏.‏
وفي سنة 1153 توجه صحبة والده إلى الهند فنزلا بندر الشحر واجتمعبالسيـد عبـد اللـه بن عمر المحضار العيدروس فتلقن منه الذكر وصافحه وشابكه والبسهالخرقة وأجازه إجازة مطلقة مع والده ووصلا بندر سورت واجتمع بأخيه السيد عبد اللهالباصر وزارا مـن بهـا مـن القرابـة والأوليـاء ودخـلا مدينة بروج فزارا محضارالهند السيد أحمد بن الشيخ العيـدروس وذلـك ليلـة النصـف مـن شعبـان سنـة واحـدوستيـن‏.‏
ثـم رجعـا إلى سورة وتوجه والده إلـى تريـم وتـرك المترجـم عنـدأخيـه وخالـه زيـن العابديـن ابن العيدروس‏.‏
وفي أثناء ذلك رجع إلى بلـاد جـادة وظهـرت لـه فـي هـذه السفـرةكرامـات عـدة ثم رجع إلى سورت وأخذ إذ ذاك من السيد مصطفـى ابـن عمـر العيـدروسوالحسيـن بن عبد الرحمن بن محمد العيدروس والسيد محمد فضل الله العيدروس إجازةالسلاسل والطرق وألبسه الخرقة ومحمد فاخر العباسـي والسيـد غلـام علي الحسينيوالسيد غلام حيدر الحسيني والبارع المحدث حافظ يوسف السورتي والعلامة عزيز اللهالهندي والعلامة غياث الدين الكوكبي وغيرهم وركب من سورت إلى اليمن فدخل تريم وجددالعهد بذوي رحمه وتوجه منها إلى مكة للحج وكانت الوقفة نهار الجمعة‏.‏
ثم زار جده صلى الله عليه وسلم وأخذ هناك عن الشيخ محمد حياة السنديوأبي الحسن السندي وغبراهيم بن قيض الله السندي والسيد جعفر بن محمد البيتي ومحمدالداغستاني ورجع إلى مكـة فأخـذ عـن الشيـخ السنـد السيد عمر بن أحمد وابن الطيبوعبد الله ابن سهل وعبد الله بن سليمان ما جرمي وعبد الله بن جعفر مدهور ومحمدباقشير ثم ذهب إلى الطائف وزار الحبر بن عباس ومدحه بقصائد واجتمع إذ ذاك بالشيخالسيد عبد الله ميرغني وصار بينهما الـود الـذي لا يوصـف‏.‏
وفـي سنـة ثمان وخمسين أذن له بالتوجه إلى مصر فنزل إلى جدة وركبمنها إلى السويس ومصر هرعت إليه أكابر مصر من العلماء والصلحاء وأربـاب السجاجيـدوالأمـراء وصـارت لـه معهم المطارحات والمذاكرات ما هو مذكور في رحلته وجمع حواسهلنشر الفضائل وأخلاها عن السوي وهرعت إليه الفضلاء للأخذ والتلقي وتلقـى هـو عـنكـل مـن الشيخ الملوي والجوهري والحفني وأخيه يوسف وهم تلقوا عنه تبركًا وصار أوحدوقته حالًا وقالًا مع تنويه الفضلاء به وخضعت له أكابر الأمراء على اختلـافطبقاتهـم وصـار مقبـول الشفاعـة عندهـم لا تـرد رسائلـه ولا يـرد سائلـه وطـارصيتـه فـي المشـرق والمغـرب‏.‏
وفي أثناء هذه المـدة تعـددت لـه رحلـات إلـى الصعيـد الأعلـى وإلـىطندتـا وإلى دمياط وغلى رشيد وإسكندرية وفوة وديروط واجتمع بالسيـد علـي الشاذلـيوكـل منهمـا أخـذ عـن صاحبـه‏.‏
وزار سيـدي إبراهيـم الدسوقـي ولـه فـي كـل هـؤلاء قصائـد طنانـة‏.‏
ثـم سافر إلى الشام فتوجه إلى غزة ونابلس ونـزل بدمشـق ببيـت الجنابحسين أفندي المرادي وهرعت إليه علماء الشام وأدباؤها وخاطبوه بمدائح واجتمع بالوزيرعثمان باشـا فـي ليلـة مولـد النبـي صلـى اللـه عليـه وسلـم فـي بيـت السيـد علـيأفنـدي المـرادي ثـم رجـع إلـى بيـت المقدس وزار وعاد إلى مصر وتوجه إلى الصعيد ثمعاد إلى مصـر وزار السيـد البـدوي ثـم ذهـب إلـى دميـاط‏.‏
كعادتـه فـي كـل مـرة ثـم رجـع إلى مصر ثم توجه إلى رشيد ثمالإسكندرية ومنها إلى اسلامبول فحصل له بهـا غايـة الحـظ والقبـول ومـدح بقصائـدهرعـت إليه الناس أفواجًا ورتب له في حوالي مصر كل يوم قرشان ولم يمكث بها إلا نحـوأربعيـن يومـًا وركـب منهـا إلـى بيـروت ثـم إلـى صيدا ثم إلى قبرص ثم إلى دمياطوذلك غاية شعبـان سنـة تسعيـن‏.‏
ثـم دخـل المنصـورة وبـات بهـا ليلـة ثم دخل مصر في سابع عشررمضان‏.‏
وكان مدة مكثه في الهند عشرة أعوام وحج سبع عشرة مرة منها ثلاثبالجمعة وسفره من الحجـاز إلـى مصـر ثلـاث مـرات وللصعيـد سـت مـرات ولدميـاط ثمـانمـرات‏.‏
ولـم يـزل يعلو ويرقى إلى أن توفـي ليلـة الثلاثـاء ثانـي عشر محرممن هذه السنة وخرجوا بجنازته من بيته الذي تحت قلعة الكبش بمشهد حافل وصلي عليهبالجامع الأزهر وقرئ نسبه على الدكة وصلي عليه إمامًا الشيخ أحمد الدردير ودفنبمقام ولي الله العتريس تجاه مشهد السيدة زينب ورثي بمراث كثيرة ربما يأتي ذكرها فيتراجم العصريين ولم يخلف بعده مثله رحمه الله‏.‏
ومات الوجيه المبجل عبـد السلـام أفنـدي بـن أحمـد الأزرجانـي مـدرسالمحموديـة كـان إمامـًا فاضلًا محققًا له معرفة بالأصول قرأ العلوم ببلاده وأتقنفي المعقول والمنقول وقدم مصر ومكث بها مدة ولما كمل بناء المدرسة المحموديةبالحبانية تقرر مدرسًا فيها وكان يقرأ فيها الدرر لمنلاخسرو وتفسير البيضاوي ويوردأبحاثًا نفيسة‏.‏
وكان في لسانه جبسة وفي تقرير عسر وبأخرة تولى تولى إمامتها وتكلففي حفظ بعض القرآن وجوده على الشيخ عبـد الرحمـن الأجهوري المقرئ وابتنى منزلًانفيسًا بالقرب من الخلوتي وكان له تعلق بالرياضيات وقرأ على المرحوم الوالد أشياءمن ذلك واقتني آلات فكلية نفيسة بيعت في تركته‏.‏
مات بعد أن تعلل بالحصبـة أيامـًا فـي يـوم الثلاثـاء سـادس جمـادىالأولـى من السنة ولم يخلف بعده في المحمودية مثله وجاهة وصرامة واحتشامًا وفضيلةرحمه الله‏.‏
ومـات الإمـام العلامـة والحبـر الفهامـة الشيـخ أحمـد بـن عيسـى بنأحمد ابن عيسى بن محمد الزبيري الشافعي البراوي ولد بمصر وبها نشأ وقرأ الكثير علىوالده وبه تفقه وحضر دروس مشايخ الوقـت فـي المعقـول والمنقـول وتمهـروا نجـب وعـدمن أرباب الفضائل‏.‏
ولما توفي والده أجلس مكانه بالجامـع الأزهـر واجتمـع علي طلبة أبيهوغيرهم واستمرت حلقة درس والده على ما هي عليها مـن العظـم والجلالـة والرونـقوإفـادة الطلبـة وكـان نعـم الرجـل صلاحـًا وصرامـة‏.‏
توفـي بطندتـا في ليلة الأربعـاء ثالـث شهـر ربيع الأول فجأة وجيءبه إلى مصر فغسل في بيته وصلي عليه بالأزهر ودفن عند والده بتربة المجاورين رحمهالله‏.‏
ومـات الوجيـه المبجـل بقيـة السلـف سيـدي عامـر بـن الشيـخ عبـدالله الشبراوي تربى في عز ودلال وسيادة ورفاهية وكان نبيلًا إلا أنه لم يلتفت إلىتحصيل المعارف والعلوم ومع ذلك كان يقتني الكتـب النفيسـة ويبـذل فيهـا الرغائبواستكتب عدة كتب بخط المرحوم الشيخ حسن الشغراوي المكتب وهو فـي غايـة الحسـنوالنورانيـة‏.‏
ومـن ذلـك مقامـات الحريـري وشروحهـا للزمزمي وغيره وجلدها وذهبهاونقشوا اسمه في البصمات المطبوعة في نقش الجلود بالذهب وعندي بعض على هذه الصورةورسم باسمه الشيخ محمد النشيلي عدة آلات فلكية وأرباع وبسائـط وغيـر ذلـك واعتنىبتحريرها وإتقانها وأعطاه في نظير ذلك فوق مأموله وحوى من كل شـيء أظرفـه وأحسنـهمـع أن الـذي يـرى ذاتـه يظنـه غليـظ الطبـع‏.‏
توفـي رحمـه الله يوم الجمعة تاسع عشرين المحرم من السنة‏.‏
ومـات العلامـة الفقيـه الفاضـل الشيـخ محمـد سعيـد بـن محمد صفرابن محمد بن أمين المدني الحنفي نزيل مكة والمدرس بحرمها تفقه على جماعة من فضلاءمكة وسمع الحديث على الشيخ محمد بن عقيلة والشيخ تاج الدين القلعي وطبقتهماوبالمدينة على الشيخ أبي الحسن السندي الكبير وغيـره وكـان حسـن التقريـر لمـايمليـه فـي دروسـه حضـره السيـد العيـدروس في بعض دروسه وأثنى عليـه‏.‏
وفـي آخـر عمـره كـف بصـره حزنـًا علـى فقـد ولـده‏.‏
وكان من نجباء عصره أرسله إلى الروم وكـان زوجـًا لابنـة الشيـخابـن الطيـب فغـرق فـي البحـر‏.‏
وفـي أثنـاء سنـة 1174 ورد مصـر ثـم توجه إلـى الـروم علـى طريق حلبفقرأ هناك شيئًا من الحديث وحضره علماؤها ومنهم الشيخ السيد أحمد بن محمد الحلوىوذكره في جملة شيوخه وأثنى عليه ورجع إلى الحرمين وقطن بالمدينة المنـورة‏.‏
ومـن مؤلفاتـه الأربعـة أنهـار فـي مـدح النبـي المختـار صلـى اللـهعليـه وسلـم وله قصيدة مدح بهـا الشيـخ العيـدروس‏.‏
ولما حج الشيخ أحمد الحلوي في سنة تسعين اجتمع به بالمدينة المنورةوذاكـره بالعهد القديم فهش له وبش واستجاز منه ثانيًا فأجازه ولم يزل على حالهالمرضية من عبادة وإفادة حتى توفي في هذه السنة رحمه الله تعالى‏.‏
ومات الأمير عبد الرحمن أغا أغات مستحفظان وهو من مماليك إبراهيمكتخدا وتقلد الأغاوية في سنـة سبعيـن كمـا تقـدم واستمـر فيهـا إلـى سنـة تسـعوسبعيـن‏.‏
فلمـا نفـي علـي بـك النفيـة الأخيـرة عزلـه خليـل بـك وحسيـن بـكوقلـدوا عوضـه قاسـم أغـا فلمـا رجـع علـي بك ولاه ثانيًا وتقلد قاسم أغا صنجقًافاستمر فيها إلى سنة ثلاث وثمانين فعزله وقلد عوضه سليم أغا الوالي وقلد موسـى أغـاواليـًا عوضـًا عـن سليـم المذكـور وكلاهمـا من مماليكه‏.‏
وأرسل المترجم إلى غزة حاكمًا وأمـره أن يتحيـل علـى سليـط‏.‏
ويقتلـه‏.‏
وكـان رجـلًا ذا سطوة عظيمة وفجور فلم يزل يعمل الحيلة عليـه حتـىقتلـه فـي داره وأرسـل برأسـه إلـى علـي بـك بمصـر وهـي أول نكتـة تمـت لعلي بكبالشام وبهـا طمـع فـي استخلـاص الشـام فلمـا حصلـت الوحشـة بيـن محمـد بـك وسيـدهعلـي بك انضوى إلى محمد بك‏.‏
فلما استبد بالأمر قلده أيضًا الأغاوية فاستمر فيها مدته‏.‏
ولما مات محمد بك انحـرف عليـه مـراد بـك وعزلـه وولـى عوضـهسليمـان أغـا وذلـك فـي سنـة تسعيـن ولما وقعت المنافرة بيـن اسمعيـل بـكوالمحمديـة انضم إلى اسمعيل بك ويوسف بك واجتهد في نصرتهما وصار يكر ويفر ويجمعالناس ويعمل المتاريس ويعضد المتاريس ويعمل الحيل والمخادعات ويذهب ويجيء الليلوالنهار حتى تم الأمر وهرب إبراهيم بك ومراد بك واستقر اسمعيل بك ويوسف بك فقلداهالأغاوية أيضًا فاستمر فيها مدته فلما خرج اسمعيل بك إلى الصعيد محاربًا للمحمديينتركه بمصر فاستقل بأحكامها وكذلك مدة غياب محمد بك بالشام‏.‏
فلما خان العلوية اسمعيل بـك وانضمـوا إلـى المحمديـة ورجـع اسمعيـلبـك علـى تلـك الصـورة كما ذكر خرج معه إلى الشام إلى أن تفـرق أمرهـم فـأرادالتحـول إلـى جهـة قبلـي فانضم معه كثير من الأجناد والمماليك وساروا إلى أن وصلواقريبًا من العادلية فأرسل مملوكًا له أسود ليأتيه بلوازم من داره ويأتيـه بحلـوانفإنـه ينتظـره هنـاك وحلوان كانت في التزامه وعدى مع الجماعة من خلف الجبل ونزلوابحلوان وركبوا وساروا وتخلف هو عنهم للقضاء المقدر ينتظر خادمه فبات هنـاك‏.‏
وحضـر بعـض العـرب وأخبـر مـراد بـك فأرسـل الرصـد لذلـك العبـدوركب هو في الحال وأتاه الرصد بالعبد في طريق ذهابه فاستخبره فأعلمه بالحقيقة بعدالتنكر فسار مستعجلًا إلى أن أتى حلوان واحتاط بها وهجمت طوائفه على دوار الأوسيةوأخذوه قبضًا باليد وعروه ثيابه حتى السراويل سحبوه بينهـم عريانـًا مكشـوف الـرأسوالسوأتين وأحضروه بين يدي مراد بك فلما وقعت عينه عليه أمر بقطع يديه وسلموه لسواسالخيل يصفعونه ويضربونه على وجهه ثم قطعوا رقبته حزًا بسكين ويقولون له‏:‏ انظر قرصالبرغوث يذكرونه قوله لمن كان يقتله‏:‏ لا تخف يا ولدي إنما هي كقرصة البرغوث ليسكنروع المقتول على سبيل الملاطفة‏.‏
فكانوا يقولون ذلك على سبيل التبكيت‏.‏
ودخـل مـراد بـك فـي صبحهـا برأسـه أمامـه علـى رمـح ودفـن كمـاذكـر ولـم يأت بعده في منصبه من يدانيـه فـي سياسـة الأحكـام والقضايـا والتحيلـاتعلى المتهومين حتى يقروا بذنوبهم وكان نقمة الله على المعاكيس وخصوصًا الخدمالأتراك المعروفين بالمسراجين‏.‏
واتفق له في مبادئ ولايته أنه تكرر منه أذيتهـم فشكـوا منـه إلـىحسيـن بـك المقتـول فخاطبـه فـي شأنهـم فقـال لـه‏:‏ هـؤلاء أقبـح خلـق اللـهوأضرهـم علـى المسلميـن وأكثرهـم نصـارى ويعملـون أنفسهـم مسلمين ويخدمونكمليتوصلوا بذلك إلـى إيـذاء المسلميـن وإن شككـت فـي قولـي أعطنـي إذنـًا بالكشـفعليهم لأمير المختون من غيره‏.‏
فقـال لـه الصنجـق‏.‏
افعـل مـا بـدا لـك‏.‏
فلمـا كان في ثاني يوم هرب معظم سراجين الصنجق ولم يتخلف منهم إلامن كان مسلمًا ومختونًا وهو القليل فتعجب حسين بك من فطانته ومن ذلك الوقت لميعارضه في شيء يفعله وكذلك علي بك ومحمد بك‏.‏
ولما خالف محمد بك على سيده وانفصل عنه وذهب إلى قبلي وانضم إليهخشداشه أيوب بك وتعاقدا وتحالفا على المصحـف والسيـف ونكث أيوب بك العهد وقضى محمدبك عليه بقطع يده ولسانه أرسل إليه عبـد الرحمـن أغـا هـذا ففعـل به ذلك ولما حضرإليه ليمثل به ودخل إليه وصحبته الجلاد وصار يقول للجلاد‏:‏ ارفق بسيدي ولا تؤلمهونحو ذلك‏.‏
ولما ملك محمد بك ودخل مصر أرسله إلى عبـد اللـه بـك كتخـدا الباشـاالـذي خامـر علـى سيـده وانضـم إلـى علـي بـك فذهـب إليـه وقبـض عليه ورمى عنقه فيوسط بيته ورجع برأسه إلى مخدومه وباشر الحسبة مدة مع الأغاوية‏.‏
وكان السوقة يحبونه وتولى ناظرًا على الجامع الأزهر مدة وكان يحبالعلماء ويتأدب مع أهل العلم ويقبـل شفاعتهـم ولـه دهقنـة وتبصـر فـي الأمور وعندهقوة فراسة وشدة حزم حتى غلب القضاء على حزمه عفا الله عنه‏.‏
ومات الأمير عبد الرحمن بك وهو من مماليك علي بك وصناجقه الذينأمرهم ورقاهم فهو خشـداش محمـد بـك أبـي الذهب وحسن بك الجداوي وأيوب بك ورضوان بكوغيرهم‏.‏
وكان موصوفًا بالشجاعة والإقدام فلما انقضت أيام علي بك وظهر أمرمحمد بك خمل ذكره مـع خشدشينه إلى أن حصلت الحادثة بين المحمدين واسمعيل بك فرد لهمأمرياتهم إلا عبد الرحمن هـذا فبقـي علـى حالـه مـع كونـه ظاهـر الذكـر‏.‏
فلمـا كـان يوم قتل يوسف بك وكان هو أول ضارب فيه‏.‏
وهرب في ذلـك اليـوم مـن بقـي مـن المحمـد وأخـرج باقيهـم منفييـنردوا لـه صنجقيتـه كمـا كـان ثـم طلع مع خشداشينه لمحاربتهم بقبلي ثم والسوا علىاسمعيل بك وانضموا إليهم ودخلوا معهم إلى مصر كما ذكر‏.‏
ثم وقع بينهم التحاقد والتزاحم على إنفاذ الأمر والنهي‏.‏
وكان أعظم المتحاقدين عليهم مراد بك وهم له كذلك وخيل الفريقان منبعضهم البعض وداخل المحمدية الخوف الشديد من العلوية إلى أن صاروا لا يستقرون فيبيوتهم فلازموا الخروج إلى خارج المدينة والمبيت بالقصور‏.‏
وخرج إبراهيم بك وأتباعه إلى جهة العادلية ومراد بك وأتباعه إلى جهةمصر القديمة‏.‏
فلما كان يوم السبت سابع عشر جمادى الأولى أصبح مراد بك منتفخالـأوداج مـن القهـر فاختلـى مـع مـن يركـن إليهـم من خاصته وقال لهم‏:‏ إني عازمفي هذا اليوم على طلب الشر مع الجماعة‏.‏
قالوا‏:‏ وكيف نفعل‏.‏
قال‏:‏ نذهب إلى مرمى النشاب ولا بد أن يأتينا منهم من يأتي فكل منحضر عندنا منهم قتلناه ويكون ما يكون بعد ذلك‏.‏
ثم ركب ونزل بمصاطب النشاب وجلس ساعة فحضر إليه عبد الرحمن بكالمذكور وعلي بك الحبشـي فجلسا معه حصة ومراد بك يكـرر لأتباعـه الإشـارة بضربهمـاوهـم يهابـون ذلـك ففطـن لـه سلحدار عبد الرحمن بك فغمز سيده برجله فهم بالقيامفابتدره مراد بك وسحـب بالتـه وضربه في رأسه فسحب الآخر بالته وأراد أن يضربه فألقىبنفسه من فوق المصطبة إلى أسفل وعاجل أتباع مراد بك عبد الرحمن بك وقتلوه‏.‏
وفي وقت الكبكبة غطى علي بك الحبشي رأسه بجوخته واختفى في شجرالجميز وركب في الحال مراد بك وجمع عشيرته وأرسـل إلـى إبراهيـم بـك فحضـر مـنالقبـة إلـى القلعـة وكـان ما ذكر واستمر عبد الرحمن بك مرميًا بالمصطبة حتى حضرإليه أتباعه وشالوه ودفنوه بالقرافة‏.‏
ومـات الأميـر أحمد بك شنن وأصله مملوك الشيخ محمد شنن المالكي شيخالأزهر فحصل بينه وبيـن ابـن سيـده وحشـة ففارقـه ودخـل فـي سلـك الجنديـة وخدم عليبك وأحبه ورقاه وأمره إلى أن قلده كتخدا االجاويشية فلم يزل منسوبًا إليه ومنضمًاإلى أتباعه‏.‏
وتقلد الصنجقية وصاهره حسن بك الجداوي وتزوج بابنته وبنى لها البيتبدرب سعادة ولم يزل حتى قتل في هذه الواقعة وكان فيه لين جانب ظاهري ويعظم أهلالعلم ويظهر لهم المحبة والتواضع‏.‏
ومات الأمير إبراهيم بك طنان وهو من مماليك حسن أفندي مملوك إبراهيمأفندي المسلماني وكانوا عدة وعزوة معروفيـن ومشهوريـن فـي البيـوت القديمـة ومنهـممصطفـى جربجـي وأحمـد جربجـي‏.‏
ثـم لمـا ظهـر أمـر علـي بـك انتسبـوا إليـه وخرجـوا مـع محمـد بكعندما ذهب لمحاربة خليل بك وحسين بك كشكش ومن معهم بناحية المنصورة فوقع في المقتلةأحمد جربجي المذكور وأعجب بهم محمـد بـك فـي تلـك الواقعـة فأحبهـم وضمهـم إليـهولازمـوه فـي الأسفـار والحروبـات‏.‏
ولمـا خالف علي سيده علي بك وهرب إلى الصعيد خرجوا معه كذلك وماتمصطفى جربجي علـى فراشه بمصر أيام علي بك وصار كبيرهم والمشار إليه فيهم إبراهيمجربجي‏.‏
فلما رجع محمـد بـك وتعيـن فـي رياسة مصر قلده صنجقًا ونوه بشأنهوأنعم عليه وأعطاه بلادًا مضافة إلى بلاده منها سندبيس ومنية حلفة وباقي الأمانة‏.‏
وكان عسوفًا ظالمًا الفلاحين لا يرحمهم وله مقدم من أقبح خليقةاللـه مـن منيـة حلفـة فيغـري بالفلاحيـن ويسجنهـم ويعذبهـم ويستخلـص لمخدومـهمنهـم الأمـوال ظلمـًا وعدوانـًا‏.‏
فلما حصلت تلك الحادثة وهرب إبراهيم بك المذكور مع اسمعيل بك اجتمعالفلاحون على ذلك المقدم وقتلوه وحرقوه بالنار‏.‏
وكان إبراهيم بك هذا ملازمـًا علـى زيـارة ضرائـح الأوليـاء فـي كـلجمعـة يركب بعد صلاة الصبح إلى القرافة ويزور قبور البستان وقبور أسلافه ثم يذهبإلى زيارة الشافعي ويخرج منه ماشيًا فيزور الليث ومـا جاوزهما من المشاهد المعروفةكيحيى الشييه والسادات الثعالبة والعز وابن حجر وابن جماعة وابـن أبـي جمـرة وغيـرذلـك وكـان هذا دأبه في كل جمعة‏.‏
ولما وقعت الحوادث خرج مع اسمعيل بـك إلـى غـزة فلمـا سافر اسمعيلبك ونزل البحر تخلف عنه ومات ببعض ضياع الشام وظهر له بمصر ودائع أموال لها صورة‏.‏
ومـات الأميـر إبراهيـم بـك بلفيا المعروف بشلاق وهو مملوك عبدالرحمن أغا بلفيا بن إبراهيم بك وعبـد الرحمـن أغـا هذا هو أخو خليل بك‏.‏
وكان علي بك ضمه إليه وأعجبه شجاعته فقلده صنجقًا وصار من جملةصناجقه وأمرائه ومحسوبًا منهم‏.‏
فلما حصلت هذه الحادثة كان فيهم وقتل معهم‏.‏
ومـات الأميـر الكبير حسن بك رضوان أمير الحاج وهو مملوك عمر بك بنحسين رضوان تقلد الصنجقيـة بعـد مـوت سيـده وجلـس فـي بيتـه وطلـع أميـرًا بالحـجسنة ثمان وسبعين وتسع وسبعين وعمـل دفتـردار مصـر ثـم عـزل عنهـا وطلـع بالحـج فـيسنـة إحـدى وثمانيـن وسنـة اثنتيـن وثمانين وقلد رضوان بك مملوكه صنجقًا‏.‏
فلما تملك علي بك نفى رضوان بك هذا فيمن نفاهم في سنة واحـدوثمانيـن ثـم رده ثـم نفـاه مـع سيـده بعـد رجوعه من الحج في سنة ثلاث وثمانين إلىمسجد وصيـف ثم نقل إلى المحلة الكبرى فأقام بها إلى سنة إحدى وتسعين فكانت مدةإقامته بالمحلة نحـو ثمـان سنيـن‏.‏
فلمـا تملـك اسمعيـل بـك أحضـره إلـى مصر وقلده إمارة الحج سنة واحدوتسعين كمـا ذكـر فلمـا انضـم العلويـة إلـى المحمديـة ورجعـوا إلـى مصر وهرباسمعيل بك بمن معه إلى الشام لـم يخـرج معه وبقي بمصر لكونه ليس من قبيلتهم وانضوىإلى العلوية كغيره لظنهم نجاحهم فوقع لهـم مـا وقـع وقتـل مـع أحمـد بـك شنـن بشيـرأو أوتـوا بهمـا إلـى بيوتهما وكل منهما ملفوف في قطعة خيمة ودفن حسن بك المذكورعليه رحمة الله وكان أميرًا جليلًا مهذبًا كريم الأخلـاق ليـن الجانب يحب أهلالصلاح والعلم وعاشر بالمحلة صاحبنا الفاضل اللبيب الأديب الشيخ شمس الديـنالسمربائـي الفراغلـي وأحبـه واغتبط به كثيرًا وأكرمه وحجزه عنده مدة إقامتهبالمحلة ومنعه عن الذهاب إلى بلده إلا لزيارة عياله فقط في بعض الأحيان ثم يعودإليه سريعًا ويستوحش لغيابه عنه فكان لا يأتنس إلا به‏.‏
وللشيخ شمس الدين فيه مدائح ومقامات وقصائد‏.‏
سنة ثلاث وتسعين ومائة وألف في يوم السب خامس المحرم وصل إلى مصراسمعيل باشا والي مصر وبات ببر انبابة ليلة السبت المذكور وركب الأمراء في صبحهاوقابلوه ورجعوا وعدى الآخر وركب إلى العادلية وجلس بالقصر وتولى أمر السماط مصطفىبك الصغير‏.‏
وفـي يـوم الثلاثاء من المحرم ركب الباشا بالموكب ودخل من باب النصروشق القاهرة وطلع إلى القلعـة وعملـوا لـه شنكـًا ومدافع ووصل الخبر بنزول اسمعيلبك إلى البحر وسفره من الشام إلى الروم وغاب أمره‏.‏
وفـي أواخر شهر ربيع الأول وقعت حادثة بالجامع الأزهر بين طائفةالشوام وطائفة الأتراك بين المغـرب والعشـاء فهجـم الشـوام على الأتراك وضربوهمفقتلوا منهم شخصًا وجرحوا منهم جماعة فلمـا أصبحـوا ذهـب الأتـراك إلى إبراهيم بكوأخبروه بذلك فطلب الشيخ عبد الرحمن العريشي مفتـي الحنفيـة والمتكلـم على طائفةالشوام وسأله عن ذلك فأخبره عن أسماء جماعة وكتبهم في ورقة وعرفه أن القاتلينتغيبوا وهربوا ومتى ظهروا أحضرهم إليه ولما توجه من عنده تفحص إبراهيـم بـك عـنمسميـات الأسمـاء فلـم يجد لهم حقيقة فأرسل إلى الشيخ أحمد العروسي شيخ الأزهـروأحضـر بقيـة المشايـخ وطلـب الشيـخ عبـد الرحمن فتغيب وللم يجدوه فاغتاظ إبراهيمبك ومـراد بـك وعزلـوه عـن الإفتاء وأحضروا الشيخ محمد الحريري وألبسوه خلعة ليكونمفتي الحنفية عوضًا عن الشيخ عبد الرحمن وحثوا خلفه بالطلب ليخرجوه من البلدةمنفيًا فشفع فيه شيخ السادات وهرب طائفة الشوام بأجمعهم وسمر الأغا رواقهم ونادواعليهم‏.‏
واستمر الأمر على ذلك أيامًا ثم منعوا المجادلة والطبرية من دخولالرواق ويقطع من خبزهم مائة رغيف تعطى للأتراك دية المقتول وكتب بذلك محضر باتفاقالمشايخ والأمراء وفتحوا الرواق ومرض الشيخ العريشي من قهره وتوفي رابع جمادىالأولى‏.‏
وفي أواخر شهر جمادى الثانية توفي الشيخ محمد عبادة المالكي‏.‏
وفيه جاءت الأخبار بأن حسن بك ورضوان بك قوي أمرهم وجمعوا جموعًاوحضروا إلى دجرجـا والتـف عليهـم أولـاد همـام والجعافـرة واسمعيـل أبو علي فتجهزمراد بك وسافر قبله أيوب بـك الصغيـر ثـم سافـر هـو أيضـًا فلمـا قربوا من دجرجاولى القبالي وصعدوا إلى فوق فأقام مراد بـك فـي دجرجـا إلـى أوائـل رجـب وقبـض علىاسمعيل أبي علي وقتله ونهب ماله وعبيده وفرق بلاده على كشافه وجماعته‏.‏ وفي
منتصف شهر رجب
ظهر بمصر وضواحيها مرض سموه بأبي الركب وفشا في الناس قاطبة حتىالأطفال وهو عبارة عن حمى ومقدار شدته ثلاثة أيام وقـد يزيـد علـى ذلـك وينقص بحسباختلاف الأمزجة ويحدث وجعًا في المفاصل والركب والأطراف ويوقف حركة الأصابـع وبعـضورم ويبقـى أثـره أكثر من شهر ويأتي الشخص على غفلة فيسخن البدن ويضرب على الإنساندماغه وركبه ويذهب بالعرق والحمام وهو من الحوادث الغريبة‏.‏
وفي عشرين رجب وصل مراد بك من ناحية قبلي وصحبته منهوبات وأبقاروأغنام كثيرة‏.‏
وفي يوم الجمعة ثاني عشرينه الموافق لثاني شهر مسرى القبطي وفاالنيل المبارك ثم زاد في ليلتها زيادة كثيرة حتى علا على السد وجرى الماء في الخليجبنفسه وأصبح الناس فوجدوا الخليج جاريًا وفيه المراكب فلم تحصل الجمعية ولم ينزلالباشا على العادة‏.‏
وفـي أواخـر شهـر شعبـان وصـل إلـى مصـر قابجي باشا وبيده أوامربعزل اسمعيل باشا عن مصر ويتوجه إلى جدة وأن إبراهيم باشا والي جدة يأتي إلى مصروفرمان آخر بطلب الخزينة‏.‏
وفي شهر شوال وصلت الأخبار بموت علي بك السروجي وحسن بك سوق السلاحبغزة‏.‏
وفي يوم الخميس ثامن عشر شوال عمل موكب المحمل وخرج الحجاج وأميرالحاج مراد بك وخـرج فـي موكـب عظيـم وطلـب كثيـر وتفاخـر وماجـت مصـر وهاجـت فـيأيـام خروج الحج بسبب الأطلاب وجمع الأموال وطلب الجمال والبغال والحمير وغصبوابغال الناس ومن وجوده راكبًا على بغلة أنزلوه عنها وأخذوها منه قهرًا فإن كان منالناس المعتبرين أعطـوه ثمنهـا وإلا فـلا وغلـت أسعارهـا جـدًا ولـم يعهـد حـج مثـلهـذه السنـة فـي كـل شـيء‏.‏
وسافـر فيـه خلائـق كثيرة من سائـر الأجنـاس وسافـر صحبـة مـراد بـكأربـع صناجـق وهـم عبـد الرحمـن بـك عثمان وسليمان بك الشابوري وعلي بك المالطي وذوالفقار بك وأمراء وأغوات وغير ذلك أكابـر كثيـرة وأعيـان وتجار‏.‏
وفيه حضر واحد أغا وعلى يده تقرير لاسمعيل باشا على مصر كما كانوكان لما أتاه العزل نـزل مـن القلعـة فـي غرة رمضان وصام رمضان في مصر العتيقة‏.‏
ولما انقضى رمضان تحول إلى العادلية ليتوجه إلى السويس ويذهب إلىجدة حسب الأوامر السابقة فقدر الله بموت إبراهيم باشـا وحضـر التقريـر لـهبالولايـة ثانيـًا فركـب فـي يـوم الاثنيـن سـادس القعدة وطلع إلى القلعة من بابالجبل‏.‏
مات الشيخ الفقيه الإمام الفاضل شيخنا الشيخ عبد الرحمن بن عمرالعريشي الحنفي الأزهري ولد بقلعة العريش من أعمال غزة وبها نشأ وحفظ بعض المتونولما مر عليه الشيخ العارف السيـد منصـور السرمينـي فـي بلـده وجه متيقظًا نبيهًاوفيه قوة استعدادية وحافظة جيدة فأخذه صحبته في صورة معين فـي الخدمـة وورد معـهمصـر فكـان ملازمـًا لـه لا يفارقـه وأذن لـه بالحضور في الأزهـر فكـان يحضـر دروسالشيـخ أحمـد البيلـي وغيـره فـي النحـو والمعقـول‏.‏
ولمـا توجـه السيد المشار إليه إلى البلاد تركه ليشتغل بالعلم فلازمالشيخ أحمد السليماني ملازمة جيدة وحضر عليه غالب الكتب المستعلمة في المذهب وحضردروس الشيـخ الصعيـدي والشيـخ الحنفي ولقنه الذكر وأجازه وألبسه التاج الخلوتي‏.‏
ثم اجتمع بالمرحوم الوالد حسـن الجبرتـي ولازمه ملازمة كلية ودرجهفي الفتوى ومراجعة الأصول والفروع وأعانه على ذلك وجد أن الكتب الغريبة عند المرحومفترونق ونوه بشأنه وعرفه الناس وتولى مشيخة رواق الشوام وبه تخـرج الحقيـر فـيالفقـه‏.‏
فـأول مـا حضـرت عليـه متن نور الإيضاح للعلامة الشرنبلالي ثم متنالكنز وشرحه لملا مسكين والدر المختار شرح تنور الأبصار ومقدار النصف من الدرر وشرحالسيد علي السراجية في الفرائض‏.‏
وكان له قوة حافظة وجودة فهم وحسن ناطقة فيقرر ما يطالعـه منـنالمـواد عـن ظهـر قلبـه مـن حفظـه بفصاحـة مـن غيـر تلعثـم ولا تركيـز‏.‏
وحـج فـي سنة تسع وسبعيـن مـن القلـزم منفـردًا متقشفـًا وأدركبالحرميـن الأخيـار وعـاد إلـى مصـر وحصلت له جذبة في سنـة سـت وثمانيـن وتـركعيالـه وانسلـخ عـن حالـه وصار يأوي إلى الزوايا والمساجد ويلقي دروسًا مـن الشفـاءوطـرق القـوم وكلـام سيـدي محـي الديـن والغزالـي‏.‏
ثـم تراجـع قليـلًا وعـاد إلى حالته الأولى ولمـا توفـي مفتـيالحنفيـة الشيـخ أحمد الحماقي تعين المترجم في الإفتاء وعظم صيته وتميز على أقرانـهواشتـرى دارًا حسنـة بالقرب من الجامع الأزهر وهي التي كانت سكن الشيخ الحفني فيالسابق وتعرف بدار القطرسي‏.‏
وتردد الأكابر والأعيان إليه وانكبت عليه أصحاب الدعاوى والمستفتـونوصـار لـه خـدم وأتباع وفراشون وغير ذلك‏.‏
وسافر إلى اسلامبول بعد موت الأمير محمد بك لقضاء بعض الأغراض وقرأهناك كتاب الشفاء ورجع إلى مصر وكان كريم النفس سمحًا بما في يده يحب إطعام الطعامويعمل عزائم للأمراء ويخلع عليهم الخلع ولما زاد انحطاط الشيـخ أحمـد الدمنهـوريوتبيـن قـرب وفاتـه وفـراغ أجلـه ناقـت نفس المترجم لمشيخة الأزهر إذ هي أعظم مناصبالعلماء فأحب الاستيلاء عليها والتوصل إليها بكيفية وطريقة فحضر مع شيخ البلدإبراهيم بك إلى الجامع الأزهر وجمع الفقهاء والمشايخ وعرفهم أن الشيخ أحمدالدمنهوري أقامه وكيلًا عنه وبعد أيام توفي الشيخ الدمنهوري فتعين هو للمشيخة بتلكالطريقة وساعده استمالـة الأمراء وكبار الأشياخ والشيخ أبو الأنوار السادات ومامهده معهم في تلك الأيام وكاد يتم الأمر فانتدب لنقـض ذلـك بعـض الشافعيـةالخامليـن وذهبـوا إلـى الشيـخ محمـد الجوهـري وساعدهم وركب معهم إلى بيت الشيخالبكري وجمعوا عليهم جملة من أكابر الشافعية مثل الشيـخ أحمـد العروسـي والشيـخأحمـد السمنـودي والشيـخ حسـن الكفـراوي وغيرهم وكتبوا عرضحـال إلـى الأمـراءمضمونـه أن مشيخـة الأزهـر مـن مناصـب الشافعية وليس للحنفية فيها قديم عهد أبدًاوخصوصًا إذا كان آفاقيًا وليس من أهل البلدة‏.‏
فإن الشيخ عبد الرحمـن كذلـك وموجـود فـي العلمـاء الشافعيـة مـنهـو أهـل لذلـك فـي العلـم والسـن وأنهـم اتفقـوا علـى أن يكـون المتعين لذلك الشيخأحمد العروسي وختم الحاضرون على ذلك العرضحال وأرسلوه إلى إبراهيم بك ومراد بمفتوقفوا وأبوا وثارت فيهم العصبية وشددوا في عدم النقض ورجع الجواب للمشايخ بذلكفقاموا على ساق وشدد الشيخ محمد الجوهري في ذلك وركبوا بأجمعهم وخرجوا إلى القرافةوجلسوا بجامع الإمام الشافعي وباتوا به‏.‏
وكان ذلك ليلة الجمعة واجتماع الناس للزيارة فهرعت الناس واجتمعالكثير من العامة ينظرون فيما يؤول إليه هذا الأمر وكان للأمراء اعتقاد وميـلللشيـخ محمـد بـن الجوهـري وكذلـك نساؤهـم وأغواتهـم بسبـب تعففـه عنهم وعدم دخولبيوتهم ورد صلاتهم وتميزه بذلـك عـن جميـع المتعمميـن‏.‏
فسعـى أكثرهـم فـي أنفـذا غرضـه وراجعـوا مـراد بـك وأوهموه حصولالعطب له ولهم أو ثوران فتنـة فـي البلـاد وحضـر إليهـم علـي أغـا كتخـدا الجاويشةوحاججهم وحاججوه ثم قال وتوجه وحضر مراد بك أيضًا للزيـارة فكلمـه الشيـخ محمـدوقـال‏:‏ لا بـد مـن فـروة تلبسهـا للشيـخ العروسـي وهـو يكـون شيخـًا على الشافعيةوذاك شيخًا على الحنفية كما أن الشيخ أحمد الدردير شيخ المالكية والبلد بلد الإمامالشافعي وقد جئنا إليـه وهو يأمرك بذلك وإن خالفت يخشى عليك‏.‏
فما وسعه إلا أنه أحضر فروة وألبسها للشيخ العروسي عند باب المقصورةوركب مراد بك متوجهًا وركب المشايخ وبينهم الشيخ العروسي وذهبوا إلى إبراهيم بك ولميكن الأمراء رأوا الشيخ العروسي ولا عرفوه قبل ذلك فجلسوا مقدار مسافة شرب القهوةوقاموا متوجهين ولم يتكلم إبراهيم بك بكلمـة‏.‏
فذهـب الشيـخ العروسي إلى بيته وهو بيت نسيبه الشيخ أحمد العريانواجتمع عليه الناس وأخذ شأنه في الظهور‏.‏
واحتد العريشي وذهب إلى الشيخ السادات والأمراء فألبسوه فروة أيضًافتفاقم الأمر وصاروا حزبين وتعصب للمترجم طائفـة الشـوام للجنسيـة وطائفـةالمغاربـة لانضمـام شيخهـم الشيخ أبي الحسن القلعي معه من أول الأمر وتوعدوا مننكان مع الفرقة الأخرى وحذروهم ووقفوا لمنعهم من دخول الجامع وابن الجوهري يسوسالقضية ويستميل الأمراء وكبار المشايخ الذين كانوا مع العريشي مثل الشيخ الدرديروالشيخ أحمد يونس وغيرهم واستمر الأمر على ذلك نحو سبعة أشهر إلى أن أسعفت العروسيالعناية ووقعت الحادثة المذكورة بين الشوام والأتراك واحتد الأمراء الأتراك للجنسيةوأكدوا في طلب المحاققة وتصدى العريشـي للشـوام المـذب عنهم وحصل منهم ما حصل لأجلخلاصهم‏.‏
فعند ذلك انطلقت عليه الألسن وأصبح الصديـق عـدوًا وانحـرف عنـهالأمـراء وطلبـوه فاختفـى وعيـن لطلبه الوالي وأتباع الشرطة وعزلوه من الإفتاءأيضًا‏.‏
وحضر الأغا وصحبته الشيخ العروسي إلى الجامع للقبض على الشوامفاختفوا وفروا وغابوا عن الأعين فأغلقوا رواقهم وسمروه أيامًا ثم اصطلحوا علىالكيفية المذكورة آنفًا وظهر العروسي من ذلك اليوم وثبتت مشيخته ورياسته وخملالعريشي وأمروه بلزوم بيته ولا يقـارش فـي شـيء ولا يتداخـل فـي أمـر فعنـد ذلـكاختلى بنفسه وأقبل على العبادة والذكر وقراءة القـرآن ونزلـت لـه نزلـة فـي أنثييـهمن القهر فأشاروا عليه بالفصد وفصدوه فازداد تألمه وتوفي في ليلة الخميس سابع جمادىالأولى من السنة وجهز بصباحه وصلي عليه بالأزهر في مشهد حافل وحضره مراد بك وكثيرمن الأمراء وعلي أغا كتخدا الجاويشية ودفن برحاب السادة الوقائيـة وذلـك بعـدالحادثـة بتسعـة وثلاثيـن يومـًا رحمه الله تعالى‏.‏
ومن آثاره رسالة ألفها في سر الكنـى باسـم السيـد أبـي الأنـوار بـنوفـي أجـاد فيها ووصلت إلى زبيد وكتب عليها الشيخ عبد الخالق بن الزين حاشية وقرظعليها الشيخ العروسي والشيخ الصبان وله غير ذلك‏.‏
ومات الشريف السيد قاسم بن محمد التونسي كان إمامًا في الفنون ولهيد طولى في العلوم الخارجة مثل الطب والحرف وكان معه وظيفة تدريس الطب بالبيمارستانالمنصور وتولـى مشيخـة رواق المغاربـة مرتيـن والأولـى استمـر فيهـا مـدة وفـي تلـكالمـدة حصلـت الفتن ثم عزل عنها وأعاد الدروس في مدرسة السيوفيين المعروفة الآنبالشيخ مطهر ولـه تقريـظ علـى المدائـح الرضوانية جمع الشيخ الأكاوي أحسن فيا وكانذا شهامة وصرامة في الدين صعبًا في خلقه وربمـا أهـان بعـض طائفـة النصارى عندمعارضتهم له في الطريق وأهين بسبب ذلك من طرف بعض الأمراء وتحزبت له العلماء وكادتأن تكون فتنة عظيمة ولكن الله سلم‏.‏
توفي بعد أن تعلل كثيرًا وهو متولي مشيخة رواقهم وهي المرة الثانيةوكان له باع في النظم والنثر فمنها مدائحه في الأمير رضوان كتخدا الجلفي له فيه عدةقصائد فرائد مذكورة في الفوائح الجنانية‏.‏
ومات الإمام الفهامة الألمعي الأديب واللوذعي النجيب الشيخ محمدلهلباوي الشهير بالدمنهوري اشتغـل بالعلـم حتـى صـار إمامـًا يقتدى به ثم اشتغلبالطريق وتلقن الأسماء وأخذت عليه العهود وصار خليفة مجازًا بالتلقين والتسليك وحصلبه النفع‏.‏












عرض البوم صور آل قطبي الحسني   رد مع اقتباس
قديم 20-12-2010, 01:27 AM   رقم المشاركة: 17
مشرف سابق

الصورة الرمزية آل قطبي الحسني



رقـم العضـوية 14
تاريخ التسجيل Mar 2010
عدد المشاركات 5,596
القبيلة نحن بنو يعلى من كنانة=رأس المضريين وفرسانها
مكان الإقامة إمارة بني يعلى
المهنة طالب
 
 
آل قطبي الحسني غير متواجد حالياً

افتراضي

وكان فقيهًا دراكًا فصيحًا مفوهًا أديبًا شاعـرًا لـه بـاع طويـلفـي النظـم والنثـر والإنشـاء ولمـا تملـك علـي بك بعد موت شيخه الحفني طلبه إليـهوجعلـه كاتـب إنشائـه ومراسلاتـه وأكرمـه إكرامـًا كثيرًا ومدحه بقصائد ولم يزلمنضويًا إليه مدة دولته‏.‏
ومـات السيـد قاسـم بـن محمـد بـن محمد علي بن أحمد بن عامر بن عبدالله ابن جبريل بن كامل بـن حسـن بـن عبد الرحمن بن عثمان بن رمضان بن شعبان ابنأحمد بن رمضان بن محمد بن القطب أبي الحسن علي بن محمد ابـن أبـي تـراب علـي بـنأبـي عبـد اللـه الحسيـن بـن إبراهيـم بـن محمـد بن أحمد ابن محمد بن محمد بن أبيجعفر محمد بن الحسن بن الحسن بن اسمعيل الديباج بن إبراهيـم بن الحسن المثني بنالحسن السبط بن علي بن أبي طالب أحد الأشراف الصحيحي النسـب بمصـر فجـده أبـو جعفـريعـرف بالثـج لثجثجـة فـي لسانه وحفيده الحسين بن إبراهيم يعرف بابـن بنـت الروبـديوحفيـده علـي بـن محمـد مدفـون بالصعيـد في بلد يقال له دمشاوباشم والمترجم هو والدالسيدين الجليلين اسمعيل وإبراهيم المتقدم ذكرهما صحح هذا النسب شيخنا السيد محمدمرتضى كما ترى وكان حمام البابا في ملكه مما خلفه له سلقه فكان يجلس فيه وكان شيخًامهيبًا معمرًا منور الشيبة كريم الأخلاق متعففًا مقبلًا على شأنه رحمه اللهتعالى‏.‏
ومات الإمام العارف الصوفي الزاهد أحمد بن عبد الله بن محمد بن عليابن سعيد بن حم الكتانـي السوسـي ثـم التونسـي ولـد بتونس ونشأ في حجر والده في عفةوصلاح وعفاف وديانة وقـرأ عليـه وعلـى شيـخ الجماعـة سيـدي محمد الغرباوي وعلىآخرين وتكمل في العلوم والمعارف مـع صفـاء ذهنه وسرعة إدراكه وتوقد خاطره وكمالحافظته وكان والده يحبه ويعتمد على ما يقولـه فـي تحريـر نقلـه ويصـرح بذلـك فـيأثنـاء درسـه‏.‏
وقـد بلـغ المترجـم مـن الصلـاح والتقـوى إلـى الغاية واشتهر أمرهفي بلاد أفريقية اشتهارًا كليًا حتى أحبه الصغير والكبير وكان منفردًا عن الناسمنقبضـًا عن مجالسهم فلا يخرج من محله إلا لزيارة ولي أو في العيدين لزيارة والدهوكان للمرحوم علي باشا والي تونس فيه اعتقاد عظيم وعرض عليه الدنيا مرارًا فلميقبلها وعرضت عليه توليـة المـدارس التـي كانـت بيـد والده فأعرض عنها وتركها لمنيتولاها وعكف نفسه على مذاكرة العلوم مع خواص أصحابه ومطالعة الكتب الغريبة واجتمععنده منها شيء كثير وكان يرسل في كل سنة قائمة إلى شيخنا السيد مرتض فيشتري لهمطلوبه وكان يكاتبه ويراسله كثيرًا‏.‏
ومـات الفقيـه الأديـب الماهر أحمد بن عبد الله بن سلامة الأدكاوينزيل الإسكندرية وأمه شريفة من ذرية السيد عيسى بن نجم خفير بحر البرلس كان حسنالمحاورة ولديه فضل ويحفظ كثيرًا من الأشياء منها المقامات الحريرية وغيرها مندواوين الشعر‏.‏
وناب عن القضاء في الثغر مدة وكـان يتـردد إلـى مصـر أحيانـًا وجمـععـدة دواوين شعرية من المتقدمين والمتأخرين نحو المائتين وطالع كثيرًا منها مما لميملكه‏.‏
ولم يزل على حالة مرضية حتى توفي بالثغر سنة تاريخه‏.‏
ومات الشيخ الصالح المعمر خالد أفندي بن يوسف الديار بكرلي الواعظكان يعظ الأتراك بمكة على الكرسي ثم ورد مصر ولازم حضور الأشياخ بمصر والوعظللأتراك وحضر معنا كثيرًا علـى شيخنـا السيـد محمـد مرتضـى فـي دروس الصحيـح بجامـعشيجـون فـي سنـة 1190 وفـي الأمالي والشمائل في جامع أبي محمود الحنفي وأخبر أنهدخل دمشق وحضر دروس الشيخ اسمعيل الجعلوني وأجازه وأدرك جلة الأشياخ بديار بكروالرها وأزروم‏.‏
وكان رجلًا صالحًا منكسـرًا ولـه مـرأى حسنـة ولا زال على طريقته فيالحب والملازمة حتى مرض أيامًا وانقطع في بيته ومات في رابع جمادى الأولى‏.‏
ومات الشيخ الفقيه الكامل والنجيب الفاضل أحد العلماء الأعلام وأوحدفضلاء الأنام الشيخ محمـد بـن عبـادة بـن بـري العـدوي ينتهي نسبه إلى علي أبي صالحالمدفون بالعلوة في بني عدي قدم إلى مصـر سنـة 1164 وجـاور بالأزهـر وحفـظ المتـونثـم حضـر شيـوخ الوقـت ولـازم دروس علماء العصر ومهر في الفنون وتفقه على علماءمذهبه من المالكية مثل الشيخ علي العدوي والشيخ عمر الطحلاوي والشيخ خليل والشيخالدردير والبيلي وأخذ المعقولـات عـن شيخه الشيخ علي العدوي الصعيدي وغيره ولازمهملازمة كليه وانتسب إليه حسًا ومعنى وصار من نجباء تلامذته ودرس الكتب الكبار فيالفقـه والمعقـول ونـوه الشيـخ بفضلـه وأمـر الطلبة بالأخذ عنه وصار له باع طويلوذهن وقاد وقلم سيال وفصاحة في اللسان والتقرير وصواب في التحرير وقوة استعدادواستحضار وسليقة‏.‏
ومن تآليفه حاشية على شذور الذهـب لابـن هشـام متداولـة بأيـديالطلبة نافعة وحاشية على مولد النبي صلى الله عليه وسلم للغيطي وابن حجر والهدهديوحاشية على شرح بن جماعة في مصطلح الحديث وحاشية عجيبـة علـى جمـع الجوامـع وعلـىالسعـد والقطـب وعلـى أبي الحسن وحاشية على شرح الخرشي وعلـى فضائـل رمضـان وكتابـةمحـررة علـى الورقـات والرسالـة العضديـة وعلـى آداب البحث والاستعـارات‏.‏
ولـم يـزل يملـي ويقـرئ ويفيـد ويحـرر ويجيـد حتـى وافـاه الحمـاموتوفـي في أواخر شهر جمـادى الثانيـة مـن السنـة بعد أن تعلل بعلة الاستسقاء سنينوكان يقرأ ليالي المواسم مثل نصف شعبان والمعراج وفضائل رمضان وغير ذلك نيابة عنشيخه الشيخ علي الصعيدي العدوي ويجتمع بدرسه الجم الكثير من طلبة العلم والعامةرحمه الله‏.‏
ومـات الأميـر علـي بـك السروجـي وهو من مماليك إبراهيم كتخداوإشرافات علي بك أمره وقلده الصنجقية بعد موت سيدهم ولقب بالسروجي لكونه كان سكنًابخط السروجية‏.‏
ولما أمره علـي بـك هـو وأيـوب بـك مملوكـه ركـب معمهـا إلـى بيـتخليـل بـك بلفيـا وخطـب لعلـي بـك هـذا أخـت خليـل بـك وهـي ابنـة إبراهيـم بلفيـاالكبيـر وعقـد عقـده عليهـا ثم خطب لأيوب بك ابنة خليل بك وعقـد للأخـرى علـى أيـوببـك فـي ذلـك المجلـس وشربـوا الشربـات وفرقـوا المحـارم والهدايـا وانصرفـواوعملـوا العـرس بعـد أن جهزهما بما يليق بأمثالهما وزفوا واحدة بعد أخرى إلىالزوج‏.‏
ولمـا حصلـت الوحشـة بيـن المحمديـة واسمعيـل بـك انضـم إلـىاسمعيـل بـك لكونـه خشداشـه وخـرج إلى الشام صحبته فلما سافر اسمعيل بك إلى الديارالرومية تخلفه المترجم مع من تخلف ومات ببعض ضياع الشام كما ذكر‏.‏
ومـات أيضـًا الأميـر حسـن بـك المعـروف بسـوق السلـاح لسكنه في تلكالخطة ببيت الست البدوية وأصله مملوك صفية جارية الشيخ أبي المواهب البكري وكان بنأخيها فاشترته واستمر في خدمـة الشيـخ أبـي المواهـب إلـى أن مات فسلك في طريقالأجناد وخدم علي بك إلى أن جعله كاشفًا في جهة من الجهات القبلية فأقام بها إلى أنخالف محمد بك على سيده علي بك وذهـب إلى قبلي واجتمعت عليه الكشاف والأجناد وكانحسن هذا من جملة من حضر إليه بمالـه ونوالـه وخيامـه وحضـر محمـد بـك إلـى مصـروملكهـا مـن سيده علي بك‏.‏
ولم يزل حسن هذا فـي خدمـة محمـد بـك أبـي الذهـب فرقاه في الخدموالمناصب وصنجقه ولم يزل في الإمارة مدة محمـد بـك وأتباعـه إلـى أن خـرج مـع منخرج صحبة اسمعيل بك ومات ببعض ضياع الشام والله الموفق‏.‏
سنة أربع وتسعين ومائة وألف فيهـا فـي يـوم الخميـس حـادي عشـر صفـردخـل الحجـاج إلـى مصـر وأميـر الحـاج مراد بك ووقف لهم العربان في الصفرة والجديدةوحصروا الحجاج بين الجبال وحاربوهم نحو عشر ساعات ومات كثير من الناس والغزوالأجناد ونهبت بضائع وأحمال كثيرة وكذلك من الجمال والدواب والعرب بأعلى الجبالوالحج أسفل كل ذلك والحج سائر‏.‏
وفي يوم الخميس ثالث شهر رجب اجتمع الأمراء وأرسلوا إلى الباشاأرباب العكاكيز وأمروه بالنـزول مـن القلعـة معـزولًا فركـب فـي الحـال ونـزل إلـىمصـر العتيقـة ونقلـوا عزالـه ومتاعـه فـي ذلـك اليوم واستلموا منه الضربخانة وعملإبراهيم بك قائمقام مصر‏.‏
فكانت مدة ولاية اسمعيل باشا في هـذه المـرة ثمانيـة أشهـر تنقصثلاثة أيام وكان أصله رئيس الكتاب باسلامبول من أرباب الأقلام‏.‏
وكـان مـراد بـك هـذا أصهـل مـن مماليكـه فباعـه لبعـض التجـار فـيمعارضـة وحضـر إلـى مصـر ولـم يزل حتى صار أميرها‏.‏
وحضر سيده هذا في أيام إمارته وهو الذي عزله من ولايته ولكن كانيتأدب معه ويهابه كثيرًا ويذكر سيادته عليهن وكان هذا الباشا أعوج العنق للغايةوكان قد خـرج لـه خـراج فعالجـه بالقطع فعجزت العروق وقصرت فاعوج عنقه وصارت لحيتهعند سدره ولا يقدر على الالتفات إلا بكليته إلا أنه كان رئيسـًا عاقـلًا صاحـبطبيعـة ويجـب المؤانسـة والمسامرة‏.‏
ولما حضر إلى مصر وسمع بأوصاف شيخنا الشيخ محمود الكردي أحبهواعتقده وأرسل له هدية وأخذ عليه العهد بواسطة صديقنا نعمان أفندي وكان به آنسًاوقلده أمين الضربخانة‏.‏
ولما أخذ العهد على الشيخ أقلـع عـن استعمـال البـرش وألقـاهبظروفـه وقلـل مـن استعمال الدخان‏.‏
وكان عنـده أصنـاف الطيـور المليحـة الأصـوات وعمـل بستانـًالطيفـًا فـي الفسحة التي كانت بداخل السراية وزرع بها أصناف الزهور والغرس والوردوالياسمين والفل وبوسطه قبة على أعمدة لطيفة من الرخام وحولها حاجز من السلك النحاسالرفيع الأصفر وبداخلها كثير من عصافير القنارية وعمل لهم أوكارًا يأوون إليهاويطيرون صاعدين هابطين بداخـل القبة ويطرب لأصواتهم اللطيفة وأنغامهم العذبة وذلكخلاف ما في الأقفاص المعلقة في المجالس وتلك الأقفاص كلها بديعة الشكل والصنعة‏.‏
ولما أنزله على هذه الصورة انتهب الخدم تلك الطيور والأقفاص وصاروايبيعونها في أسواق المدينة على الناس‏.‏
وفـي يـوم الجمعـة عاشـر شعبـان الموافـق لسابع مسرى القبطي أوفىالنيل المبارك وكسر السد في صبحها يوم السب بحضرة إبراهيم بك قائمقام مصروالأمراء‏.‏
وفـي أواخـر شعبـان شـرع الأمـراء فـي تجهيز تجريدة وسفرها إلى جهةقبلي لاستفحال أمر حسن بك ورضوان بك فإنه انضم إليهم كثير من الأجناد وغيرهم وذهبإليهم جماعة اسمعيل بك وهـم إبراهيـم بـك قشطـة وعلـي بك الجوخدار وحسين بك وسليمبك من خلف الجبل فعندما تحققـوا ذلـك أخـذوا فـي تجهيـز تجريـدة وأميرهـا مـراد بـكوصحبتـه سليمـان بـك أبـو نبـوت وعثمـان بـك الأشقر ولاجين بك ويحيى بك وطلبواالاحتياجات واللوازم وحصل منهم الضرر وطلب مراد بك الأموال من التجار وغيرهم مصادرةوجمعوا المراكب وعطلوا الأسباب وبرزوا بخيامهم إلى جهة البساتين‏.‏
وفيه حضر من الديار الرومية أمير أخور وعلى يده تقرير لاسمعيل باشاعلى السنة الجديدة فوجده معزولًا وأنزلوه في بيت بسويقة العزى‏.‏
وفي يوم الخميس عشرين شوال وكان خروج المحمل والحجاج صحبة أمير الحجمصطفى بك الصغير‏.‏
من مات في هذه السنة مـات السيـد الأجـل الوجيـه الفاضـل السيـدمحمـد بـن عثمان بن محمد بن عبد الرحيم بن محمد بن عبد الرحيم بن مصطفى بن القطبالكبير سيدي محمد دمرداش الخلوتي ولد بزاوية جده ونشـأ بهـا ولمـا توفـي والـدهالسيـد عثمان جلس مكانه في خلافتهم وسار سيرًا حسنًا مع الأبهة والوقار وترددالأفاضل إليه على عادة أسلافه‏.‏
وكان يعاني طلب العلم مع الرفاهية وبعض الخلاعة ولازم المرحومالوالد هو وأولاده السيد عثمان والسيد محمد المتولي إلا آن في مطالعة الفقه الحنفيوغيره في كل يوم بالمنزل ويحضرون أيضًا بالأزهر وعلى الأشياخ المترددين عليهمبالزاوية مثل الشيخ محمد الأمير والشيخ محمد العروسي والشيخ محمد بن اسمعيـلالنفـراوي والشيـخ محمـد عرفـة الدسوقـي وغيرهم وكان إنسانًا حسن العشرة والمودة‏.‏
توفي في رابع عشر رمضان من السنة ودفن بزاويتهم عند أسلافهم‏.‏
ومات الفقيه النبيه المتقن المتفنن الأصولي النحوي المعقولي الجدليالشيخ مصطفـى المعـروف بالريـس البولاقـي الحنفـي كـان فـي الأصـل شافعـي المذهـبثـم تحنف وتفقه على الشيخ الاسقاطي والسيد سعودي والدلجي وحضر المعقولات على الشيخعلي الصعيدي والشيخ علي قايتباي والإسكندراني وكان ملازمًا للسيد سعودي فلما توفيلازم ولده السيد إبراهيم ولـم تطـل أيامه فلما مات لازم الشيخ الوالد حسن الجبرتيملازمة كلية في المدينة وبولاق وكان يحبه لنجابته واستحضاره ونوه بشأنه ولاحظهبأنظـاره وأخـذ لـه تدريـس الحنفيـة بجامـع السنانيـة وجامـع الواسطـي وعاونـه فيأمور من الأحكام العامة ببولاق حتى اشتهر ذكره بها وعظم شأنه عند أهلها وصار بيتهمثل المحكمة في القضايا والدعاوى والمناكحات والخصومات وكان فيه شهامة وقوة جنانوصلابة رحمه الله تعالى وعفا عنه‏.‏
ومات الولي الصالح الفاضل الشيخ عبد الله بن محمد بن حسين السندينزيل المدينة المنورة المشهور بجمعة حضر دروس الشيخ محمد حياة السندي وغيره منالواردين وجـاور بالمدينـة نحـوًا مـن أربعيـن سنـة وانتفـع به طلبة المدينةواشتهرت بركنه‏.‏
فكل من قرأ عليه شيئًا فتح الله عليه وصار من العلماء وكان ذا كرمومروءة وحياء وشفقة توفي في هذه السنة‏.‏
ومات الشيخ الصالح الوجيه أحمد بن عبد الله الرومي الأصل المصريالمكتب الخطاط الملقب بالشكـري جـود الخـط علـى جماعـة من المشاهير ومهر فيه حتىبرع وأجيز وأجاز على طريقتهم ونسخ بيده عدة مصاحف ودلائل الخيرات وغير ذلك وانتفعبه الناس انتفاعًا عامًا واشتهر خطه في الآفاق وأجاز لجماعة وكان وجيهًا منورالشيبة يلوح عليه سيما الصلاح والتقوى نظيـف الثيـاب حسـن الأخلـاق مهذبـًامتواضعـًا‏.‏
توفـي عشية يوم الأربعاء ثالث جمادى الأولى من السنة وصلي عليهبالأزهر ودفن بالقرافة رحمه الله تعالى‏.‏
سنة خمس وتسعين ومائة وألف في منتصف المحرم قبض إبراهيم بك علىإبراهيم أغا بيت المال المعروف بالمسلماني وضربه بالنبابيت حتى مات وأمر بإلقائه فيبحر النيل فألقوه وأخرجه عياله بعد أيام من عند شبر وفي يوم السبت سادس عشر صفر نزلالحجاج ودخلوا إلى مصر صحبة المحمل وأمير الحاج مصطفى بك في يوم الثلاثاء تاسععشرة‏.‏
وفيه جاءت الإخباريات اسمعيل بك وصل من الديار الرومية إلى ادرنهوطلع من هناك ويمل يزل يتحيل حتى خلص إلى الصعيد وانضم إلى حسن بك ورضوان بك وباقيالجماعة‏.‏
وفـي أواخـر شهـر صفـر وصلـت الأخبـار مـن ناحيـة قبلـي بـأن مـرادبـك خنـق إبراهيم بك أوده باشا قيل أنه اتهمه بمكاتبات إلى اسمعيل بك وحبس جماعةآخرين خلافه‏.‏
وفيه وصلت الأخبار بورود باشا إلى ثغر سكندرية واليًا على مصر وهومحمد باشا ملك‏.‏
وفـي سـادس جمـادى الأولـى وصـل مـراد بـك ومـن معـه إلـى مصـروصحبنـه إبراهيـم بـك قشطـة صهر اسمعيـل بـك وسليـم بـك أحـد صناجـق اسمعيـل بـكبعدمـا عقـد الصلـح بينه وبينهم وأحضر هؤلاء صحبتـه رهائـن وأعطى لاسمعيل بك اخميموأعمالها وحسن بك قنا وقوص وأعمالها ورضوان بـك اسنـا ولـم تـم الصلـح بينـهوبينهـم علـى ذلـك أرسـل لهـم هدايـا وتقادم وأحضر صحبته من ذكر فكانـت مـدة غيابـهثمانيـة أشهـر وأيامـًا ولم يقع بينهم مناوشات ولا حرب بل كانوا يتقدمون بتقدمهويتأخرون بتأخره حتى تم ما تم‏.‏
وفي منتصف شهر جمادى الأولى سافر علي أغا كتخدا الجاويشية وأغاتالمتفرقة والترجمان وفـي غـرة شهـر رجـب وصـل الباشـا إلى بر انبابة وبات هناك وعدتالأمراء في صبحها للسلام عليه ثم ركب إلى العادلية‏.‏
وفـي يـوم الاثنيـن ركـب الباشـا بالموكـب مـن العادلية ودخل من بابالنصر وشق من وسط المدينة وطلع إلى القلعة وضربوا له المدافع من باب الينكرجية وكانوجيهًا جليلًا منور الوجه والشيبة‏.‏
وفي يوم الخميس عملوا الديوان وحضر الأمراء والمشايخ وقرئ التقليدبحضرتهم وخلع على الجميع الخلع المعتادة‏.‏
وفي يوم الأحد المبارك ليلة النصف من شعبان الموافق لأول مسرىالقبطي كان وفاء النيل المبارك ونزل الباشا وكسروا السد بحضرته على العادة صبح يومالاثنين‏.
من مات في هذه السنة من الأئمة والأعيان
توفـي شيخنـا الإمـام العـارف كعبة كل ناسك عمدة الواصلين وقدوةالسالكين صاحب الكرامات الظاهرة والإشارات الباهرة شخينا وأستاذنا الشيخ محمودالكردي الخلوتي حضر إلى مصر متجردًا مجاهدًا مجتهدًا في الوصول إلى مولاه زاهدًا كلما سوأه فأخذ العهد وتلقن الذكر من الأستاذ شمس الدين الحفني وقطع الأسماء وتنزلتعليه الأسرار وسطعت على غرته الأنوار وأفيـض علـى نفسه القدسية أنواع العلومالمدنية‏.‏
وله رسالة في الحكم ذكر أن سبب تأليفه لها أنـه رأى الشيـخ محـيالديـن العربـي رضـي اللـه عنـه فـي المنـام أعطاه مفتاحًا وقال له‏:‏ افتحالخزانة‏.‏
فاستيقـظ وهـي تدور على لسانه ويرد على قلبه أنه يكتبها‏.‏
قال‏:‏ فكنت كلما صرفت الوارد عنـي عـاد إلـي فعلمـت أنـه أمـر إلهيفكتبتها في لمحة يسيرة من غير تكلف كأنما هي تملي على لسانـي مـن قلبـي وقـد شرحهـاخليفته شيخ الإسلام والمسلمين سيدي الشيخ عبد الله الشرقاوي شيخ الجامع الأزهرشرحًا لطيفًا جامعًا مانعًا استخرج به من كنوز معانيها ما أخفاها فلم يغادر صغيرةولا كبيرة إلا أحصاها وشرحها أيضًا أحد خلفائه الأستاذ العلامة السيد عبد القـادربـن عبـد اللطيف الرافعي البياري العمري الحنفي الطرابلسي شكر الله صنيعهما ذكر فيأولها ترجمة الأستاذ كما سمعه من لفظه أن مولده ببلدة صاقص من بلاد كـوران ونشـأفـي المجاهـدة وهـو ابـن خمـس عشـرة سنـة صائـم الدهـر محيـي الليـل كلـه فـي مسجـدببلدتـه معـروف حتى اشتهـر أمره وقصده الناس بالزيارة فهجر ذلك المكان وصار يأوىالخراب خارج بلدته بحيث لا يشعـر بـه أحـد‏.‏
وأخبرني غير مرة أنه كان لا يغمه بالليل إلا سماع صوت الديكةلإنذارها بطلوع النهـار لمـا يجده في ليله من المواهب والأسرار‏.‏
وكان جل نومه في النهار وكثيرًا ما كان يجتمع بالخضـر عليـه السلـامفيـراه بمجـرد مـا ينـام فيذكـر اللـه معـه حتـى يستيقـظ‏.‏
وكـان لا يفتر عن ذكر الله لا نومـًا ولا يقظـة‏.‏
وقـال مـرة‏:‏ جميـع مـا فـي كتـب إحيـاء العلـوم للغزالـي عملـت بهقبل أن أطالعه فلما طالعتـه حمـدت اللـه تعالـى علـى توقيفـه إيـاي وتوليتـهتعليمـي مـن غيـر معلـم‏.‏
وكان كثير التقشف من الدنيا يأكل خبز الشعير وفي بيته يصنع خاص دقيقالبر وكثيرًا ما كان يلومه أخوه على ذلك وكان أخوه الكبير كثير اللوم له على مايفعله من مجاهداته وتقشفاته‏.‏
ولما مات والده ترك ما يخصـه مـن إرثـه لهـم وكـان والـده كثيـرالمـال والخير وعليق دوابه في كل ليلة أكثر من نصف غرارة من الشعير‏.‏
ولما صار عمره ثمان عشرة سنة رأى في منامه الشيخ محمد الحفناوي فقيلله‏:‏ هذا شيخك فتعلق قلبه به وقصده بالرحلة حتى قدم مصر واجتمع به وأخذ عنه الطريقالخلوتيـة وسلـك علـى يديـه بعـد أن كـان على طريقة القصيري رضي الله عنه‏.‏
وقال له في مبدأ أمـره‏:‏ يـا سيـدي إنـي أسلـك علـى يديـك ولكـن لاأقـدر على ترك أوراد الشيخ علي القصيري فأقرأ أوراده وأسلـك طريقتـك‏.‏
فأجابـه الشيـخ إلـى ذلـك ولـم يشدد عليه في ترك أوراد الشيخالقصيري لما عرفه من صدقه مع المذكور فلازمه مدة طويلـة ولقنـه أسمـاء الطريقـةالسبعـة فـي قطـع مقاماتها وكتب له إجازة عظيمة شهد له فيها بالكمال والترقي فيمقامات الرجال وأذن لـه بالإرشـاد وتربية المريدين‏.‏
فكان الشيخ في آخر أمره إذا أراد أحد أن يأخذ عنه الطريق يرسله إلىالشيخ محمود ويقول لغالب جماعته‏:‏ عليكم بالشيخ محمود فإني لولا أعلم من نفوسكم ماأعلم لأمرتكم كلكم بالأخذ عنه والانقياد له‏.‏
ولما قدم شيخ شيخه السيد مصطفى البكري لازمه وأخذ عنه كثيرًا من علمالحقائق وكان كثير الحب فيه فلما رآه لا يقرأ أوراد الطريقـة الخلوتية ويقتصر علىأوراد القصيري عاتبه في ذلك وقال له‏:‏ أيليق بك أن تسلك على أيدينا وتقرأ أورادغيرنا إما أن تقرأ أورادنا أو أن تتركنا‏.‏
فقال‏:‏ يا سيدي أنتم جعلكـم اللـه رحمـة للعالمين وأنا أخاف منالشيخ القصيري إن تركت أوراده وشيء لازمته في صغري لا أحب أن أتركـه فـي كبـري‏.‏
فقال له السيد البكري‏:‏ استخر الله وانظر ماذا ترى لعل الله يشرحصدرك‏.‏
قال‏:‏ فاستخرت الله العظيم ونمت فرأيت النبي صلى الله عليه وسلموالقصيري عن يمينه والسيد البكري عن يساره وأنا تجاههم فقال القصيري للرسول صلىالله عليه وسلم يا رسول الله أليست طريقتي على طريقتك أليست أورادي مقتبسة منأنوارك فلم يأمر السيد البكري هذا بترك أورادي فاقل السيد البكري يا رسول الله رجلسلك على أيدينا وتولينا تربيته أيحسن منه أن يقرأ أوراد غيرنا ويهجر أورادنا فقالالرسول عليه السلام لهما اعملا فيه القرعة واستيقظ الشيخ من منامه فأخبر السيدالبكري فقال له السيد معنى القرعة انشراح صدرك انظـره واعمل به قال الشيخ رضي اللهعنه‏:‏ ثم بعد ليلة وأكثر رأيت سيدي أبا بكر الصديق رضي الله عنه في المنام وهويقول لي يا محمود خليك مع ولدي السيد مصطفى ورأى ورد سحر الذي ألفه المذكور مكتوبًابين السماء والأرض بالنور المجسم كل حرف منه مثل الجبل فشرح الله بعد ذلك صدرهولازم أوراد السيد البكري وأخذ من أوراد القصيري ما استطاع‏.‏
وأخبـر رضـي اللـه عنـه أنـه رأى حضـرة الرسـول صلـى اللـه عليهوسلم في بعض المرائي وكان جمع الفقـراء فـي ليلـة مباركـة وذكـر اللـه تعالـى بهـمإلـى الفجـر وكـان معـه شـيء قليـل مـن الدنيا فورده على قلبـه وارد زهـد ففـرق مـاكـان معـه علـى المذكورين وفي أثناء ذلك صرخ من بيان الجاعة صارخ يقول الله بحالقوي فلما فرغوا قال للشيخ يا سيدي سمعت هاتفًا يقول يا شيخ محمود ليلتك قبلـت عندالله تعالى قال ثم إني بعدما صليت الفجر نمت فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلـمقـال لـي يـا شيـخ محمـود ليلتـك قبلـت عنـد اللـه تعالـى وهات يدك حتى أجازيم فأخذصلى الله عليه وسلم بيد الشيخ والسيد البكري حاضر بالمجلس فأخذ يده ووضع يدهالشريفة بين يديهما وقال أريد أن أخاوي بينك وبين السيد البكري وأتخاوى معكماالناجي منا يأخذ بيد أخيـه فاستيقـظ فرحـًا بذلـك فلـم يلبـث إلا يسيـرًا ورسـولالسيد البكري يطلبه فتوضأ وذهب إلى زيارته وكان من عادته أنه يزوره كل يوم ولا يدخلعليه إلا على طهارة فلما رآه قال له ما أبطـاك اليـوم عن زيارتنا فقال له يا سيديسهرنا البارحة الليل كله فنمت وتأخرت عنكم فقال له السيد هل من بشارة أو إشارة فقلتيا سيدي البشارة عندكم فقال قل ما رأيت قال فتعجبت من ذلك وقلت يا سيدي رأيت كذاوكذا فقال يا ملا محمود منامك حق وهذه مبشـرة لنـا ولـك فإنـه صلـى اللـه عليـهوسلـم ناج قطعًا ونحن ببركته ناجون ومناقبه رضي الله عنه كثيـرة لا تحصـر‏.‏
وكـان كثيـر المـرأى لرسـول اللـه صلـى اللـه عليـه وسلـم قـل مـاتمـر بـه ليلـة إلا ويراه فيها وكثيـرًا مـا يـرى رب العـزة في المنام ورآه مرةيقول له يا محمود إني أحبك وأحب من يحبك فكان رضـي اللـه عنـه يقـول مـن أحبنـيدخـل الجنة‏.‏
وقد أذن لي أن أتكلم بذلك وأما مجاهداته فالديمة المـدرار كمـاقالـت عائشـة رضـي اللـه عنهـا فـي جنابـه صلـى اللـه عليـه وسلـم كان عمله ديمةوأيكم يستطيـع عمـل رسـول اللـه صلـى اللـه عليـه وسلـم‏.‏
وبلـغ مـن مجاهداتـه رضـي اللـه عنـه أنه لما ضعف عـن القيـام فـيالصلـاة لعـدم تماسكـه بنفسـه صنـع لـه خشبـة قائمة يستند عليها ولم يدع صلاة النقلقائمًا فضلًا عن الفرض ولم يدع صلاة الليل والوظائف التي عليه مرتبة في حال منالأحوال وكـان لا ينـام مـن الليـل إلا قليلًا وكان ربما بمضي عليه الليل وهو يبكيوربما تمر عليه الليلة كلها وهـو يـرد آيـة مـن كتـاب اللـه تعالـى‏.‏
وكثيـرًا مـا كـان يقتصـر علـى الخبـز والزيـت ويؤكـل في بيته خواصالأطعمة وكان غالب أكله الرز بالزيت وتارة بالسمن البقري وقـل مـا تـراه فـي خلوتـهأو مـع أصحابه إلا وهو مشغول فـي وظائـف أوراد‏.‏
وقـال لـي مـرة ربمـا أكـون مـع أولـادي ألاعبهـم وأضاحكهـم وقلبـيفـي العالـم العلـوي فـي السمـاء الدنيـا أو الثانية أو الثالثة أو العرش وكثيرًاما كان تفيض على قلبه معرفة الحق سبحانه وتعالى فيجعل يبكي ولا يشعر به جليسه‏.‏
وقلت يومًا للعـارف باللـه تعالـى خليفتـه سيـدي محمـد يديـرالقدسـي من كرامات الأستاذ أنه لا يسمع شيئًا من العلم إلا حفظه ولا يزول من ذهنهولو بعد حين فقال لي رضي الله عنه بل الذي يعد من كرامات الشيخ أنه لا يسمع شيئًامن العلم النافع إلا ويعمل به في نفسه ويداوم عليه‏.‏
فقلت صدقـت هـذا واللـه حاله وكنت مرة أسمعته رياض الرياحين لليافعيفلما أكملته قال لي بمحضر من أصحابه هل يوجد الآن مثل هؤلاء الرجال المذكورين فيهذا الكتاب تكون لهم الكرامات فقـال لـه بعـض الحاضريـن الخيـر موجـود يا سيدي فيأمة الرسول عليه الصلاة والسلام فقال الشيخ وقد وقع لي في الطريق أبلغ من ذلـكوأحكـي لكـم عمـا وقـع لـي فـي ليلتـي هـذه‏:‏ كنـت قاعـدًا أقـرأ فـي أورادي فعطشتوكان الزمن مصيفًا والوقت حارًا وأم الأولاد نائمة فكرهت أن أوقظها شفقة عليهـافمـا استتـم هـذا الخاطـر حتـى رأيـت الهـواء قـد تجسم لي ماء حتى صرت كأني في غديرمـن المـاء ومـا زال يعلـو حتـى وصـل إلـى فمـي فشربـت مـاء لـم أشـرب مثلـه ثـمأنـه هبـط حتـى لم يبق قطرة ماء ولم يبتـل منـي شـيء‏.‏
وبـردت ليلـة فـي ليالـي الشتـاء بـردًا شديـدًا وأنـا قاعـد أقـرأفـي وردي وقـد سقـط عنـي حرامـي الـذي أتغطـى به وكان إذا سقط عنه غطاؤه لا يستطيعأني رفعه بيده لضعف يده قال فأردت أن أوقظ أم الأولاد فأخذتني الشفقة عليها فما تمهذا الخاطر حتى رأيـت كانونًا عظيمًا ملآنًا من الجمر وضع بين يدي وبقي عندي حتىدفئ بدني وغلب وهج النـار علـي فقلـت فـي سـري هـذه النـار حسيـة أم هـي خيـالفقربـت إصبعـي منها فلذعتني فعلمت أنهـا كرامـة من الله تعالى ثم رفعت‏.‏
والحاصل أن مناقبه رضي الله عنه لا تكاد تنحصر وكان لكلامـه وقـعفـي النفـوس عظيـم إذا تكلم كأنما كلماته خرزات نظمن في جيد حسناء لا ينطق إلابحكمة أو موعظة أو مسائل دينية أو حكاية تتضمن جوابًا عن سـؤال يسألـه بعـضالحاضريـن بقلبه ولا تكاد تسمع في مجلسه ذكر أحد بسوء وكان كثير الشفقة والرحمة علىخلق الله لا سيما أرباب الذنوب والمعاصي كثير التواضع كثير الإحسان للفقراءوالمساكين لا يمسـك مـن الدنيا شيئًا جميع ما يأتيه ينفقه في طاعة الله‏.‏
ما أمسك بيده درهمًا ولا ينارًا قط آخذًا بالـورع فـي جميـع أمـورهليـس له هم إلا أمور الآخرة لا يهتم لشأن الدنيا أقبلت أو أدبرت كفاه الله مؤنةالدنيا عنده خادم يقبض ما يأتي له من الدنيا ويصرف عليه فلا يزيد ذلك على حاجته ولاينقص شيئًا قال السيد شارح الرسالة خدمته نحو عشر سنوات ما رأيته ارتكب صغيرة قطوللأستاذ رضي الله عنه رسالة سماها السلوك لأبناء الملوك وهي صورة مكتوب من إملائهأرسله إلى رجل من أعيان المغرب يقال له ابن الظريف وكان الشيخ رضي الله عنه أرسـللـه جوابـًا عن مكاتبة أرسلها فأرسل مراسلة أخرى والتمس الجواب يكون متضمنًا بعضالنصائح فأملى تلك المراسلة فبلغت نحو ستة كراريس وصارت كتابًا عظيم النفع سارت بهالركبان وانتفع به القاصي والداني وكتب عليه كثير من العلماء وكانت وفاة الأستاذرضي الله عنه ثالث المحرم من هذه السنة وتولى غسله الشيخ سليمان الجمل وصلي عليهبالأزهر ودفن بالصحراء بجوار السيد مصطفى البكرى رضي الله عنهما‏.‏
ومات الأديب الماهر واللبيب الشاعر الشيخ علي بن عنتـر الرشيـديكـان متضلعـًا فصيحـًا مفوهًا له موشحات ومقاطيع كثيرة ونظم البحور الستة عشر كلهابالاقتباس منها قوله فـي الطويل‏:‏ أطلت الجفا فأسمح بوصلك يا رشا ولا تبدلن وعدالكئيب بضده فعولن مفاعيلن فعولـن مفاعلـن ولا تحسبـن اللـه مخلـف وعده وقال فيالمديد ومنه الاكتفاء‏:‏ في مديـد الهجـر قـال اللواحـي دع هواه فالغرام جنونفاعلاتن فاعلن فاعلاتن واصطبر عن حبه قلـت كونـوا وقال في الرجز‏:‏ كملت محاسنمنيتي فهديت في روض غدا في وجنتيـه نضيـرا وقال في الرجز‏:‏ ارجزفاني في هوى حلواللما مسى الورى أضحيت صبا هائما مستفعلـن مستفعلـن مستفعلن إن قل صبري قال صبر قلوما وقال في الوافر‏:‏ بوافـر لوعتـي صل يا غزالي فكل متيم فإن وبالي مفاعلتنمفاعلتن فعولن ويبقـى وجه ربك ذو الجلال وقال في البسيط‏:‏ بسطت في شادن حلو اللماغزلي وقلت جدلي بوصل منك يا أملي مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن فقال لي خلق الإنسانمن عجل وقال في الرمل‏:‏ قد رملت الوصف فيـه قائـلًا مذبـدًا الهنـدى من أهدا بهفاعلاتن فاعلاتن فاعلن قـل هـو الرحمـن آمنـا بـه وقال في الخفيف‏:‏ خفـف الهجـرعـن فـؤاد كليم وامل كاس الوصال لي يا نديمي وله ديوان شعر مشهور ولم يزل حتى ماتبالثغر في ربيع الأول من السنة‏.‏
ومـات الشيـخ الصالـح الديـن بقيـة السلـف ونتيجة الحلف الشيخ أحمدابن محمد بن أحمد بن عبد المنعم بن أبي السرور البكري الشافعي شيخ سجادة البكريةبمصر كان صاحب همة ومروءة وديانـة وعفـاف ومحبـة وإنصاف وتولى بعد موت أبيه فسارسيرًا وسطًا مع صفاء الباطن وكان الغالـب عليه الجذب والصلاح والسلوك على طريق أهلالفلاح مع أوراد وأذكار يشتغل بها توفي يوم السبت ثاني عشر ربيع الثاني من السنةوصلي عليه بالجامع الأزهر بمشهد حافل ودفن عند أسلافه قرب مقام الإمام الشافعي رضيالله عنه‏.‏
ومات الإمام الفصيح المعتقد الشهير الذكر الشيخ إبراهيم بن محمد بـنعبـد السلـام الرئيـس الزمزمي المكي الشافعي مؤقت حرم الله الأمين ولد بمكة سنة 1110 وسمع من ابن عقيلـة وعمـر بـن أحمـد بـن عقيل والشيخ سالم البصري والشيخ عطاءالله المصري وابن الطيب وحضر على الشيخ أحمد الأشبولي الجامع الصغير وغيره وأخذ عنالسيد عبد الله ميرغني ومن الورادين من أطراف البلاد كالشيخ عبد الله الشبراويوالشيخ عمر الدعوجي والشيخ أحمد الجوهري وأجازه شيخنا السيد عبد الرحمن العيدروسبالذكر على طريقة السادة النقشبندية وألف باسمه رسالة سماها البيان والتعليم لمتبعملة إبراهيم ذكر فيها سنده وأجازه السيد مصطفـى البكـري فـي الخلوتيـة وجعلـهخليفتـه فـي فتـح مجالـس الذكـر وفـي ورد سحر ولازم المرحوم الوالـد حسـن الجبرتـيسنـة مجاورتـه بمكـة وهـي سنـة خمـس وخمسين ملازمة كلية وأخذ عنه علم الفلـكوالأوفـاق والاستخراجـات والرسم وغير ذلك ومهر في ذلك واقتنى كتبًا نفيسة في سائرالعلوم بددها أولاده من بعده وباعوها بأبخس الأثمان‏.‏
وكان عنده من جملة كتبه زيج الراصد الغيبـك السمقرنـدي نسخة شريفةبخط العجم في غاية الجودة والصحة والإتقان وعليها تقييدات وتحريرات وفوائد شريفة لايسمح الدهر بمثل تلك النسخة وكنت كثيرًا ما أسمع من المرحوم الوالـد ذكرهـاومدحتهـا ونسخـة الوالد مكتوب عليها بخط رستم شاه ما نصه‏:‏ قد اشترينا هذا الكتـابفـي دار سلطنـة هـراة باثنـي عشـر ألف دينار‏.‏
وتحت ذلك اسمه وختمه‏.‏
فلما كان في سنـة سـت وتسعيـن ورد علينـا بعـض الحجـاج الجزائريةوسألني عن كتب يشتريها من جملتها الزيج المذكـور وأرغبني في زيادة الثمن فلم تسمحنفسي بشيء من ذلك ثم سافر إلى الحج ورجع وأتاني ومع خادمه رزمة كبيرة فوضعها بينأيدينا وفتحها وأخرج منها نسخة الزيج المذكورة وفرجنـي عليهـا وقـال‏:‏ أيهمـاأحسـن نسختك التي ضننت بها أو هذه‏.‏
وكنت لم أرها قبل ذلك فرأيتها شقيقتها وتزيد عنها في الحسن بصغرحجمها وكثرة التقييدات بهامشها وطيارات كثيرة بداخلها في المسائل المعضلة مثلالتسييرات والانتهاءات والنمودارات وغير ذلك وجميعها بحسن الخط والوضع فرأيتهاالمخدرة التي كشف عنها القناع وإنما هي المعشوقة بالسماع فقلت له‏:‏ كيـف وصلـتإلـى هـذه اليتيمـة ومـا مقدار ما دفعته فيها من المهر والقيمة‏.‏
فأخبرني أنه اشتراها مـن ابـن الشيخ بعشرين ريالًا وكتاب المجسطيوكتاب التبصرة وشرح التذكرة ونسخة البارع في غايـة الجودة وزيج ابن الشاطر وغير ذلكمن الكتب التي لا توجد في خزائن الملوك وكلها بمثل ذلك الثمن البخس‏.‏
فقضيت أسفًا وأخذ الجميع مع ما أخذ وذهب إلى بلاده‏.‏
وهكذا حال الدنيا ولم يزل المترجم على حالة حميدة واشتهر أمره فيالآفاق وعرف بالصلاح والفضل وأتته الهدايـا والمراسلـات من جميع الأطراف والجهاتحتى لحق بربه عز وجل سابع عشر ربيع الأول من السنة‏.‏
ومات الشيخ الفاضل الصالح أحمد بن محمد الباقاني الشافعي النابلسيسمع الأولية من محمد بن محمد الخليلي ورافق الشيخ السفاريني في بعض شيوخه من أهلالبلد وأجازه السيـد مصطفـى البكـري فـي الورد والطريقة ورد مصر أيام توليه المرحوممصطفى باشا طوقان وكان له مذاكـرة حسنـة وورع وصلـاح وعبـادة وانتفـع بـه الطلبـةفـي بلاده ثم عاد إلى بلاده فتوفي في ثالث جمادى الثانية‏.‏
ومات الأجل المفوه الشريف الفاضل السيد حسين بن شرف الدين ابن زينالعابدين بن علاء الديـن بـن شـرف الديـن بـن موسـى بـن يعقـوب ابـن شـرف الديـنبـن يوسف بن شرف الدين بن عبد اللـه بـن أحمـد أبـي ثـور ابـن عبـد اللـه بـن محمـدبـن عبـد الجبـار الثـوري المقدسـي الحنفـي جـده الأعلـى أحمـد بـن عبـد اللـه دخـلحيـن فتح بيت المقدس راكبًا على ثور فعرف بأبي ثور وأقطعه الملك العزيز عثمان بنيوسف بن أيوب ديرمار يقوص وبه دفن وذلك في سنة خمسمائة وأربعـة وتسعين وجده الأدنىزين العابدين أمه الشريفة راضية بنت السيد محب الدين محمد بن كريم الديـن عبـدالكريـم ابـن داود بـن سليمـان بـن محمـد بـن داود بـن عبـد الحافـظ بن أبي الوفاءمحمد بن يوسف بن بدران بن يعقوب بن مطر بن السيد زكي الدين سالم الحسيني الوفائيالبدري المقدسي ومن هنا جاء لحفيده المترجم الشرف وهي أخت الجد الرابع للسيد عليالمقدسي ويعـرف المترجـم أيضـًا بالعسيلي وكأنه من طرف الأمهات ولد ببيت المقدسوبها نشأ وقرأ شيئًا من المبـادئ ثـم ارتحـل إلـى دمشـق فحضـر دروس الشيـخ اسمعيـلالعجلونـي ولازمـه وأجـازه بمروياته وجود الخط على مستعد زاده فمهر فيه وكتب بخطهأشياء ودخل مصر ونزل في رواق الشوام بالأزهر وأقبل على تحصيل العلم والمعارف فحضردروس مشايخ الوقت كالشبراوي والحفني والجوهري ولازم السيد البليدي واستكتب حاشيةعلى البيضاوي وسافر إلـى الحرميـن وجـاور بهمـا وأخـذ عن الشيخ محمد حياة والشيخابن الطيب ثم قدم مصر وتوجه منها لدار ملك الورم وأدرك بها بعض ما يروم وعاشرالأكابر وعرف اللسان وصار منظورًا إليـه عنـد الأعيـان ثـم قـدم مصـر مع بعض أمراءالدولة في أثناء سنة 1172 وانضوى إلى الشيخ السيـد محمـد أبـي هـادي بـن وفـا وكانصغير السن فألفه وأحبه وأدبه وصار يذاكره بالعلم واتحد معـه حتـى صـار مشـارًاإليـه فـي الأمـور معـولًا عليـه في المهمات‏.‏
ولما تولى نقابة السادة الأشراف مضافـة إلـى خلافـة الوفائيـة كـانهـو كالكتخـدا لـه فـي أحواله معتمدًا عليه في أفعاله وأقواله وداوم علـى ذلـكبرهـة مـن الزمـان وهو نافذ الكلمة مسموع المقال حسن الحركات والأحوال إلى أن توفيالشيخ المشار إليه فضاقت مصر عليه فتوجه إلى دار السلطة وقطنها واتخذها دارًاوسكنها وأقبـل علـى الإفـادة ونشـر العلـوم بالإعـادة‏.‏
وبلغنـي أنـه كتـب فـي تلـك الأيام شرحًا على بعض متون الفقـه فيمذهب الإمام وصار مرجع الخواض والعوام مقبولًا بالشفاعة عند أرباب الدولة حتى وافاهالحمام في هذه السنة رحمه الله وكان أودع جملة من كتبه بمصر فأرسل بوقفها برواقالشوام فوضعوها في خزانة لنفع الطلبة‏.‏
ومات الفقيه العلامة الصالح المعمر الشيخ عبد الله بن خزام أبوالطوع الفيومي وغيره وقدم الجامـع الأزهـر فأخـذ عـن فضـلاء عصره وهو أحد من يشارإليه في بلده بالفضل وتولى الإفتاء فسـار بغايـة التحـري وبلغني من تواضعه أنهكانيأتي إليه أحد العوام فيقول له‏:‏ حاجتي في بلد كذا فقم معي حتى تقضيها‏.‏
فيطيعه ويذهب معه الميلين والثلاثة ويقضيها وقد تكرر ذلك منه وكانله في كل يوم صدقات الخبز على الفقراء والمساكين يفرقها عليهم بيده ولا يشمئز وكانتله معرفة تامة في علم المذهب وغيره من الفنون الغريبة كالفلك والهيئة والميقات وعندآلات لذلك‏.‏
وكان إنسانًا حسنًا جامعًا لأدوات الفضائل‏.‏
توفي يوم الجمعة حادي عشر ربيع الثاني من السنة ولم يخلف بعدهمثله‏.‏
ومات الفاضل الصالح الشيخ علي بن محمد الحباك الشافعي الشاذلي تفقهعلى الشيخ عيسى البراوي وبه تخرج وأخذ الطريقة الشاذلية عن الشيخ محمد كشك وإليهانتسب ولما توفي جعل شيخـًا علـى المريديـن وسـار فيهـم سيـرًا مليحـًا‏.‏
وكـان يصلي إمامًا بزاوية بقلعة الجبل وكان شيخًا حسن العشرة لطيفالمجاورة طارحًا للنكات متواضعًا وقد صارت له مريدون وأتباع خاصة غير أتباع شيخهتوفي في يوم الاثنين ثالث عشرين شعبان من السنة‏.‏
ومات من الأمراء الأمير إبراهيم بك أوده باشه خنقه مراد بك عفا اللهعنه والمسلمين‏.‏
سنة ست وتسعين ومائة وألف فيها في صفر نزل مراد بك وسرح بالأقاليمالبحرية وطاف البلاد الشرقية وطلب منهم أموالًا وفـرض عليهـم مقاديـر من المالعظيمة وكلفًا وحق طرق معينين وغير ذلك ما لا يوصف ثم نزل إلى الغربية وفعل بها كذلكثم إلى المنوفية‏.‏
وفي منتصف شعبان ورد أغا بطلب محمد باشا ملك إلى الباب ليتولىالصدارة فنزل من القلعة إلى قصر العيني وأقام بقية شهر شعبان ونزل في غرة رمضانوسافر إلى سكندرية‏.‏
فكانـت مـدة ولايتـه ثلاثـة عشـر شهـرًا ونصفـًا‏.‏
وهاداه الأمراء ولم يحاسبوه على شيء‏.‏
ونزل في غايـة الإعـزاز والإكـرام وكـان مـن أفاضـل العلماء متضلعًامن سائر الفنون ويحب المذاكرة والمباحثة والمسامرة وأخبار التواريخ وحكاياتالصالحين وكلام القـوم وكـان طاعنـًا فـي السـن منور الشيبة متواضعًا وحضر الباشاالجديد في أواسط رمضان ونزل إليه الملاقاة وحضر إلى مصـر فـي عاشـر شـوال وطلعـوهقصر العيني فبات به وركب بالموكب في صبحها ومر من جهة الصليبة وطلع إلى القلعة وذلكعلى خلاف العادة‏.‏
وفيه جاءت الأخبار على أيدي السفار الواصلين من اسلامبول بأنه وقعبها حريق عظيم لم يسمـع بمثلـه واحتـرق منهـا نحو الثلاثة أرباع واحترق خلق كثير فيضمن الحريق وكان أمرًا مهولًا وبعد ذلك حصل بها فتنة أيضًا ونفوا الوزير عزت محمدباشا وبعض رجال الدولة‏.‏
وفـي ليلـة السبت ثامن عشر القعدة هرب سليم بيك وإبراهيم بك قشطةوتبعهم جماعة كثيرة نحو الثمانين فخرجوا ليلًا على الهجن وجرائد الخيل وذهبوا إلىالصعيد وأصبح الخبر شائعًا بذلك فارتبك إبراهيم بك ومراد بك ونادى الأغا والواليبترك الناس المشي من بعد العشاء‏.‏
من توفي في هذه السنة من الأعيان توفي الأستاذ الوجيه العظيم السيدمحمد أفندي البكري الصديقـي نقيـب السـادة الأشـراف بالديار المصرية كان وجيهًامبجلًا محشتمًا سار في نقابة الأشراف سيرًا حسنًا مع الإمارة وسلوك الإنصاف وعدمالاعتساف ولما توفي ابن عمه الشيخ أحمد شيخ السجادة البكرية تولاهـا بعـده بإجمـاعالخـاص والعـام مضافـة لنقابـة الأشراف فحاز المنصبين وكمل له الشرفان‏.‏
ولم يقـم فـي ذلـك إلا نحـو سنـة ونصـف‏.‏
وتوفـي يـوم السبـت عاشـر شعبان فحضر مراد بك إلى منزله وخلع علىولده السيد محمد أفندي ما كان على والده من مشيخة السجادة البكرية ونقابة الأشرافوجهز وكفن وخرجوا بجنازته من بيتهم بالأزبكية وصلوا عليه بالجامع الأزهر في مشهدحافل ودفن بمشهد أجداده بالقرافة‏.‏
ومـات الشريـف العفيـف الوفي الصديق محمد بن زين بأحسن جمل الليلالحسيني باعلوى التريمي الأصل نزيل الحرمين سكـن بهمـا مـدة واتصـل بخدمـة الشيـخالقطيـب السمـد الشيـخ باعبـود فلوحظ بأنظاره وكان يحترمه ويعترف بمقامه ويحكي عنبعض مكاشفاته ووارداته وصحب كلًا من القطب السيد عبد الله مدهر وعارفة وقتهاالشريفة فاطمة العلوية والشيخ محمد ابن عبـد الكريـم السمـان والشيخ عبد اللهميرغني وجماعة كثيرين من السادة والواردين على الحرمين مـن الأفاضـل وله محاورةلطيفة ولديه محفوظة ومعرفة بدقائق علم الطب وسليقة في التصوف‏.‏
ورد إلى مصر سنة 1181 هو عائد من الروم واجتمع بأفاضلها وعاشر شيخناالسيد محمد مرتضى وأفاده وأرشده إلى أمور مهمة وسافر صحبته لزيارة الشهداء بدمياطولاقاه أهلها بالاحتـرام‏.‏
ثـم توجـه إلـى الحرميـن الشريفيـن وأقـام هنـاك واجتمـع بـه الشيـخمحمـد الجوهـري وآخـاه في الصحبة وكان مع ما أعطي من الفضائل يتجر بالبضائع الهنديةويتعلل بما يتحصل منها وبآخره سافر إلى الديار الهندية وبها توفي في هذه السنة‏.‏
ومات العمدة الفاضل واللوذعي الكامل الرحلة الدراكة بقية السلفالورع الصالح الزاهدالشيخ موسى بن داود الشيخوني الحنفي إمام جامع شيبون وخطيبهوخازن كتبه وكان إنسانًا حسنًا عظيم النفس منور الشيبة ضخم البدن فقيهًا مستحضرًاالمناسبات مهذب النفس لين الجانب تقيًا معتقدًا ولما وقف الأمير أحمد باشجاويش كتبهالتي جمعها وضعها بخزانة كتب الوقف تحت يد المترجم لاعتقاده فيه الديانة والصيانةرحمهما الله تعالى‏.‏
فيها تسحب أيضًا جماعة من الكشاف والمماليك وذهبوا إلى قبلي فشرعوافي تجهيز جريدة وعـزم مـراد بـك علـى السفـر وأخـذ فـي تجهيز اللوازم فطلب الأموالفقبضوا على كثير من مساتير الناس والتجار والمتسببين وحبسوهم وصادروهم في أموالهموسلبوا ما بأيديهم‏.‏
فجمعوا من المال ما جاوز الحد ولا يدخل تحت العد‏.‏
وفـي منتصـف ربيـع الآخـر بـرز مراد بك للسفر وأخرج خيامه إلى جهةالبساتين وخرج صحبته الأمير لاجين بك وعثمان بك الشرقاوي وعثمان بك الأشقر وسليمانبك أبو نبوت وكشافهم ومماليكهم وطوائفهم وسافروا بعد أيام‏.‏
وفـي أواخـر جمـادى الثانية وردت الأخبار بأن رضوان بكم قرابة عليبك حضر إلى مراد بك وانضم إليه فلما فعل ذلك انكسرت قلوب الآخرين وانخذلوا ورجعواالقهقرى ورجع مراد بك أيضًا إلى مصر في منتصف شهر رجب وترك هناك مصطفى بك وعثمان بكالشرقاوي وعثمان بك الأشقر‏.‏
وفي يوم الخميس سادس عشرين رجب اتفق مراد بك وإبراهيم بك على نفيجماعة من خشادشينهم وهـم إبراهيـم بـك الوالـي وأيـوب بـك الصغيـر وسليمـان بـكالأغـا ورسمـوا لأيـوب بـك أن يذهـب إلـى المنصـورة فأبـى وامتنـع مـن الخـروجفذهـب إليه حسن كتخدا الجربان كتخدا مراد بك واحتال عليه فركب وخرج إلى غيط مهمشةثم سافر إلى المنصورة‏.‏
وأما إبراهيم بك الوالي فركـب بطوائفـه ومماليكـه وعدى إلى برالجيزة فركب خلفه علي بك أباظة ولاجين بك وحجزوا هجنه وجماله عند المعادي وعدواخلفه فأدركوه عند الأهرام فاحتالوا عليه وردوه إلى قصر العينـي ثـم سفـروه إلـىناحيـة السـرو ورأس الخليـج‏.‏
وأمـا سليمـان بك فإنه كان غائبًا بإقليم الغربية والمنوفية يجمع منالفلاحين فردًا وأموالًا ومظالم فلما بلغه الخبر رجع إلى منوف فحضر إليه المعينونلنفيه وأمروه بالذهاب إلى المحلة الكبرى فركب بجماعته وأتباعه فوصل إلى مسجد الخضرفاجتمع بأخيه إبراهيم بك الوالي هناك فأخذه صحبته وذهبا إلى جهة البحيرة‏.‏
وفي يوم الأحد غاية شهر رجب طلع الأمراء إلى الديوان وقلدوا خمسة منأغوات الكشاف صناجق وهم عبد الرحمن خازندار إبراهيم بك سابقًا وقاسم أغا كاشفالمنوفية سابقًا وعـرف بالموسقـو وهـو مـن مماليـك محمـد بـك وأشـراف إبراهيـم بـكوحسيـن كاشـف وعـرف بالشفت بمعنى اليهودي وعثمان كاشف ومصطفى كاشف السلحدار وهؤلاءالثلاثة من طرف مراد بك‏.‏ وفي
شهـر شعبان وردت الأخبار من ثغر سكندرية بوصول باشا إلى الثغر
واسمه محمد باشا السلحدار واليًا على مصر فنزل الباشا القديم منالقلعة إلى القصر بشاطئ النيل‏.‏
وفيـه وصلـت الأخبـار بـأن سليمـان بـك وإبراهيـم بـك رجعـوا مـنناحيـة البحيرة إلى كندتا وجلسوا هناك وأرسلوا جوابات إلى الأمراء بمصر بذلك وأنهميطلبون أن يعينون لهم ما يتعيشون به‏.‏
وفيه أرسلوا خلعة إلى عثمان بك الشرقاوي بأن يستقر حاكمًا بجرجاوطلبوا مصطفى بك وسليمان بك أبا نبوت وعثمان بك الأشقر للحضور إلى مصر فحضرواواستقر عثمان بك الشرقاوي بجرجا‏.‏
وفي غرة رمضان هرب سليمان بك الأغا وإبراهيم بك الوالي من طندتاوعدوا إلى شرقية بلبيس ومروا من خلف الجبل وذهبوا إلى جهة الصعيد ورجع علي كتخداويحيى كتخدا سليمان بك إلى مصر بالحملة والجمال وبعض مماليك وأجناد‏.‏
وفي أواخر رمضان هرب أيضًا أيوب بك من المنصورة وذهب إلى الصعيدأيضًا وتواترات الأخبـار بأنهـم اجتمعـوا مـع بعضهـم واتفقـوا على العصيان فأرسلوالهم محمد كتخدا أباظة وأحمد أغا جمليان وطلبوهم إلى الصلح ويعينون لهم أماكن يقيمونبها ويرسلون لهم احتياجاتهم فأتوا ذلك فطلبوا عثمان بك الشرقاوي ومصطفى بك للحضورفامتنعا أيضًا وقالا‏:‏ لا نحضر ولا نصلح إلا أن رجع إخواننا رجعنـا معهـم ويـردونلهـم أمرياتهـم وبلادهـم وبيوتهـم ويعطلـوا مـن صنجقوه وأمروه عوضهم‏.‏
فلما حضر الجواب بذلك شرعوا في تجهيز تجريدة وأخذوا يفتشون أماكنالأمراء المذكورين فأخذوا ما وجدوه بمنزل مصطفى بك واتهموا أناسًا بأمانات وودائـعلمصطفـى بـك وعثمـان بـك الشرقـاوي منهـم الدالي إبراهيم وغيره فجمعوا بهذه النكتةأموالًا كثيرة حقًا وباطلًا‏.‏
وفي يوم الخميس عشرين شهر شوال كان خروج المحمل والحجاج وأمير الحاجمصطفى بك الكبير ولمـا انقضـى أمـر الحـج بـرزوا للتجريـدة وأميرهـا إبراهيـم بـكالكبيـر وجمعـوا المراكـب وحجزوهـا مـن أربابهـا وعطلـوا أسباب التجار والمسافرينوجمعوا الأموال كما تقدم من المصادرات والمتلزمين والفلاحين وغير ذلك وكان أمرًامهولًا أيضًا وبعد أيام وصل الخبر بأن إبراهيم بك ضمهم للصلح واصطلح معهم وأنه واصلصحبتهم جميعًا‏.‏
وفـي سـادس عشـر ذي القعـدة حضـر إبراهيـم بـك ووصـل بعـده الجماعـةودخلوا إلى مصر وسكنوا فـي بيـوت صغـار مـا عـدا عثمـان بـك ومصطفـى بـك فإنهـمنزلـوا في بيوتهم وحضر صحبتهم أيضًا علـي بـك وحسيـن بـك الاسمعيليـة فلـم يعجـبمـراد بـك مـا فعلـه إبراهيـم بك ولكن أسره في نفسه ولم يظهره وركب للسلام علىإبراهيم بك فقط في الخلاء ولم يذهب إلى أحد من القادمين وسكـن الحـال علـى ذلـكأيامـًا وشـرع إبراهيـم بـك فـي إجـراء الصلـح وصفاء الخاطر بينهم بين مراد بكوأمرهم بالذهاب إليه فذهبوا إليه وسلموا عليه ثم ركب هم الآخر إليهم ما عدا الثلاثةالمعزوليـن وكـل ذلـك وهـو ينقـل فـي متـاع بيتـه وتعزيـل مـا فيـه ثـم إنـه ركـبفـي يـوم الجمعة وعدى إلى جزيرة الذهب وتبعه كشافـه وطوائفـه وأرسـل إلـى بولـاقوأخـذ منهـا الـأرز والغلـة والشعيـر والبقسمـاط وغيـر ذلـك فأرسـل لـه إبراهيـم بكالجين بك وسليمان بك أبا نبوت ليردوه عن ذلك فنهرهـم وطردهـم فرجعـوا ثـم إنـه عـدىإلـى ناحيـة الشـرق وذهـب إلـى قبلـي وتبعـه أغراضه وأتباعه وحملته من البروالبحر‏.‏
وفـي هـذه السنة قصر مد النيل وانهبط قبل الصليبة بسرعة فشرقتالأراضي القبلية والبحرية وعزت الغلال بسبب ذلك وبسبب نهب الأمراء وانقطاع الواردمن الجهة القبلية وشطح سعر القمح إلى عشرة ريالات الأردب واشتد جوع الفقراء‏.‏
ووصل مراد بك إلى بني سويف وأقام هناك وقطع الطريق على المسافرينونهبوا كل ما مر بهم في المراكب الصاعدة والهابطة‏.‏
من مات في هذه السنة من الأعيان توفي الفقيه النبيه العمدة الفاضلحاوي أنواع الفضائل الشيخ أحمد ابن الشيخ الصالح شهاب الدين أحمد بن محمد السجاعيالشافعي الأزهري ولد بمصر ونشأ بها وقرأ على والده وعلى كثيـر مـن مشايـخ الوقـتوتصـدر للتدريـس فـي حياة أبيه وبعدموته في مواضعه وصار من أعيان العلماء وشارك فيكل علم وتميز بالعلوم الغريبة ولازم الوالد وأخذ عنه علم الحكمة والهداية وشرحهاللقاضي زاده قراءة بحث وتحقيق والجغميني ولقط الجواهر والمجيب والمقنطر وشرح أشكالالتأسيس وغير ذلك وله في تلك الفنون تعاليق ورسائل مفيدة وله براعة في التأليفومعرفة باللغة وحافظة في الفقه‏.‏
ومن تآليفه شرح على دلائل الخيرات كالحاشية مفيد وشرح على أسماءالله الحسنى قرظ عليه الشيخ عبد الله الأدكاوي رحمه الله تعالى هذا وكان ممن منحهالله أسرارها وأظهر أنوارها فأوضح من معانيها ما خفي ومنح طلابها كنزًا يتنافس فيمثله أنبل الفضلاء وأفضل النبلاء أحمد الاسم محمود الصفات على الفعل حسن القولوالذات نجل العالم العلامة العمدة الفهامة كعبة الأفضال وقبلة الإجلال من تقصر عنتعداد محاسنه ولو طولت باعي مولانا الشيخ أحمد السجاعي حفظ الله عليه نجله الرشيدوأراه منه ما يسـر القريـب والبعيـد وحيـن لمحت عيني ما كتب مما حقه أن يرقم بدلالحبر بالذهب عوذته بالله من عين كل حسود وعلمت أنه إن شاء الله تعالى سيسود وتطأأخمصه أعناق الأسود‏.‏
وسمع المترجم معنا كثيرًا على شيخنا السيد محمد مرتضى من الأماليوعدة مجالس من البخاري وجـزء بـن شاهـد الجيـش والعوالـي المرويـة عـن أحمـد عـنالشافعـي عن مالك عن نافع عن ابن عمر المسمـاة بسلسلـة الذهـب وغيـر ذلـك‏.‏
ومـن فوائـد المترجم أنه رأى في المنام قائلًا يقول له‏:‏ من قالكـل يـوم يا الله الجبار يا قهار يا شديد البطش ثلثمائة وستين مرةأمن منالطاعون‏.‏
توفي ليلة الاثنين سادس عشر صفر من السنة بعد أن تعلـل بالاستسقـاءوصلـي عليـه بالغـد بالجامـع الأزهر ودفن عند أبيه بالبستان رحمه الله تعالى‏.‏
ومات الشيخ الصالح الناسك الصوفي الزاهد سيدي أحمد بن علي ابن جميلالجعفري الجولي السوسـي مـن ولـد جعفـر الطيار ولد بالسوس واشتغل بالعلم قليلًا علىعلماء بلاده ثم ورد إلى مصر في 1182 فحج ورجع وقرأ معنا على الشيخ الوالد كثيرًا منالرياضيات مع مشاركة سيدي محمد وسيدي أبـي بكـر ولـدي الشيـخ التـاودي بـن سـودةحيـن وردا مـع أبيهمـا فـي تلـك السنـة للحج والشيخ سالم القيرواني ثم غلب عليهالجذب فساح وذهب إلى الروم مجاهدًا وأصيب بجارحـات فـي بدنـه وعولـج حتى برأ وتعلماللغة التركية وعرضت عليه الدنيا فلم يقبلها والغالب عليـه إخفـاء الحـال‏.‏
وورد إلـى مصـر فـي سنـة إحـدى وتسعيـن وتـزوج بمصـر وأقـام بهـامـع كمال العفة والديانة سلامة الباطن والانجماع عن الناس مع صفاء الخاطر والذوقالمتين والميل إلى كتب الشيـخ الأكبـر والشعرانـي وزيـارة القرافتيـن فـي كـل جمعـةعلـى قدميـه‏.‏
أحببـت لقـاء الله تعالى توفي في ثالث ربيع الأول من السنة ودفنبالقرافة رحمه الله تعالى‏.‏
ومـات العمـدة العلامـة والحبـر الفهامة قدوة المتصدرين ونخبةالمفهمين النبيه المتفنن الشيخ محمد بن إبراهيـم بـن يوسف الهيتمي السجيني الشافعيالأزهري الشهير بأبي الإرشاد ولد سنة 1154 وحفظ القرآن وتفقه على الشيخ المدابغيوالبراوي والشيخ عبد الله السجيني وحضر دروس الشيخ الصعيدي وغيـره وأجـازه أشيـاخالعصـر وأفتـى ودرس وتولـى مشيخـة رواق الشراقـوة بالأزهـر بعـد وفـاة خالـه الشيـخعبـد الـرؤوف واشتهـر ذكره وانتظم في عداد المشايخ المشار إليهم بالأزهـر وفـيالجمعيـات والمجالـس عنـد الأمـراء ونظـار الأزهر وفي الأخبار وله مؤلفات في الفنونوكتـب حاشيـة علـى الخطيـب علـى أبـي شجـاع إلا أنهـا لم تكمل ورسائل في مستصعباتالمسائل بالمنهج وصنف رسالة تتعلق بنداء المؤمنين بعضهم بعضًا في الجنة‏.‏
توفي في أواخر القعدة‏.‏
ومات الإمام الهمام والعلامة المقدام المتقن المتفنن المفيد الشيخيوسف الشهير برزة الشافعـي الأزهري أحد العلماء المحصلين والأجلاء المفيدين تفقهعلى الشيخ العلامة الشيخ أحمد رزة وإليه انتسب وبه اشتهر وحضر على كل من الشيخالحفناوي والشيخ أحمد البجيرمي والشيخ عيسى البرواي ودرس الفقه والمعقول بالأزهروأفاد وأفتى وصار في عداد المتصدرين المشار إليهـم مـن الانجمـاع والحشمـة والكمـالوالرئاسـة وحسن الحال ولم يتداخل كغيره في الأمور المخلة‏.‏
ولم يزل مقبلًا على شأنه حتى توفي في عاشر جمادى الأولى من السنة‏.‏
ومـات الشيخ الصالح الورع علي بن عبد الله مولى الأمير بشير جلبهمولاه من بلاد الروم وأدبه وحبب إليه السلوك فلازم الشيخ الحفني ملازمة كلية وأخذعنه الطريق وحضر دروسه وسمع الصحيـح علـى السيـد مرتضى بتمامة في منزله بدربالميضأة بالصليبة وكذلك مسلم وأبو داود وغير ذلك من الأجزاء الحديثة ومسلسلات بنعقيلة بشروطها وغالبها بقراءة السيد حسين الشيخونـي‏.‏
وكـان إنسانـًا حسنـًا حلو المعاشرة كثير التودد لطيف الصحبة مكرمًامحسنًا خيرًا له بر وصدقات خفية توفي في يوم الأحد تاسع عشرين رجب بعد أن تعللبالفتق عن كبر وصلي عليه بسبيل المؤمنين ودفن بالقرب من شيخنا محمود الكرديبالصحراء‏.‏
وكان منور الوجه والشيبة وعليه جلالة ووقار وهيبة يلوح عليه سيماالصلاح والتقوى رحمه الله تعالى‏.‏
ومات الشيخ الصالح عيسى بن أحمد القهاوي الوقاد بالمشهد الحسينيوخادم النعال بالموضع المذكور كان رجلًا مسنًا سخيًا بما يملك مطعامًا للواردين منالغرباء المنقطعين وأدرك جماعة من الصالحين وكان يحكي لنا عليهم أمورًا غريبة ولهمع الله حال وفي فهم كلام القوم ذوق حسن وللناس فيـه اعتقـاد عظيـم‏.‏
وفـي أخـرة أعجـزة الهـرم والقعـود فتوجـه إلـى طندتـا فـي آخـرربيـع الثانـي ومكث هناك برحاب سيدي أحمد البدوي إلى أن توفي يوم الأربعاء ثاني عشرجمادى الثانيـة ودفـن عند مقام الولي الصالح سيدي عز الدين خارج البلد في موضع كانأعده السيد محمد مجاهد لنفسه فلم يتفق دفنه فيه‏.‏
ومات العلامة الفاضل المحدث الصوفي الشيخ أحمد بن أحمد بن أحمد ابنجمعة البجيرمـي الشافعـي قـرأ علـى أبيـه وحضـر درس العشمـاوي والعزيـزي والجوهـريوالشيـخ أحمـد سابق والحفني وآخرين ودرس واكب على إقراء الحديث وألف في الفن وانتفعبه الناس وكان يسكن في خانقاه سعيد السعداء مع سكون الأخلاق والانجماع عن الناسوملازمة محله ولا زال يفيد ويسمع حتى وافاه الحمام في يوم الجمعة ثاني رمضان وكانتجنازته خفيفة لاشتغال الناس بالصيام وكان يخبر والده أن جنازته كانت خفيفة رحمهالله‏.‏
ومـات الفاضـل المبجل سيدي عيسى جلبي بن محمود بن عثمان ابن مرتضىالقفطانجي الحنفي المصري ولد بمصر ونشأ صالحًا في عفاف وصلاح وديانة وملازمة لحضـوردروس الأشيـاخ وتفقه على فضلاء وقته مثل الشيخ الوالد والشيخ حسن المقدسي وأخذالعربية والكلام عن الشيخ محمـد الأميـر والشيـخ أحمـد البيلـي وغيرهمـا واقتنـىكتبـًا نفيسـة وكـان منزلـه مـوردًا للفضـلاء وكـان يعـزم عليهـم ويعمل لهمالضيافات في كل عام ببستان خارج مصر يعرف ببستان القفطانجي ورثه عن آبائه وكان نعمالرجل مودة وصيانة رحمه الله تعالى وسامحه‏.‏
سنة ثمان وتسعين ومائة وألف فيهـا فـي المحـرم سافـر مـراد بـك إلـىمنيـة بـن خصيـب مغضبـًا وجلـس هنـاك‏.‏
وفيـه حضر إلى مصر محمـد باشـا والـي مصـر فأنزولـه بقصـر عبـدالرحمـن كتخـدا بشاطـئ النيـل فأقـام بـه يوميـن ثـم عملـوا له موكبًا وطلع إلىالقلعة من تحت الربع على الدرب الأحمر‏.‏
وفي منتصفه اتفق رأي إبراهيم بك والأمراء الذين معه علـى إرسـالمحمـد أفنـدي البكـري والشيـخ أبـي الأنوار شيخ السادات والشيخ أحمد العروسي شيخالأزهر إلى مراد بك ليأخذوا خاطره ويطلبوه للصلح مع خشادشينه ويرجع إليهم ويقبلواشروطه ما عدا إخراج أحد من خشداشينهـم‏.‏
فلمـا سافـروا إليـه وواجهـوه وكلمـوه في الصلح تعلل بأعذار وأخبرأنه لم يخرج من مصر إلا هروبًا خوفًا على نفسه فإنه تحقق عنده توافقهم على غدره فإنضمنتم وحلفتم لي بالأيمـان أنـه لا يحصل لي منهم ضرر وافقتكم على الصلح وإلا فدعونيبعيدًا عنهم‏.‏












عرض البوم صور آل قطبي الحسني   رد مع اقتباس
قديم 20-12-2010, 01:29 AM   رقم المشاركة: 18
مشرف سابق

الصورة الرمزية آل قطبي الحسني



رقـم العضـوية 14
تاريخ التسجيل Mar 2010
عدد المشاركات 5,596
القبيلة نحن بنو يعلى من كنانة=رأس المضريين وفرسانها
مكان الإقامة إمارة بني يعلى
المهنة طالب
 
 
آل قطبي الحسني غير متواجد حالياً

افتراضي

فقالوا له‏:‏ لسنا نطلع على القلوب حتى نحلف ونضمن ولكن الذي نظنهونعتقده عدم وقوع ذلك بينكم لأنكم أخوة ومقصودنا الراحة فيكم وبراحتكم ترتاح الناسوتأمن السبل فأظهر الامتثال ووعد بالحضـور بعـد أيـام وقـال لهـم‏:‏ إذا وصلتـمإلـى بنـي سويـف ترسلـون لـي عثمـان بـك الشرقـاوي وأيوب بك الدفتردار لأشترك عليهمشروطي فإن قبلوها توجهت معهم وإلا عرفت خلاصي معهم‏.‏
وانفصلـوا عنـه علـى ذلـك وودعـوه وسافـروا وحضـروا إلـى مصر فيليلة الجمعة ثالث عشرين شهر وفي ذلك اليوم وصل الحجاج إلى مصر ودخل أمير الحج مصطفىبك بالمحمل في يوم الأحد‏.‏
وفـي يـوم السـب مستهـل ربيـع الـأول خـرج الأمـراء إلـى ناحيـةمعادي الخبير وحضر مراد بك إلى بر الجيـزة وصحبتـه جمـع كبيـر مـن الغز والأجنادوالعربان والغوغاء من أهل الصعيد والهواراة ونصبوا خيامهم ووطاقهم قبالتهم في البرالآخر فأرسل إليه إبراهيم بك عبد الرحمـن بـك عثمـان وسليمـان بـك الشابـوريوآخريـن فـي مركـب فلمـا عـدوا إليـه لـم يـأذن لهـم في مقابلته وطردهم ونزل أيضـًاكتخـدا الباشـا وصحبتـه اسمعيـل أفنـدي الخلوتـي فـي مراكـب أخـرى ليتوجهـوا إليهأيضًا لجريان الصلح فلما توسطوا البحر ووافق رجوع الأوليـن ضربـوا عليهـم بالمدافـعفكـادت تغـرق بهـم السفن ورجعوا وهم لا يصدقون بالنجاة‏.‏
فلما رأى ذلك إبراهيم بك ونظر امتناعه عن الصلح وضربـه بالمدافـعأمـر هو الآخر بضرب المدافع عليهم نظير فعلهم‏.‏
وكثر الرمي بينهم من الجهتين على بعضهم البعض وامتنع كل من الفريقينعن التعدية إلى الجهة الأخرى وحجزوا المعادي من الطرفيـن‏.‏
واستمـر الحـال بينهـم علـى ذلك من أول الشهر إلى عشرين منه واشتدالكرب والضنك على الناس وأهـل البلـاد وانقطعـت الطـرق القبليـة والبحريـة بـرًاوبحـرًا وكثـر تعـدي المفسديـن وغلت الأسعار وشح وجود الغلال وزادت أسعارها‏.‏
وفي تلك المـدة كثـر عبـث المفسديـن وأفشـح جماعـة مـراد بـك فـيالنهـب والسلـب في بر الجيزة وأكلوا الزروعات ولم يتركوا على وجه الأرض عودًا أخضروعين لقبض الأموال من الجهات وغرامات الفلاحين وظن الناس حصول الظفـر لمـراد بـكواشتـد خوف الأمراء بمصر منه‏.‏
وتحدث الناس بعزم إبراهيم بك على الهروب فلما كان ليلة الخميسالمذكور أرسل إبراهيم بك المذكور خمسة من الصناجق وهم سليمان بـك الأغـا وسليمـانأبـو نبـوت وعثمـان بـك الأشقر وإبراهيم بك الوالي وأيوب بك فعدوا إلى البر الآخـربالقـرب من انبابة ليلًاوساروا مشاة فصادفوا طابورًا فضربوا عليهم بالبندق فانهزموامنهم وملكوا مكانهم وذلك بالقرب من بولاق التكرور كل ذلك والرمي بالمدافع متصل منعرضي إبراهيـم بـك‏.‏
ثـم عـدى خلفهـم جماعـة أخرى ومعهم مدفعان وتقدموا قليلًا من عرضيمراد بك وضربوا على العرضي بالمدفعين فلم يجبهمأحدًا فباتوا على ذلك وهم على غايةمن الحذر والخـوف‏.‏
وتتابـع بهـم طوائفـه وخيولهم فلما ظهر نور النهار نظروا فوجدواالعرضي خاليًا وليس به أحد وارتحل مراد بك ليلًا وترك بعض أثقاله ومدافعه فذهبواإلى العرضي وأخذوا ما وجدوه وجلسوا مكانه ونهب أوباشه المراكب التي كانت محجوزةللناس‏.‏
وعدى إبراهيم بك وتتابعوا في التعدية وركبوا خلفهم إلى الشيمي فلميجدوا أحدًا فأقاموا هناك السبت والأحد والاثنين والثلاثاء ورجع إبراهيم بك وبقيةالأمراء إلى مصر ودخلوا بيوتهم‏.‏
وانقضت هذه الفتنـة الكذابـة علـى غيـر طائـل ولـم يقع بينهم مصافولا مقاتلة وهرب مراد بك وذهب بمن معه وفي أواخر شهر جمادى الأولى اتفق رأي إبراهيمبك على طلب الصلح مع مراد بك فسافر لذلـك لاجيـن بـك وعلـي أغا كتخدا جاووجان وسببذلك أن عثمان بك الشرقاوي وأيوب بك ومصطفـى بـك وسليمـان بـك وإبراهيـم بـك الوالـيتحزبـوا مـع بعضهم وأخذوا ينقضون على إبراهيم بك الكبير واستخفوا بشأنه وقعدوا لهكل مرصد وتخيل منهم وتحرز وجرت مشاجرة بين أيوب بك وعلي أغا كتخدا جاوجان بحضرةإبراهيم بك وسبه وشتمه وأمشك عمامته وحل قولانـه وقـال لـه‏:‏ ليـس هـذا المنصـبمخلـدًا عليـك فاغتـاظ إبراهيـم بك لذلك وكتمه في نفسه وعز علـي علـي أغا لأنه كانبينه وبين مراد بك فاجتمع إليه الأمراء وتكلموا معه فقال‏:‏ نصطلح مع أخينـا أولـىمـن التشاحـن ونزيل الغل من بيننا لأجل راحتنا وراحة الناس ويكون كواحد منا وإنحصـل منـه خلـل أكـون أنـا وأنتـم عليـه‏.‏
وتحالفـوا علـى ذلك وسافر لاجين بك وعلي أغا وبعد أيام حضـر حسـنكتخـدا الجريـان كتخـدا مـراد بـك إلـى مصـر واجتمع بإبراهيم بك ورجع ثانيًا وأرسلإبراهيـم بـك صحبتـه ولـده مـرزوق بك طفلًا صغيرًا ومعه الدادة والمرضعة فلما وصلواإلى مراد بك أجاب بالصلح وقدم لمرزوق بك هدية وتقادم ومن جملتها بقرة ولابنتهارأسان‏.‏
وفـي عاشر رجب حضر مرزوق بك وصحبته حسن كتخدا الجربان فأوصله إلىأبيه ورجع ثانيًا إلى مراد بك وشاع الخبر بقدوم مراد بك وعمل مصطفى بك وليمة وعزممن بصحبته وفـي ثانـي يـوم اجتمعوا عند إبراهيم بك وقالوا له‏:‏ كيف يكون قدوم مرادبك ولعله لا يستقيم حاله معنا فقال لهم‏:‏ حتى يأتي فإن استقام معنا فيها وإلا أكونأنا وأنتم عليه‏.‏
فتحالفـوا وتعاهدوا وأكدوا المواثيق‏.‏
فلما كان يوم الجمعة وصل مراد بك إلى غمازة فركب إبراهيم بك علـىحيـن غفلـة وقـت القائلـة فـي جماعتـه وطائفتـه وخـرج إلـى ناحيـة البساتيـن ورجـعمن الليل وطلع إلـى القلعـة وملك الأبواب ومدرسة السلطان حسن والرميلة والصليبةوالتبانة وأرسل إلى الأمراء الخمسة يأمرهم بالخروج من مصر وعين لهم أماكن يذهبونإليها فمنهم من يذهب إلى دمياط ومنهم من يذهب إلى المنصورة وفارسكور فامتنعوا منالخروج واتفقوا على الكرنكة والخلاف ثـم لـم يجـدوا لهـم خلاصـًا بسبـب أن إبراهيـمبـك ملـك القلعـة وجهاتها ومراد بك واصل يوم تاريخه وصحبته السواد الأعظم منالعساكر والعربان ثم إنهم ركبوا وخرجوا بجمعيتهـم إلـى ناحيـة القليوبية ووصل مرادبك لزيارة الإمام الشافعي فعندما بلغه خبر خروجهم ذهب من فوره من خلـف القلعـةونـزل علـى الصحـراء وأسـرع فـي السيـر حتـى وصـل إلـى قناطر أبي المنجا ونزل هناكوأرسل خلفهم جماعة فلحقوهم عند شبراشهاب وأدركهم مراد بك والتطموا معهم فتقنطـرمراد بك بفرسه فلحقوه وأركبوه غيره فعند ذلـك ولـى راجعـًا وانجـرح بينهـم جماعـةقلائـل وأصيـب سليمـان بـك برصاصـة نفـذت مـن كتفـه ولـم يمـت ورجـع مـراد بـك ومـنمعه إلى مصر على غير طائل وذهب الأمراء الخمسة المذكورون وعدوا على وردان وكانبصحبتهم رجـل مـن كبـار العـرب يقـال لـه طرهونـه يدلهـم علـى الطريـق الموصلـةإلـى جهـة قبلـي فسـار بهـم في طريق مقفرة ليس بها ماء ولا حشيش يومًا وليلة حتىكادوا يهلكون من العطش وتأخر عنهم أناس من طوائفهم وانقطعوا عنهم شيئًا فشيئًا إلىأن وصلوا إلى ناحية سقارة فرأوا أنفسهم بالقرب من الأهرام فضاق خناقهم وظنوا الوقوعفأحضروا الهجن وأرادوا الركوب عليها والهروب ويتركوا أثقالهـم فقامـت عليهم طوائفهموقالوا لهم‏:‏ كيف تذهبون وتتركونا مشتتين‏.‏
وصار كل من قدر علـى خطـف شـيء أخـذه وهـرب فسكنـوا عن الركوبوانتقلوا من مكانهم إلى مكان آخر‏.‏
وفي وقت الكبكبة ركب مملوك من مماليكهم وحضر إلى مـراد بـك وكـانبالروضـة فأعلمـه الخبـر فأرسـل جماعـة إلـى الموضـع الـذي ذكـره لـه فلـم يجـدواأحدًا فرجعوا واغتم أهل مصر لذهابهم إلى جهـة قبلـي لمـا يترتـب علـى ذلك من التعبوقطع الجالب مع وجود القحط والغلاء‏.‏
وبات الناس في غم شديد‏.‏
فلما طلع نهار يوم الأربعاء حادي عشرين رجب شاع الخبر بالقبض عليهموكـان مـن أمرهم أنهم لما وصلوا إلى ناحية الأهرام ووجدوا أنفسهم مقابلين البلدأحضروا الدليل وقالوا له‏:‏ انظر لنا طريقًا تسلك منه فركب لينظر في الطريق وذهبإلى مراد بك وأخبره بمكانهم فأرسل لهم جماعة فلمـا نظروهـم مقبليـن عليهـم ركبـواالهجـن وتركـوا أثقالهـم وولـوا هاربين وكانوا كمنوا لهم كمينًا فخرج عليهم ذلكالكمين ومسكوا بزمامهم من غير رفع سلاح ولا قتال وحضروا بهم إلى مراد بك بجزيرةالذهب فباتوا عنده ولما أصبح النهار أحضر لهم مراد بك بجزيرة الذهب فباتوا عندهولما أصبح النهار أحضر لهم مراد بك مراكب وأنزل كل أمير في مركب وصحبته خمسة مماليكوبعض خدام وسافروا إلى جهة بحري فذهبوا بعثمان بـك وأيـوب بـك إلـى المنصـورةومصطفى بك إلى فارسكور وإبراهيم بك الوالي إلى طندتا وأما سليمان بك فاستمر ببولاقالتكرور حتى برأ جرحه‏.‏
وفي منتصف شهر رمضان اتفق الأمراء المنفيون على الهروب إلى قبليفأرسلوا إلى إبراهيم بك الوالي ليأتي إليهم من طندتا وكذلك إلى مصطفى بك من فارسكوروتواعدوا على يوم معلـوم بينهـم فحضـر إبراهيـم بـك إلـى عثمـان بـك وأيـوب بـكخفيـة فـي المنصورة وأما مصطفى بك فإنه نزل في المراكب وعدى إلى البر الشرقي بعدالغروب وركب وسافر فركب خلفه رجل يسمى طه شيخ فارسكور وكان بينه وبين مصطفى بكخرازة وأخذ صحبته رجلًا يسمى الأشقر في نحو ثلثمائة فارس وعدوا خلفه فحلقوه آخرالليل والطريق ضيقة بين البحر والأرز المزروع فلم يمكنهم الهروب ولا القتال‏.‏
فأراد الصنجـق أن يذهـب بمفـرده فدخـل فـي الـأرز بفرسه فانغرز فيالطين فقبضوا عليه هو وجماعته فعروهم وأخذوا ما كان معهم وساقوهم مشـاة إلـى البحـروأنزلوهـم المراكـب وردوهـم إلـى مكانهـم محتفظيـن عليهم‏.‏
وأرسلوا الخبر إلى مصر بذلـك‏.‏
وأمـا الجماعـة الذيـن فـي المنصـورة فإنهـم انتظـروا مصطفـى بـكفـي الميعـاد فلـم يأتهم ووصلهم الخبـر بمـا وقـع لـه فركب عثمان بك وإبراهيم بكوساروا وتخلف أيوب بك المنصورة فلما قربوا من مصر سبقتهم الرسل إلى سليمان بك فركبمن الجيزة وذهب إليهما وذهبوا إلى قبلي وأرسل مراد بك محمد كاشف الألفي وأيوب كاشففأخـذا مصطفـى بـك مـن فارسكـور وتوجها به إلى ثغر سكندرية وسجنوه بالبرج الكبير‏.‏
وعرف من أجل ذلك بالإسكندراني‏.‏
وأحضـروا أيـوب بـك إلـى مصـر وأسكنـوه فـي بيـت صغيـر وبعـد أيـامردوه إلى بيته الكبير وردوا له الصنجقية أيضًا في منتصف شوال‏.‏
وفـي يـوم الاثنين سادس شهر شوال الموافق التاسع عشر مسرى القبطيكان وفاء النيل المبارك ونزل الباشا يوم الثلاثاء في عربة وكسر السد على العادة‏.‏
وفي يـوم الاثنيـن حـادي عشريـن شـوال كـان خـروج المحمـل صحبـةأميـر الحـاج مصطفـى بـك الكبيـر فـي موكـب حقيـر جـدًا بالنسبـة للمواكـبالمتقدمـة ثـم ذهـب إلى البركة في يوم الخميس وقد كان تأخر له مبلغ من مال الصرةوخلافها فطلب ذلك من إبراهيم بك فأحاله على مراد بك من الميري الذي طرفه وطرفأتباعه وأحال عليه أمير الحاج وركب من البركة راجعًا إلى مصر وتركه وإياه فلم يسعمراد بك غلا الدفع وتشهيل الحج وعاد إلى مصر وخرج إلى قصره بالروضة وأرسل إلىالجماعة الذين بالوجه القبلي فلما علم إبراهيم بك بذلك أرسل إليه يستعطفـه وترددتبينهما الرسل من العصر إلى بعد العشاء ونظر إبراهيم بك فلم يجد عنده أحدًا منخشداشينـه‏.‏
واجتمـه وأكلهـم علـى مـراد بك فضاق صدره وركب إلى الرميلة فوقف بهاساعة حتى أرسل الحملة صحبة عثمان بك الأشقر وعلي بك أباظة وصبر حتى ساروا وتقدمواعليـه مسافـة ثـم سـار نحـو الجبـل وذهـب إلـى قبلـي وصحبتـه علـي أغـا كتخـداالجاويشيـة وعلـي أغا مستحفظان والمحتسب وصناجقه الأربعة فلما بلغ مراد بك ركوبهوذهابه ركب خلفهم حصة من الليل ثم رجع إلى مصر وأصبح منفردًا بها وقلد قائد أغاأغات مستحفظان وصالح أغا الوالي القديم وجعله كتخدا الجاويشية وحسن أغا كتخداومصطفى بك محتسب وأرسل إلى محمد كاشف الألفي ليحضر مصطفى بك من محبسه بغثر إسكندريةونادى بالأمان في البلد وزيادة وزن الخبز وأمر بإخراج الغلال المخزونة لتباع علىالناس‏.‏
وفـي ليلـة الثلاثـاء خامـس القعـدة حضـر مصطفـى بـك ونـزل فـيبيتـه أميـرًا وصنجقـًا علـى عادته كما كان‏.‏
وفيه قلد مراد بك مملوكه محمد كاشف الألفي صنجقًا وكذلك مصطفى كاشـفالإخميمـي وفـي يـوم الأحـد سابـع عشـر القعـدة حضـر عثمـان بك الشرقاوي وسليمان بكالأغا وإبراهيم بك الوالي وسليمان بك أبو نبوت وكان مراد بك أرسل يستدعيهم كماتقدم‏.‏
فلما حضروا إلى مصر سطنوا بيوتهم كما كانوا على إمارتهم‏.‏
وفي أواخره وصل واحد أغا من الدولة وبيده مقرر للباشا على السنةالجديدة فطلب الباشا الأمراء لقراءاته عليهم فلمع يطلع منهم أحد وأهمل ذلك مراد بكولم يلتفت إليه‏.‏
وفي يوم الجمعة رابع عشر الحجة رسم مراد بك بنفي رضوان رضوان بكقرابة علي بك الكبير الذي كان خامر على اسمعيل بك وحسن بك الجداوي وحضر مصر صحبةمراد بك كمـا تقـدم وانضـم إليـه وصار من خاصته فلما خرج إبراهيم بك من مصر أشيعأنه يريد صلحه مع اسمعيل بك وحسن بك فصار رضوان بك كالجملة المعترضة فرسم مراد بكبنفيه فسافر من ليلته إلى الإسكندرية‏.‏
وفـي يـوم السبـت خامـس عشـرة أرسـل مـراد بـك إلى الباشا وأمرهبالنزول فأنزلوه إلى قصر العيني معـزولًا وتولى مراد بك قائم مقام وعلق الستور علىبابه فكانت ولاية هذا الباشا أحد عشر شهرًا سوى الخمسة أشهر التي أقامها بغثرسكندرية وكانت أيامه كلها شدائد ومحنًا وغلاء‏.‏
وفي أواخـر شهـر الحجـة شـرع مـراد بـك فـي إجـراء الصلـح بينـهوبيـن إبراهيـم بـك فأرسـل لـه سليمـان بك الأغا والشيخ أحمد الدردير ومرزوق بكولده فتهيئوا وسافـروا فـي يـوم السبـت ثامـن عشرينه‏.‏
وانقضت هذه السنـة كالتـي قبلهـافـي الشـدة والغـلاء وقصـور النيـلوالفتـن المستمـرة وتواتـر المصادرات والمظالم من الأمراء وانتشار أتباعهم فيالنواحي لجبي الأموال من القرى والبلدان وإحداث أنواع المظالم ويسمونها مال الجهاتودفع المظالم والفردة حتى أهلكوا الفلاحين وضاق ذرعهـم واشتـد كربهـم وطفشـوا منبلادهم فحولوا الطلب على الملتزمين وبعثوا لهم المعينين في بيوتهم فاحتاج مساتيرالناس لبيع أمتعتهم ودورهم ومواشيهم بسبب ذلك مع ما هم فيه من المصادرات الخارجة عنذلك وتتبع من يشم فيه رائحة الغنى فيؤخذ ويحبس ويكلف بطلب أضعاف ما يقدر عليهوتوالى طلب السلف من تجار البن والبهار عن المكوسات المستقيلة‏.‏
ولما تحقق التجار عدم الرد استعوضوا خساراتهم من زيادة الأسعـار ثـممـدوا أيديهـم إلـى المواريث فإذا مات الميت أحاطوا بموجوده سواء كان له وارث أولا‏.‏
وصار بيت المـال مـن جملـة المناصـب التـي يتولاهـا شـرار النـاسبجملـة مـن المـال يقـوم بدفعـه في كل شهر ولا يعارض فيما يفعـل في الجزئيات وأماالكليات فيختص بها الأمير‏.‏
فحل بالناس ما لا يوصف من أنواع البلاء إلا مـن تداركـه الله برحمتهأو اختلس شيئًا من حقه فإن اشتهروا عليه عوقب على استخراجه‏.‏
وفسدت النيات وتغيرت القلوب ونفرت الطباع وكثر الحسد والحقد فـيالنـاس لبعضهـم البعـض‏.‏
فيتتبـع الشخـص عـورات أخيـه ويدلـي بـه إلـى الظلـم حتـى خـربالإقليم وانقطعت الطرق وعربدت أولاد الحـرام وفقـد الأمـن ومنعـت السبـل إلابالخفـارة وركـوب الغـرر وجلـت الفلاحون من بلادهم من الشراقي والظلم وانتشروا فيالمدينة بنسائهم وأولادهم يصيحون من الجـوع ويأكلـون مـا يتساقـط فـي الطرقـات مـنقشـور البطيخ وغيره فلا يجد الزبال شيئًا يكنسه من ذلك واشتد بهم الحال حتى أكلواالميتات من الخيل والحمير والجمال فإذا خرج حمار ميت تزاحموا عليه وقطعوه وأخذوهومنهم من يأكله نيئًا من شدة الجوع ومات الكثير مـن الفقـراء بالجوع‏.‏
هذا والغلاء مستمر والأسعار في الشدة وعز الدرهم والدينار من أيديالناس وقل التعامـل إلا فيمـا يؤكـل وصـار سمـر النـاس وحديثهم في المجال ذكرالمآكل والقمح والسمن ونحو ذلك لا غير ولولا لطف الله تعالى ومجيء الغلال من نواحيالشام والروم لهلكت أهـل مصـر مـن الجـوع‏.‏
وبلـغ الـأردب من القمح ألفًا وثلثمائة نصف فضة والفول والشعيرقريبًا من ذلك وأما بقية الحبوب والأبزار فقل أن توجد‏.‏
واستمر ساحل الغلة خاليًا من الغلال بطول السنـة والشـون كذلكمقفولـة وأرزاق النـاس وعلائفهـم مقطوعـة وضـاع النـاس بيـن صلحهـم وغبنهـم وخـروجطائفـة ورجـوع الأخرى ومن خرج إلى جهة قبض أموالها وغلالها‏.‏
وإذا سئل المستقر في شيء تعلل بما ذكر‏.‏
ومحصل هذه الأفاعيل بحسب الظن الغالب أنها حيل على سلب الأموالوالبلاد وفخاخ ينصبونها ليصيدوا بها اسمعيل بك‏.‏
وفي أواخره وصلت مكاتبة من الديار الحجازية عن الشريف سرور ووكلاءالتجار خطابًا للأمـراء والعلمـاء بسبـب منـع غلـال الحرميـن وغلـال المتجـر وحضـورالمراكـب مصبـرة بالأتربـة والشكوى من زيادة المكوسات عن الحد فلما حضرت قرئ بعضهاوتغوفل عنها وبقي الأمر على ذلك‏.‏
رجع لخبر العجلة التي لها رأسان وهو أنه لما أرسل إبراهيم بك ولدهمرزوق بك غلامًا صغيرًا لمصالحة الأمير مراد بك أعطاه هدية ومن جملتها بقرة وخلفهاعجلة برأسين وحضر بهما إلى مصر وشاع خبرها فذهبت بصحبة أخينا وصديقنا مولانا السيداسمعيل الوهبي الشهير بالخشاب فوصلنا إلى بيـت أم مرزوق بك الذي بحارة عابدينودخلنا إلى اسطيل بعض السواس فرأينا بقرة مصفرة اللـون مبيـاض وابنتها خلفها سوادولها رأسان كاملتا الأعضاء وهي تأكل بفم إحدى الرأسين وتشتر بفم الرأس الثانيةفتعجبنا من عجيب صنع الله وبديع خلقتـه فكانـت مـن العجائـب الغريبـة من مات في هذهالسنة من أعيان الناس مـات الشيـخ الفقيه الصالح المشارك الشيخ درويش بن محمد بنمحمد ابن عبد السلام البوتيجي الحنفي نزيل مصر حضر دروس كل من الشيخ محمد أبيالسعود والشيخ سليمان المنصوري والشيخ محمد الدلجي وغيرهم وتميز في معرفة فروعالفقه وأفتى ودرس وكان إنسانًا حسنًا لا بأس به توفي في هذه السنة‏.‏ ومات

العمدة العلامة والرحلة الفهامة المفوه المتكلم المتفقه
النحوي الأصولي الشيخ عبد الله بن أحمد المعروف باللبان الشافعيالأزهري أحد المتصدرين في العلماء الأزهرية حضر أشياخ الوقت كالملوى والجوهريوالحفني والصعيدي والشعماوي والدفري وتمهر في الفقه والمعقول وقرأ الـدروس وختـمالختـوم وتنـزل أيامـًا عند الأمير إبراهيم كتخدا القازدغلي واشتهر ذكره في الناسوعنـد الأمـراء بسبـب ذلـك وتحمـل حالـه وكـان فصيحـًا ملسانًا مفوهًا يخشى منسلاطة لسانه في المجالس العلمية والعرفيـة‏.‏
وسافـر مـرة إلـى اسلامبـول فـي بعـض الإرساليـات وذلـك سنـة سـتوثمانيـن عندما خرج علي بك من مصر ودخل محمد بك وكان بصحبة أحمد باشجاويش أرنؤد‏.‏
ومات العلامة الشيخ عبد الرحمن جاد الله البناني المغربي وبنانةقرية من قرى منستير بأفريقية ورد إلى مصر وجاور بالجامع الأزهر وحضر دروس الشيخالصعيدي والشيخ يوسف الحفني والسيد محمد البليدي وغيرهم من أشياخ العصر ومهر فيالمعقول وألف حاشية على جمع الجوامع اختصر فيها سياق بن قاسم وانتفع بها الطلبةودرس برواق المغاربة وأخذ الحديث عن الشيخ أحمد الإسكندري وغيره وتولى مشيخة رواقهممرارًا بعد عـزل السيـد قاسـم التونسـي وبعـد عـزل الشيـخ أبـي الحسن القلعي فسارفيها سيرًا حسنًا‏.‏
ولم يتزوج حتى مات‏.‏
ومن آثاره ما كتبه على المقامة التصحيفية للشيخ عبد اللهالأدكاوي‏.‏
ولم يزل مواظبًا على التدريس ونفع الطلبة حتى تعلل أيامًا وتوفيليلة الثلاثاء ختام شهر صفر‏.‏
ومات الشيخ الفاضل العلامة عبد الرحمن بن عمر الأجهـوري المالكـيالمقـرى سبـط القطـب الخضيري أخذ علم الأداء عن كل من الشيخ محمد بن علي السراجيإجازة في سنة 1156 وعن الشيخ عبد ربه ابن محمد السجاعي إجازة في سنة أربع وخمسينوعن شمس الدين السجاعي في سنـة ثلـاث وخمسيـن وعـن عبـد اللـه بـن محمـد بـن يوسـفالقسطمطينـي جـود عليـه إلـى قوله المفلحون بطريقة الشاطبية والتيسير بقلعة الجبلحين ورد مصر حاجًا في سنـة ثلـاث وخمسين وعلى الشيخ أحمد بن السماح البقري والشهابالإسقاطي وآخرين وأخذ العلوم عن الشبـراوي والعمـاوي والسجينـي والشهـاب النفـراويوالشمس الحفني وأخيه الشيخ يوسف والشيخ الملوي وسمع الحديث من الشيخ محمد الدفريوالشيخ أحمد الإسكندراني محمـد بـن محمـد الدقاق وأجازه الجوهري في الأحزابالشاذلية وكذا يوسف بن ناصر وأجازه السيد مصطفى البكري في الخلوتية والأوراد السريةودخل الشام فسمع الأولية على الشيخ مصطفى الخليجي ومكث هناك مدة ودخل حلب فسمع منجماعة وعاد إلى مصر فحضر على السيد البليدي فـي تفسيـر البيضـاوي بالأزهـروبالأشرافيـة وكـان السيد يعتني به ويعرف مقامه‏.‏
وله سليقة تامة فـي الشعـر ولـه مؤلفـات منهـا الملتـاذ فـي الأربعةالشواذ ورسالة في وصف أعضاء المحجوب نظمًا ونثـرًا وشـرح تشنيـف السمـع ببعـضلطائـف الوضع للشيخ العيدروس شرحين كاملين قرظ عليهما علماء عصره‏.‏
ولا زال يملي ويفيد ويدرس ويجيد ودرس بالأزهر مدة في أنواع الفنونوأتقن العربية والأصول والقراءات وشارك في غيرها وعين للتدريس في السنانية ببولاقفكان يقرأ فيها الجامع الصغير ويكتب على أطراف النسخة من تقاريره المبتكرة ما لوجمع لكان شرحًا حسنًا‏.‏
وتوفي المترجم رحمه الله تعالى في سابع عشرين رجب‏.‏
ومات الأجل المبجل والعمدة المفضل الحسيب النسيب السيد محمد بن أحمدبن عبد اللطيف بن محمـد بـن تـاج العارفيـن بـن أحمـد بـن عمـر ابـن أبـي بكـر بـنمحمـد بـن أحمـد بـن علـي بـن حسيـن بـن محمـد بـن شرشيـق بـن محمـد ابـن عبـدالعزيـز بـن عبـد القادر الحسيني الجيلي المصري ويعرف بابن بنت الجيزي من بيت العزوالسيادة والكرامة والمجادة جدهم تاج العارفين تولى الكتابة بباب النقابـة ولازالـت فـي ولـده مضافـة لمشيخـة السـادة القدريـة ومنزلهـم بالسبع قاعات ظاهرالموسكي مشهور بالثروة والعز وكان المترجم اشتغل بالعلم حتى أدرك منه حظًا وافرًاوصار له ملكة يقتدر بها على استحضار النكات والمسائل والفروع وكان ذا وجاهة وهيبةواحتشام وانجمـاع عـن النـاس ولهـم منـزل ببركـة جنـاق يذهبـون إليـه فـي أيـامالنيـل وبعـض الأحيان للنزاعة توفي رحمه الله تعالى في هذه السنة وتولى منصبه أخوهالسيد عبد الخالق‏.‏
ومـات السيـد الفاضـل السالـك علـى بـن عمـر بـن محمـد بـن علـي بـنأحمد بن عبد الله بن حسن بن أحمـد بـن يوسـف بن إبراهيم بن أحمد ابن أبي بكر بنسليمان بن يعقوب بن محمد بن القطب سيدي عبد الرحيم القناوي الشريف الحسيني ولد بقناوقدم مصر وتلقن الطريقة عن الأستاذ الحفني ثم حبب إليه السياحة فورد الحرمين وركبمن جدة إلى سورت ومنها إلى البصرة وبغداد وزار من بهما من المشاهد الكرام ثم دخلالمشهد فزار أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ثم دخل جراسان ومنها إلىغزنين وكابل وقندهار واجتمع بالسلطان أحمد شاه فأكرمه وأجزل له العطاء ثم عاد إلىالحرمين وركب من هناك إلى بحر سيلان فوصل إلى بنارس واجتمع بسلطانها وذهب إلى بلادجاوة ثم رجع إلى الحرمين ثم سار إلى اليمن ودخل صنعاء واجتمع بإمامها ودخل زبيدواجتمع بمشايخها وأخذ عنهم واستأنسوا به وصـار يعقـد لهـم حلـق الذكـر على طريقتهوأكرموه ثم عاد إلى الحرمين ثم إلى مصر وذلك سنة اثنتيـن وثمانيـن وكانت مدة غيبتهنحو عشرين سنة‏.‏
ثم توجه في آخر هذه السنة إلى الصعيد واجتمع بشيخ العرب همام رحمهالله تعالى فأكرمه إكرامًا زائدًا ودخل قنا فزار جده ووصل رحمة ومكث هناك شهورًا ثمرجع إلى مصر وتوجه إلى الحرمين من القلزم وسافر إلى اليمن وطلع إلى صنعاء ثم عادإلى كوكبان وكان إمامها إذ ذاك العلامة السيد إبراهيـم بـن أحمـد الحسينـي وانتظـمحالـه وراج أمـره وشـاع ذكره وتلقن منه الطريقة جماعة من أهل زبيد واستمال بحسنمذاكرته ومداراته طائفة من الزيدية ببلدة تسمى زمرمر‏.‏
وهي بلدة باليمـن بالجبال وهم لا يعرفون الذكر ولا يقولون بطرقالصوفية فلم يزل بهم حتى أحبوه وأقام حلقة الذكـر عندهـم وأكرمـوه ثـم رجـع مـنهنـاك إلى جدة وركب من القلزم إلى السويس‏.‏
ووصل مصر سنة أربع وتسعين فنزل بالجمالية فذهبت إليه بصحبته شيخناالسيد مرتضى وسلمنا عليه وكنت أسمع به ولم أره قبل ذلك اليوم فرأيت منه كمال المودةوحسن المعاشرة وتمام المروءة وطيـب المفاكهـة وسمعـت منـه أخبـار رحلتـه الأخيـرةوترددنـا عليـه وتـردد علينـا كثيرًا وكان ينزل في بعض الأحيان إلى بولاق ويقيمأيامًا بزاوية علي بك بصحبة العلامة الشيخ مصطفى الصاوي والشيخ بدوي الهيتمي وحضرإلى منزلي ببولاق مرارًا باستدعاء وبدون استدعاء ثم تزوج بمصر وأتى إليه ولده السيدمصطفى من البلاد زائرًا وما زال على حاله في عبادة وحسن توجه إلى الله مع طيبمعاشرة وملازمة الأذكار وصحبة العلماء الأخيار حتى تمرض بعلة الاستسقـاء مـدة حتـىتوفـي ليلـة الثلاثـاء غـرة جمـادى الأولـى من السنة وصلي عليه بالأزهر ودفنبالقرافـة بيـن يـدي شيخـه الحفنـي‏.‏
وكـان ابنـه غائبـًا فحضـر بعـد مـدة مـن موتـه فلم يحصل من ميراثهإلا شيئًا نزرًا وذهب ما جمعه من سفر الله حيث ذهب‏.‏
ومات الوجيه النبيل والجليل الأصيل السيد حسين باشيجاويش الأشراف بنإبراهيم كتخدا تفكجيـان بـن مصطفـى أفنـدي الخطـاط كـان إنسانـًا حسنـًا جامعـًاللفضائـل واللطـف والمزايا واقتنى كتبًا كثيرة في الفنون وخصوصًا في التاريخ وكانمألوف الطباع ودودًا شريف النفس مهذب الأخلاق فلم يخلف بعده مثله رحمه اللهتعالى‏.‏
ومات الأمير محمد كتخدا أباظة وأصله من مماليك محمد جربجي الصابونجيولما مات سيده كمـا تقـدم تركـه صغيـرًا فخـدم ببيتهم ثم عند حسين بك المقتول ولميزل ينمو ويترقى في الخدم حتـى تقلـد كتخدائيـة محمـد بـك أبـي الذهـب فسـار فيهـابشهامـة وصرامـة ولـم يزل مبجلًا بعده في أيام مماليكه معدودًا من الأمراء وله عزوةمماليك وأتباع حتى تعلل ومات في هذه السنة‏.‏
ومات التاجر الخير الصدوق الصالح الحاج عمر بن عبد الوهاب الطرابلسيالأصل الدمياطي سكن دمياط مدة وهو يتجر واختص بالشيخ الحفني فكان يأتي غليه في كلعام يـزوره ويراسله بالهدايا ويكرم مـن يأتـي مـن طرفـه وكـان منزلـه مـأوىالوافديـن مـن كـل جهـة ويقـوم بواجب إكرامهم وكان من عادته أنه لا يأكل مع الضيوفقط إنما يخدم عليهم ما داموا يأكلون ثـم يأكـل مـع الخـدم وهـذا مـن كمـال التواضعوالمروءة‏.‏
وإذا قرب شهر رمضان وفد عليه كثيرة من مجاوري رواق الشوام بالأزهروغيره فيقيمون عنده حتى ينقضي شهر الصوم في الإكرام ثم يصلهـم بعـد ذلـك بنفقـةوكسـاوي ويعـودون مـن عنده مجبورين‏.‏
وفي سنة ثلاث وثمانين حصلت له قضية مع بعض أهل الذمة التجار بالثغرفتطاول عليه الذمي وسبه فحضر إلى مصر وأخبر الشيخ الحفني فكتبوا له سؤالًا في فتوىوكتب عليه الشيخ جوابًا وأرسله إلى الشيخ الوالد فكتـب علـي جوابـًا وأطنـب فيـهونقل من الفتاوى الخيرية جوابًا عن سؤال رفع للشيخ خير الدين الرملـي فـي مثـل هـذهالحادثـة بحـرق الذمـي ونحـو ذلـك وحضـر ذلك النصراني في أثر حضور الحاج عمـرخوفـًا علـى نفسـه وكـان إذ ذاك شوكـة الإسلـام قويـة فاشتغـل مع جماعة بمعونة كبارالنصارى بمصر بعد أن تحققوا حصول الانتقام وفتنوهم بالمال فأدخلوا على شكوكا وسبكواالدعوى في قالب آخر وذلك أنه لم يسبه بالألفاظ التي ادعاها الحاج عمر وأنه بعدالتسابب صالحه وسامحه وغيروا صورة السؤال الأول بذلك وأحضروه إلى الوالد فامتنع منالكتابة عليه فعاد به الشيخ حسن الكفراوي فحلف لا يكتب عليه ثانيًا أبدًا وتغيرخاطر الحاج عمر من طـرف الشيـخ واختل اعتقاده فيه وسافر إلى دمياط ولم يبلغ قصده منالنصراني ومات الشيخ بعد هذه الحادثة بقليل‏.‏
وانتهت رياسة مصر إلى علي بك وارتفع شأن النصارى في أيامه بكاتبهالمعلم رزق والمعلم إبراهيم الجوهري فعملوا على نفي المترجم من دمياط فأرسلوا له منقبض عليه في شهر رمضان ونهبوا أمواله من حواصله وداره ووضعوا في رقبته ورجليه القيدوأنزلوه مهانًا عريانًا مع نسائه وأولاده في مركب وأرسلوه إلى طرابلس الشام فاستمربها إلـى أن زالـت دولـة علـي بـك واستقـل بإمارة مصر محمد بك وأظهر الميل إلى نصرةالإسلام فكلم السيد نجم الدين الغزي محمد بك في شأن رجوعه إلى دمياط فكان أن يجيبلذلك وكنت حاضـرًا فـي ذلـك المجلـس والمعلـم ميخاييـل الجمـل والمعلـم يوسـفبيطـار وقـوف أسفل السدلة يغمزان الأمير بالإشارة في عدم الإجابة لأنه من المفسدينبالثغر ويكون السبب في تعطيل الجمارك فسوف السيد نجم الدين بعد أن كان قرب منالإجابة‏.‏
فلما تغيرت الدولة وتنوسيت القضية وصـار الحـاج عمـر كأنه لم يكنشيئًا مذكورًا رجع إلى الثغر وورد علينا مصر وقد تقهقر حاله وذهبـت نضارتـه وصـارشيخـًا هرمـًا ثـم رجـع إلـى الثغـر واستمـر بـه حتـى توفـي فـي السنـة وكـان لـهمع الله حال يداوم على الإذكار ويكثر من صلـاة التطـوع ولا يشتغـل إلا بمـا يهمـهرحمـه اللـه تعالى‏.‏
ومات الأمير الجليل إبراهيم كتخدا البركاوي وأصله مملوك يوسف كتخداعزبان البركاوي نشأ في سيـادة سيـده وتولـى فـي مناصـب وجاقهـم وقـرأ القـرآن فـيصغـره وجـود الخـط وحبـب إليـه العلـم وأهله‏.‏
ولما مات سيده كان هو المتعين في رئاسة بيتهم دون خشداشينه لرئاستهوشهامته ففتـح بيـت سيده وانضم إليه خشداشينه وأتباعه واشترى المماليك ودربهم فيالآداب والقراءة وتجويد الخط وأدرك محاسن الزمن الماضي‏.‏
وكان بيته مأوى الفضلاء وأهل المعارف والمزايا والخطاطيـن واقتنـىكتبـًا كثيـرة جدًا في كل فن وعلم حتى أن الكتاب المعدوم إذا احتيج إليه لا يوجدإلا عنده ويعير للناس ما يرومونه من الكتب للانتفاع في المطالعة والنقل وبآخرهاعتكف فـي بتـه ولـازم حاله وقطع أوقاته في تلاوة القرآن والمطالعة وصلاة النوافلإلى أن توفي في هذه السنة وتبددت كتبه وذخائره رحمه الله تعالى‏.‏
سنة تسع وتسعين ومائة وألف استهل العام بيوم الاثنين فكان الفالبالمنطق وأخذت الأشياء في الانحلال قليلًا‏.‏
وفي سابعه جاءت الأخبار بأن الجماعة المتوجهين لإبراعيم بك في شأنالصلح وهم الشيخ الدردير وسليمان بك الآغ ومرزوق جلبي اجتمعوا بإبراهيم بك فتكلموامعه في شأن ذلك فأجاب بشروط منها أن يكون هو على عادته أمير البلد وعلي أغا كتخداالجاويشيه على منصبه‏.‏
فلما وصل الرسول بالمكاتبة جمـع مـراد بـك الأمـراء وعرفهـم ذلـكفأجابـوا بالسمـع والطاعة وكتبوا جواب الرسالة وأرسلوها صحبة الذي حضر بها‏.‏
وسافر أيضًا أحمد بك الكلارجي أغا أمين البحرين في حادي عشرة‏.‏
وفي عشرينه وصلت الأخبار بأن إبراهيم بك نقض الصلح الذي حصل وقيل أنصلحه كان مداهنة لأغراض لا تتم له بدون ذلك فلما تمت احتج بأشياء أخر ونقض ذلك‏.‏
وفي سادس صفر حضر الشيخ الدردير وأخبر بما ذكر وأن سليمان بك وسليمأغا استمروا معه‏.‏
وفـي منتصفـه وصـل الحجاج من أمير الحاج مصطفى بك وحصل الحجاج فيهذه السنة مشقة عظيمـة مـن الغـلاء وقيـام العربـان بسبـب عوائدهـم القديمةوالجديدة ولم يزوروا المدينة المنورة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام لمنعالسبل وهلك عالم كثير من الناس والبهائم من الجوع وانقطـع منهـم جانـب عظيـم‏.‏
ومنهـم مـن نـزل فـي المراكـب إلـى القلـزم وحضر من السويس إلىالقصير ولـم يبـق إلا أميـر الحـج وأتباعـه ووقفـت العربـان لحجـاج المغاربـة فيسطح العقبة وحصروهم هناك ونهبوهـم وقتلوهـم عـن آخرهـم ولـم ينـج منهـم غـلا نحـوعشرة أنفار‏.‏
وفي أثناء نزول الحج وخروج الأمـراء لملاقـاة أميـر الحـج هـربإبراهيـم بك الوالي وهو أخو سليمان بك الأغا وذهب إلى أخيه بالمنية وذهب صحبته منكان بمصر من أتباع أخيه وسكن الحال أيامًا‏.‏
وفي أواخر شهر صفر سافر أيوب بك الكبير وأيوب بك الصغير بسبب تجديدالصلح فلما وصلـوا إلـى بنـي سويف حضر إليهم سليمان بك الأغا وعثمان بك الأشقرباستدعاء منهم ثم أجاب إبراهيم بك إلى الصلح ورجعوا جميعًا إلى المنية‏.‏
وفـي أوائـل ربيـع الـأول حضـر حسـن أغـا بيـت المـال بمكاتبـاتبذلك وفي أثر ذلك حضر أيوب بك الصغيـر وعثمـان بـك الأشقـر فقابـلا مـراد بكوقـدممـراد بـك لعثمـان بـك تقـادم ثـم رجـع أيـوب بـك إلى المنية ثانيًا‏.‏
وفي يوم الاثنين رابع ربيع الثاني وصل إبراهيم بك الكبير ومن معه منالأمراء إلى معادي الخبيري بالبر الغربي فعدى إليه مراد بك وباقي الأمـراءوالوجاقليـة والمشايـخ وسلمـوا عليـه ورجعـوا إلـى مصـر وعـدى فـي أثرهـم إبراهيـمبـك ثـم حضـر إبراهيـم بـك فـي يـوم الثلاثاء إلى مصر ودخل إلى بيته وحضر إليه فيعصريتها مراد بك في بيته وجلس معه حصة طويلة‏.‏
وفـي يـوم الأحـد عاشـره عمـل الديـوان وحضرت لإبراهيم بك الخلع منالباشا فلبسها بحضرة مراد بك والأمراء والمشايخ وعند ذلك قام مراد بك وقبل يدهوكذلك بقية الأمراء وتقلد علي أغاء كتخـدا الجاويشية كما كان وتقلد علي أغا أغاتمستحفظان كما كان فاغتاظ لذلك قائد أغا الـذي كـان ولـاه مـراد بـك وحصـل لـه قلـقعظيم وصار يترامى على الأمراء ويقع عليهم في رجوع منصبـه وصـار يقـول‏:‏ إن لـميـردوا إلـي منصبـي وإلا قتلـت علـي أغـا‏.‏
وصمـم إبراهيـم بـك علـى عدم عـزل علـي أغـا واستوحـش علـي أغـاوخـاف على نفسه من قائد أغا ثم أن أبراهيم بك قال‏:‏ إن عـزل علـي أغـا لا يتولاهاقائد أغا أبدًا‏.‏
ثم إنهم لبسوا سليم أغا أمين البحرين وقطع منها أمل قائد أغا وماوسعه إلا السكوت‏.‏
وفي منتصف جمادى الآخرة خرج عثمان بك المذكور بمماليكه وأجنادهمسافرًا إلى الصعيد بنفسه ولم يسمع لقولهم ولم يلبس تقليدًا لذلك على العادةفأرسلوا له جماعة ليردوه فأبى من الرجوع‏.‏
وفيه كثر الموت بالطاعون وكذلك الحميات ونسي الناس أمر الغلاء‏.‏
وفي يوم الخميس مات علي بك أباظة الإبراهيمي فانزعج عليه إبراهيمبـك وكـان الأمـراء خرجـوا بأجمعهـم إلـى ناحيـة قصـر العينـي ومصـر القديمـةخوفـًا مـن ذلـك‏.‏
فلما مات علي بك وكثير من مماليكهم داخلهم الرعب ورجعوا إلىبيوتهم‏.‏
وفي يوم الأحد طلعوا إلى القلعة وخلعوا علي لاجين بك وجعلوه حاكمجرجًا ورجع إبراهيم بك إلى بيته أيضًا وكان إبراهيم بك إذ ذاك قائمقام‏.‏
وفيه مات أيضًا سليمان بك أبو نبوت بالطاعون‏.‏
وفي منتصف رجب خف أمر الطاعون‏.‏
وفـي منتصـف شعبـان ورد لخبـر بوصـول بـاش مصـر الجديـد إلى ثغرسكندرية وكذلك باش جدة ووقـع قبـل ورودهمـا بأيام فتنة بالإسكندرية بين أهل البلدوأغات القلعة والسردار بسبب قتيل من أهل البلد قتله بعض أتباع السردار فثار العامةوقبضوا على السردار وأهانوه وجرسوه على حمار وحلقوا نصف لحيته وطافوا به البلد وهومكشوف الرأس وهم يضربونه ويصفعونه بالنعالات‏.‏
وفيـه أيضـًا وقعـت فتنـة بيـن عربـان البحيـرة وحضـر منهـم جماعـةإلـى إبراهيـم بـك وطلبـوا منـه الإعانـة على أخصامهم فكلم مراد بك في ذلك فركبمراد بك وأخذهم صحبته ونزل إلى البحيرة فتواطـأ معـه الأخصـام ورشـوه سـرًا فركـبليـلًا وهجـم علـى المستعينيـن بـه وهـم في غفلة مطمئنين فقتل منهم جماعة كثيرةونهب مواشيهم وإبلهم وأغنامهم ثم رجع إلى مصر بالغنائم‏.‏
وفـي غايـة شعبـان حضـر باشـة جـدة إلـى ساحـل بولـاق فركـب علـيأغا كتخدا الجاويشية وأرباب وفي غرة رمضان ثارت فقراء المجاورين والقاطنين بالأزهروقفلوا أبواب الجامع ومنعـوا منـه الصلوات‏.‏
وكان ذلك يوم الجمعة فلم يصل فيه ذلك اليوم وكذلك أغلقوا مدرسة محمدبك المجاورة له ومسجد المشهد الحسيني وخرج العميان والمجاورون يرمحون بالأسواقويخطفون ما يجدونه من الخبز وغيره وتبعهم في ذلك الجعدية وأرذال السوقة‏.‏
وسبب ذلك قطع رواتبهم وأخبازهم المعتادة واستمروا على ذلك إلى بعدالعشاء فحضر سليم أغا أغات مستحفظان إلى مدرسة الأشرفية وأرسل إلى مشايخ الأروقةوالمشار إليهم في السفاهة وتكلـم معهـم ووعدهم والتزم لهم بإجراء رواتبهم فقبلوامنه ذلك وفتحوا المساجد‏.‏
وفي يوم الأحد ثامن شهر شوال الموافق لتاسع مسرى القبطي كان وفاءالنيل المبارك وكانت زيادتـه كلها في هذه التسعة أيام فقط ولم يزد قبل ذلك شيئًاواستمر بطول شهر أبيب وماؤه أخضر فلما كان أول شهر مسرى زاد في ليلة واحدة أكثر منثلاثة أذرع واستمرت دفعات الزيادة حتى أوفى أذرع الوفاء يوم التاسع وفيه وقع جسربحر أبي المنجا بالقلوبية فيعينوا له أميـرًا فأخـذ معـه جملة أخشاب ونزل وصحبتهابن أبي الشوارب شيخ قليوب وجمعوا الفلاحين ودقوا له أوتادًا عظيمة وغرقوا به نحوخمسة مراكب واستمروا في معالجة سده مدة أيام فلم ينجع من ذلك شيء وكذلك وقع ببحرمويس‏.‏
وفـي يـوم الاثنيـن ثامـن عشـر القعـدة سافـر كتخـدا الجاويشيـةوصحبتـه أربـاب الخدم إلى الإسكندرية لملاقاة الباشا والله تعالى أعلم‏.‏
من مات في هذه السنة ممن له ذكر مات الشيخ الإمام العارف المتفننالمقرئ المجود الضابط الماهر المعمر الشيخ محمد بن حسن بن محمد بن أحمد جمال الدينبن بدر الدين الشافعي الأحمدي ثم الخلوتي السمنودي الأزهري المعروف بالمنير ولدبسمنود سنـة 1099 وحفـظ القـرآن وبعـض المتـون وقـدم الجامـع الأزهـر وعمره عشرونسنة فجود القرآن على الإمام المقرئ علي بن محسن الرملي وتفقه على جماعة منهـمالشيـخ شمـس الديـن محمـد السجيمي والشيخ علي أبي الصفا الشنواني وسمع الحديث علىأبي حامد البديري وأبي عبد الله محمد بن محمد الخليلي وأجازه في سنة 1132 وأجازهكذلـك الشيـخ محمد عقيلة في آخرين وأخذ الطريقة ببلده على سيدي علي زنفل الأحمديولما ورد مصـر اجتمـع بالسيـد مصطفـى البكري فلقنه طريقة الخلوتية وانضوى إلى الشيخشمس الدين محمد الحفني فقصر نظره عليه واستقام به عهده فأحياه ونور قلبه واستفاضمنه فلم يكن ينتسـب فـي التصوف إلا إليه‏.‏
وحصل جملة من الفنون الغريبة كالزايرجة والأوفاق على عدة من الرجالوكان ينزل وفق المائة في المائة وهو المعروف بالمئيني ويتنافس الأمراء والملوكلأخذه منـه وأحـدث فيهـا طرقـًا غريبة غير ما ذكره أهل الفن وقد أقرأ القرآن مدةوانتفع به الطلبة وقرأ الحديـث‏.‏
وكـان سنـده عاليـًا فتنبـه بعـض الطلبـة فـي الأواخـر فأكثـرواالأخـذ عنـه‏.‏
وكان صعبًا في الإجازة لا يجيز أحدًا إلا إذا قرأ عليه الكتاب الذييطلب الإجازة فيه بثمامه ولا يرى الإجازة المطلقة ولا المراسلة حتى أن جماعة منأهالي البلاد البعيدة أرسلوا يطلبون منه الإجازة فلم يرض بذلك وهذه الطريقة في مثلهذه الأزمان عسرة جدًا‏.‏
وفي أواخره انتهى إليه الشأن وأشيـر إليـه بالبنـان وذهبـت شهرتـهفي الآفاق وأتته الهدايا من الروم والشام والعراق وكف بصره وانقطـع إلـى الذكـروالتدريـس فـي منزلـه بالقـرب مـن قنطـرة لموسكـي داخـل العطفـة بسويقـة الصاحبولازم الصوم نحو ستين عامًا ووفدت عليه الناس من كل جهة وعمر حتى ألحق الأحفادبالأجداد وأجاز وخلف وربما كتـب الإجـازات نظمـًا علـى هيئـة إجـازات الصوفيـةلتلامذتهـم فـي الطريـق ولـم يـزل يبـدي ويعيـد ويعقـد حلـق الذكـر ويفيـد إلـى أنوافاه الأجل المحتوم في هـذه السنـة وجهـز وكفـن وصلـي عليـه بالأزهر في مشهد حافلوأعيد إلى الزاوية الملاصقة لمنزله وكثر عليه الأسف‏.‏
ومـات الشيـخ الإمام الفاضل الصالح علي بن علي بن علي بن علي بنمطاوع العزيزي الشافعي الأزهري أدرك الطبقة الأولى من المشايخ كالشيخ مصطفىالعزيـزي والشيـخ محمـد السحيمـي والدفري والملوي وأضرابهم وتفقه عليهم ودرسبالجامع الأزهر وانتفع به الطلبة وقرأ دروسًا بمشهـد شمـس الديـن الحنفـي وكـانيسكـن فـي بولـاق ويأتـي كـل يوم إلى مصر لإلقاء الدروس‏.‏
وكان إنسانـًا حسنـًا صبـورًا محتسبـًا فصيحـًا مفوهـًا لـه اعتقـادفـي أهـل اللـه‏.‏
توفـي تاسـع ربيـع الثانـي سنة تسع وتسعين هذه‏.‏ ومات
الإمام الصالح الناسك المجود السيد علي بن محمد العوضي البدري
الرفاعي المعروف بالقراء وهو والد صاحبنا العلامة السيد حسن البدريولد بمصر وحفظ القرآن وجوده على شيـخ القـراء شهـاب الدين أحمد بن عمر الاسقاطي وبهتخرج وأقرأ القرآن بالسبعة كثيرًا بالجامع الأزهر وبرواق الأروام وانتفع به الطلبةطبقة بعد طبقـة‏.‏
وكـان لـه معرفـة ببعـض الأسـرار والروحانيات وغير ذلك‏.‏
ومـات الاختيـار المفضـل المبجـل علـي بن عبد الله الرومي الأصلمولى درويش أغا المعروف الآن بمحرم أفندي باش اختيار وجاق الجاويشية كان لكونه خدمعنده وهو صغير اشتغل بالخط وجوده على المرحوم حسن الضيائي وعبد الله الانبس وأدركالطبقة منهم ومهر فيه وأنجب ولم يكونا أجازاه فعمل له مجلسًا في منزل المرحوم عليأغا وكيل دار السعادة واجتمع فيه أرباب الفن من الخطاطين وأجازه حسن أفندي الرشديمولى علي أغا المشار إليه وكان يومًا مشهودًا‏.‏
ولقب بدرويش وكتب بخطه كثيرًا وحج سنة 1171 واجتمع بالحرمين علىالأفاضل وتلقى منهم أشياء وعاد إلى مصر واجتمع بأديب عصره محمد بن عمر الخوانكي أحدتلامذة الشهاب الخفاجي فتعلق بعنايته بالأدب وصار في محفوظيته جملة من أشعارهوقصائده وجملة من قصائد الأرجاني وجملة من المقامات الحريرية وعني بحفظ القرآنفحفظه على كبره وتعب فيـه وحفـظ أسمـاء أهـل بـدر وكـان دائمـًا يتلوهـا‏.‏
ولأجله ألف شيخنًا السيد محمد مرتضى شرح الصـدر فـي شـرح أسمـاءأهـل البـدر فـي عشريـن كراسـًا والتفتيـش فـي معنـى لفظ درويش كراسًا‏.‏
ولازم المذكور منذ قدم مصر وسمع عليه مجالس من الصحيح والمسلسلبالأسودين وبالعيد والشمائـل والأمالـي وجـود عليـه شيخنـا المذكـور فـي الخط وقدصاهرت المترجم وتزوجت بربيبته في أواخر سنة خمس وتسعين برغبة منه وهي أم الولد خليلفتح الله عليه ولما حصلت النسابـة والمصاهـرة حولته بعياله إلى منزلي لتعب الوقتوتعطيل أسباب المعايش‏.‏
ولما عاشرته بلـوت منـه خيـرًا ودينـًا وصلاحـًا وكان لا ينام منالليل إلا قليلًا ويتبتل إلى مولاه تبتيلًا فيصلي ما تيسر من النوافل ثم يكملبتلاوة القرآن المرتلـة مـع التدبـر لمعانـي الآيـات المنزلـة وكـان حسـن السمـتنظيـف الثيـاب عظيـم الشيبـة منـور الوجـه وجيه الطلعة مهيب الشكل سليم الطويلةمقبول الروحانية ملازمًا على حضور الجماعة حريصًا على إدراك الفضائل‏.‏
توفي جمادى الأولى عن نيف وتسعين سنة ولم تهن قواه ولم يسقط له سنويكسر اللوز بأسنانه ودفناه بجوار الإمام أبي جعفر الطحاوي لأنه كان ناظرًا عليهرحمه الله‏.‏
ومات الأستاذ الفاضل والمستعد الكامل ذو النفحات والإشارات السيدعلي بن عبد الله بن أحمد العلوي الحنفي سبط آل عمر صاحبنا ومرشدنا ووالده أصله منتوقاد وولد هو في مصر سنة 1173 وعاني الفنون ومهر وأنجب في كل شيء عاناه في أقل زمنبحيث أنه إذا توجهت همته لعلم من العلوم الصعبة وطالع فيه أدركه وأظهر مخبئاتهوثمراته وألف فيه وأظهر عجائب أسراره ومعانيه في زمن قليل وكان حاد الذهن جدًادراكًا قوي الحافظة يحفظ كل شيء سمعه أو مر عليه ببصره ولازم في مبتدأ أمره شيخناالسيد محمد مرتضى كثيرًا وقرأ عليه الفصيح لثعلب وفقه اللغة للثعالبي وأدب الكاتبلابن قتيبة في مجالس دراية وسمع منه كثيـرًا مـن شرحـه علـى القامـوس وكتـب عنـهبيده أجزاء كثيرة وقرأ عليه الصحيح في اثني عشر مجلسًا في رمضان سنة ثمان وثمانينوسمع عليه أيضًا الصحيح مرة ثانية مشاركًا مع الجماعة مناوبة في القراءة في أربعمجالس ومدة القراءة من طلوع الشمس إلى بعد كل عصر وصحيح مسلـم فـي ستـة مجالـسمناوبـة بمنـزل الشيـخ بخـان الصاغـة‏.‏
وكتـب الأمالـي والطبـاق وضبط الأسماء وقلد خط الصلاح الصفدي فيوضعه فأدركه وقرأ عليه أيضًا المقامات الحريرية ورسائل في التصريـف وغيـر ذلـك ممالا يدخل تحت الضبط لكثرته‏.‏
وسمع المسلسل بالعيد وبالأسودين التمر والماء‏.‏
وسمع عليه أوائل الكتب الستة والمعاجم والمسانيد في سنة تسعين بمنهلشيخه مع الجماعة وجزء نبيط بن شريط الأشجعي وبلدانيات السلفي وبلدانيات بن عساكروأحاديث عاشـوراء تخريـج المنـذري وأحاديـث يـوم عرفة تخريج بن فهد وعوالي بن مالكوثلاثيات البخاري والدارمي وجزأ فيه أخبار الصبيان والخلعيات بتماماها وهي عشرونجزءًا وعرف المترجم العالي من النازل واجتمع بشخينا السيد العيدروس وقربه وأدناهولازمه وقرأ عليه أشياء من كتب الصوفية ومال إليـه وصـار ينطـق بالشعـر وأقبـل علـىالـأدب والتصـوف ولا زال كذلـك حتى صـار يتكلـم بكلـام عـال‏.‏
وألـف كتابـًا فـي علـم الأوفـاق فـي كراريـس لطيفـة علـى نسـقعجيـب مفيـد وامتـزج بالروحانيـة حتـى أنـي رأيته ينزل الوفق في الكاغد ويضعه علىراحة كفه فيرتعش ويلتف ببعضه ثم ينبسط بنفسه كما كان وإذا أخذه غيره ووضعه على مثلوضعه لا يتحرك أبـدًا‏.‏
ومـارس فـي علـم الرمـل أيامـًا فـأدرك منتهـاه واستخـرج منـه مـالا يستخـرج الممارس فيه سنين مـن الضميـر والمـدة وغيـر ذلـك فـي أسـرع وقـت وألـففيـه كتابًا لخص فيه قواعده من غير مشقة‏.‏
ومـارس فـي الفلكيـات مـع سليمـان أفنـدي كنيـاذ وصنـف فيـه وفـيغيره‏.‏
وبآخره انجمع عن خلطة الناس وأقبل على ربه وكان قد تزوج بامرأةوكانت تؤذيه وتشتمه وربما كانت تضربه وهو صابر عليها مقبل على شأنه وألف أورادًاوأحزابًا وأسماء على طريقة الأسماء السهر وردية عجيبة المشرب بنفس عال غريب وصاريتكلم بكلام لا يطرق الأسماع نظيره ولم يزل على ذلـك حتـى تعلـل ولحق بربه وتوفي فيسادس ربيع الأول من السنة وأعقب ولدًا من تلكالمرأة التي كان تزوج بها وبالجملةوالإنصاف أنه كان من آيات الله الباهرة‏.‏
ودفن بالقرافة بتربة علي أغا صالح رضي الله عنا وعنه ورحمناأجمعين‏.‏
ومات الشيخ الفقيه الدراكة العلامة السيد سليمان بن طه بن أبيالعباس الحريثي الشافعي المقري الشهير بالأكراشي وهي قرية شرقي مصر وحفظ القرآن علىالشيخ مصطفى العزيزي خادم النعال بمشهد السيدة سكينة وأعاده بالعشر على الشيخ عبدالرحمن الأجهوزي المقري وأجازه في محفل عظيم في جامع ألماس وسمع وحضر دروس فضلاءوقته ومهر فـي فقـه المذهب ودرس في جامع الماس وغيره وسمع مـن شيخنـا السيـد مرتضـىالمسلسـل بالأوليـة بشرطه والمسلسل بالعيد وبالمحبة وبالقسم وبقراءة الفاتحة في نفسواحد وبالالباس والتحكيم وسمـع الصيحيـن بطرفيهمـا فـي جماعـة بجامـع شيخـونبالصليبـة وسمـع أجـزاء البلدانيـات للحافظ أبي طاهر السلفي وجزء النيل وجزء يومعرفة ويوم عاشوراء وغير ذلك‏.‏
وله تآليف وجميعات ورسائـل فـي علـوم شتـى‏.‏
ولمـا اجتمع بشيخنا المذكور ورأى ملازمة السيد علي المترجم آنفًا بهفي أكثر أوقاته ونظر نجابته وما فيه من قوة الفهم والاستعـداد لامـه علـى ملازمتـهللسيـد وانقطاعه عن بقية العلوم وقال له‏:‏ هذا شيء سهل يمكن تحصيله في زمن قليلوقد قرأت وحصلت ما فيه الكفاية والأولى أن تشغل بعض الزمن بتحصيل المعقولات وغيرهافإن مثلك لا يقتصـر علـى فـن مـن الفنـون والاقتصـار ضيـاع‏.‏
فقبـل منـه واشتغل عليه وعلى غيره وانقطع بسبب الاشتغال عن كثرةالترداد على الشيخ كعادته وعلم ذلك فانحراف على كل منهما وبالخصوص على السيد عليوصعب عليه جدًا وأدى ذلك إلى الانقطاع الكلي‏.‏
ولما مات الشيخ العزيزي تنزل المترجم في مشيخة القراء بمقام السيدةنفيسة رضي الله عنها وكان إنسانًا حسنًا جامعًا للفضائل وحضر معنا الهداية في فقهالحنفية على شيخنا المرحوم العلامـة الشيـخ مصطفـى الطائـي الحنفـي وكـان يناقـشفـي بعـض المسائـل المخالفـة لمذهبه إلى أن وافاه الحمام في هذه السنة رحمه الله‏.‏
ومـات أوحـد الفضـلاء وأعظـم النبـلاء العلامـة المحقـق والفهامـةالمدقـق الفقيـه النبيـه الأصولـي المعقولـي المنطقي الشيخ أبو الحسن بن عمر القلعيابن علي المغرب المالكي قدم إلى مصر في سنة 1154 وكان لديه استعداد وقابلية وحضرأشياخ الوقت مثل البليدي والملوى والجوهري والحفنـي والضيـخ الصعيـدي واتحد بالشيخالوالد وزوجه زوجة مملوكه مصطفى بعد وفاته وهي خديجـة معتوقـة المرحـوم الخواجاالمعروف بمدينة وأقامت معه نحو الأربعين سنة حتى كبر سنها وهرمت وتسرى عليها مرتينولما حضر المرحوم محمد باشا راغب واليًا على مصر اجتمع به ومارسـه وأحبـه وشـرحرسالتـه التـي ألفهـا فـي علـم العـروض والقوافـي ولمـا عزل راغب وذهب إلى دارالسلطنة وتولى الصدارة سافر إليه المترجم فأجله وأكرمه ورتب له جامكيـة بالضربخانـةبمصر ورجع إلـى مصـر وتولـى مشيخـة رواق المغاربـة ثلـاث مـرات بشهامـة وصرامـةزائـدة‏.‏
وسبب عزله في المرة الوسطى أن بعض المغاربة تشاجر مع الشيخ عليالشنويهي وانتصر هو للمغاربة لحمية الجنسية ونهر الشيخ علي فذهب الشيخ علي واشتكاهإلى علي بك في أيام إمارته أحضره علي بك فتطاول على الشيخ علي بحضرة الأمير وادعىالشيخ علي أنه لطمه على وجهه في الجامع فكذبه المترجم فحلف الشيخ علي بالله على ذلكفقال له المترجم‏:‏ احلف بالطلاق فاغتاظ منه الأمير علي بك وصرفهما وأرسل في الحالوأحضر الشيخ عبد الرحمن البناني وولاه مشيخة الرواق وعزل الشيخ أبا الحسن وانكسفباله لذلك ثم أعيد بعد مـدة إلى المشيخة وكان وافر الحرمة نافذ الكلمة معدودًا منالمشايخ الكبار مهاب الشكل منور الشيبة مترفهًا في ملبسه ومأكله يعلوه حشمة وجلالةووقار إذا مر راكبًا أو ماشيًا قام الناس إليه وبادروا إلى تقبيل يده حتى صار ذلكلهم عادة وطبيعة لازمة يرون وجوبها عليهم‏.‏
وللمترجم تأليفات وتقييدات وحواش نافعة منها حاشية علي الأخضري علىسلمه وحاشية علـى رسالـة العلامـة محمـد أفنـدي الكرمانـي فـي علـم الكلـام فـيغايـة الدقـة تدل على رسوخه في علم المنطق والجدل والمعاني والبيان والمعقولات وشرحعلى ديباجة شرح العقيدة المسماة بأم البراهين للإمام السنوسي وله كتـاب ذيـلالفوائـد وفرائـد الزوائـد علـى كتـاب الفوائـد والصلـاة والعوائد وخواص الآياتوالمجربات التي تلقاها من أفواه الأشياه وكتاب في خواص سورة يس وغير ذلك‏.‏
وأخذ عن المرحوم الوالد كثيرًا من الحكميات والمواقف والهدايةللأبهري والهيئة والهندسـة‏.‏
ولـم يـزل مواظبـًا علـى تردده عليه وزيارته في الجمعة مرتين أوثلاثة ويراعي له حق المشيخـة والصحبـة فـي حياتـه وبعدهـا وكـان سليم الباطن مع مافيه من الحدة إلى أن توفي في ربيع الأول من هذه السنة رحمه الله‏.‏
ومات الشيخ المعتقد عبد الله بن إبراهيم بن أخي الشيخ الكبيرالمعروف بالموافي الشافعي السندوبي الرفاعي نزيل المنصورة ولد ببلده منية سندوب سنة 1140 وحفظ القرآن وبعض المتون وقدم المنصورة فمكث تحت حيازة عمه في عفة وصلاح وحضردروس الشيخ أحمد الجالـي وأخيـه محمـد الجالـي وانتفـع بهمـا فـي فقـه المذهب فلماتوفي عمه في سنة إحدى وستين أجلس مكانه في زاويتـه التـي أنشأهـا عمـه فـي مؤخـرالجامـع الكبيـر بالمنصـورة وسلـك علـى نهجـه فـي أحياء الليالي بالذكر وتلاوةالقرآن وكان يختم في كل يوم وليلة مرة وربى التلاميذ وصارت له شهرة زائدة معالانجماع عن الناس لا يقوم لأحد ولا يدخل دار أحد وفيه الاستئناس وعند فوائـد يذاكربها ويشتغل دائمًا بالمطالعة والمذاكرة واعتقده الخاص والعام‏.‏
ولما سافرنا إلى دمياك سنـة تسـع وثمانيـن وجزنا بالمنصورة وطلعناهاذهبنا إلى جامعها الكبير ودخلنا إليه في حجرته فوجدته جالسًا على فراش عال بمفردهبجانب ضريح عمه وهو رجل نير بشوش فرحب بنا وفـرح بقدومنـا وأحضـر لنـا طبقـًا فيـهقراقيـش وكعـك وشريـك وخبـز يابـس ولبـن وبوسطـه دقـة وجبـن فأكلنا ما تيسر وسقاناقهوة في فنجان كبير وتحدث معنا ساعة ودعـا لنـا بخيـر وودعنـاه وسافرنا فيالوقـت‏.‏
ولـم أره غيـر هـذه المـرة‏.‏
وهـو إنسـان حسـن جامـع للفضائـل توفـي فـي السنـة ولـم يخلف بعدهمثله‏.‏
ومات السيد الإمام العلامة الفقيه النبيه السيد مصطفى بن أحمد ابنمحمد البنوفري الحنفي أخذ الفقه عن والده وعن السيد محمد أبي السعود والشيخ محمدالدلجـي والشيـخ الزيـادي وغيرهـم وحضـر المعقول على علماء العصر كالشيخ عيسىالبراوي وغيره ودرس في محل والده بالقرب من رواق الشوام إلا أنه لم يكن له حظ فيالطلبة فكان يأتي كل يوم الجامع ويجلس وحـده ساعـة ثم يقوم ويذهب إلى بيته بسويقةالعزى وكان لا يعرف التصنع وفيه جذب ويعود المرضي كثير الأغنياء والفقراء توفي فيالسنة رحمه الله‏.‏
ومـات العلامـة المتقـن والفهامـة المتفنـن أحـد الأعلـام الرواسخوشيخ المشايخ الفقيه النحوي الأصولي المعقولي المنطقي ذو المعاني والبيان وحلالالمشكلات بإتقان الصالح لقانع الورع الزاهد الشيـخ محمـد بـن محمـد بـن محمـد بـنمصطفى بن خاطر الفرماوي الأزهري الشافعي البهوتي نسبة إلى قبيلة البهتة جهة الشرقولد بمصر رباه والده وحفظ القرآن والمتون وحضر على أشياخ العصـر الملـوي والجوهريوالطحلاوي والبراوي والبليدي والصعيدي والشيخ علي قايتباي والمدابغي والأجهوريوأنجب فق الفقه والمعقول ودرس وأفاد الطلبة واشتهر بالفتوح على كل من أخذ عنه حتىصار له المشيخة على غالب أهل العلم من الطبقة الثانية‏.‏
وكان مذهب النفس جدًا لين الجانب متواضعًا منكسر النفس لا يرى لنفسهمقامًا يجلس حيث ينتهي به المجلس ولا يتداخل فيما لا يعنيه مقبلًا على شأنه ملازمًاعلى الاشتغال والإفادة والمطالعة‏.‏
وممـا اتفـق لـه أنـه قـرأ البخـاري والمنهـج صبية النهار والقطبعلى الشمسية في الضحوة والاشوني وقـت الظهـر وابـن عقيـل بعـد العصـر والشنشوري بعدالمغرب كل ذلك في آن واحد ويحضره في ذلـك جـل الأفاضـل وهـذا لـم يتفـق لغيـره مـنأقرانـه ولـم يـزل علـى حالتـه حتى توفي في آخر يوم من رجب من السنة وخلف ولدهالعمدة الفاضل الصالح الشيخ مصطفى على قدم والده وأسلافه من الإفادة وملازمةالإقراء أعانه الله على وقته ونفع به‏.‏
ومات الشيخ الإمام العلامة والنحرير الفهامة محمد بن عبد ربه ابنعلي العزيزي الشهير بابن السـت ولدسنـة 1118 بمصر وسبب تسميته بابن الست أن والدتهكانت سرية رومية اشتراها أبوه وأولدها إياه وكان قد تزوج بحرائر كثيرة فلم يلدن إلاالإناث حتى قيل أنه ولد له نحو ثمانين بنتًا فاشترى أم ولده هذا فولدته ذكرًا ولمتلد غيره ففرح به كثيرًا ورباه في عز ورفاهية وقرأ القرآن مع الشيخ علي العدوي فيمكتب واحد فلذلك اعتشر بالمالكية وصار مالكي المذهب‏.‏
ولما ترعرع أراد الانتقال إلى مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنهفرأى الشافعي في المنام وأشار عليه بعدم الانتقال فاستمر مالكي المذهب وتفقه علىالشيخ سالم النفراوي واللقاني والشبراملسي وسمع على الشيخ عبد ابن علي النمرسيالمسلسـل بالأوليـة وأوائل الكتب الستة وسنن النسائي الصغرى المسماة بالمجتبيوالمسلسل بالمصافحة والمشابكة والسبحـة وغيـر ذلـك وأخـذ عليه أيضًا ملا عصام علىالسمرقندية وشرح رسالة الوضع وشرح الجزرية لشيخ الإسلام وأوائل تفسير القاضيالبيضاوي معالبحث والتدقيق وأجازه بما يجوز له وعنه روايته بشرطه وأخذ المعقول عنالشيخ أحمد الملوي والشيخ عبده الديوى والشيخ الاطفيحي والخليفي وأخذ طريقالشاذليـة عـن الشيـخ أحمـد لجوهـري والشيـخ الملـوي وهمـا أخذاها عن سيدي عبد اللهبن محمد المغرب القصري الكنكسي‏.‏
وكان المترجم على قدم السلـف لا يتداخل في أمور الدنيا ولا يتفاخرفي ملبس ولا يركب دابة ولا يدخل بيت أمير ولا يشتغل بغير العلم ومدارسته ويشهد لهمعاصروه بالفضل وإتقان العلوم والديانة‏.‏
وسمعت منه المسلسل بالأولية وأجازني بمسموعاته ومروياته وتلقيت عنهدائرة الشاذلي وأجازني بوضعهـا ورسمها ونقطة مركزها كل ذلك في مجلس واحد بمنزليببولاق بشاطئ النيل سنة 1190‏.‏
وكان يجيئني ويودني ويقول لي‏:‏ أنت ابن خالتي لكون والدتي ووالدتهمن السراري‏.‏
وصنف حاشيـة علـي الزرقانـي علـى العزيـة وهـي مستعملـة بأيديالطلبة وديباجة وخاتمة على أبي الحسن على الرسالة وخاتمة على شرح الخرشي وديباجةعلى أيساغوجي في المنطق وحاشية علي الحفيد على العصام وتكملة على العشماوية وشرحًاعلى آية الكرسي وشرحًا على الحوضية فـي التوحيـد ولـم يـزل مقبـلًا على شأنه وحالهحتى توفي في هذه السنة عن أربع وثمانين سنة رحمه الله تعالى‏.‏
ومـات السيـد الأجـل المبجـل السيـد أحمـد بـن عبـد الفتـاح بن طهبن عبد الرزاق الحسيني الحموي القـادري ولد أبوه السيد عبد المفتاح بحماه وارتحلبكريميه رقية وفاطمة ابنة السيد طه فزوج الأولى بأحد أعيان مصر بن حسين الشمسي وهيأم أولاده حسن وحسين وعثمان ومحمود ورضوان وتزوجت السيدة فاطمة بعلي أفندي البكريأخي سيدي بكري الصديقي فأولدها محمد أفندي نقيب السادة الأشراف وهو والد محمد أفنديالأخير وأقام والده السيد عبد الفتـاح بمصـر مـدة وتنـزل فـي بعـض المناصـب ثـمتوجـه إلـى ملك الروم فأكرمه ووجه له بعناية بعض الأعيان نقابة الأشراف بمصر وحضرإلى مصر وقرئ المرسوم الوارد بذلك وكاد أن يتم لـه الأمـر فلـم يمكـن مـن ذلـكبتوقيـة بعـض الأمراء وحنقوا عليه حيث توجه من مصر إلى الروم خفية ولم يأخذ منهمعرضًا وجعل له شيء معلوم من بيت النقابة وبقي ممنوعًا عنها‏.‏
وكان سيدًا محتشمًا فصيح اللسان بهي الشكل وتزوج ببنت سيدي مكيالوارثي وولد له منها السيد أحمـد المترجـم وتربى ببنت سيدي مكي الوارثي وولد لهمنها السيد أحمد المترجم وتربى في العـز والرفاهيـة ببيتهم المعروف بهم بالأزبكيةبخط الساكت وكان إنسانًا حسنًا مترفهًا في مأكله وملبسه منجمعًا عن الناس إلالمقتضيات لا بد له منها‏.‏
توفي رحمه الله في هذه السنة ولم يعقب‏.‏
ومات الشيخ الصالح الماهر الموفق علي بن خليل شيخ القبان بمصر وكـانماهـرًا فـي علـم الحسـاب ومعرفة الموازين والقرسطون المعروف بالقبان ودقائقهوصناعته ولما عني المرحوم الوالد أمـر الموازيـن وتصحيحها وتحريرها في سنة اثنتينوسبعين وصنف في ذلك العقد الثمين فيما يتعلق بالموازين طالعه عليه وتلقاه عنه معمشاركة الشيخ حسن بن ربيع البولاقي وأتقنا ذلك وتميـزا بـه دون أهـل فنهمـا‏.‏
وكـان المترجـم إنسانـًا بشوشـًا منـور الشيبـة ولديه آداب ونوادرومناسبات وحج مرارًا أو أثرى وتمول ثم تقهقر حاله ولزم بيته إلى أن توفي في هذاالعام ولم يخلف بعده مثله‏.‏
ومـات الشريـف الحسيب النسيب السيد مصطفى بن السيد عبد الرحمنالعيدروس وهو مقتبل الشيبية وصلي عليه بالأزهر ودفن عند والده بمقام العتريس تجاهمشهد السيد زينب وكانت وفاته رابع عشرين ربيع الأول من السنة رحمه الله‏.‏
سنة مائتين وألف كان أول المحرم يوم الجمعة وفي ذلك اليوم وصلالباشا الجيد إلى برانبابة واسمه محمد باشا يكـن فبـات ليلـة الجمعـة هنـاك وفـيالصباح ذهب إليه الأمراء وسلموا عليه على العادة وعدوا به إلـى قصـر العينـي فجلـسهنـاك إلـى يـوم الاثنيـن رابعـه وركـب بالموكـب وشق من الصليبة وطلع إلى وفـي يـومالخميـس ثانـي عشـر صفـر حضـر مبشـر الحـاج بمكاتيـب العقبـة وأخبـر أن الحجـاج لميزوروا المدينة أيضًا في هذه السنة مثل العام الماضي بسبب طمع أمير الحاج في عدمدفع العوائد للعربـان وصـرة المدينـة وأن أحمـد باشـا أميـر الحـاج الشامـي أكـدعليه في الذهاب وأنعم عليه بجملة مـن المـال والعليـق والذخيـرة فاعتـل بـأنالأمـراء بمصـر لـم يوفوا له العوائد ولا الصرة في العام الماضي وهذا العام واستمرعلى امتناعه‏.‏
وحضر الشريف سرور شريف مكة وكلمه بحضرة أحمد باشا وقال‏:‏ إذا كانكذلك فنكتب عرض محضر ونخبر السلطان بتقصير الأمراء وتضع عليه خطـك وختمـك وللسلطـانالنظـر بعـد ذلك‏.‏
فأجاب إلى ذلك ووضع خطه وختمه وحضر إليهم الجاويـش فـي صبحهـافخلعـوا عليـه كالعـادة ورجع بالملاقاة وخرج الأمراء في ثاني يوم إلى خارج بأجمعهمونصبوا خيامهم‏.‏
وفـي يـوم الاثنيـن وصـل الحجـاج ودخلـوا إلـى مصـر ونـزل أميـرالحـج بالجنبلاطيـة ببـاب النصـر ولـم ينزل بالحصـورة أولًا علـى العـادة وركب فييوم الثلاثاء ودخل بالمحمل بموكب دون المعتاد وسلم المحمل إلى الباشا‏.‏
وفي يوم الأربعاء اجتمع الأمراء ببيت إبراهيم بك وأحضروا مصطفى بكأمير الحج وتشاجر معه إبراهيم بك ومراد بك بسبب هذه الفعلة وكتابة العرضحال وادعواعليه أنه تسلم جميع الحمائـل وطلبـوا منـه حسـاب ذلـك واستمـروا علـى ذلـك إلـىقـرب المسـاء‏.‏
ثـم أن مـراد بـك أخـذ أميـر الحـاج إلـى بيتـه فبـات عنـده وفـيصبحهـا حضـر إبراهيـم بـك عنـد مراد بك وأخذ أمير الحاج إلى بيتـه ووضعـه فـي مكـانمحجـوزًا عليـه وأمـر الكتـاب بحسابـه فحاسبـوه فاستقـر في طرفه مائة ألف ريالوثلاثة آلاف وذلك خلاف ما على طرفه من الميرى‏.‏
وفـي يـوم الجمعـة طلـع إبراهيم بك إلى القلعة وأخبر الباشا بما حصلوأنه حبسه حتى يوفي ما استقر بذمته فاستمر أيامًا وصالح وذهب إلى بيته مكرمًا‏.‏
وفي ذلك اليوم بعد صلاة الجمعة ضج مجاور والأزهر بسبب أخبازهموقفلوا أبواب الجامع فحضـر إليهـم سليـم أغـا والتـزم لهـم بإجـراء رواتبهـم بكـرةتاريخـه فسكنـوا وفتحـوا الجامـع وانتظـروا ثاني يوم فلم يأتهم شيء فأغلقوه ثانيًاوصعدوا على المنارات يصيحون فحضر سليم أغا بعد العصر ونجز لهم بعض المطلوبات وأجرىلهم الجراية أنامًا ثم انقطع ذلك‏.‏
وتكرر الغلق والفتح مرارًا‏.‏
وفي ليلة خروج الأمـراء إلـى ملاقـاة الحجـاج ركـب مصطفـى بـكالإسكنـدري وأحمـد بـك الكلارجي وذهبا إلى جهة الصعيد والتفا على عثمان بك الشرقاويولاجين بك وتقاسموا الجهات والبلاد وأفحشوا في ظلم العباد‏.‏
وفـي منتصف ربيع الأول شرع مراد بك في السفر إلى جهة بحري بقصدالقبض على رسلان والنجار قطاع الطريق فسافر وسمع بحضوره المذكوران فهربا فأحضر بنحبيب وابن حمـد وابن فودة وألزمهم بإحضارهما فاعتـذروا إليـه فحبسهـم ثـم أطلقهـمعلـى مـال وذلـك بيـت القصيد وأخذ منهم رهائن ثم سار إلى طملوها وطالب أهلها برسلانثم نهب وسلب أموال أهلهـا وسبى نساءهم وأولادهم ثم أمر بهدمها وحرقها عن آخرها ولميزل ناصبًا وطاقه عليها حتى أتى على آخرها هدمًا وحرقًا وجرفها بالجراريف حتى محواأثرها وسووها بالأرض وفـرق كشافـه فـي مـدة إقامتـه عليهـا فـي البلـاد والجهـاتلجبـي الأمـوال وقـرر علـى القرى ما سولته له نفسه ومنع من الشفاعة وبث المعينينلطلب الكلف الخارجة عن المعقول فإذا استوفوها طلبوا حق طرقهم فإذا استوفوها طلبواالمقرر وكل ذلك طلبًا حثيثًا وإلا أحرقوا البلدة ونهبوها عن آخرهـا ولـم يـزل فـيسيـره علـى هـذا النسق حتى وصل إلى رشيد فقرر على أهلها جملة كبيرة من المال وعلىالتجار وبياعي الأرز فهرب غالب أهلها وعين على إسكندرية صالح أغا كتخدا الجاويشيةسابقًا وقرر له حق طريقه خمسة آلاف ريال وطلب من أهل البلد مائة ألف ريال وأمر بهدمالكنائس فلما وصل إلى إسكندرية هربت تجارها إلى المراكب وكذلك غالب النصارى فلم يجدإلا قنصل الموسقو فقال‏:‏ أنا أدفع لكم المطلوب بشـرط أن يكـون بموجـب فرمان منالباشا أحاسب به سلطانكم فانكف عن ذلك وصالحوه على كراء طريقه ورجع وارتحل مراد بكمن رشيد‏.‏
ولما وصل إلى جميجون هدمها عن آخرها وهدم أيضًا كفرد سوق واستمر هوومن معه يعبثون بالأقاليم والبلاد حتى أخربوها وأتلفوا الزروعات إلى غرة جمـادىالأولـى‏.‏
فوصلـت الأخبـار بقدومـه إلـى زنكلـون ثـم ثنـى عنانـه وعـرج علـىجهـة الشرق يفعل بهـا فعلـه بالمنوفية والغربية وأما صناجقه الذين تركهم بمصر فإنهمتسلطوا على مصادرات الناس فـي أموالهـم وخصوصـًا حسين بك المعروف بشفت بمعنى يهوديفإنه تسلط على هجم البيوت ونهبها بأدنى شبهة‏.‏
وفـي عصريـة يـوم الخميـس المذكـور ركـب حسيـن بك المذكور بجنودهوذهب إلى الحسينية وهجم على دار شخص يسمى أحمد سالم الجزار متولي رياسة دراويشالشيخ البيومي ونهبه حتى مصاغ النساء والفراش ورجع والناس تنظر إليه‏.‏












عرض البوم صور آل قطبي الحسني   رد مع اقتباس
قديم 20-12-2010, 01:35 AM   رقم المشاركة: 19
مشرف سابق

الصورة الرمزية آل قطبي الحسني



رقـم العضـوية 14
تاريخ التسجيل Mar 2010
عدد المشاركات 5,596
القبيلة نحن بنو يعلى من كنانة=رأس المضريين وفرسانها
مكان الإقامة إمارة بني يعلى
المهنة طالب
 
 
آل قطبي الحسني غير متواجد حالياً

افتراضي

وفي عصريتها أرسل جماعة من سراجينه بطلب الخواجا محمود ابـن حسـنمحـرم فلاطفهـم وأرضاهم بدراهم وركب إلى إبراهيم بك فأرسل له كتخداه وكتخداالجاويشية فتلطفوا به وأخذوا خاطره وصرفوه عنه وعبى له الخواجا هدية بعد ذلك وقدمهاإليه‏.‏
وفـي صبحهـا يـوم الجمعـة ثـارت جماعـة مـن أهالـي الحسينيـة بسبـبمـا حصـل في أمسه من حسين بكوحضروا إلى الجامع الأزهر ومعهم طبول والتف عليهمجماعة كثيرة من أوبـاش العامـة والجعيدية وبأيديهم نبابيت ومساوق وذهبوا إلى الشيـخالدرديـر فوافقهـم وساعدهـم بالكلـام وقال لهم‏:‏ أنا معكم‏.‏
فخرجوا من نواحي الجامع وقفلوا أبوابه وطلع منهم طائفة على أعلىالمنارات يصيحون ويضربون بالطبول وانتشروا بالأسواق في حالة منكـرة وأغلقـواالحوانيـت‏.‏
وقـال لهـم الشيـخ الدرديـر‏:‏ فـي غـد نجمع أهالي الأطراف والحاراتوبولاق ومصر القديمة وأركب معكـم وننهـب بيوتهـم كمـا ينهبـون بيوتنـا ونمـوتشهـداء أو ينصرنـا اللـه عليهـم‏.‏
فلما كان بعد المغرب حضـر سليـم أغـا مستحفظـان ومحمـد كتخـدا أنـؤدالجلفـي كتخدا إبراهيم بك وجلسوا في الغورية ثم ذهبوا إلى الشيخ الدردير وتكلموامعه وخافوا من تضاعف الحال وقالوا للشيخ‏:‏ اكتب لنا قائمـة بالمنهوبات ونأتي بهامن محل ما تكون‏.‏
واتفقوا على ذلك وقرأوا الفاتحة وانصرفوا وركب الشيـخ فـي صبحهـاإلـى إبراهيـم بـك وأرسـل إلـى حسيـن بـك فأحضـره بالمجلـس وكلمـه فـي ذلـك فقـالفي الجواب‏:‏ كلنا نهابون أنت تنهب مراد بك ينهب وأنا أنهب كذلك‏.‏
وانفض المجلس وبردت القضية‏.‏
وفـي عقبهـا بأيـام قليلـة حضـر مـن انحية قبلي سفينة وبها تمر وسمنوخلافه فأرسل سليمان بك الأغـا وأخـذ مـا فيهـا جميعـه وادعـى أن لـه عنـد أولـادوافـي مـالًا منكسـرًا ولـم يكـن ذلك لأولاد وافي وإنمـا هو لجماعة يتسببون فيه منمجاوري الصعايدة وغيرهم فتعصب مجاورو الصعايدة وأبطلوا دروس المدرسين وركب الشيخالدردير والشيخ العروسي والشيخ محمد المصيلحي وآخرون وذهبوا إلى بيت إبراهيم بكوتكلموا معه بحضرة سليمان بك كلامًا كثيرًا مفحمًا‏.‏
فاحتج سليمـان بـك بـأن ذلـك متاع أولاد وافي وأنا أخذته بقيمته منأصل مالي عندهم فقالوا هذا لم يكـن لهـم وإنمـا هـؤلاء ربابـه نـاس فقـراء فـإنكـان لـك عنـد أولـاد وافـي شـيء فخـذه منهم فرد بعضه وذهب بعضه‏.‏وفي
يوم الجمعة عاشر جمادى الأولى
قدم مراد بك من ناحية الشرق ودخل في ليلتها من المنهوبات من لجمالوالأغنام والأبقار والحواميس وغير ذلك شيء كثير يجل عن الحصر‏.‏
وفيه سافر أيوب بك إلى ناحية قبلي لمصالحة الأمراء الغضاب وهم مصطفىبك وأحمد بك الكلارجي وعثمان بك الشرقاوي ولاجين بك لأنهم بلغوا قصدهم من البلادوظلم العباد‏.‏
وفي منتصف جمادى الثانية حضر عثمان بك الشرقاوي من ناحية قبلي‏.‏
وفيه أنعم مراد بك على بعض كشافه بفردة دراهم على بلاد المنوفية كلبلد مائة وخمسون ريالًا‏.‏
وفيه اجتمع الناس بطندتا لعمل مولد سيدي أحمد البدوي المعتادالمعروف بمولد الشرنبابلية وحضـر كاشـف الغربيـة والمنوفيـة علـى جـاري العـادةوكاشـف الغربيـة من طرف إبراهيم بك الوالي المولى أمير الحاج فحصل منه عسف وجعل علىكل جمل يباع في السوق المولد نصف ريال فرانسة فأغار أعوان الكاشف على بعض الأشرافوأخذوا جمالهم وكان ذلك في آخر أيام المولد فذهبوا إلى الشيخ الدردير وكان هناكبقصد الزيارة وشكوا إليه مـا حـل بهـم فأمـر الشيخ بعض أتباعه بالذهاب إليه فامتنعالجماعة من مخاطبة ذلك الكاشـف فركـب الشيـخ بنفسـه وتبعـه جماعـة كثيرة منالعامة‏.‏
فلما وصل إلى خيمة كتخدا الكاشف دعاه فحضر إليه والشيـخ راكـب علـىبغلتـه فكلمـه ووبخـه وقـال لـه‏:‏ أنتم ما تخافون من الله‏.‏
ففي أثناء كلام الشيخ لكتخدا الكاشف هجم على الكتخدا رجل من عامةالناس وضربه بنبوت فلما عاين خدامه ضـرب سيدهم هجموا على العامة بنبابيتهم وعصيهموقبضوا على السيد أحمد الصافي تابع الشيخ وضربوه عدة نبابيت‏.‏
وهاجـت النـاس علـى بعضهـم ووقـع النهـب فـي الخيـم وفـي البلـدونهبـت عـدة دكاكيـن وأسـرع الشيـخ فـي الرجـوع إلـى محلـه وراق الحـال بعـد ذلـكوركـب كاشـف المنوفيـة وهـو مـن جماعـة إبراهيـم بـك الكبير وحضر إلى كشاف الغربيةوأخذه وحضر به إلى الشيخ وأخذوا بخاطـره وصالحـوه ونـادوا بالأمـان‏.‏
وانفـض المولـد ورجـع النـاس إلـى أوطانهـم وكذلك الشيخ الدرديـرفلمـا استقـر بمنزلـه حضـر إليه إبراهيم بك الوالي وأخذ بخاطره أيضًا وكذلك إبراهيمبك وفـي سابـع عشـرة ركـب حسيـن بـك الشفـت وقـت القائلة وحضر إلى بيت صغير بسوقالماطيين وصحبتـه امـرأة فصعـد إليـه ونقـب فـي حائط وأخرج منه برمة مملوءة ذهبًافأخذها وذهب وخبر أن هـذا البيـت كـان لرجـل زيـات فـي السنيـن الخاليـة فاجتمـعلديـه هـذه الدنانيـر فوضعهـا في برمة من الفخـار وأفـرج لهـا نقبـًا فـي كتـفالحائـط ووضعهـا فيه وبنى عليها وسواها بالجبس‏.‏
وكانت هذه المرأة ابنة صغيرة تنظر إليه ومات ذلك الرجل وبيعت الداربعد مدة ووقفها الذي اشتراها وتداولـت الأعـوام وآل البيـت إلـى وقـف المشهـدالحسينـي وسكنه الناس بالأجرة ومضى على ذلك نحـو الأربعيـن عامـًا وتلـك المـرأةتتخيـل ذلـك فـي ذهنها وتكتمه ولا يمكنها الوصول إلى ذلك المكان بنفسها وقلت ذاتيدها واحتاجت فذهبت إلى حريم حسين بك المذكور وعرفتهن القضية وأخبـر الأمير بذلكفقال لعل بعض الساكنين أخذها فقالت لا يعرفها أحد غيري‏.‏
فأرسل إلى ساكن الدار وأحضره وقال له أخل دارك في غد وانتظرني ولاتفزع من شيء ففعل الرجل وحضـر الصنجـق وصحبته المرأة فأرته الموضع فنقبوه وأخرجوامنه تلك البرمة وأعطي صاحب المكان إحسانًا وركب وصاحب المكان يتعجـب وركـب أيضـًاقبـل ذلـك وذهـب إلـى بيـت رجـل يقـال لـه الشيـخ عبـد الباقـي أبـو قليطـة ليلًاوأخذ منه صندوقًا مودعًا عنده أمانة لنصر ابن شديد البدوي شيخ عرب الحويطات يقال أنفيه شيئًا كثيرًا من الذهب العين وغيره وهجم أيضـًا علـى بيـت بالقرب من المشهدالحسيني في وقت القائلة وكان ذلك البيت مقفولًا وصاحبه غائـب فخلـع الباب وطلع إليهوأخذ منه عشرة أكياس مملوءة ذهبًا وخرج وأغلق الباب كما كان وركـب هـو ومماليكـهوالأكيـاس فـي أحضانهم على قرابيس سروج الخيل وهو بجملتهم يحمل كيسًا أمامه والناستنظرهم‏.‏
وفـي هـذا الشهـر ثقـب الشطـار حاصـلًا فـي وكالـة المسايـرة التـيببـاب الشعريـة وكـان بظاهر الحاصل المذكـور قهـوة متخربـة فتسلـق إليهـا بعضالحرامية ونقبوا الحاصل وأخذوا منه صندوقًا في داخله اثنـا عشـر ألـف بندقـي عنهـاثلاثـون ألـف ريـال فـي ذلـك الوقـت وفيـه مـن غير جنس البندقي أيضًا ذهـب ودراهموثياب حرير وطرح النساء المحلاوي التي يقال لها الحبر‏.‏
وبعد أيام قبضوا على رجليـن أحدهمـا فطاطـري والآخـر مخللاتـيبتعريـف الخفراء بعد حبسهم ومعاقبتهم فأخذوا منهما شيئًا واستمرا محبوسين‏.‏
وفـي عشرينـه حضـر أيـوب بك ولاجين بك وأحمد بك من ناحية قبليودخلوا بيوتهم بالمنهوبات والمواشي وتأخر مصطفى بك‏.‏
وفـي يوم الثلاثاء سابع عشرينه هبت رياح عاصفة جنوبية نسفت رمالًاوأتربة مع غيم مطبق وأظلم منها الجو واستمرت من الظهر إلى الغروب‏.‏
وفـي غـرة شهـر رجـب عـزم مـراد بـك علـى التوجـه إلـى سـد خليـجمنوف المعروف بالفرعونية وكان منـذ سنيـن لـم يحبـس واندفع إليه الشرقي حتى تهوروشرق بسببه بحر دمياط وتعطلت مزارع الأرز‏.‏
وفيه وصلت الأخبار من ثغر الإسكندرية بأنه ورد إليها مركب البيليكوذلك على خلاف العادة وذلك أن مراكب البيليكات لا تخرج إلا بعد روز خضر ثم حضـرهعقيبـه أيضـًا قليـون آخـر وفيـه أحمـد باشـا والـي جـدة ثـم تعقبهمـا آخـر وفيـهوغلال كثيرة نقلوها إلى الثغر وشرعوا في عملها بقسماطًا فكثر اللغط بمصر بسببذلك‏.‏
وفـي عاشـره ورد ططـري مـن البـر وقابجي من البحر ومعهما مكاتباتقرئت بالديوان يوم الخميس ثاني عشرة مضمونها طلب الخزائن المنكسرة وتشهيل مرتباتالحرمين من الغلال والصرر في السنين الماضية واللوم على عدم زيارة المدينة‏.‏
وفيه الحث والوعد والوعيد والأمر بصرف العلوفات وغلال الأنبار‏.‏
وفيه المهلة ثلاثون يومًا‏.‏
فكثر لغط الناس والقال والقيل وأشيع ورود مراكب أخر إلى ثغر سكندريةوأن حسن باشا القبطان واصل أيضًا في أثر ذلك وصحبته عساكر محاربون‏.‏
وفيـه حضـر معلـم ديـوان الإسكندريـة قيل أنه هرب ليلًا ثم أنإبراهيم بك أرسل يستحث مراد بك في الحضور من سد الفرعونية ثم بعث إليه علي أغاكتخدا جاووجان والمعلم إبراهيم الجوهـري وسليمـان أغـا الحنفـي وحسـن كتخـداالجربـان وحسـن أفندي شقبون كاتب الحوالة سابقًا وأفنـدي الديـوان حـالًا فأحضـروهإلـى مصـر فـي يوم الثلاثاء ولم يتم سد الترعة بعد أن غرق فيها عدة مراكب ومراسيحديد وأخشاب أخذوها من أربابها من غيـر ثمـن وفـرد علـى البلـاد الأموال وقبضأكثرها وذهب ذلك جميعه من غير فائدة‏.‏
ثم أن الأمراء عملوا جمعيات وديوانًا ببيـت إبراهيـم بـك وتشـاوروافي تنجيز الأوامر‏.‏
وفي أثناء ذلك تشحطت الغلال وارتفع القمح من السواحل والعرصات وغلاسعره وقل وجوده حتى امتنع بعي الخبز من الأسواق وأغلقت الطوابيـن‏.‏
فنـزل سليـم أغـا وهجـم المخـازن وأخـرج الغلـال وضرب القماحينوالمتسببين ومنعهم من زيادة الأسعار فظهر القمح والخبز بالأسواق وراق الحال وسكنتالأقاويل‏.‏
وفي هذا الشهر أعني شهر رجب حصلت عدة حريقات منها حريقتان في ليلـةواحـدة‏.‏
إحداهما بالأزبكية وأخرى بخطتنا بالصنادقية‏.‏
وظهرت النار من دكان رجل صناديقي وهي مشحونة بالأخشاب والصناديقالمدهونة عند خان الجلاية فرعت النار في الأخشاب ووجت في ساعة واحدة وتعلقت بشبابيكالدور وذلك بعد حصة من الليل وهاج الناس والسكان وأسرعوا بالهدم وصب المياه وأحضرالوالي القصارين حتى طفئت‏.‏
وفيه أيضًا من الحوادث المستهجنة أن امرأة تعلقت برجـل مـنالمجاذيـب يقـال لـه الشيـخ علـي البكري مشهور ومعتقد عند العوام وهو رجل طويل حليقاللحية يمشي عريانًا وأحيانًا يلبس قميصًا وطاقية‏.‏
ويمشي حافيًا فصارت هذه المرأة تمشي خلفه أينما توجـه وهـي بإزارهـاوتخلـط فـي ألفاظهـا وتدخـل معـه إلـى البيوت وتطلع الحريمات واعتقدها النساءوهادوها بالدراهم والملابـس وأشاعـوا أن الشيخ لحظها وجذبها وصارت من الأولياء ثمارتقت في درجات الذب وثقلت عليها الشربة فكشفت وجهها ولبست ملابس كالرجال ولازمتهأينمـا توجـه ويتبعهمـا الأطفال والصغار وهوام العوام ومنهم من اقتدى بهما أيضًاونزع ثيابه وتخجل في مشيه وقالوا أنه اعترض على الشيخ والمرأة فجذبه الشيخ أيضًاوأن الشيخ لمسه فصار من الأولياء‏.‏
وزاد الحال وكثر خلفهم أوباش الناس والصغار وصاروا يخطفون أشياء منالأسواق ويصير لهم في مرورهم ضجة عظيمة وإذا جلس الشيخ في مكان وقف الجميع وازدحمالناس للفرجة عليه وتصعد المرأة على دكان أو علوة وتتكلم بفاحش القول ساعة بالعربيومرة بالتركـي والنـاس تنصت لها ويقبلون يدها ويتبركون بها وبعضهم يضحك ومنهم منيقول الله الله وبعضهم يقول دستـور يـا أسيـادي وبعضهـم يقـول لا تعتـرض بشـيء‏.‏
فمـر الشيـخ فـي بعـض الأوقـات علـى مثـل هذه الصورة والضجة ودخلوامن باب بيت القاضي الذي من ناحية بين القصرين وبتلك العكفة سكن بعض الأجناد يقال لهجعفر كاشف فقبض على الشيخ وأدخله إلى داره ومعه المـرأة وباقي المجاذيب فأجلسـهوأحضـر لـه شيئـًا يأكلـه وطـرد النـاس عنـه وأدخـل المـرأة والمجاذيـب فضربهـموعزرهـم ثـم أرسـل المـرأة إلـى المارستان وربطها عند المجانين وأطلق باقي المجاذيببعد أن استغاثـوا وتابـوا ولبسـوا ثيابهـم وطـارت الشربـة من رؤوسهم وأصبح الناسيتحدثون بقصتهم‏.‏
واستمرت المرأة محبوسة بالمارستان حتى حدثت الحوادث فخرجت وصـارتشيخـة علـى انفرادها ويعتقدها الناس والنساء وجمعت عليها الجمعيات وموالد وأشباهذلك‏.‏
وفيه ورد الخبر من الديار الشامية بحصول طاعون عظيم في بلادهم حصلعندهم أيضًا قحط وغلاء في الأسعار‏.‏
وفـي يـوم الثلاثـي ثاني شهر شعبان ركب سليم أغا في عصريته إلى جامعالسلطان حسن بن قالون الذي بسوق السلاح وأحضر معه فعلة وفتح باب المسجد المسدود وهوالباب الكبير الذي من ناحية سوق السلاح فهدموا الدكاكين التي حدثت أسفله والبناءالذي بصدر الباب وكـان مـدة سـده فـي هـذه المـرة إحـدى وخمسيـن سنـة وكـان سببهـاالمقتلـة التـي قتل بها الأحد عشر أميـرًا ببيـت محمـد بك الدفتردار في سنة تسعوأربعين وتقدم ذكرها في أول التاريخ‏.‏
وسبب فتحه أن بعـض أهـل الخطـة تذاكـر مـع الأغـا فـي شأنـه وأعلمـهبحصـول المشقـة علـى النـاس المصليـن فـي الدخـول إليـه مـن بـاب الرمليـة وربمـافاتهم حضور الجماعة في مسافة الذهاب وأن الأسباب التي سـد البـاب مـن أجلهـا قـدزالـت وانقضـت ونسيـت فاستـأذن سليـم أغا إبراهيم بك ومراد بك في فتحه فأذنا لهففتحه وصنع له بابًا جديدًا عظيمًا وبنى له سلالم ومصاطب وأحضر نظاره وأمرهـمبالصـرف عليـه ويأتـي هو في كل يوم يباشر العمل بنفسه وعمروا ما تشعث منه ونظفواحيطانه ورخامه وظهر بعد الخفاء وازدحم الناس للصلاة فيه وأتوا إليه من الأماكنالبعيدة‏.‏
وفي يوم الجمعة خامسه توفي مصطفى بك المرادي المجنون‏.‏
وفي عشرين شعبان كثر الأرجاف بمجيء مراكب الإسكندرية وعساكر وغيرذلك‏.‏
وفي يوم السب خامس رمضان حضر واحد أغا من الديار الرومية وعلى يدهمكاتبة بالحث علـى المطلوبـات المتقدم ذكرها فطلع الأمراء إلى القلعة ليلًاواجتمعوا بالباشا وتكلموا مع بعضهم كلامًا كثيرًا وقال مراد بك للباشا‏:‏ ليس لكـمعندمـا إلا حسـاب أمهلونـا إلـى بعـد رمضـان وحاسبنا على جميع ما هو في طرفنا نوردهوأرسل إلى من وصل الإسكندرية يرجعون إلى حيث كانوا وإلا فلا نشهل حجًا ولا صرة ولاندفع شيئًا‏.‏
وهذا آخر الكلام كل ذلك وإبراهيم بك يلاطف كلًا منهما ثم اتفقوا علىكتابة عرضحال من الوجاقلية والمشايخ ويذكر فيه أنهم أقلعوا وتابوا ورجعوا عنالمخالفة والظلم والطريق التي ارتكبوها وعليهم القيام باللوازم وقرروا علـى أنفسهـممصلحـة يقومون بدفعها لقبطان باشا والوزير وباشة جدة وقدرها ثلثمائة وخمسون كيسًاوقاموا على ذلك ونزلوا إلى بيوتهم‏.‏
وفـي ليلـة الاثنيـن جمـع إبراهيـم بـك المشايـخ وأخبرهـم بذلـكالاتفـاق وشرعـوا فـي كتابة العرضحالات أحدها للدولة وآخر لقبطان باشا بالمهلـةحتـى يأتـي الحـواب وآخـر لباشـة جـدة الـذي فـي الإسكندرية‏.‏
وفي صبحها وردت مكاتبة من أحمد باشا الجزاء يخبر فيها بالحركةوالتحذير وأخبار بورود مراكب أخرى بإسكندرية ومراكب وصلت إلى دمياط فزار اللغطوالقال والقيل‏.‏
وفيه ركب سليم أغا مستحفظان ونادى في الأسواق على الأرواموالقليونجية والأتراك بأنهم يسافرون إلى بلادهم ومن وجد منهم بعد ثلاثة أيام قتل‏.‏
وفيه اتفق رأي إبراهيم بك ومراد بك أنهم يرسلون لاجين بك ومصطفى بكالسلحدار إلى رشيـد لأجـل المحافظـة والاتفـاق مـع عـرب الهانـدي ويطلبون أحمد باشاوالي جدة ليأتي إلى مصر ويذهب إلى منصبه‏.‏
فسافروا فـي ليلـة الخميـس عاشـر رمضـان‏.‏
وفـي تلـك الليلـة ركـب إبراهيـم بـك بعد الإفطار وذهب إلى مراد بكوجلس معه ساعة ثم ركبا جميعًا وطلعا إلى القلعة وطلع أيضًا المشايخ باستدعاء منالأمراء وهم الشيخ البكري والشيخ السادات والشيخ العروسـي والشيـخ الدرديـر والشيـخالحريـر وقابلـوا الباشـا وعرضـوا عليـه العرضحالـات‏.‏
وكـان المنشـئ لبعضها الشيخ مصطفى الصاوي وغيره فأعجبهم إنشاء الشيخمصطفى وأمروا بتغيير ما كان مـن إنشـاء غيـره‏.‏
وانخضع مراد بك في تلك الليلة للباشا جدًا وقبل أتكه وركبتيه ويقولله‏:‏ يا سلطانـم نحـن فـي عرضـك فـي تسكيـن هـذا الأمـر ودفعـه عنـا ونقوم بماعلينا ونرتب الأمور وننظم الأحوال على القوانين القديمة‏.‏
فقال الباشا‏:‏ ومن يضمنكم ويتكفل بكم قال‏:‏ أنا الضامن لذلك ثمضماني على المشايخ والاختيارية‏.‏
وفـي ليلـة الأحـد ثالـث عشرة وصلت الأخبار بوصول حسن باشا القبطانإلى ثغر الإسكندرية وكان وصوله يوم الخميس عاشره قبل العصر وصحبته عدة مراكب فـزادالاضطـراب وكثـر اللغط‏.‏
فتمموا أمر العرضحالات وأرسلوها صحبة سلحـدار الباشـا والططـريوواحـد أغـا ودفعوا لكل فرد منهم ألف ريال وسافروا من يومهم‏.‏
وفيه وردت الأخبار بأن مشايخ عرب الهنادي والبحيرة ذهبوا إلىالإسكندرية وقابلوا أحمد باشا الجداوي فألبسهم خلعًا وأعطاهم دراهم وكذلك أهلدمنهور‏.‏
وفيه حضر صدقات من مولاي محمد صاحب المغرب ففرقـت علـى فقـراءالأزهـر وخدمـة الأضرحة والمشايخ المفتين والشيخ البكري والشيخ السادات والعمريينعلى يد الباشا بموجب وفي يوم الثلاثاء حضر مصطفى جربجي باش سراجين مراد بك سابقًاوسردر ثغر رشيد حـالًا وكـان السبـب في حضوره أنه حضرت إلى رشيد أحد القباطينوصحبته عدة وافرة من العسكر فطلع إلى بيت السردار المذكور وأعطاه مكاتبة من حسنباشا خطابًا للأمراء بمصر وأمره بالتوجه بها فحضر بتلك المكاتبة مضمونها التطمينببعض ألفاظ‏.‏
وفيه اتفق رأي الأمراء على إرسال جماعة من العلماء والوجاقلية إلىحسن باشا فتعين لذلك الشيـخ أحمـد العروسـي والشيخ محمد الأمير والشيخ محمد الحريريومن الواجقلية اسمعيل أفندي الخلوتـي وإبراهيـم أغـا الوردانـي وذهب صحبتهم أيضًاسليمان بك الشابوري وأرسلوا صحبتهم مائة فرد بن ومائة قنطار سكر وعشر بقج ثيابهندية وتفاصيل وعودًا وعنبرًا وغير ذلك فسافروا في يوم الجمعة ثامن عشر رمضان علىأنهم يجتمعون به ويكلمونه ويسألونه عن مراده ومقصده ويذكرون له امتثالهم وطاعتهموعدم مخالفتهم ورجوعهم عمـا سلـف مـن أفاعيلهـم ويذكرونه حال الرعية وما توجبهالفتن من الضرر والتلف‏.‏
وفـي يـوم السـب حضـر تفكجـي باشـا مـن طـرف حسن باشا وذهب إلىإبراهيم بك وأفطر معه وخلـع عليـه خلعـة سمور وأعطاه مكاتبات وكان صحبته محمد أفنديحافظ من طرف إبراهيم بـك أرسلـه الأمـراء قبـل بأيام عندما بلغهم خبر القادمينليستوعب الأحوال ثم أن ذلك التفكجي جلـس مـع إبراهيـم بـك حصـة مـن الليـل وذهـبإلـى محلـه وحضـر علي أغا كتخدا الجاويشية فركب مع إبراهيم بك وطلعا إلى الباشا فيسادس ساعة من الليل ثم نزلا وسافر التفكجي في صبحهـا وصحبتـه الحافـظ‏.‏
وكـان فيمـا جـاء بـه ذلك التفكجي طلب إبراهيم بك أمير الحاج فلميرض بالذهاب وكان لا جين بك ومصطفى بك لما سافرا للمحافظة بعد التوبة بيومين فعلواأفاعيلهم بالبلاد وطلبوا الكلف وحرقوا وردان فضجت أهالي البلاد وذهبوا إلى عرضي حسنباشا وشكوا ما نزل بهم فأخذ بخواطرهم وكتب لهم فرمانًا برفع الخراج عنهم سنتينوأرسل مع ذلك التفكجي العتاب واللوم في شأن ذلك‏.‏
وفـي تلـك الليلـة ذهـب سليـم أغـا إلـى ناحيـة بـاب الشعريـة وقبـضعلـى الحافـظ اسحـق وأخذه على صـورة أربـاب الجرائم من أسافل الناس وذهب به إلىبولاق فلحقه مصطفى بك الإسكندراني ورده‏.‏
وفـي يـوم الاثنيـن وصلـت الأخبار بورود حسن باشا إلى ثغر رشيد يومالأربعاء سادس عشرة وأنه كتب عدة فرمانات بالعربي وأرسلها إلى مشايخ البلاد وأكابرالعربان والمقادم وحق طريق المعينيـن بالفرمانات ثلاثون نصفًا فضة لا غير وذلك مننوع الخداع والتحيل وجذب القلوب مثل قولهم أنهم يقرروا مال الفدان سبعة أنصاف ونصفنصف حتى كادت الناس تطير من الفرح وخصوصـًا الفلاحيـن لمـا سمعوا ذلك‏.‏
وأنه يرفع الظلم ويمشي على قانون دفتر السلطان سليمان وغير ذلك‏.‏
وكان الناس يجهلون أحكامهم فمالت جميـع القلـوب إليهـم وانحرفـت عـنالأمـراء المصريـة وتمنـوا سرعـة زوالهـم‏.‏
وصـورة ذلـك الفرمان وهو الذي أرسل إلى أولاد حبيب من جملة ماأرسل‏:‏ ‏"‏ صدر هذا الفرمان الشريف الواجب القبول والتشريف من ديوان حضرة الوزيرالمعظم والدستور المكرم عالي الهمم وناصر المظلوم على من ظلم مولانا العزيز غازيحسن باشـا ساري عسكر السفر البحري المنصور حالًا ودونانمة همايون أيدت سيادتهالسنية وزادت رتبتـه العليـة إلـى مشايـخ العـرب أولـاد حبيـب بناحيـة دجـوة وفقهـمالله تعالى نعرفكم أنه بلغ حضرة مولانا السلطان نصره الله ما هو واقع بالقطر المصريمن الجور والظلم للفقراء وكافة الناس وأن سبـب هـذا خائنـون الديـن إبراهيم بكومراد بك وأتباعهم فتعينا بخط شريف من حضرة مولانا السلطان أيده الله بعساكر منصورةبحرًا لدفع الظلم ولإيقاع الانتقام من المذكورين وتعين عليهم عساكـر منصـورة بـرًابسـاري عسكر عليهم من حضرة مولانا السلطان نصره الله وقد وصلنا إلى ثغر إسكندرية ثمإلى رشيد في سادس عشر رمضان فحررنا لكم هذا الفرمان لتحضروا تقابلونا وترجعوا إلىأوطانكم مجبورين مسرورين إن شاء الله تعالى فحين وصوله إليكم تعملوا بـه وتعتمـدوهوالحـذر ثـم الحذر المخالفة وقد عرفناكم ‏"‏‏.‏
ثم أن الأمراء زاد قلقهم واجتمعوا في ليلتهـا ببيـت إبراهيـم بكوعملوا بينهم مشورة في هذا الأمر الذي دهمهم وتحققوا اتساع الخرق والنيل آخذة فيالزيادة فعند ذلك تجاهروا بالمخالفة وعزموا على المحاربة واتفق الرأي على تشهيـلتجريـدة وأميرهـا مـراد بـك فيذهبـون إلـى جهـة فـوة ويمنعون الطريق ويرسلون إلىحسن باشا مكاتبـات بتحريـر الحسـاب والقيـام بغلـاق المطلـوب ويرجـع مـن حيث أتى‏.‏
فإن امتثل وإلا حاربناه وهذا آخر الكلام‏.‏
ثم جمعوا المراكب وعبوا الذخيرة والبقسماط وذلك كله في يوم الثلاثاءوالأربعاء ونقلوا عزالهم ومتاعهم من البيوت الكبار إلى أماكن لهم صغار جهة المشهدالحسيني والشنواني والأزهر وعطلوا القناديل والتعاليق المعدة لمهرجان رمضان وزادالإرجاف وكثر اللغط ولاحت عليهم لوائح الخذلان ورخص أسعار الغلال بسبب بيعهم الغلالالمخزونة عندهم‏.‏
وفـي يوم الخميس رابع عشرينه خرج مراد بك والأمراء المسافرون معهإلى ناحية بولاق وبرزوا خيامهم وعدوا في ليلتها إلى برانبابة ونصبوا وطاقهم هناك‏.‏
وتعين للسفر صحبة مراد بك مصطفـى بـك الداووديـة الـذي عـرفبالإسكندرانـي ومحمـد بـك الألفـي وحسين بك الشفت ويحيى بك وسليمان بك الأغا وعثمانبك الشرقاوي وعثمان بك الأشقر وركب إبراهيم بك بعد المغـرب وذهب إليهم وأخذ بخاطرهمورجع فأقاموا في برانبابة يوم الجمعة حتى تكامل خروج العسكـر وأخـذ مـراد بـك مـااحتاجـه مـن ملائـل الحج جمالًا وبقسماطًا وغيره حتى الذي قبض من مـال الصـرةوأرسلـوا فـي ليلتهـا علـى أغـا كتخـدا الجاويشيـة وسليمـان أغـا الحنفي إلى الباشاوطلبوا منـه الدراهـم التـي كانـوا استخلصوهـا مـن مصطفى بك أمير الحاج وأودعوهاعند الباشا فدفعها لهم بتمامها‏.‏
وفي يوم السب سادس عشرينه سافر مراد بك من برانبابة وأصحب ليكونسفيرًا بينه وبين قبطان باشا‏.‏
وفي ليلة الاثنين ثامن عشرينه سافر مصطفى بك الكبير أيضًا ولحقبمراد بك‏.‏
وفـي ليلـة الثلاثـاء حضـر المشايـخ ومـن معهم من ثغر رشيد فوصولاإلى بولاق بعد العشاء وباتوا هنـاك وذهبـوا إلـى بيوتهـم فـي الصبـاح‏.‏
فأخبـروا أنهـم اجتمعـوا علـى حسـن باشا ثلاث مرات الأولى للسلامفقابلهم بالإجلال والتعظيم وأمر لهم بمكان نزلوا فيه ورتب لهم ما يكفيهم من الطعامالمهيـأ فـي الإفطـار والسحـور ودعاهـم فـي ثانـي يـوم وكلمهـم كلمات قليلة وقال لهالشيخ العروسي‏:‏ يـا مولانـا رعيـة مصـر قـوم ضعـاف وبيـوت الأمـراء مختلطة ببيوتالناس‏.‏
فقال‏:‏ لا تخشوا من شيء فإن أول ما أوصاني مولانا السلطان أوصانيبالرعية وقال إن الرعية وداعة اللـه عنـدي وأنـا استودعتك ما أودعنيه الله تعالى‏.‏
فدعوا له بخير ثم قال‏:‏ كيف ترضون أن يملككم مملوكان كافرانوترضونهم حكامًا عليكم يسومونكم العذاب والظلم لماذا لم تجتمعوا عليهم وتخرجوهم منبينكم‏.‏
فأجابه اسمعيل أفندي الخلوتي بقوله يا سلطانم هؤلاء عصبة شديدوالبأس ويد واحـدة‏.‏
فغضـب مـن قولـه ونهره وقال‏:‏ تخوفني ببأسهم فاستدرك وقال‏:‏ إنماأعني بذلك أنفسنا لأنهـم بظلمهـم أضعفـوا النـاس‏.‏
ثم أمرهم بالانصراف‏.‏
واجتمعوا عليه مرة ثالثة بعد صلاة الجمعة فاستأذنوه في السفر ثمتركهم يومين وكتب لهم مكاتبات وسلمها ليد سليمان بك الشابوري وأمرهم بالانصراففودعوه وساروا وأخفيت تلك المكاتبات‏.‏
وفي غاية رمضان أرسل الباشا عدة أوراق إلى أفراد المشايخ وذكر أنهـاوردت مـن صـدر الدولـة وأمـا العرضحالـات التـي أرسلوهـا صحبـة السلحـدار والططـريفإنهما لما وصلا إلا إسكندرية واطلع عليها حسن باشا حجزها ومنه المراسلة إلىاسلامبول وقال‏:‏ أنا دستور مكـرم والأمـر مفـوض إلـي فـي أمـر مصـر‏.‏
وسـأل السلحـدار عن الأوراق التي من صدر الدولة هل أرسلهـا الباشـاإلـى أربابهـا فأخبـره أنـه خـاف مـن أظارهـا فاشتد غضبه على الباشا وسبه بقوله‏:‏خائن منافق‏.‏
فلما رجع السلحدار في تاريخه وأخبر الباشا فعند ذلك أرسلها كماتقدم‏.‏
وفي ثاني شوال أشيع مرد بك ملك مدينة فوة وهرب من بها من العسكرووقع بينهم مقتلة عظيمة وأنه أخذ المراكب التي وجدها على ساحلها ثم ظهر عدم صحةذلك‏.‏
وفي يوم السبت نزلت الكسوة من القلعة على العادة إلى المشهد الحسينيوركب إبراهيم بك الكبير وإبراهيـم بـك أميـر الحـاج إلـى قراميـدان ونـزل الباشـاكذلـك وأكـد علـى أميـر الحـاج فـي التشهيـل فاعتذر إليه بتعطيل الأسباب فوعدهبالمساعدة‏.‏
وفي يوم الأحد أشاعوا إشاعة مثل الأولى مصطنعة وأظهروا البشروالسرور وركب إبراهيم بـك فـي ذلـك اليـوم وذهـب إلـى الشيـخ البكـري وعيـد عليـهثـم إلـى الشيـخ العروسـي والشيـخ الدرديـر وصـار يحكـي لهـم‏.‏
وتصاغـر فـي نفسـه جـدًا وأوصاهـم علـى المحافظـة وكـف الرعيـة عـنأمر يحدثوه أو قومة أو حركة في مثل هذا الوقت فإنه كأنه يخاف ذلك جدًا وخصوصًا لمـاأشيـع أمـر الفرمانات التي أرسلها الباشا للمشايخ وتسامع بها الناس‏.‏
وفي وقت ركوب إبراهيم بك من بيت الشيخ البكري حصلت زعجة عظيمة ببركةالأزبكية وسببها أن مملوكًا أسود ضرب رجلًا من زراع المقاتي فجرحه فوقع الصياح منرفقائه واجتمع عليه خلق كثير من الأوباش وزاد الحال حتى امتلأت البركة من المخلوقاتوكل منهم يسأل عن الخبـر من الآخر ويختلقون أنواعًا من الأكاذيب‏.‏
فلما رجعإبراهيم بك إلى داره أرسل من طرد الناس وفحصوا عن أصلالقضية وفتشوا على الضارب فلم يجدوه فأخذوا المضروب فطيبوا خاطره وأعطوه دراهم‏.‏
وفيـه أرسـل مـراد بـك بطلـب ذخيـرة وبقسمـاط وركـب أيـوب بك الصغيروذهب إلى مصر العتيقة وعثمان بك الطنيرجي إلى بولاق ونزلوا جملة مدافع ومناهالغضبان وأبو مايلة وكان أيوب بك هذا متمرضًا مدة شهور ومنقطعًا في الحريم فغرقوشفي في ساعة واحدة‏.‏
وفي يوم الاثنين كان مولد السيد أحمد البدوي ببولاق وكراء مشايخالأشاير المراكب ليسافروا فيها فأخذوها بأجمعها لأجل الذخيرة والمدافع ووسقوهاوأرسلوا منها جملة‏.‏
وفي ليلة الثلاثاء حضرت مراكب من مراكب الغائبين وفيها مماليكومجاريح وأجناد وأخبروا بكسـرة مـراد بـك ومـن معـه وأصبـح الخبـر شائعًا فيالمدينة وثبت ذلك ورجعت المراكب بما فيها وأخبـروا عمـا وقـع وهـو أنـه لمـا وصـلمـراد بـك إلى الرحمانية عدى سليمان بك الأغا وعثمان بك الشرقـاوي والألفـي إلـىالبـر الشرقـي فحصل بينهم اختلاف وغضب بعضهم ورجع القهقرى فكان ذلـك أول الفشـل‏.‏
ثـم تقدمـوا إلـى محلة العلويين فأخلوا منها الأروام فدخلوا إليهاوملكوها وأرسلوا إلـى مـراد بـك يطلبـون منـه الإمـداد فأمـر بعض الأمراء بالتعدينإليهم فامتنعوا وقالوا نحن لا نفارقك ونموت تحت أقدامك فحنق منهم وأرسل عوضهم جماعةمن العرب ثم ركبوا وقصـدوا أن يتقدموا إلى فوة فوجدوا أمامهم طائفة من العسكرناصبين متاريس فلم يمكنهم التقدم لوعر الطريق وضيق الجسر وكثرة القنى ومزارع الأرزفتراموا بالبنادق فرمح سليمان بك فعثر بقناة وسقـط فحصلـت فيهـم ضجـة وظنوهـا كسـرةفرجعـوا القهقـرى ودخـل الرعب في قلوبهم ورجعـت عليهـم العـرب ينهبونهـم‏.‏
فعـدوا إلى البر الآخر وكان مراد بك مستقرًا في مكان توصل إليه منطريق ضيقة لا تسع إلا الفارس بمفرده فأشاروا عليه بالانتقال من ذلك المكان وداخلهمالخوف وتخيلوا تخيلات‏.‏
وما زالوا في نقض وإبرام إلى الليل ثم أمر بالارتحال فحملوا حملاتهمورجعوا القهقرى وما زالوا في سيرهم وأشيع فيهم الانهزام وتطايرت الأخبار بالكسرةوتيقن الناس أن هذا أمر إلهي ليس بفعل فاعل‏.‏
وفي ذلك اليوم حصلت كرشة من ناحية الصاغة وسببها عدب مملوك أرادالركوب على حمار بعض المكارية فازدحموا عليه الحمارة ورمحوا خلفه فصارت كرشة ورمحتالصغار فأغلقوا الدكاكين بالأشرفية والغورية والعقادين وغير ذلك ثم تبين أن لا شيءففتح الناس الدكاكين‏.‏
وفي ذلك اليوم حضر أنا من المماليك مجاريح وزاد الأرجاف فنزل الباشاوقت الغروب إلى بـاب العـزب وأراد إبراهيـم بـك أن يملـك أبواب القلعة فلم يتمكن منذلك‏.‏
وأرسل الباشا فطلب القاضـي والمشايـخ فطلـع البعـض وتأخـر البعـضإلـى الصباح وباب السيد البكري عند الباشا بباب العزب وكان له بها مندوحة ذكرها بعدذلك الباشا لحسن باشا وشكره عليها وأحبه وذهب للسلام عليه عند قدومه دون غيره منبقية المشايخ فلما أصبح نهار الأربعاء طلعوا بأجمعهم وكذلك جماعة الوجاقلية ونصبالباشا البيرق على باب العـزب ونـزل جاويـش مستحفظـان وجاويش العزب وأمامهمالقابجية والمناداة على الألضاشات وغيرهم وكل من كـان طائعـًا للـه وللسلطان يأتيتحت البيرق فطلع عليه جميع الألضاشات والتجار وأهل خان الخليلي وعامة الناس وظهرتالناس المخفيون والمستضعفون والذين أنحلهم الدهر والذي لم يجد ثيـاب زيـه استعـارثيابًا وسلاحًا حتى امتلأت الرميلة وقراميدان من الخلائق وأرسل محمد باشا يستحث حسنباشا في سرعة القدوم ويخبره بما حصل وكان قصد حسن باشا التأخر حتى يسافر الحاجوتأتي العساكر البرية فاقتضى الحال ولزم الأمر في عدم التأخر‏.‏
وأما إبراهيم بك فإنه اشتغل في نقل عزاله ومتاعه بطول الليل فيبيوته الصغار فلم يترك إلا فرش مجلسه الذي هو جالـس فيـه ثـم إنـه جلـس ساعـة وركـبإلـى قصـر العينـي وجلـس به‏.‏
وأما إبراهيم بك أمير الحج فإنع طلع إلى باب العزب وطلب الأمانفأرسل له الباشا فرمانًا بالأمان وأذن له في الدخول وكذلك حضر أيوب بك الكبير وأيوببك الصغير وكتخدا الجاويشية وسليمان بك الشابوري وعبد الرحمن بك عثمان وأحمد جاويشالمجنون ومحمد كتخدا أزنور ومحمد كتخدا أباظة وجماعة كثيرة من الغز والأجناد وكذلكرضوان بك بلفيا فكان كل من حضر لطلب الأمان فـإن كـان مـن الأمـراء الكبـار فإنـهيقـف عنـد البـاب ويطرقه ويطلب الأمان ويستمر واقفًا حتى يأتيه فرمان الأمان ويؤذنله في الدخول من غير سلاح وإن كان من الأصاغر فإنه يستمر بالرميلة أو قراميدان أويجلس على المساطب‏.‏
فلما تكامل حضور الجميع أبرز الباشا خطًا شريفًا وقرأه عليهم وفيهالمأمورات المتقدم ذكرها وطلب إبراهيم بك ومراد بك فقط وتأمين كل من يطلب الأمان‏.‏
واستمـر أمير الحج على منصبه ثم إنه خلع على حسن كاشف تابع حسن بكقصبة رضوان وقلده أغاة مستحفظان وخلع على محمد كتخدا أزثـور وقلـده الزعامـة وقلـدمحمـد كتخـدا أباظة أمين احتساب ونزلوا إلى المدينة ونادوا بالأمان والبيع والشراءوكذلك نزل الأمراء إلى دورهـم مـا عـدا إبراهيم بك أمير الحاج فإن الباشا عوقه عندهذلك اليوم‏.‏
وكذلك أذنوا للناس بالتوجه إلى أماكنهم بشرط الاستعداد والإجابة وقتالطلب ولم يتأخـر إلا المحافظـون علـى الأبـواب‏.‏
وأمـا مـراد بـك فإنـه حضـر إلـى برانبابة واستمر هناك ذلك اليوم ثمذهب في الليل إلى جزيرة الذهب وركب إبراهيم بك ليلًا وذهب إلى الآثار‏.‏
وفي عصر ذلك اليوم نزل الآغا ونبه على الناس بالطلوع إلى الأبواب‏.‏
وفيـه حضـر سليمـان بك الأغا وطلب الأمان فأعطوه فرمان الأمان وذهبإلى بيته وأصبح يوم الخميس فنزلت القابجية ونبهت على الناس بالطلوع فطلعوا واجتمعتالخلائق زيادة على اليوم
وفـي ذلك اليوم قبل العصرركب عثمان خزاندار مراد بك سابقًا وذهب إلىسيده وكان من جملة من أخذ فرمانًا بالأمان فلما نزل إلى داره أخذ ما يحتاجه وذهبفلما بلغ الباشا هروبه اغتـاظ مـن فعلـه‏.‏
ثـم إن الباشـا تخيـل مـن إبراهيـم بك أمير الحاج فأمره بالنزول إلىبيته فنزل إلى جامع السلطان حسن وجلس به فأرسل له الباشا بالذهاب إلى منزله فذهب‏.‏
وفـي صبـح ثانـي يـوم ركـب سليمـان بـك وأيـوب بـك الكبير والصغيروخرجوا إلى مضرب النشاب وركـب إبراهيـم بـك أميـر الحـاج وذهـب إلـى بولـاق وأحـبأن يأخذ الجمال من المناخ فمنعه عسكر المغاربة ثم ذهب عند رفقائه بمضرب النشاب فلمابلغ الباشا ذلك أرسل لهم فرمانًا بالعودة فطردوا الرسول ومزقوا الفرمان وأقاموابالمصاطب حتى اجتمعت عليهم طوائفهم وركبوا لحقوا بإخوانهـم فلما حصل ذلك اضطربتالبلد وتوهموا صعودهم على الجبل بالمدافع ويضربوا على القلعة وغير ذلك من التوهماتوركب قائد أغا بعد صلاة الجمعة وعلي أغا خازندار مراد بك سابقًا وصحبتهم جملة منالمماليك والعسكر وهم بالطرابيش وبيدهـم مكاحـل البنـدق والقرابينـات وفتائلهـاموقـودة فوصلـوا إلـى الرميلة فضربوا عليهم مدفعين فرجعوا إلى ناحية الصليبةونزلـوا إلـى بـاب زويلـة ومـروا علـى الغوريـة والأشرفية وبين القصرين وطلعوا منباب انصر وأمامهم المناداة أمان واطمئنان حكم ما رسم إبراهيم بك ومراد بك وحكمالباشا بطال فلما سمع النـاس ذلـك ورأوه علـى تلـك الصـورة انزعجـوا وأغلقواالدكاكين المفتوحة وهاجت النفوس وحاصوا حيصة عظيمة وكثر فيـه اللغـط‏.‏
ولمـا بلـغ الباشـا هـروب المذكوريـن حصـن القلعـة والمحموديةوالسلطان حسن وأرسل الأغا فنادى على الألضاشات بالطلوع إلى القلعة‏.‏
وفي تلك الليلة ضرب المنسر كفـر الطماعيـن ونهبـوا منـه عـدة أماكـنوقتـل بينهـم أشخـاص وانقطعت الطرق حتى إلى بولاق ومصر القديمة وصارت التعرية منعند رصيف الخشاب‏.‏وفي

يـوم السـبت ركـب إبراهيـم بـك وحسيـن بـك وأتـوا إلـى المناخ
أيضًا وأرادوا أخذ الجمال فمنعهم المغاربة وقيل أخذوا منهم جملةوعربدوا في ذلك اليوم عربدة عظيمة من كل ناحية وأرسل الباشـا قبـل المغرب فطلب تجارالمغاربة فاجتمعوا وطلعوا بعد العشاء وباتوا بالسبيل الذي في رأي الرميلة وشددالباشا في اجتماع الألضاشات ومن ينتسب للوجاقات فقيل له أن منهم من لا يملك قوتيومه وسبب تفرقهم الجوع وعدم النفقة فطلب أغات مستحفظان وأعطاه أربعة آلاف رياللينفقها فيهم‏.‏
وفيـه عدى مراد بك من جزيرة الذهب إلى الآثار وكان إبراهيم بك ركبإلى حلوان وضربها وأحرقها بسبب أن أهل حلوان نهبوا مركبًا من مراكبه ولما عدى مرادبك إلى البر الشرقي أرسـل إلـى إبراهيـم بـك فحضـر إليـه واصطلـح معـه لـأنإبراهيـم بـك كـان مغتاظـًا منه بسبب سفرته وكسرته فـإن ذلـك كـان علـى غيـر مـرادإبراهيـم بـك وكـان قصـده أنهـم يستمـرون مجتمعيـن ومنضمين وإذا وصل القبطان أخلوامن وجهه إن لم يقدروا على دفعه أو مصالحته وتركوا له البلد ومصيره الرجوع إلى بلادهفيعودون بعد ذلك بأي طريق كان‏.‏
وكان ذلك هو الرأي فلم يمتثل مراد بك وأخذ في أسباب الخروجوالمحاربة ولم يحصل من ذلك الأضياع المال والفشل والانهزام الذي لا حقيقة له وكانالكائن‏.‏
ولما اصطلحا تفرقت طوائفهما يعبثون فـي الجهـات ويخطفون ما يجدونهفي طريقهم من جمال السقائين وحمير الفلاحين وبعضهم جلس في مرمى النشـاب وبعضهـم جهةبولاق ونهبوا نحو عشرين مركبًا كانت راسية عند الشيخ عثمان وأخذوا ما كان فيها منالغلال والسمن والأغنام والتمر والعسل والزيت‏.‏
وفـي يـوم الأحـد حادي عشرة زاد تنطيطهم وهجومهم على البلد من كلناحية ويدخلون أحزابًا ومتفرقيـن ودخل قائد أغا وأتى إلى بيته الذي كان سكن فيهوسكنه بعده حسن أغا المتولي وهو بيت قصبة رضوان فوجد باباه مغلوقًا فأراد كسرهبالبلط فأعياه وخاف مـن طـارق فذهب إلى باب آخر من ناحية القريبة فضرب عليه الحراسبنادق فرجع بقهره يخطف كل ما صادفه ولم يزالوا على هذه الفعال إلى بعد الظهر من ذلكاليوم‏.‏
واشتد الكرب وضاق خناق الناس وتعطلت أسبابهم ووقع الصياح في أطرافالحارات من الحراميـة والسـراق والمناسر نهارًا والأغا والوألي والمحتسب مقيمونبالقلعة لا يجسرون على النزول منها إلى المدينة وتوقع كل الناس نهب البلد منأوباشها‏.‏
وكل ذلك والمآكل موجودة والغلال معرمة كثيرة بالرقع ورخصت أسعارهاوالأخباز كثيرة وكذلك أنواع الكعك والفطير وأشيـع وصول مراكب القبطان إلى شلقانففرح الناس وطلعوا المنارات والأسطحة العالية ينظرون إلى البحـر فلـم يـرواشيئـًا‏.‏
فاشتـد الانتظـار وزاغـت الأبصـار فلمـا كـان بعد العصر سمع صوتمدافع علـى بعـد ومدافـع ضربـت من القلعة ففرحوا واستبشروا وحصل بعض الاطمئنانوصعدوا أيضًا علـى المنـارات فـرأوا عـدة مراكـب ونقايـر وصلـت إلى قرب ساحل بولاقففرح الناس وحصل فيهم ضجيج وكان مراد بك وجماعة من صناجقه وأمرائه قد ذهبوا إلىبولاق وشرعوا في عمل متاريس جهة السبتية وأحضروا جملة مدافع علـى عجـل وجمعـواالأخشـاب وحطـب الـذرة وأفرادا وغيرهـا فـوردت مراكـب الـأروام قبـل إتمامهـم ذلـكفتركـوا العمـل وركبـوا فـي الوقـت ورجعوا‏.‏
وضجت الناس وصرخت الصبيان وزغرتت النساء وكسروا عجل المدافع‏.‏
وفـي هـذا اليـوم أرسـل الأمـراء مكاتبـة إلـى المشايـخ والوجاقـاتيتوسلـون بهـم فـي الصلـح وأنهم يتوبون ويعودون إلى الطاعة فقرئت تلك المكاتباتبحضرة الباشا فقال الباشا‏:‏ يا سبحـان اللـه كـم يتوبون ويعودون ولكن اكتبوا لهمجوابًا معلقًا على حضور قبطان باشا‏.‏
فكتبوه وأرسلوه‏.‏
وفي وقت العشاء من ليلة الاثنين وصل حسن باشا القبطان إلى ساحلبولاق وضربوا مدافع لقدومـه واستبشـر النـاس وفرحـوا وظنـوا أنـه مهـدي الزمان فباتفي مراكبه إلى الصباح يوم الاثنين ثانـي عشـر شـوال وطلـع بعـض أتباعـه إلـى القلعةوقابلوا الباشا ثم أن حسن باشا ركب من بولاق وحضـر إلـى مصـر مـن ناحيـة بـابالخـرق ودخـل إلـى بيـت إبراهيـم بـك وجلـس فيه وصحبته أتباعه وعسكـره وخلفـه الشيخالأترم المغربي ومعه طائفة من المغاربة فدخل بهم إلى بيت يحيى بك‏.‏
وراق الحـال وفتحـت أبـواب القلعـة واطمـأن النـاس ونـزل مـنبالقلعـة إلـى دورهم وشاع الخبر بذهاب الأمراء المصرية إلى جهة قبلي من خلف الجبلفسافر خلفهم عدة مراكب وفيها طائفة من العسكـر واستولـوا علـى مراكـب مـن مراكبهـموأرسلوهـا إلـى ساحل بولاق وأنقذ حسن باشا رسلًا إلى اسمعيل












عرض البوم صور آل قطبي الحسني   رد مع اقتباس
قديم 20-12-2010, 01:36 AM   رقم المشاركة: 20
مشرف سابق

الصورة الرمزية آل قطبي الحسني



رقـم العضـوية 14
تاريخ التسجيل Mar 2010
عدد المشاركات 5,596
القبيلة نحن بنو يعلى من كنانة=رأس المضريين وفرسانها
مكان الإقامة إمارة بني يعلى
المهنة طالب
 
 
آل قطبي الحسني غير متواجد حالياً

افتراضي

بك وحسن بك الجداوييطلبهما للحضور إلى مصر‏.‏
وفيـه خرجـت جماعة من العسكر ففتحوا عدة بيوت من بيوت الأمراءونهبوها وتبعهم في ذلك الجعيديـة وغيرهـم فلمـا بلـغ القبطـان ذلـك أرسـل إلـىالوالـي والآغـا وأمرهم بمنع ذلك وقتل من يفعله ولو من أتباعه‏.‏
ثم ركب بنفسه وطاف البلد وقتل نحو ستة أشخاص من العسكر وغيرهم وجدمعهم منهوبات فانكفوا عن النهب‏.‏
ثم نزل على بابا زويلة وشق من الغورية ودخل من عطفـة الخراطيـن علـىبـاب الأزهـر وذهـب إلـى المشهـد الحسينـي فـزاره ونظـر إلى الكسوة ثم ركب وذهـبإلى بيت الشيخ البكري بالأزبكية فجلس عنده ساعة وأمر بتسمير بيت إبراهيم بك الـذيبالأزبكيـة وبيـت مـراد بـك‏.‏
ثـم ذهـب إلـى بولـاق ورجـع بعـد الغـروب إلـى المنـزل وحضـر عندهمحمد باشا مخفيًا واختلى معه ساعة‏.‏
وفي يوم الثلاثاء ذهب إليه مشايخ الأزهر وسلموا عليه وكذلك التجاروشكـوا إليـه ظلـم الأمراء فوعدهم بخير واعتذر إليهم باشتغاله بمهمات الحج وضيقالوقت وتعطل أسبابه‏.‏
وفيه عمل الباشا الديوان وقلد حسن أغا مستحفظان صنجقية وخلع على عليبك جركس الاسمعيلـي صنجقيـة كمـا كـان فـي أيـام سيـده اسمعيل بك وخلع على غيطاسكاشف تابع صالح بك صنجقية وخلع على قاسم كاشف تابع أبي صنجقية أيضًا وخلع على مرادكاشف تابع حسن بك الأزبكاوي صنجقية وخلع على محمد كاشف تابع حسين بك كشكش صنجقيةوقلـد محمـد أغـا أونـؤد الوالـي أغـات الجمليـان وقلـد موسـى أغا الوالي تابع عليبك أغات تفكجية وخلع على باكير أغا تابع محمود بك وجعله أغات مستحفظان وخلع علىعثمان أغا الجلفي وقلده الزعامة عوضًا عن محمد أغا ولما تكامل لبسهم التفت إليهمالباشا ونصحهم وحذرهم وقـال للوجاقليـة‏:‏ الزموا طرائقكم وقوانينكم القديمة ولاتدخلوا بيوت الأمراء الصناجق إلا لمقتضى واكتبوا قوائمكم بتعلقاتكم وعوائدكم أمضيهالكم‏.‏
ثم قاموا وانصرفوا إلى بيوتهم ونزل الأغا وأمامه المناداة بالتركيوالعربي بالأمان على أتباع الأمراء المتوارين والمخفيين وكل ذلك تدبير وترتيبالاختيارية وقلدوا من كل بيت أميرًا لئلًا يتعصبوا لأنفسهم ولا تتحد أغراضهم‏.‏
وفيه أرسل حسن باشا إلى نواب القضاء وأمرهم أن يذهبوا إلى بيوتالأمراء ويكتبوا مـا يجدونه من متروكاتهم ويودعوه في مكان من البيت ويختمون عليهففعلوا ذلك‏.‏
وفي تلك الليلة وردت خمس مراكب رومية وضربوا مدافع وأجيبوا بمثلهامن القلعة‏.‏
وفـي يـوم الأربعـاء ركـب حسن باشا وذهب إلى بولاق وهو بزي الدلاةوعلى رأسه هيئة قلبق من جلد السمور ولابس عباءة بطراز ذهب وكان قبل ذلك يركب بيهئتهالمعتادة وهي هيئة القباطيـن وهـي فوقانيـة جـوخ صايـة بدلايـة حريـر علـى صـدرهوعلـى رأسـه طربـوش كبيـر يعمـم بشال أحمـر وفـي وسطـه سكينـة كبيـرة وبيـده مخصـرةلطيفـة هيئـة حربـة بطرفهـا مشعـب حديـد علـى رسـم الجلالة‏.‏
وفيه نادى الأغا على كل من كان سراجًا بطالًا أو فلاحًا أو قواسًابطالًا يسافر إلى بلده ومن وجد بعد ثلاثة أيام يستحق العقوبة‏.‏
وفيه أيضًا نودي على طائفة النصارى بأن لا يركبوا الدواب ولايستخدموا المسلمين ولا يشتروا الجـواري والعبيـد ومـن كـان عنده شيء من ذلك باعه أوأعتقه وأن يلزموا زيهم الأصلي من شد وفيـه أرسـل حسـن باشـا إلـى القاضـي وأمرهبالكشف عن جميع ما أوقفه المعلم إبراهيم الجوهري على الديور والكنائس من أطيان ورزقوأملاك والمقصـود مـن ذلـك كلـه استجلـاب الدراهـم والمصالح‏.‏
وفـي يوم الخميس نودي على طائفة النصارى بالأمان وعدم التعرض لهمبالإيذاء وسببه تسلط العامة والصغار عليهم‏.‏
وفيه كثر تعدي العساكر على أهل الحرف كالقهوجية والحمامية والمزينينوالخياطين وغيرهم فيأتـي أحدهـم إلـى الحمامـي أو القهوجـي أو الخيـاط ويقلـعسلاحـه ويعلقـه ويرسم ركنه في ورقة أو على بابا دكان وكأنه صير شريكه وفي حمايتهويذهب حيث شاء أو يجلس متى شاء ثم يحاسبـه ويقاسمـه فـي المكسـب وهـذه عادتهـم إذاملكوا بلدة ذهب كل ذي حرفة إلى حرفته التي كان يحترفها في بلده ويشارك البلدي فيهافثقل على أهل البلدة هذه الفعلة لتكلفهم مالًا ألفوه ولا عرفوه‏.‏
وفيه أجلسوا على أبواب المدينة رجلًا أوده باشا ومعـه طائفـة مـنالعسكـر نحـو الثلاثيـن أو العشرين‏.‏
وفيـه أعنـي يـوم الخميـس الموافـق لسـادس مسـرى القبطـي نـوديبوفاء النيل فأرسل حسن باشا في صبـح يـوم الجمعـة كتخـداه والوالـي فكسـر السـدعلـى حيـن غفلـة وجـرى المـاء فـي الخليـج ولـم يعمـل له موسم ولا مهرجان مثلالعادة بسبب القلقة وعدم انتظام الأحوال والخوف من هجوم الأمراء المصرية فإنهم لميزالوا مقيمين جهة حلوان‏.‏
وفيـه نـودي بتوقيـر الأشـراف واحترامهـم ورفـع شكواهـم إلـى نقيـبالأشراف وكذلك المنسوبون إلى الأبواب ترفع إلى وجاقه وإن كان من أولاد البلد فإلىالشرع الشريف‏.‏
وفيه مرت جماعة من العسكر على سوق الورية فخطفوا من الدكاكين أمتعةوأقمشة فهاجت أهل الدكاكين والناس المارون وأغلقوا الحوانيت وثارت كرشة إلى بابازويلة وصادف مرور الوالـي فقبـض علـى ثلاثـة أنفـار منهم واستخلص ما بأيديهم وهربالباقون وكان الوالي والأغا كل منهما صحبته ضابطان من جنس العسكر‏.‏
وفيه نودي بمنع القواسة وأسافل الناس من لبس الشيلان الكشميريوالتختم أيضًا‏.‏
وفيـه وصلـت مراكـب القباطين الواردين من جهة دمياط إلى ساحل بولاقوفيهم اسمعيل كتخدا حسن باشا فضربت لهم مدافع من القلعة‏.‏
وفيـه قبضـوا علـى ثلاثـة مـن العسكـر أفسدوا بالنساء بناحيةالرميلة فرفعوا أمرهم وأمر الخطافين إلى القبطان فأمر يقتلهم فضربوا أعناق ثلاثةمنهم بالرميلة وثلاثة في جهات متفرقة‏.‏
وفيه نودي بأبطال العسكر لأهل الحرف ومن أتاه عسكري يشاركه أو أخذشيئًا بغير حق فليمسـك ويضـرب وتوثـق أكتافـه ويؤتـى بـه إلـى الحاكـم وحضـرالوالـي وصحبتـه الجاويـش وقبـض على مـن وجده منهم بالحمامات والقهاوي وطردهموزجرهم وذلك بسبب تشكي الناس فلما حصل ذلك اطمأنوا وارتاحوا منهم‏.‏
وفيه عدى الأمراء إلى البر الغربي‏.‏
وفي يوم السبت خلعوا على محمد بك تابع الجرف وجعلوه كاشفًا علىالبحيرة‏.‏
وفيه جاء الخبر عن الأمراء أن جماعة من العرب نحو الألف اتفقوا أنهميكبسون عليهم ليلًا ويقتلونهم وينهبونهم فذهب رجل من العرب وأخبرهم بذلك الاتفاقفأخلوا من خيامهم وركبوا خيولهم وكمنوا بمرأى من وطاقهم فلما جاءت العربان وجدواالخيام خالية فاشتغلوا بالنهب فكبس عليهم الأمراء من كمينهم فلم ينج من العرب إلامن طال عمره‏.‏
وفيه نودي على طائفة النساء أن لا يجلسن على حوانيت الصياغ ولا فيالأسـواق إلا بقـدر الحاجة‏.‏
وفـي يـوم الأحد عملوا الديوان وقلدوا مراد بك أمير الحاج وسماه حسنباشا محمدًا كراهة في اسـم مراد بك فصار يكتب في الإمضاء محمد بك حسن وكان هذااليوم هو ثاني يوم ميعاد وفـي يـوم الثلاثـاء كتبـت فرمانـات لشيـخ العرب أحمد بنحبيب بخفر البرين والموارد من بولاق إلى حد دمياط ورشيد على عادة أسلافه وكل ذلكمرفوعًا عنهم من أيام علي بك ونودي له بذلك على ساحل بولاق‏.‏
وفيه أخرجت خبايا وودائع للأمراء من بيوتهم الصغار لهم ولأتباعهموختم أيضًا على أماكن وتركـت على ما فيها ووقع التفتيش والفحص على غيرها وطلبواالخفراء فجمعوهم وحبسوهم ليدلوا على الأماكن التي في العطف والحارات وطلبت زوجةإبراهيم بك وحبست في بيت كتخدا الجاويشية هي وضرتها أم مرزق بك حتى صالحا بجملة منالمال والمصاغ خلاف ما أخذ من المستودعات عند الناس وطولبت زليخا زوجة إبراهيم بكبالتـاج الجوهـر وغيـره وطلبت زوجة مراد بك فاختفت وطلب من السيد البكري ودائع مرادبك فسلمها‏.‏
وفي يوم الخميس عمل الباشا ديوانًا وخلع على علي أغا كتخداالجاويشية وقلده صنجقيًا ودفتـردار وشيخ البلد ومشير الدولة فصار صاحب الحل والعقدوإليه المرجع في جميع الأمور الكلية والجزئية وقلد محمد أغا الترجمان وجعله كتخداالجاويشية عوضًا عن المذكور وخلع علـى سليمـان بـك الشابوري وقلده صنجقًا كما كانأيضًا في الدهور السالفةوخلع على محمد كتخدا بن أباظة المحتسب وجعله ترجمانا عوضًاعن محمد أغا الترجمان وخلع على أحمد أغا وفي يوم الجمعة ركب المشايخ إلى حسن باشاوتشفعوا عنده في زوجة إبراهيم بك وذلك بإشارة علي بك الدفتردار فأجابهم بقوله تدفعما على زوجها للسلطان وتخلص أزواجهن لهم مدة سنين ينهبون البلاد ويأكلون أموالالسلطان والرعية وقد خرجوا من مصر على خيولهم وتركوا الأموال عند النساء فإن دفعنما على أزواجهن تركت سبيلهن إلا أذقناهن العذاب‏.‏
وانفض المجلس وأقاموا وذهبوا‏.‏
وفيه ورد الخبر عن الأمراء أنهم ذهبوا إلى أسيوط وأقاموا بها‏.‏
وفـي يـوم السبـت حصـل التشديـد والتفتيـش والفحـص عـن الودائـع‏.‏
ونودي في الأسواق بأن كل من كـان عنـده وديعـة أو شـيء مـن متـاعالأمـراء الخارجيـن ولا يظهـره ولا يقـر عليـه فـي مـدة ثلاثـة أيام قتل من غيرمعاودة إن ظهر بعد ذلك‏.‏
وفيـه طلـب حسـن باشـا من التجار المسلمين والإفرنج والأقباط دراهمسلفة لتشهيل لوازم الحج وكتب لهم وثائق وأجلهم ثلاثين يومًا ففردوها على أفرادهمبحسب حال كل تاجر وجمعوها‏.‏
وفيه حصلت كائنة على بن عياد المغربي ببولاق وقتله اسمعيل كتخدا حسنباشا‏.‏
وفيه نادوا على النساء بالمنع من النزول في مراكب الخليج والأزبكيةوبركة الرطلي‏.‏
وفيه كتبوا مكاتبات من حسن باشا ومحمد باشا الوالي والمشايخوالوجاقات خطابًا لاسمعيل وفـي يـوم الأحـد خامـس عشرينه نودي على النساء أن لايخرجن إلى الأسواق ومن خرجت بعد اليوم شنقت فلم ينتهين‏.‏
وفيه حضر حسن باشا المطربازية واليسرجية وأخرج جواري إبراهيم بكوباقي الأمراء بيضًا وسـودًا وحبوشـًا ونـودي عليهـن بالبيـع والمـزاد فـي حـوشالبيت فبيعوا بأبخس الأثمان على العثمانية وعسكرهم وفي ذلك عبرة لمن يعتبر‏.‏
وفي يوم الاثنين أحضروا أيضًا عدة جوار من بيوت الأمراء ومنمستودعات كن مودعات فيها وأخـذوا جـواري عثمـان بـك الشرقـاوي مـن بيتـه ومحظيتـهالتـي فـي بيتـه الـذي عنـد حيضان المصلى فأخرجوهـا بيـد القليونجيـة وكذلـك جـواريأيـوب بـك الصغـر ومـا فـي بيوت سليمان أغا الحنفي من جـوار وأمتعـة وكذلـك بيـوتغيـره مـن الأمـراء وأحاطـوا بعـدة بيـوت بدرب الميضأة بالصليبة وطليون ودرب الحماموحارا المغاربة وغيرهم في عدة أخطاط فيهـا ودائـع وأغلـال فاخـذوا بعضهـا وختمـواعلـى باقيهـا وأحضـروا الجواري بين يدي حسن باشا فأمر ببيعهن وكذلك أمر ببيع أولادإبراهيم بك مرزوق وعديله والتشديد على زوجاته ثم إن شيخ السادات ركب إلى الشيخأحمـد الدرديـر وأرسلـوا إلـى الشيـخ أحمـد العروسـي والشيـخ محمـد الحريري فحضرواوتشاوروا في هـذا الأمـر ثـم ركبوا وطلعوا إلى القلعة وكلموا محمد باشا وطلبوا منهأن يتكلم مع قبطان باشا فقـال لهم‏:‏ ليس لي قدرة على منعه ولكن اذهبوا إليهواشفعوا عنده‏.‏
فالتمسوا منه المساعدة فأجابهـم واقـل‏:‏ اسبقونـي وأنا أكون فيأثركم فلما دخلوا على القبطان وحضر أيضًا محمد باشا وخاطبـوه فـي شـأن ذلـك وكـانالمخاطـب لـه شيـخ السـادات فقـال لـه‏:‏ إنا سررنا بقدومك إلى مصر لما ظنناه فيكمن الإنصاف والعدل وأن مولانا السلطان أرسلك إلى مصر لإقامة الشريعة ومنع الظلموهذا الفعل لا يجوز ولا يحل بيع الأحرار وأمهات الأولاد ونحو ذلك من الكلام فاغتاظوأحضر أفندي ديوانه وقال اكتب أسماء هؤلاء لأرسل إلى السلطان وأخبره بمعارضتهملأوامره ثـم التفـت إليهـم وقـال‏:‏ أنـا أسافـر مـن عندكـم والسلطـان يرسـل لكـمخلافي فتنظروا فعله أما كفاكم أنـي فـي كـل يـوم أقتـل مـن عساكري طائفة على أيسرشيء مراعاة وشفقة ولو كان غيري لنظرتم فعـل العسكـر فـي البيـوت والأسـواقوالنـاس‏.‏
فاقلـوا لـه إنمـا نحـن شافعـون والواجـب علينـا قـول الحـق‏.‏
وقاموا من عنده وخرجوا وتغير خاطره من ذلك الوقت على شيخ السادات‏.‏
وفيه قبض اسمعيل كتخدا حسن باشا على الحاج سليمان بن ساسي التاجروجماعة منن طليون وألزمه بخمسمائة كيس فولول واعتذر بعجزه عن ذلك فلم يقبـل ولطمـهعلـى وجهـه وشدد عليه فراجعوه وتشفعوا فيه إلى أن قررها مائة كيس فحلف أنه لا يملكإلا ثلثمائة فرق بـن وليـس لـه غيرهـا فأرسـل وختـم عليهـا فـي حواصلهـا واستمـرفـي الاعتقـال حتـى غلـق المائـة كيس وفـي يـوم الثلاثاء سابع عشرينه كان خروجالمحمل صحبة أمير الحاج محمد بك المبدول بالموكب على العادة ما عدا طائفة الينكرجيةوالعزب خوفًا من اختلاط العثمانية بهم وحضر حسن باشا القبطان إلى مدرسة الغوريةلأجل الفرجة والمشاهدة ولم يزل جالسًا حتى مر الموكب والمحمـل‏.‏
ولمـا مـرت عليه طوائف الأشاير فكانت تقف الطائفة منهم تحت الشباكويقرأون الفاتحة فيرسل لهم ألف نصف فضة في قرطاس ولما انقضى أمر ذلك ركب بجماعةقليلة وازدحمت النـاس للفرجـة عليـه وكـان لابسـًا علـى هيئـة ملـوك العجـم وعلىرأسه تاج من ذهب مزرد مخروط الشكل وعليه عصابة لطيفة من حرير مرصعة بالجوهر ولهاذوائب على آذانه وحواجبه وعليه عباءة لطخ قصب أصفر‏.‏
وفي يوم الأربعاء نودي على النصارى واليهود بأن يغيروا أسماءهم التيعلى أسماء الأنبياء كإبراهيـم وموسـى وعيسـى ويوسـف واسحـق وأن يحضـروا جميـع مـاعندهم من الجواري والعبيد وإن لم يفعلوا وقع التفتيش على ذلك في دورهم وأماكنهمفصالحوا على ذلك بمال فحصـل العفـو وأذنـوا لهـم فـي أن يبيعـوا مـا عندهـم مـنالجـواري والعبيد ويقبضوا أثمانهم لأنفسهم ولا يستخدموا المسلمين فأخرجوا ما عندهموباعوا بعضه وأودعوه عند معارفهم من المسلمين‏.‏
وفيه حضر مبشر بتقرير الباشا على السنة الجديدة‏.‏
وفي يوم الخميس أرسل حسن باشا القبطان جملة من العسكر البحريةوصحبتهـم اسمعيـل كتخـدا إلـى عـرب البحيـرة لكونهـم خامـروا مـع المصرليـة ووقـعالخلـف بينهـم وبين قبليتهم ثم حضروا مع أخصامهم بين يدي القبطان واصطلحوا ثم نكثواوتحاربوا مع بعضهم فحضر الفرقة الأولى واستنجدوا بحسن باشا فأرسل لهم اسمعيل كتخدابطائفة من العسكر في المراكب فهربوا ورجع اسمعيل كتخدا ومن معه على الفور‏.‏
وفـي يـوم الجمعـة غايـة شـوال وصلـت العساكـر البرية صحبة عابديباشا ودرويش باشا إلى بركة الحج وكان أمير الحاج مقيمًا بالحجاج بالعادلية ولميذهبوا إلى البركة على العادة بسبب قدوم هؤلاء‏.‏
وفـي يـوم السب غرة القعدة ارتحل الحجاج من العادلية وحضر عابديباشا ودرويش باشا إلى العادلية وخرج حسن باشا إلى ملاقاتهم ودخلت طوائف عساكرهماإلى المدينة وهم بهيئات مختلفة وأشكال منكرة وراكبون خيولًا وأكاديش كأمثال دوابالطواحين وعلى ظهورها لبابيد شبه البراذع متصلة بكفل الاكديش وبعضهم بطراطير سودطوال شبه الدلاة والبعض معمم ببوشيـة ملونـة مفشولـة علـى طربـوش واسـع كبيـر مخيطعليه قطعة قماش لابسها دماغه والطربوش مقلوب على قفاء مثل حزمة البراطيش وهم لابسونزنوط وبشوت محزمين عليها وصورهم بشعـة وعقائدهـم مختلفـة وأشكالهـم شتـى وأجناسهـممتفرقـة ما بين أكراد ولاوند ودروز وشوام‏.‏
ولكن لم يحصل منهم إيذاء لأحد وإذا اشتروا شيئًا أخذوه بالمصلحةفباتوا بالخيام عند سبيل قيماز تلك الليلة‏.‏
وفـي يـوم الأحـد ركب عابدي باشا ودرويش باشا وذهبوا إلى البساتينمن خارج البلد فمروا بالصحراء وباب الوزير وأجروا عليهم الرواتب من الخبز واللحموالأرز والسمن وغيره‏.‏
وفيه نودي على النصارى بإحضار ما عندهم من الجواري والعبيد ساعةتاريخه ثم نزلت العساكـر وهجمـت علـى بيوت النصارى واستخرجوا ما فيها فكان شيئًاكثيرًا وأحضروهم إلى القبطان فأخرجوهم إلى المزاد وباعوهم واشترى غالبهم العسكروصاروا يبيعونهم على الناس بالمرابحة فإذا أراد إنسان أن يشتري جارية ذهب إلى بيتالباشا وطلب مطلوبه فيعرض عليه الجواري من مكان عند باب الحريم فإذا أعجبته جاريةأو أكثر حضر صاحبها الذي اشتراها فيخبره برأس ماله ويقوله له‏:‏ وأنا آخذ مكسي كذافلا يزيد ولا ينقص فإن أعجبه الثمن دفعه وإلا تركها وذهب‏.‏
ثم وقع التشديد على ذلك وأحضروا الدلالين والنخاسين القدم والجـددواستدلوا منهم على المبيوعات‏.‏
وفيه حضر القبطان المهندسين ليستخبر منهم عن الخبايا والدفائن التيصنعوها في البيوت وفي يوم الاثنين أمر القبطان الأمراء والصناجق والوجاقلية أنيذهبوا للسلام على عابدي باشا ودرويـش باشـا فذهـب الصناجـق أولًا بسائر أتباعهموطوائفهم وتلاهم الوجاقلية فسلموا ورجعوا من البساتين وكلاهما في جمع كثير‏.‏
وفـي يـوم الثلاثاء رابعه حضر عابدي باشا عند القبطان وسلم عليه ثمطلع إلى القلعة وسلم على محمد باشا المتولي ثم نزل وخرج إلى مخيمه بالبساتين‏.‏
وفيـه قـرر علـى بيـوت النصارى الذين خرجوا بصحبة الأمراء المصريةمبلغ دراهم مجموع متفرقها خمسة وسبعون ألف ريال‏.‏
وفيه أمر أيضًا بإحصاء بيوت جميع النصارى ودورهم وما هو في ملكهموأن يكتب جميع ذلـك فـي قوائـم ويقـرر عليها أجرة مثلها في العام وأن يكشف في السجلعلى ما هو جار في أملاكهم‏.‏
ثم قرر عليهم أيضًا خمسمائة كيس فوزعوها على أفرادهم فحصل لفقرائهمالضرر الزائـد وقيـل أنهـم حسبـوا لهم الجواري المأخوذة منهم من أصل ذلك على كل رأسأربعون ريالًا‏.‏
وقرر أيضًا على كل شخـص دينـارًا جزيـة العـال كالـدون وذلـك خـارجعـن الجزيـة الديوانيـة المقررة‏.‏
وفي يوم الخميس عمل محمد باشا ديوانًا وخلع على مصطفى أغا تابع حسنأغا تابع عثمان وكيل دار السعادة سابقًا وقلده وكيل دار السعادة كأستاذ أستاذهوكانت شاغرة من أيام علي بك‏.‏
وفيه أيضًا سمحوا في جمرك البهار والسلخانة لباب الينكجريـة كمـاكـان قديمـًا وكـان ذلـك مرفوعًا عنهم من أيام ظهور علي بك‏.‏
وفيه انتقل عابدي باشا ودرويش باشا من ناحية البساتين إلى قصرالعيني بشاطئ النيل وجلسوا هناك‏.‏
وفيه دفع قبطان باشا بعض دراهم السلفة التي كان اقترضها من التجارفدفع ما للإفرنج وجانبًا لتجار المغاربة ووعدهم بغلاق الباقي‏.‏
وفيه قبض القبطان على راهب مـن رهبـان النصـارى واستخلـص منـهصندوقـًا مـن ودائـع النصارى‏.‏
وفيـه ايضـًا قبـض علـى شخـص مـن الأجنـاد مـن بيتـه بخشقدم وأخرجوامن داره زلعتين مسدودتين كل واحدة منهما يرفعها ثمانية من الرجال العتالين بالآلةلا يعلم ما فيها‏.‏
وفي يوم الجمعة عمل شيخ السادات عزومة لحسن باشا عند تربة أجدادهبالقرافة‏.‏
وفيـه حضـر قاصـد من طرف اسمعيل بك وعلى يده مكاتبات من المذكوريخبر فيها بأنه وصل إلـى دجرجـا وقصـده الإقامـة هناك لأجل المحافظة في تلك الجهةحتى تسافر العسكر فإذا التقوا مع الأمراء وكسروهم وهزموهم يكون هو ومن معه فيأقفيتهم وقت الحرب ومانعًا عند الهزيمة‏.‏
وفي يوم السبت قبض القبطان على المعلم واصف وحبسه وضربه وطالبهبالأموال وواصف هـذا أحـد الكتـاب المباشريـن المشهوريـن ويعـرف الإيـرادوالمصاريـف وعنـده نسـخ مـن دفاتـر الروزنامة ويحفظ الكليات والجزئيات ولا يخفى عنذهنه شيء من ذلك ويعرف التركي‏.‏
وفي يوم الأحد تاسعه قبض على بعض نساء المعلم إبراهيم الجوهري منبيت حسن أغا كتخدا علي بك أمين احتساب سابقًا فأقرب على خبايا أخرجوا منها أمتعةوأواني ذهب وفضة وسروجًا وغير ذلك‏.‏
وفي يوم الاثنين حصلت جمعية بالمحكمة بسبب جمرك البهار وذلك أنإبراهيم بك شيخ البلد أخذ من التجار في العام الماضي مبلغًا كبيرًا من حساب الباشاوذلك قبل حضوره من ثغر سكندرية فلما حضر دفعوا له البواقي وحاسبهم وطالبهم بذلكالمبلغ فمطالوا ووعدوه إلى حضور المراكـب فلمـا حضـرت المراكـب فـي أوائـل شهـررمضـان مـن هـذه السنـة أحضرهـم وطالبهم فلم يزالوا يستوفونه ويعتذرون له وذلكخوفًا من إبراهيم بك ويعيدون القول على إبراهيم بك فيقول لهم لا تفضحوني ويلاطفهمويداهنهم كما هي عادته والباشا يطالبهم‏:‏ فلما ضـاق خناقهـم أخبـروه أن إبراهيـمبك يطلب ذلك ويقول أنا محتاج لذلك في هذا الوقت ووالدي الباشا يمهل وأنا أحاسبه بعدذلك ولم يخبروه أنه أخذه فلم يرض ولم يقبل وصار يرسل إلى إبراهيم بك يشكو له منالتجار ومطلهم فيرسل إبراهيم بك مع رسوله معينين من سراجينه يقولون للتجار ادفعوامطلوبات الباشا فإذا حضر إليه التجار تملق لهم ويقول اشتروا لحيتي واشترونـي فلـميـزل التجـار فـي حيـرة بينهمـا وقصـد إبراهيـم بـك أن التجـار يدفعـون ذلـك القدرثانيًا إلـى الباشـا وهـم يثاقلونـه خوفًا من أن يقهرهم في الدفع‏.‏
ثم حصلت الحركات المذكورة وحضور القبطـان وخـروج إبراهيـم بـكوإخوانه فبقي الأمر على السكوت‏.‏
فلما راق الحال واطمأن الباشا أرسـل يطالـب التجـار بالمبلـغ وهـوأربعة وأربعون ألف ريال فرانسة‏.‏
فعند ذلك أفصحوا له عن حقيقة الأمر وأنهم دفعوا ذلك لإبراهيم بك قبلحضوره إلى مصر فاشتد غيظه وقال‏:‏ ومن أمركـم بذلـك ولا يلزموني ولا بد من أخذعوائدي على الكامل‏.‏
ثم أنهم ذهبوا إلى حسن باشا واستجاروا به فأمرهم أن يترافعوا إلىالشرع فاجتمعوا يوم الأحد في المحكمة وأقام الباشا من جهته وكيلًا وأرسله صحبةأنفار من الوجاقلية واجتمعت التجار حتى ملأوا المحكمة وطلبوا حضور العلماء فلميحضروا‏.‏
وانفض المجلس بغير تمام ثم حضر التجار في ثاني يوم وحضر العلمـاءولـم يحضـر وكيـل الباشـا ثـم أبـرز التجـار رجعـة بختـم إبراهيـم بـك وتسلمهالمبلغ مؤرخة في ثاني عشـر شعبـان أيـام قائمقاميتـه ووكالتـه عـن الباشـا وأبـرزوافتـاوى أيضـًا وسئـل العلمـاء فأجابوهم بقولهم حيث أن الباشا أرسل فرمانًا لإبراهيمبك أن يكون قائمًا مقامه ووكيلًا عنه إلى حين حضوره فيكون فعل الوكيل كالأصيل وتخلصذمة التجار وليـس للباشـا مطالبتهـم ومطالبته على إبراهيم بك على أن ذلك ليس حقًاشرعيًا‏.‏
وكتب القاضـي إعلامـًا بذلـك وأرسله إلى الباشا وانفض المجلس علىدماغ الباشا‏.‏
وفي يوم الخميس تعين للسفر عدة من العساكر البحرية في المراكب ولحقتبالمراكب السابقة‏.‏
وفـي يـوم الجمعـة حضر أحمد باشا والي جدة الذي كان مقيمًا بثغرالإسكندرية إلى ثغر بولاق فذهب لملاقاته علي بك الدفتردار وكتخدا الجاويشية وأربابالخدم فركب صحبتهم وتوجه إلى ناحية العادلية وجلس هناك بالقصر‏.‏
وفي يوم السبت حضر حسن باشا وعابدي باشا ودرويش باشا إلى بيت الشيخالبكري بالأزبكيـة باستدعـاء وجلسـوا هنـاك إلـى العصـر وقـدم لهـم تقادم وهداياوحضروا إليه في مراكب من الخليج‏.‏
وفـي يـوم الأحـد أحضروا عند حسن باشا رجلًا من الأجناد يسمى رشوانكاشف من مماليك محمـد بـك أبـي الذهـب فأمـر برمي عنقه ففعلوا به ذلك وعلقوا رأسهقبالة باب البيت‏.‏
قيل أن سبـب ذلـك أنـه كـان بجرجـا أيـام الحركـة فلمـا خـرجرفقـاؤه حضـر إلـى مصـر وطلب الأمان فأمنوه ولم يزل بمصر إلى هذا الوقت فحدثته نفسهبالهروب إلى قبلي فركب جواده وخرج فقبض عليه المحافظون وأحضروه إلى حسن باشا فأمربرمي عنقه وقيل أن السبب غير ذلك‏.‏
وفيـه وصلـت مراسلـة مـن كبيـر العساكـر البحريـة وأخبروا أنهم وقعبينهم وبين الأمراء القبالي لطمة ورموا على بعضهم مدافع وقنابر من المراكب فانتقلالمصريون من مكانهم وترافعوا جهة الجبانة وصار البلد حائلًا بين الفريقين وساحلأسيوط طرد لا يحمل المراكب ومن الناحية الأخرى جزيرة تعوقهم عن التقرب إليهم‏.‏
وصوروا صـورة ذلـك وهيئتـه فـي كاغـد لأجـل المشاهـدة وأرسلوها معالرسول‏.‏
وفيه عمل الديوان بالقلعة وتقلد قاسم بك أبو سيف ولاية جرجا وسارىعسكر التجريدة المعينة صحبة عابدي باشـا ودرويـش باشـا ومعهـم مـن الصناجـق أيضـًاعلـي بـك جركـس الاسمعيلـي وغياطـس بـك المصالحـي ومحمـد بـك كشكش ومن الوجاقليةخمسمائة نفر وأخذوا في التجهيز والسفر‏.‏
وفي يوم الاثنين سابع عشر حضر إلى ساحل بولاق أغا من الديار الروميةوهو أمير اخور وعلـى يـده مثالـات وخلع وهو جواب عن الرسالة بالأخبار الحاصلة وخروجالأمراء فركب أغات مستحفظان ومن له عادة بالكروب لملاقاته وطلع حسن باشـا وعابـديباشـا وأحمـد باشـا الجداوي ودرويش باشا والأمراء والصناجق والوجاقـات والقاضـيوالمشايـخ واجتمعـوا بالقلعـة وحضر الأغا من بولاق بالموكب والنوبة خلفه وبقيةالأغوات وهم يحملون بقجًا على أيديهم والمكاتبـات فـي أكيـاس حريـر علـى صدورهـمولما دخلوا باب الديوان قام الباشوات والأمراء على أقدامهم وتلقوهم ثم بدأوا بقراءةالمرسوم المخاطب به حسن باشا فقرأوه ومضمونه التبجيل والتعظيم لحسن باشا وحسنالثناء عليه بما فعله من حسن السياسة والوصية على الرعية وصرف العلائف والغلال‏.‏
وفيه ذكر اسمعيل بك وحسن بك والتحريض والتأكيد على القتـلوالانتقـام مـن العصـاة ولمـا فرغوا من قراءة ذلك أخرجوا الخلعة المخصوصة به فلبسهاوهي فروة سمور وقفطان أصفر مقصب مفرق الأكمام فلبسه من فوق وسيف مجوهر تقلد به ثمقرأوا المرسوم الثاني وهو خطـاب لمحمـد باشـا يكن المتولي ومعه الخطاب للقاضيوالعلماء والأمراء والوجاقلية والثناء على الجميـع والنسـق المتقـدم فـي المرسـومالسابـق‏.‏
ثـم لبس الخلعة المخصومة به وهي فروة وقفطان ثم قرأوا المرسومالثالث وهو خطاب لأحمد باشا والي جده بمثل ذلك ولبس خلعته أيضًا وهي فـروةوقفطـان‏.‏
ثـم قـرئ المرسـوم الرابـع وفيه الخطاب لعابدي باشا ومضمونه ما تقدمولبس أيضًا خلعتـه وفروتـه‏.‏
ثـم قـرئ المرسـوم الخامس ومضمونه الخطاب لدرويش باشا وذكر ما تقدمولبس خلعته وهي فروة على بنش لأنه بطوخين ثم مرسوم بالخطاب لعلي بك الدفتردارومضمونه الثناء علهي من عدم التأخر عن الإجابة والنسق‏.‏
ثم فرمان ثان وهو خطاب لأمير الحاج والوصية بتعلقات الحج‏.‏
فما فرغوا من ذلك إلا بعد الظهر ثم ضربوا مدافع كثيرة ودخلوا إلىداخـل وجلسـوا مـع بعضهـم ساعـة ثـم ركبوا ونزلوا إلى أماكنهم‏.‏
وكان ديوانًا عظيمًا وجمعية كبيرة لم تعهد قبل ذلك ولم يتفق أنهاجتمع في ديوان خمسة باشوات في آن واحد‏.‏
وفي يوم الأربعاء تاسع عشره عمل الباشا ديوانًا وخلع على باكيـرأغـا مستحفظـان وقلـده صنجقًا وخلع عثمان أغا الوالي وقلده أغات مستحفظان عوضًا عنباكير أغا‏.‏
وفي يوم الخميس خلع الباشا على اسمعيل كاشف منن أتباع كشكش وقلدهواليًا عوضًا عن عثمـان أغـا المذكـور وأقـر أحمد أفندي الصفائي في وظيفته روزنامجيأفندي على عادته وكانوا عزموا على عزله وأرادوا نصب غيره فلم يتهيأ ذلك‏.‏
وفيـه وصـل إبراهيـمكاشـف مـن طـرف اسمعيـل بـك وحسـن بـك وأخبـربقدومهما وأنهما وصلا إلى شـرق أولـاد يحيـى وأرسـلا يستأذنـان فـي المقام هناكبالجمعية حتى تصل العساكر المعينة فيكونوا معهـم فلـم يجبه حسن باشا إلى ذلك وحثهعلى الحضور فيقابله ثم يتوجه من مصر ثانيًا‏.‏
ثم أجيب إلى المقام حتى تأتيهم العساكر وأخبر أيضًا أن الأمراءالقبليين لم يزالوا مقيمين بساحل أسيوط على رأس المجرور وبنوا هناك متاريس ونصبوامدافع وأن المراكب راسية تجاههم ولا تستطيع السير في ذلك المجرور إلا باللبان لقوةالتيار ومواجهة الريح للمراكب‏.‏
وفيـه استعفـى علـي بك جركس الاسمعيلي من السفر فأعفي وعين وعوضهحسن بك رضوان وأنفق حسن باشا على العسكر فأعطى لكل أمير خمسة عشر ألف ريالوللوجاقلية سبعة عشـر ألـف ريـال وأنفـق عابـدي باشـا فـي عسكره النفقة أيضًا فأعطىلكل عسكري خمسة عشر قرشـًا فغضبـت طائفـة الدلاة واجتمعوا بأسرهم وخرجوا إلىالعادلية يريدون الرجوع إلى بلادهم وحصل في وقـت خروجهـم زعجـة فـي النـاس وأغلقـتالحوانيـت ولـم يعرفـوا مـا الخبـر‏.‏
ولمـا بلـغ حسـن باشا خبرهم ركب بعسكره وخرج يريد قتلهم وخرج معهمالمصرين وركب عابدي باشا أيضًا ولحق بعد عند قصر قايماز وكان هناك أحمد باشاالجداوي فنزل إليه أيضًا واجتمعوا إليه واستعطفـوا خاطـره وسكنـوا غضبـه وأرسلـواإلـى جماعـة الدلـاة فاسترضوهـم وزادوا لهـم في نفقتهم وجعلوا لكل نفر أربعين قرشًاوردوهم إلى الطاعة‏.‏
ورجع حسن باشا وعابدي باشا إلى أماكنهم قبيل الغروب‏.‏
وفي صبح ذلك اليوم سافر اسمعيل كتخدا بطائفة من العسكر في البحر إلىجهة قبلي‏.‏
وفيه أعني يوم الخميس أخرجوا جملةغلال من حواصل بيوت الأمراءالخارجين فأخرجوا من بيت أيوب بك الكبير وبيت أحمد أغا الجملية وسليمان بك الأغاوغيرهم‏.‏
وفيه أيضًا أخذت عدة ودائع من عدة أماكن وتشاجر رجل جندي مع خادمهوضربه وطرجه ولم يدفع له أجرته فذهب ذلك الخادم إلى حسن باشا ورفع إليه قصته وذكرله أن عنده صندوقًا مملوءًا من الذهب من ودائع الغائبين فأرسل صحبته طائفة منالعسكر فدلهم على مكانه فأخرجوه وحملوه إلى حسن باشا وأمثال ذلك‏.‏
وفي يوم الجمعة فتحوا بيت المعلم إبراهيم الجوهري وباعوا ما فيهوكان شيئًا كثيرًا من فرش ومصاغ وأوان وغير ذلك‏.‏
وفي يوم السبت برز عابدي باشا ودرويش باشا وأخرجوا خيامهما إلىالبساتين قاصدين السفر‏.‏
وفيه ركب علي بك الدفتردار وذهب إلى بولاق وفتح الحواصل وأخرج منهاالغلال لأجـل البقسماط والعليق‏.‏
وفي يوم الأحد نودي على الغز والأجناد والأتباع البطالين أن يخدمواعند الأمراء‏.‏
وفـي يـوم الاثنيـن سافـر عابـدي باشـا ودرويـش باشـا وأخرجـواخيامهمـا إلـى البساتيـن وأخـرج الأمراء وفيه حضر باشا من ناحية الشام وهو أميركبير من أمراء شين أغالي وصحبته نحو ألف عسكري فنزل بهم بالعادلية يومه ذلك‏.‏
وفـي يـوم الثلاثـاء دخلـت عساكـر المذكـور إلـى القاهـرة وأميرهـمتوجـه إلـى ناحية البساتين من نواحي بابا الوزير‏.‏
وفي يوم الخميس سافر أمير شين أغلي بعساكره إلى جهة قبلي‏.‏
وفي يوم السبت ثامن عشرين القعدة نودي بفرمان بمنع زفاف الأطفالللختان في يوم الجمعة بالطبـول وسبـب ذلـك أن حسـن باشا صلى بجامع المؤيد الذي بباتزويلة فعندما شرع الخطيب فـي الخطبـة وإذا بضجـة عظيمـة وطبـول مزعجـة فقـالالباشـا مـا هـذا فأخبـروه بذلـك فأمر بمنع ذلك في مثل هذا الوقت‏.‏
وفـي غـرة الحجـة أشيعـت أخبـار وروايـات ووقائـع بـن الفريقين وأنجماعة من القبالي حضروا بأمان عند اسمعيل بك‏.‏
وفـي يـوم الثلاثـاء ثانـي شهر الحجة حضر إلى مصر فيض الله أفنديرئيس الكتاب فتوجه إلى حسـن باشـا فتلقـاه بالإجلال والتعظيم وقابله من أول المجلسثم طلع إلى القلعة وقابل محمد باشا أيضًا ثم نزل إلى دار أعدت له ثم انتقل إلى داربالقلعة عند قصر يوسف‏.‏
وفـي يـوم الخميـس حضـر أغـا وعلـى يـده تقريـر لمحمـد باشـا علـىالسنـة الجديـدة فركب من بولاق إلى العادلية وخرج إليه أربـاب الخـدم والدفتـرداروأغـات مستحفظـان وأغـات العـزب والوجاقليـة ودخل بموكب عظيم من باب النصر وشقالقاهرة وطلع إلى القلعة‏.‏
وفي يوم السبت نودي بأن من كانت له دعوة وانقضت حكومتها في الأيامالسابقة لا تعاد ولا تسمع ثانيًا وسبب ذلك تسلط الناس على بعضهم في التداعي‏.‏
وفيه ردت السلفة التي كانت أخذت من تجار المغاربة وهي آخر السلفالمدفوعة‏.‏
وفـي يـوم الأربعـاء عاشـر الحجـة كان عيد النحر وفيه وردت أخبار منالجهة القبلية بوقوع مقتلة عظيمة بين الفريقين وقتل من المصرية عمر كاشف الشرقيةوحسن كاشف وسليمان كاشف ثم انحازت العسكر إلى المراكب ورجع الأمراء إلى وطاقهمفأغنم حسن باشا لتمادي أمرهم وكـان يرجـو انقضـاءه قبـل دخـول الشتـاء ويأخذ رؤوسهمويرجع بهم إلى سلطانه قبل هبوط النيل لسيـر المراكـب الروميـة حتـى أنـه منـع منفتح الترع التي من عادتها الفتح بعد الصليب كبحر أبي المنجاوميس والقريفين خوفًا مننقص الماء فتتعوق المراكب الكبار‏.‏
وفيه حضر واحد ططري وعلى يده مرسوم فطلب حسن باشا محمد باشا المتوليفنزل إليه وجمع الديوان عنده فقرأ عليهم ذلك المرسوم وحاصله الحث والتشديـدوالاجتهـاد فـي قتـل العصاة والفحص عن أموالهم وموجوداتهم والانتقام ممن تكـونعنـده وديعـة ولا يظهرهـا وعـدم التفريط في ذلك وطلب حلوان عن البلاد فائظ ثلاثسنوات‏.‏
وفـي أواخر الحجة أرسل عابدي باشا مكاتبة حضرت له من الأمراءالقبالي وهي جواب عن رسالتهم وهي باللغة التركية وحاصل مـا فهمتـه مـن ذلـك أنكـمتخاطبونـا بالكفـرة والمشركيـن والظلمة والعصاة وأننا بحمد الله تعالى موحدونوإسلامنها صحيح وحججنا بيت الله الحرام وتكفيـر المؤمـن كفر ولسنا عصاة ولا مخالفينوما خرجنا من مصر عجزًا ولا جبنا عن الحرب إلا طاعـة للسلطان ونائبه فإنه أمرنابالخروج حتى تسكن الفتن وحقنًا للدماء ووعدنا أنه يسعى لنا فـي الصلـح فخرجنـالأجـل ذلـك ولـم نـرض بإشهـار السلـاح فـي وجوهكـم وتركنا بيوتنا وحريمنا في عرضالسلطان ففعلتم بهم ما فعلتم ونهبتم أموالنا وبيوتنا وهتكتم أعراضنا وبعتـمأولادنـا وأحرارنا وأمهات أولادنا وهذا الفعل ما سمعنا به ولا في بلاد الكفر وماكفاكم ذلك حتى أرسلتم خلفنا العساكر يخرجونا عن بلاد الله وتهددونا بكثرتكم وكم منفئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله وأن عساكر مصر أمرها في الحرب والشجاعة مشهورفي سائر الأقاليم والأيام بيننا‏.‏
وكـان الأولـى لكـم الاجتهـاد والهمـة فـي خلـاص البلـد التـي غصبـامنكـم الكفـار واستولـوا عليهـا مثـل بلـاد القـرم والـودن واسمعيـل وغير ذلك‏.‏
وأمثال هذا القول وتخشين الكلام تارة وتليينه أخرى وفـي ضمـن ذلكآيات وأحاديث وضرب أمثال وغير ذلك‏.‏
فأجابهم عابدي باشا ونقض عليهم ونسب كاتبهم إلى الجهل بصناعةالإنشاء وغير ذلك مما يطول شرحه وانقضت هذه السنة وما وقع بها من الحوادثالغريبة‏.‏
من مات في هذه السنة توفي الشيخ العلامة المحقق والفهامة المدققشيخنا الشيخ محمد ابن موسى الجناجي المعروف بالشافعي وهو مالكي المذهب أحد العلماءالمعدودين والجهابذة المشهورين تلقى عن مشايـخ عصره ولازم الشيخ الصعيدي ملازمةكلية وصار مقرئه ومعيدًا لدروسه وأخذ عن الشيخ خليل المغربي والسيد البليدي وحضرعلى الشيخ يوسف الحفني والملوي وتمهر في المعقول والمنقول ودرس الكتب المشهورةالدقيقة مثل المغني لابن هشام والاشموني والفاكهـي والسعـد وغيـر ذلـك وأخـذ علـمالصـرف عـن بعـض علمـاء الـأروام وعلم الحساب والجبر والمقابلة وشباك بن الهائـمعـن الشيـخ حسيـن المحلـاوي واشتهـر فضلـه فـي ذلك وألف فيها رسائل وله في تحويلالنقود بعضهـا إلـى بعـض رسالـة نفيسـة تـدل علـى براعتـه وغوصـه فـي علـم الحسـابوكـان لـه دقائق وجودة استحضار في استخراج المجهولات وأعمال الكسورات والقسمـةوالجـذورات وغيـر ذلـك مـن قسمة المواريث والمناسخات والأعداد الصم والحل والموازينما انفرد به نظائره‏.‏
وكتب على نسخـة الخرشـي التـي فـي حـوزه حواشـي وهوامـش ممـا تلقـاهولخصـه مـن التقاريـر التـي سمعهـا مـن أفـواه أشياخـه مـا لـو جـرد لكـان حاشيـةضخمـة فـي غايـة الدقـة وكذلـك باقـي كتبه وله عدة رسائل في فنون شتى وكتب حاشيةعلى شرح العقائد ومات قبل إتمامها كتب مناه نيفًا وثمانين كراسًا‏.‏
وتلقى عنه كثير من أعيان علماء العصر ولازموا المطالعة عليه مثلالعلامة الشيخ محمد الأمير والعلامـة الشيـخ محمد عرفة الدسوقي والمرحم الشيخ محمدالبناني واجتمع بالمرحوم الوالد سنة سـت وسبعيـن واستمـر مواظبـًا لنـا فـي كـليـوم وواظـب الفقيـر في إقرائي القرآن وحفظة فأحفظني مـن شـورى إلـى مريـم وينسـخللوالـد ما يريد من الكتب الصغيرة الحجم‏.‏
ولم يزل على حاله معنا فـي الحـب والمـودة وحسـن العشـرة إلـى آخـريـوم مـن عمره وحضرت عليه في مبادئ الحضور الملوي على السلم وشرح السمرقندية فيالاستعارات والفاكهي على القطر في دروس حافلة بالأزهر والسخاوي والنزهة في الحسابخاصة بالمنزل وكان مهذب الأخلاق جدًا متواضعًا لا يعرف الكبر ولا التصنع أصلًاويلبس أي شيء كـانمـن الثيـاب الناعمـة والخشنـة ويذهـب بحمـاره إلىجهة بولاقويشتري البرسيم ويحمله عليه ويركب فوقه ويحمل طبق العجين إلى الفرن على رأسـهويذهـب فـي حوائـج إخوانـه‏.‏
ولمـا بنـى محمـد بـك أبـو الذهـب مسجده تجاه الأزهر تقرر في وظيفةخزن الكتب نيابة عن محمد أفندي حافظ مضافة إلى وظيفة تدريـس مـع المشايـخ المقررينفلازم التقييد بها وينوب عنه أخوه الشيخ حسن في غيابه وكان أخوه هذا ينسخ أجـزاءالقـرآن بخـط حسـن فـي غايـة السرعة ويتحدث مع الناس وهو يكتب من حفظه ولا يغلط‏.‏
ولم يزل المترجـم يملـي ويفيـد ويبـدي ويعيـد مقبـلًا علـى شأنـهملحوظـًا بيـن أقرانـه حتـى وافـاه الحمـام فـي سابـع عشريـن جمـادى الثانيـة مـنالسنـة مطعونًا وصلي عليه بالأزهر في مشهد حافل ودفن بتربة المجاورين‏.‏
ومات الإمام الفاضل المحدث الفقيه البارع السيد محمد بن أحمد بـنمصطفـى أفضـل صفـي الدين أبو الفضل الحسيني الشهير بالبخاري ولد تقريبًا سنة 1160وقرأ على فضلاء عصره وتكمـل فـي المعقـول والمنقـول وورد إلـى اليمـن حاجـًا فـيسنـة ثلاث وسبعين فسمع بالنجائي السيد عبـد الرحمـن ابـن أحمـد باعيديـد وذاكـرمعـه فـي الفقـه والحديـث ثـم ورد زبيـد فأدرك الشيخ المسند محمـد بـن عـلاء الديـنالمزجاجي فسمع منه أشياء وكذلك من السيد سليمان بن يحيى وغيرهما ثـم حـج وزارواجتمـع بالشيـخ محمد ابن عبد الكريم السمان فأحب طريقته ولازمه ملازمة كليةوأجـازه فيهـا وورد الينبـع فجلـس فيـه مـدة وأحبـه أهلـه‏.‏
وورد مصر سنة 1182 واجتمع بعلمائهـا وذاكـر بأنصـاف وتـؤدة وكمـالمعرفة ولم يصف له الوقت فتوجه إلى الصعيد فمكث في نواحـي جرجـا مـدة وقـرأ عليـههنـاك بعـض الأفـراد فـي أشيـاء ثـم رجـع إلى مصر سنة سبع وثمانين وسافـر منهـاإلـى بيـت المقـدس فأكـرم بهـا وزار الخليـل وأحبـه أهل بلده فزوجوه‏.‏
ثم أتى إلى مصر سنـة ثمـان وثمانيـن واجتمعت حواسه في الجملة ثم ذهبإلى نابلس واجتمع بالشيخ السفاريني فسمـع عليـه أشيـاء وأجـازه وأحبه وكان المترجمقد أقتن معتقد الحنابلة فكان يلقيه لهم بأحسن تقرير مع التأييد ودفع ما يرد علىأقوالهم من الإشكالات بحسن بيان والبلد أكثر أهله حنابلة فرفعـوا شأنـه وعظـمعندهـم مقـداره‏.‏
ثـم ورد مصـر سنـة تسعيـن واجتمع بشيخنا السيد مرتضى لمعرفة سابقةبينهما وكان ذلك في مبادئ طنطة شيخنا المذكور فنوه بشأنه وكان يأتي إلى درسه بشيخونفيجلسه بجانبه ويأمر الحاضرين بالأخذ عنه ويجله ويعظمه فراج أمره بذلك فأقام بمصرسنة في وكالة بالجمالية واشتهر ذكره عند كثير من الأعيان بسبب مدح شيخنا المذكـورفيـه وحثهـم على إكرامه فهادوه بالملابس وغيرها ثم عزم على السفر إلى نابلس فهرعواإليه وزودوه بالدراهم واللوازم وأدوات السفر وشيعوه بالإكرام وسافر إلى نابلس ثمإلى دمشق وأخـذ عنـه علماؤهـا واحترمـوه واعترفـوا بفضله‏.‏
وكان إنسانًا حسنًا مجموع الفضائل رأسًا في فن الحديث يعرف فيهمعرفة جيدة لا نعلم من يدانيه في هذا العصر بعد شيخنا المذكور واسع الاطلاع علىمتعلقاته مع ما عنده من جودة الحفظ والفهم السريع وإدراك المعاني الغريبة وحسنالإيـراد للمسائـل الفقهيـة والحديثيـة‏.‏
ثـم عـاد إلـى نابلـس وسافـر بأهلـه إلى الخليل فأراد أن يسكن بهافلـم يصـف لـه الوقـت ولـم ينتظـم لـه حـال لضيـق معـاش أهـل البلد فعاد إلى نابلسفي شعبان وبها توفي سحر ليلة الأحد سابع عشرين رمضان من السنة مطعونًا بعد أن تعلليومًا وليلة ودفن بالزاركية قرب الشيخ السفاريني وتأسف عليه الناس وحزنوا عليه جدًاوانقطع الفن من تلك البلاد بموته رحمه الله وعوض في شبابه الجنة ولم يخلف إلا ابنةصغيرة وله مؤلفات في فن الحديث‏.‏
ومـات العمـدة المبجـل الفقيـه الوجيـه والحبـر اللوذعي النبيهالسيد نجم الدين بن صالح بن أحمد بن محمـد بـن صالـح بـن محمـد بـن عبـد اللـهالتمرتاشـي الغـزي الحنفـي قـدم إلى مصر في حدود الستين وحضر على مشايخ الوقت وفقتهوقرأ في المعقولات والمنقولات وتضلع ببعض العلوم ثم شغف بأسبـاب الدنيـا وتعاطـىبعـض التجـارات وسافـر إلى اسلامبول وتداخل في سلك القضاء ورجع إلـى مصـر ومعـهنيابـة قضـاء أبيـار بالمنوفية ومرسومات بنظارات أوقاف فأقام بأبيار قاضيًا بضعوعشـر سنيـن وهـو يشتري نيابتها كل دور وابتدع فيها الكشف على الأوقاف القديمةوالمساجد الخربـة التـي بالولايـة وحسـاب الواضعيـن أيديهـم علـى أزراقها وأطيانهحتى جمع من ذلك أموالًا ثم رجع إلى مصر واشترى دارًا عظيمـة بـدرب قرمـز بيـنالقصريـن واشتـرى المماليـك والعبيـد والجـواري وترونق حاله واشتهر أمره وركبالخيول المسومة وصار في عداد الوجها وكان يحمل معـه دائمـًا متـن تنويـر الأبصـاريراجـع فيه المسائل ويكتب على هامشه الوقائع والنوادر الفقهية‏.‏
ثم تولـى نيابـة القضـاء بمصـر فـي سنـة سـت وثمانيـن فـازدادتوجاهتـه وانتشـر صيتـه وابتكر في نيابته أمـورًا منهـا تحليـف الشهـود وغيـر ذلـكثـم سافـر إلـى اسلامبـول فـي سنـة اثنتيـن وتسعين وعاد‏.‏
ثم سافـر فـي سنة تسع وتسعين واجتمع هناك بحسن باشا ووشى إليه أمرمصر وسهل له أمرها وأمراءها حتى جسره على القدوم إليها وحضر صحبته إلى ثغر إسكندريةوكان بينه وبين نعمان أفندي قاضي الثغر كراهة باطنية فوشى به عند حسن باشا حتى عزلهمن وظيفة القضـاء وقلدهـا للمترجـم وكاد أن يبطش بنعمان أفندي فهرب منه إلى رشيدولم يلبث المترجم أن أصابـه الفالـج ومـات سابـع عشريـن رمضـان عـن نيـف وتسعيـنسنـة‏.‏
ونقـم عليـه بعد ذلك حسن باشـا أمورًا وعلم براءة نعمان أفندي ممانسبه إليه وأحضر نعمان أفندي وأكرمه ورد له منصبه وأجلـه وأكرمـه وصاحبـه مـدةإقامته بمصر ورجع معه إلى اسلامبول وجعله منجم باشا‏.‏
وكانت لـه يـد طولـى فـي علـم النجامـة ثـم نفـاه بعـد ذلـك إلـىأماصيـه بسبـب توسطه مع صالح أغا للأمراء المصرييـن كمـا ذكـر فـي موضعـه‏.‏
وخلـف المترجـم ابنـه صالـح جلبـي الموجـود الـآن ومملوكـه علـىأفندي الذي كان يتولى نيابات القضاء في المحلة ومنوف وغيرهما‏.‏
ومات الشيخ الصالح أحمد بن عيسى بن عبد الصمد بن أحمد بن فتيح ابنحجازب بن القطـب السيـد علـي تقـي الديـن دفيـن رأس الخليـح بـن فتـح ابـن عبـدالعزيـز بـن عيسى بن نجم خفير بحر البرلس الحسيني الخليجي الأحمدي البرهاني الشريفالشهير بأبي حامد ولد برأس الخليج وحفـظ القـرآن وبعـض المتـون ثم حبب إليه السلوكفي طريق الله تعالى فترك العلائق وانجمع عن الناس واختار السياحة مع ملازمته لزيارةالمشاهد والأولياء والحضور في موالدهم المعتادة‏.‏
وكان الأغلب في سياحته سواحل بحر البرلس ما بين رشيد ودمياط على قدمالتجريد‏.‏
ووقعـت لـه في أثناء ذلك إشارات واجتمع فيها بأكابر أهل الله تعالىوكان يحكي عنهم أمورًا غريبة من خوارق العادات وأقام مدة يطوى الصيام ويلازم القيامواجتمع في سياحتـه ببلـاد الشـرق علـى صلحـاء ذلـك العصـر ورافـق السيـد محمد ابنمجاهد في غالب حالاته فكانا كالروح في جسد وله مكارم أخلاق ينفق في موالد كل منالقطبين السيد البدوي والسيد الدسوقي أموالًا هائلة ويفرق في تلك الأيام علىالواردين على ما يحتاجون إليه من المآكل والمشارب‏.‏
وكان كلما ورد إلى مصر يزور السادة العلماء ويتلقى عنهم وهم يحبونهويعتقدون فيه منهم الشيـخ الدمياطـي وشمـس الديـن الحفنـي وغيرهمـا‏.‏
وكـان لـه شيخنـا السيـد مرتضـى مزيـد اختصـاص وألـف باسمـه رسالـةالمناشـي والصفيـن وشرح له خطبة الشيخ محمد البحيري البرهاني على تفسير سورة يونسوباسمه أيضًا كتب له تفسيرًا مستقلًا على سورة يونس على لسان القوم وصل فيه إلىقوله تعالى‏:‏ واجعلوا بيتكم قبلة وذلك في أيام سياحته معه وكمله بعد ذلـك‏.‏
وفي سنة 1199 ورد إلى مصر لأمر اقتصى فنزل في المشهد الحسيني وفرشله على الدكـة وجلس معه مدة وتمرض أشهرًا بورم في رجليه حتى كان في أول المحرم منهذه السنة زاد بـه الحـال فعـزم علـى الذهـاب إلـى فـوة‏.‏
فلمـا نـزل إلـى بولـاق وركـب السفينـة وافاه الحمام وأجاب مولـاهبسلام وذلك في يوم عاشوراء وذهب به أتباعه إلى فوة بوصية منه وغسل هناك وفدن بزاويةقرب بيته وعمل عليه مقام يزار‏.‏
ومات الشيخ الفاضل النبيه اللوذعي الذكي المفوه الناظم الناثرالشاعـر اللبيـب الشيـخ محمـد المعروف بشبانه كان من نوادر الوقـت اشتغـل بالمعقـولوحضـر علـى أشيـاخ العصـر فأنجـب وعانـى علـم العـروض ونظـم الشعـر وأجـاد القوافـيوداعـب أهـل عصـره مـن الشعراء وغيرهم واشتهر بينهم وأذعنوا لفضله إلا أن سليقته فيالهجو أجود من المدح‏.‏
ومـات الأجـل المكـرم أحمـد بـن عياد المغربي الجربي كان من أعيانأهل تونس وتولى بها الدواوين وأثرى فوقع بينه وبين اسمعيل كتخدا حمودة باشة تونسأمور أوجبت جلاءه عنها فنزل في مركب بأهله وأولاده وماله وحضر إلى إسكندرية فلماعلم به القبطان أراد القبض عليه وأخذ أمواله فشفع فيه نعمان أفندي قاضي الثغر وكانله محبة مع القبطان فأفرج عنه فأهدى بن عيـاد لنعمـان أفنـدي ألـف دينار في نظيرشفاعته كما أخبرني بذلك نعمان أفندي المذكور‏.‏
ثم حضر إلى مصر وسكن بولاق بشاطئ النيل بجوار دارنا التي كانت لناهناك وذلك في سنة اثنتين وتسعيـن ومعـه ابنـه صغيـرًا ونحـو اثنتـي عشـرة سريـة مـنالسـراري الحسـان طـوال الأجسـام وهـن لابسات ملابس الجزائر بهيئة بديعة تفتنالناسك وكذلك عدة من الغلمان المماليك كأنما أفرغ الجميـع فـي قالـب الجمـال وهمالجميع بذلك الزي‏.‏
وصحبته أيضًا صناديق كثيرة وتحائف وأمتعة فأقـام بذلـك المكـانمنجمعـًا عـن الناس لا يخرج من البيت قط ولا يخالط أحدًا من أهل البلدة ولا يعاشـرإلا بعـض أفـراد مـن أبنـاء جنسـه يأتونـه فـي النـادر فأقـام نحو ثمان سنوات وماتأكثر جواريه ومماليكه وعبيده وخرج بعده من تونس اسمعيل كتخدا أيضًا فارًا من حمودةباشا ابن علي باشا وحضر إلى مصر وحج ورجع إلى اسلامبول واتصل بحسـن باشـا ولازمـهفاستـوزره وجعله كتخدا‏.‏
فلما حضر حسن باشا إلى مصر أرسل إليه بن عياد تقدمة وهدية فقبلهاوحضـر أيضـًا فـي أثـره اسمعيـل كتخـداه المذكـور فأغـراه بـه لمـا فـي نفسـه منـهمـن سابـق العـداوة والظلـم كميـن في النفس القوة نظهره والضعف يخفيه فأرسل حسنباشا يطلب ابن عياد للحضور إليه بأمان فاعتذر وامتنع فسكت عنه أيامًا ثم أرسليستقرض منه مالًا فأبى أن يدفع شيئًا ورد الرسل أقبح رد فرجعوا وأخبروا اسمعيلكتخـدا وكـان بخـان الشرايبـي بسبـب المطلـوب مـن التجار فحنق لذلك وتحرك كامن قلبهمن العداوة السابقة وركب في الحال وذهب إلى بولاق ودخـل إلـى بيته وناداه فأجابهبأحسن الجواب وأبى أن ينزل إليه وامتنع في حريمه وقال له‏:‏ أما كفـاك أنـي تركـتلـك تونـس حتـى أتيتنـي إلـى هنـا‏.‏
وضرب عليه بنادق الرصاص فقتل من أتباعه شخصين فهجم عليه اسمعيلكتخدا وطلعوا عليه وقتلوه وقطع رأسه وأراد قتل ولده أيضًا فوقعت عليه أمه فتركوهوأخرجوا جثته خارج الزقاق فألقوها في طريق المارة وأخرجوا نساءه وخدمه واحتاطوابالبيت وختموا عليه‏.



( الجزء الأول )

انتهى











التوقيع

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
الشيخ:/ محمد بن حسين بن بيطلي بن حسين أبوعطله العامري
شيخ شمل قبيلة بني يعلا بوادي يبه

 
آخر مواضيعي

0 من الذي باع أراضي فلسطين لليهود ؟ سمسار اسرائيلي يؤرخ ويروي الأسماء !
0 محامي الجيزاوي: موكلي مغرر به وسأطعن بالإجراءات وانسحب إذا رفض طلبي
0 مقتدى الصدر الرافضي يلتقي معارضين بحرينيين في إيران
0 زيارة الملك سعود بن عبد العزيز للأردن على ظهر جواد عام 1933
0 الداخلية تكشف تورُّط الزنادي في إطلاق النار بالعوامية وتقبض عليه مصاباً

عرض البوم صور آل قطبي الحسني   رد مع اقتباس
إنشاء موضوع جديد  إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
والأخبار ( المجلد, والثالث ), الآثار في, الأول والثاني, التراجم, عجائب


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهة
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
من عجائب علاقاتنا همسة غلا المنتدى الـعـــام 5 26-05-2012 08:35 AM
قردين واحد محظوظ والثاني منحوس احمد الناشري الاستراحة 6 11-01-2012 08:38 PM
عجائب اللغه العربيه احمد الناشري المنتدى الـعـــام 9 09-01-2012 10:22 PM
فلم وثائقي الملك عبد العزيز والقوى العظمي.. الجزء الاول - والثاني آل قطبي الحسني مكتبة كنانة 8 07-11-2011 07:54 PM
من عجائب اللغة العربية همسة غلا المنتدى الـعـــام 6 25-07-2011 09:50 AM

RSS RSS 2.0 XML MAP HTML

الساعة الآن 04:14 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
Ads Organizer 3.0.3 by Analytics - Distance Education
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات قبيلة بني كنانة و جميع المواضيع والمشاركات المنشورة لا تمثل وجهة نظر إدارة الموقع إنما تمثل وجهة نظر كتابها

Security team

  منتديات قبيلة كنانة